اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/6 الساعة 12:38 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/16 هـ

انضم إلينا
من هو الشخص النرجسي؟

من هو الشخص النرجسي؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
 ذاع استعمال مصطلح الشخصية النرجسية في العقود القليلة الماضية بدرجة غير مسبوقة. لكنها غالبا ما تعكس فهما سطحيا وخاطئا لحقيقة الشخصية النرجسية. في هذا المقال توضيح لها، في مواجهة حالات أخرى مثل الشخصية السيكوباتية والشخصية ذات السمات النرجسية المرتفعة والإنسان الطبيعي المحب لذاته. 

نص المقال

 النرجسية مصطلح واسع الانتشار، لكن، كثيرا ما يساء استخدامه، لوصف أي شخص يسيء إلينا. أترغب في الحقيقة؟ قليل من النرجسية سيفيدك، بل وسيفيد من يملكون سمات نرجسية عالية الدرجة أيضا. الأمر لا يتعلق كله بالـ عُجْب. هناك بحث جديد قد يكشف عن علاقة تربطه بالاكتئاب.

في الشتاء الماضي، أخبرتني صديقة أنها تفكر في الطلاق. قالت لي "إن زوجي نرجسي؛ أنا واثقة من ذلك". ومؤخرا، تحدث أحد المعارف أثناء تناولنا وجبة غداء خفيفة عن أسرته قائلًا "عمتي شخصية نرجسية للغاية، حتى إننا نتعجب من استمرار زوجها في هذه العلاقة".

جرى استخدام مصطلح النرجسية على نطاق واسع، لا لوصف مجموعة كبيرة من الأقارب الذين يصعب التعامل معهم، وشركائنا في علاقات سابقة نندم عليها، لكنه استخدم كذلك مع مرشحين للرئاسة، وجيل الألفية بأكمله. هل النرجسية حقًا بهذا الانتشار أو آخذة في الازدياد بين عموم الناس؟

النرجسية سمة في كل شخص منا، تختلف في درجتها من شخص لآخر (بيكساباي)


يفيد إجماع متزايد بين علماء النفس بـ لا. فلطالما كانت النرجسية المرضية الحقيقية نادرة، وما تزال: إنها تظهر بنسبة تقدر بواحد بالمئة فقط من المجتمع، ولم تتعرض النسبة إلى أي تغير ملحوظ منذ شروع علماء النفس في قياسها. فمعظم (وليس كافة) النرجسيين المتوهمين اليوم، ضحايا أبرياء للمبالغة في استخدام المصطلح. إنهم أفراد طبيعيون، يتمتعون بـ"أنا" في تمام الصحة، وقد يصادَف أيضا شغفهم بالتقاط صور السيلفي والتحدث عن إنجازاتهم. بل قد يتصفون بشيء من الغرور أيضا. لكن، بينما نحن منشغلون بتشخيص حالة الأصدقاء، والأقارب، وزملاء أطفالنا في المدرسة، ربما يتجنب أصحاب النرجسية المرضية انكشاف أمرهم، لأن غالبيتنا تجهل الأشكال العديدة التي قد تتخذها هذه الحالة.

ماهية النرجسية (وما سواها)

النرجسية سمة في كل شخص منا، تختلف في درجتها من شخص لآخر. لكن مع تحولها إلى صفة منبوذة، يتوجب علينا إضافة كلمة "الصحية" لتحديد نوع النرجسية المقبولة اجتماعيًا. يقول عالم النفس كريج مالكين، المحاضر بكلية الطب في هارفارد، ومؤلف كتاب "إعادة النظر في النرجسية": "إنها القدرة على رؤية أنفسنا والآخرين عبر عدسة وردية اللون". قد يكون ذلك صحيًّا؛ لأن الشعور بشيء من التميز مفيد لنا جميعا. إنه يشحذ الثقة بالنفس، وهو ما يسمح لنا بالمجازفة، كالسعي للحصول على ترقية، أو دعوة غريب جذاب إلى موعد غرامي. لكن الشعور بالتميز الزائد قد يسبب المشاكل.

الاضطراب النفسي تشويش متغلغل على قدرة الشخص على التحكم في مشاعره، وامتلاك مفهوم مستقر للذات والهوية، والحفاظ على علاقات صحية في العمل، والصداقة، والحب. إنها مسألة ثبات


استبيان الشخصية النرجسية "إن بي آي" [NPI] هو أكثر الطرق استخداما لقياس هذه السمة. طوره روبرت رسكين وكالفين إس. هال، عام 1979. ويُطلب فيه من الشخص الاختيار بين تصريحين، لقياس مستويات التواضع، والثقة، والميل إلى القيادة، والقابلية للتلاعب بالغير. تتراوح الدرجات بين الصفر والأربعين، بمتوسط يشغل في الأعم موقعا بين الثلاث عشرة درجة والست عشرة، بحسب المجموعة الخاضعة للاختبار. وهؤلاء الذين تعتبر متوسطاتهم انحرافا معياريا فوق نتائج أقرانهم، يمكن وصفهم بالنرجسية مع تحري الإنصاف. لكن هناك مدى كبيرا للدرجات في هذا الاختبار، لا يلزم من وقوع النتيجة فيه -بالضرورة- نرجسية المشارك، بل قد يكون صاحب شخصية صحية بالأساس.

يتضمن استبيان النرجسية المرضية -وهي من اضطرابات الصحة النفسية- معايير مختلفة. يقول إدي بروميلمان، المتخصص في علم النفس التنموي، وأستاذ زمالة في جامعة ستانفورد: "إن اضطراب الشخصية النرجسية أحد الحالات المتطرفة لهذه السمة". لا يمكن تشخيص هذا الاضطراب إلا من قبل متخصص في الصحة النفسية، وتظهر الحاجة إلى الفحص عندما تؤثر السمات النرجسية على حياة المريض اليومية. ربما يكون للخلل علاقة بالهوية أو توجيه الذات، وقد يضر بالعلاقات بسبب مشاكل في التعاطف أو الحميمية. كما قد ينتج عن خصومة مرضية تتصف بالشعور بالعظمة والرغبة في جذب الانتباه.

يقول بروميلمان: "النرجسية سلسلة متصلة، يأتي الاضطراب في نهايتها". يستطيع تقييم الشخصية النرجسية قياس درجة نرجسية الشخص، لكن تشخيص حالة اضطراب الشخصية النرجسية يستلزم مزيدا من الآثار الحياتية.

يقول مالكين "الاضطراب النفسي تشويش متغلغل على قدرة الشخص على التحكم في مشاعره، وامتلاك مفهوم مستقر للذات والهوية، والحفاظ على علاقات صحية في العمل، والصداقة، والحب. إنها مسألة ثبات".

بالطبع، قد يتعرض بعض الأشخاص الذين يحققون نتيجة مرتفعة في استبيان النرجسية المرضية إلى تعاملات اجتماعية غريبة أو مرهقة، لكن بالنسبة إلى شخص يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية، حسب قول مالكين، تعمل جميع الدفاعات النفسية ضد أي تفاعل صحي".

للنرجسية عدة أوجه
"يشعر النرجسيون بالتفوق على غيرهم، لكن هذا لا يعني بالضرورة رضاهم عن أنفسهم" (مواقع التواصل)


لطالما اعتمدت الثقافة الشعبية على السمات النرجسية لرسم شخصيات مث شديدة الوضوح، بداية من دوريان جراي، حتى دون درابر. تمثل شخصية جاستون في فيلم الجميلة والوحش -الذي أنتجته ديزني- نموذجا سخيفا ومناسبا في نفس الوقت لتضخم الذات، ولعلها أكثر الصفات وضوحًا في الأفراد ذوي النرجسية العالية، والذين يعانون من اضطراب الشخصية النرجسية. يغني هذا المتبجح مفتول العضلات قائلا "أجل، أنا مخيف، فكما ترى، أملك عضلات أيدٍ ضخمة، أنا ماهر في البصق على وجه الخصوص ويغطي الشعر كل بوصة من جسدي". بالطبع قد يرى النرجسيون أنفسهم فوق الجميع. واحد بالمئة من أجل مواهبهم، ومظهرهم، ونجاحهم، أو كل ما سبق.

لكن من الخطأ الاعتقاد بأن جميع النرجسيين سيكونون بهذا الوضوح. يقول مالكين: "إن وجهت جل انتباهك إلى الصورة النمطية الشائعة، فقد تفوتك أجراس إنذار لا علاقة لها بالخيلاء أو الطمع".

على سبيل المثال، توجد إمكانية لانتماء بعض النرجسيين إلى النوع الاجتماعي الذي يكرس حياته لمساعدة الآخرين حقا. بل قد يقرون عبارات من قبيل: "أنا أكثر الأشخاص الذين رأيتهم حبًا لمساعدة الغير"، أو "سيذيع صيت الأعمال الطيبة التي أديتها". يقول مالكين: "التقى الجميع بشهداء يؤثرون غيرهم على أنفسهم، يضحون بأنفسهم إلى حد لا تحتمل معه التواجد إلى جوارهم في غرفة واحدة".

كما أن النرجسيين فيهم شديدو الانطوائية، ومرهفو المشاعر. يشعر هؤلاء بأنهم أصحاب أمزجة أكثر حساسية من غيرهم. إنهم لا يحسنون التجاوب مع نقد شديد التهذيب، ويحتاجون إلى تشجيع دائم. فقد يكون لشعورهم بالتميز أثرا سلبيا: قد يرون أنهم أقبح الأشخاص في الحفل، أو يرون أنفسهم عباقرة يُساء فهمهم في عالمٍ يرفض الاعتراف بمواهبهم.

يقول مالكين إن ما تشترك فيه جميع فئات النرجسية هو 'تعزيز الذات'. فأفكارهم، وسلوكهم، وعباراتهم تفصلهم عن الآخرين، ويسكن الشعور بالتميز آلامهم، لأنهم يعانون -إلى جانب ذلك- من مفهوم غير مستقر عن الذات. ويضيف بروميلمان: "يشعر النرجسيون بالتفوق على غيرهم، لكن هذا لا يعني بالضرورة رضاهم عن أنفسهم".

العلاقة بالاكتئاب
النرجسيون بحاجة مستمرة إلى تأكيد العالم من حولهم على عظمتهم وعندما يضطرون إلى مواجهة الواقع، قد يتجاوبون مع ذلك بالاكتئاب (بيكساباي)


ذلك الصراع هو جوهر مفهوم جديد للنرجسية، مفهوم يركز على الاكتئاب قدر تركيزه على تضخم الذات. يقول سيث روزنتال، الباحث المتخصص في برنامج يال عن محادثات تغير المناخ، الذي قدم رسالة دكتوراة عن النرجسية: "يتوهم الناس أن النرجسي إما في أفضل حالة أو أسوأ حالة. إنهم في حاجة مستمرة إلى تأكيد العالم من حولهم على عظمتهم. وعندما يضطرون إلى مواجهة الواقع، قد يتجاوبون مع ذلك بالاكتئاب".

عندما يتعرضون لإخفاق واضح، مثل فقد وظيفة أو طلاق أو حتى فساد خطة، أي شيء يخدش صورتهم عن أنفسهم المصقولة بعناية، "يصبح ذلك هجوما حقيقيا على ذواتهم. إنه شخص توقعوا كسب ثقته، فإذا به الآن يبغضهم ويرفضهم. حينئذ لا يشكل الاكتئاب أية مفاجأة"، حسب قول ستيفن هوبرك، الرئيس المنتخب للمجتمع الدولي لدراسة اضطرابات الشخصية، والأستاذ بجامعة ديترويت ميرسي.

بالطبع، حتى أصحاب الصحة النفسية السليمة يجدون صعوبة في التعامل مع التغيرات الدرامية المماثلة، ويقول هوبريتش: "لكن بالنسبة إلى النرجسيين وأصحاب الشخصيات النرجسية، تشكل الخسارة موقفا شديد الصعوبة، لما يدل عليه من وهن وضعف. إنه يدل على أنك لست محصنا ضد تحديات الحياة وتقلباتها بين السعادة والحزن".

قد يظهر النرجسي سلوكا دفاعيا أو غاضبا في مثل هذه اللحظات. يقول بروميلمان: "عندما لا يحصلون على التقدير المطلوب، يشعرون بالخزي ويتجاوبون بعدوانية". على عكس الآخرين الذين لن يتفاعلوا -غالبا- بهذا النوع من النوبات العدوانية.

وعندما تخترق خيبة الأمل غطاء تضخم الذات والاعتداد بها، وتنفذ إلى جوهر النرجسي، قد تشجعه الكآبة السوداوية أو الغضب المتقد على طلب مساعدة خارجية. والدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية -في الحقيقية- ينبه الأطباء إلى احتمالية معايشة مرضى اضطراب الشخصية النرجسية لحالات اكتئاب. إلا أنهم لا ينشدون علاجا لنرجسيتهم إلا نادرا. يقول هوبرش: "لم أسمع مرة شخصا يقول 'أعتقد أني أملك شخصية نرجسية".


لا يعني ذلك أن النرجسيين يجهلون سماتهم. ففي دراسة نشرتها مجلة علم النفس الاجتماعي والشخصي، عام 2011، تحت عنوان "أنت غالبًا تظنها ورقة تتحدث عنك"، جاء أن النرجسيين يعون جيدا نوعية شخصياتهم، إذ وصفوا أنفسهم بالغرور، وأقروا بإدراكهم أن أراء الآخرين أقل إيجابية من أرائهم عن أنفسهم. لكنهم لا يرون في ذلك مشكلة، ويستمر الجدال عما إذا كان تضخم ذواتهم يعكس إيمانًا لا يتزعزع بتفوقهم، أم يخفي شعورًا بانعدام الثقة في النفس.

على مدار سنوات من البحث، طوَّر هوبريتش وزملاؤه مفهومًا ربما تكون له علاقة بالنرجسية. أطلقوا عليه "تقدير الذات الخبيث". إنه تفسير محتمل لمجموعة من اضطرابات الشخصية المرضية الصاخبة، التي تتشابك أعراضها، بما فيها الشخصية الاكتئابية، والانهزامية، والمازوخية.

ترجح النظرية أن الشعور الراسخ بعدم الأمن فيما يتعلق بالذات، والحس بإجلال الذات المفرط في الهشاشة، قد يقود إلى أفكار وسلوكيات سيئة التكيف. النرجسيون المنفتحون على المجتمع يظهرون نوعا من الرغبة في جذب الانتباه. وبينما يبذل النرجسيون المنبسطون جهدا عظيما لجذب الانتباه، يذعن النرجسيون من ذوي المشاعر المرهفة -ببساطة- لصورة الذات المحطمة. يقول هوبريتش: "إنهم يعجزون عن الحفاظ على صورة متماسكة لماهيتهم، لذا، عندما يتعرضون للهجوم، يتجاوبون على الفور بالحزن والإحباط والاكتئاب، بدلا من الدفاع عن أنفسهم، الذي هو أول رد فعل للنرجسي متضخم الذات".

يرى هوبريش أن الأشخاص قد يطورون تقدير ذات خبيث خلال طفولتهم، في سياق علاقتهم بالآخرين. ربما كان لهؤلاء الأفراد تجارب غير مستقرة مع آبائهم، تتعلق بطريقة التعامل مع النجاح والإنجاز على وجه التحديد. ربما رفض الآباء الاعتراف بالإنجازات أو جاء تفاعلهم مثبط للهمة، مما انتزع عدسات النرجسيين الأصحاء زهرية اللون، التي كان من شأنها إعانة الطفل خلال تعرضه للتحديات الجديدة في حياته.

أهي طبيعة أم اكتساب؟

قد تلعب تجارب الطفولة دورًا رئيسا، لكن معظم الخبراء يتفقون أن السمة النرجسية المرتفعة واضطراب الشخصية النرجسية تنتج عن خليط من الطبيعة والاكتساب، يبدأ غالبا في الجينات.

تقول كالي ترزيسنيوسكي، المتخصصة في علم النفس التنموي بجامعة كاليفورنيا: "هناك سمات شخصية نأتي إلى هذا العالم بها". فالبيئة التي ينشأ فيها الفرد قد تضعف هذه السمات وقد تقويها، "وإن كان هناك أشخاص لا يبدون تفاعلا مع بيئاتهم، إنه نوع من المرونة في التعامل".

الأطفال الدراميين والعدوانيين والمحبين لجذب الانتباه هم الأكثر عرضة للتحول إلى بالغين نرجسيين (مواقع التواصل)


توصلت دراسة على توائم إلى كون النرجسية سمة وراثية بدرجة كبيرة. وقد تظهر في سن مبكرة: اكتشفت دراسة أخرى أن الأطفال الدراميين والعدوانيين والمحبين لجذب الانتباه، ممن لم يبلغوا سن الدراسة بعد، هم الأكثر عرضة للتحول إلى بالغين نرجسيين. لكن يظل بإمكان أساليب التربية المختلفة، والأثر الذي تتركه العلاقات الأخرى، والبيئة الاجتماعية والثقافية للفرد، تشجيع (أو إعاقة) تطور هذه الحالة.

للثقافة أيضا تأثير كبير: معدلات انتشار اضطراب الشخصية النرجسية على مدى الحياة، وجد أنها تبلغ في نيويورك، أربعة أضعاف قوتها مقارنة بأيوا. لكن على مستوى العالم، نجد أن الثقافات الأكثر ثراء بالتقاليد الجماعية، تميل إلى تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد. يقول دافيد لودين، أستاذ علم النفس بجامعة جورجيا جوينت، في جورجيا: "يعلمونك منذ سن صغيرة ضرورة الانتباه إلى الآخرين، ووضع احتياجاتهم فوق احتياجاتك. لا شك في تواجد النرجسيين في اليابان والصين أيضا، لكنهم لا يبرزون هناك مثلما يحدث هنا، حيث نقول: "اسمع، لا بأس في الإعلاء من شأن نفسك".

هناك فارق بين النرجسية عالية الدرجة والثقة الكبيرة بالنفس، "إن الارتباط بينهما ضعيف للغاية"، حسب قول بروميلمان، الذي درس تأثير مناهج التربية المختلفة على كل منهما. اكتشف بروميلمان وزملاؤه أن دفء الأمهات والآباء، وقضائهم الأوقات مع أطفالهم، وإظهار الاهتمام بنشاطاتهم، "يكسب الأطفال بالتدريج شعورا مبطنا بالأهلية، وذلك جوهر الثقة بالنفس، كما يقيهم الانزلاق في هاوية النرجسية". في المقابل، تشجع مبالغة الأهل في تقدير الأطفال، واتخاذهم مركزا للعالم، على نمو السمات النرجسية. فلتجنب إنتاج أفراد نرجسيين، يحسن بالآباء مخاطبة أطفالهم بعبارة: "لقد قمت بمجهود طيب"، بدلا من: "لقد كنت أحق بالفوز"، أو "لماذا لم تكوني جيدة مثلها؟".

قد يؤدي الاهتمام المبكر الصريح بالنجاح إلى تعلق غير آمن بين الوالد والطفل، إذ ينشأ الطفل على أن حب الوالد واهتمامه لا يتاح إلا عند تحقيق الطفل لتوقعاته العالية. والأطفال الذين يشعرون بأنهم لن يتمكنوا من بلوغ ذلك، يدخلون مرحلة البلوغ بـ"أنا" هشة ويتعلقون بالأفكار والسلوكيات النرجسية، لتعزيز هذه الـ"أنا".

يقول لودين، إن الآباء الذين يربون أطفالا نرجسيين، "يقدمون إلى أطفالهم عالما ليس فيه إلا المنافسة. هناك فائزون وخاسرون، وعليك أن تكون فائزا". لكن النهج الأصح هو إخبارهم بأنهم "ليسوا مضطرين إلى أن يصبحوا الأفضل، بل أفضل ما في وسعهم فقط".

جيل الألفية.. عنوان خاطئ

مهما بذل الآباء من جهد، لإبعاد أطفالهم عن نوعية منافسة "كل شيء أو لا شيء"، سيضطر أغلبهم -في النهاية الأمر- إلى المنافسة على دخول الجامعة أو الفوز بمنحة أو الحصول على وظيفة. لعل الفرص المتناقصة هي ما تنتج كل هؤلاء النرجسيين الغاضبين من الشباب.

"يكون الجميع أكثر نرجسية في الثامنة عشر والتاسعة عشر والعشرين، مقارنة بحالهم في الأربعين" (بيكساباي)


يقول لودين: "عندما تؤسس بيئات عالية التنافسية، ففي الواقع، أنت تشجع الأشخاص الأكثر شراسة. هناك تزدهر النرجسية، لأنهم على استعداد لفعل المزيد في سبيل تجاوز ما يستطيع الشخص المتوسط فعله. لكن أقمنا مجتمعا يشجع النرجسيين، في مواجهة شخص لا يثير مثل هذا السلوك حماسته".

هكذا، يهذب الشباب أوراق سيرتهم الذاتية، ويحدثون حسابهم الشخصي على موقع "لينكد إن"، ويسوقون لأنفسهم على الإنترنت، ويغمرون مواقع التواصل الاجتماعي بصور سيلفي، معدلة ومقصوصة بعناية، تعرضهم في وضعيات منتقاة بحرص. يقول لودين: "نتمتع اليوم بفرص لإظهار ميولنا النرجسية أكثر من أي وقت مضى". فلعل كثير من الشباب المتواضع، ممن التقينا بهم في مكان أو زمان آخر، يحاولون اليوم مجاراة الوضع الجديد، وقد يستحق ذلك مزيدا من التقدير.

تقول ترزيسنيوسكي: لقد تغيرت معاييرنا. إذا جئت بشخص ما من الستينيات ووضعته في مجتمعنا اليوم، فهل سيختلف مظهره؟ أرى أنه لن يبدو عليه أي تغيير". ثم تقترح ترزيسنيوسكي ما تراه سؤالا أفضل: "لماذا هناك توجه كبير نحو النظر إلى الجيل الجديد بسلبية؟" يرجع تاريخ هذه النزعة إلى زمن سقراط، حسب قولها، "فالخوف يصيب الأجيال الأكبر سنا عندما ترى الأجيال الأصغر تفعل أشياء لا يستوعبها الكبار بدرجة كافية".

إن السؤال عن صحة الرأي القائل بانتشار النرجسية -سواء السمة أو الاضطراب- موضوع جدل عنيف في المجتمع البحثي. على سبيل المثال، بينما ارتفعت نسبة اضطراب الشخصية النرجسية عبر الأجيال، لم ينتج ذلك ما قد نتوقعه عند وقوع تحول ثقافي كبير كهذا حقا. كما يختلف الخبراء حول عدالة المقارنة بين الأجيال المختلفة: أكان الجيل الأعظم سيشتهر بالكتمان، لو أن تغريدات تويتر كانت متاحة لجنوده في أرض المعركة، في أوروبا أو المحيط الهادئ؟

دائما ما يكون الناس أكثر نرجسية في فترة الشباب، هذا أمر واضح. تقول ترزيسنيوسكي: "يكون الجميع أكثر نرجسية في الثامنة عشر والتاسعة عشر والعشرين، مقارنة بحالهم في الأربعين".

إنه توجه تنموي منطقي: فالأفراد أكثر تحررا من المسؤوليات في سنوات البلوغ الأولى بدرجة كبيرة، سواء المسؤولية تجاه عائلاتهم الأصلية، أو عائلاتهم المستقبلية. تقول إيميلي بيانتشي، الأستاذ المساعد في التنظيم والإدارة بجامعة إيموري: "إنها مرحلة استيعاب للذات، تحاول فيها اكتشاف نفسك، شخصيا ومهنيا". يظهر بحثها أن الأجيال التي تعرضت إلى المصاعب، مثل الركود الاقتصادي، تصبح أقل نرجسية من أولئك الذين يواجهون قدرا أقل من التحديات الضخمة. يبدو أن عمليات الركود الاقتصادي تجعل الشباب الذين يشهدونها أكثر تواضعا".

قد يعني ذلك أن جيل الألفية، الذي ما يزال يكافح لتحقيق ذاته في اقتصاد يتعافى ببطء، قد يغدو في النهاية أقل نرجسية مما تشير إليه إحصائيات ما قبل 2008.


على مسرح العالم
يجهر النرجسيون باستغنائهم عن الجميع ويقرون بتفضيل زيجة مثالية على علاقة حب حقيقية (بيكسيلز)


يمنحنا التاريخ أمثلة كثيرة على أفراد يُعتبرون مصابين باضطراب الشخصية النرجسية. يقول روزنتال: "إن عقدة نابليون -ببساطة- هي كونه نرجسيًا. وإذا شاهدت مقطع فيديو لموسوليني، فستجد أن له لغة جسد مهيمنة ومعتدة بالذات، إنه تجسد واضح لما قد نعتبره نرجسية".

تستطيع الثقة الواضحة بالنفس إيصال النرجسي إلى كرسي السلطة. يقول روزنتال: "إذا كنت متحدثا بارعا، وانجذب الناس إليك، فقد تدفعك الـ"أنا" إلى السعي وراء مزيد من ذلك".
يمنحنا التاريخ أمثلة كثيرة على أفراد يُعتبرون مصابين باضطراب الشخصية النرجسية. يقول روزنتال: "إن عقدة نابليون -ببساطة- هي كونه نرجسيًا. وإذا شاهدت مقطع فيديو لموسوليني، فستجد أن له لغة جسد مهيمنة ومعتدة بالذات، إنه تجسد واضح لما قد نعتبره نرجسية".

في البداية، قد يبدو الأشخاص مرتفعو النرجسية، وذوو اضطراب الشخصية النرجسية، فاتنين للغاية، يجذبون الأصدقاء، والعشاق، والناخبين، بسهولة. لكن بمرور الوقت، يصبح التركيز على الذات لديهم لا يُطاق.

يميل أصحاب المكانة المرتفعة على مقياس النرجسية إلى إزعاج الأصدقاء والأحباء، بين الحين والآخر. أما أصحاب اضطراب الشخصية النرجسية فيدفعونهم إلى الفرار، مما يكلفهم الوظائف، والأصدقاء، والأزواج. يقول روزنتال: "يكتشف الناس أنها ليست علاقة عظيمة".

رغم ذلك، يوصف كثير من ذوي درجات النرجسية الطبيعية خطئا بالنرجسيين، عند وقوع مشادة مع شخص ما. يقول مالكين: "متى ينشب خلاف كبير بين حبيبين، يصبحون أكثر تمركزا حول ذواتهم. يحولنا الغضب جميعا إلى نرجسيين". وعندما نشعر بالألم أو الغضب، نميل إلى التركيز على احتياجاتنا النفسية ونفشل في إظهار التعاطف مع الآخرين، وكلاهما سلوك نرجسي كلاسيكي. فعقب خلاف بين والد وطفله المراهق، أو حزازة بين زوجين، قد يستعمل مصطلح النرجسية، حتى إن كان توصيفا لا علاقة له بالموضوع مطلقا.

أظهرت إحصائية شملت أكثر من ثلاثة آلاف شخص، أن التعاطف مع النفس يقود إلى مزيد من الشعور المستقر بقيمة الذات، في مقابل حب الذات، الذي تربطه بالسمات النرجسية علاقة أقوى

ربما يصف أحد الحبيبين شريكة بالنرجسية لسبب آخر، يتعلق بالطريقة التي اجتمعا بها في المقام الأول. إذ يجذب النرجسي -غالبا- ما يطلق عليه مالكين الـ"فوضوي"، وهو شخص يعاني من نقص مستويات تعزيز الذات الطبيعية. "إنهم أشخاص يخشون التحول إلى عبء، فينتهي بهم الأمر إلى علاقة مع أفراد هم نقيضهم، ويعلقون في هذه العلاقة".

من العلامات المنذرة باحتمال كون شريكك المستقبلي نرجسيًا: زعمه "التميز في كل شيء، عدا العلاقات"، حسب قول مالكين. قد يجهر النرجسيون باستغنائهم عن الجميع. وسيقرون بتفضيل زيجة مثالية، على علاقة حب حقيقية. كما أنهم يعجزون عن القيام بالإصلاحات الأساسية التي تتطلبها جميع العلاقات.

علامات على التعاطف؟

إن جانب ضعف القدرة على التعاطف، من اضطراب الشخصية النرجسية، قد يربك غير المدربين على تشخيصه. فالغياب التام للتعاطف من علامات الشخصية السيكوباتية، أما أصحاب المستويات العالية من النرجسية، أو ذوو اضطراب الشخصية النرجسية، فيظهرون لمحات خاطفة من التعاطف. يقول هوبريتش: "إن ذوي المستويات المرتفعة من النرجسية يملكون القابلية والقدرة على التعاطف"، لكن في النهاية، تأتي احتياجاتهم الشخصية في المقام الأول. "كثيرا ما يكون التعاطف سطحيًا وقصير العمر. سينتبهون إلى معاناة الآخر، لكن ذلك سينسى سريعا، كي تتسنى لهم العودة إلى الاهتمام بأنفسهم".

خلال العلاقة، ربما يتمكن النرجسيون من إظهار التعاطف، إلى حين وقوع أمر مزعج، فينتقلون تلقائيا إلى تخفيف آلامهم، عن طريق إحباط شريكهم. يقول مالكين: "حتى الشريك يمكن التضحية به، لو أن ذلك سيشعرهم بالتفوق".

إذا كانت الذات الهشة هي الدعامة الحقيقية للنرجسية، فالتعاطف مع النفس هو أحد طرق تقويتها. أظهرت إحصائية شملت أكثر من ثلاثة آلاف شخص، أن التعاطف مع النفس يقود إلى مزيد من الشعور المستقر بقيمة الذات، في مقابل حب الذات، الذي تربطه بالسمات النرجسية علاقة أقوى. يقول مالكين إن مجموعة من الأبحاث الجديدة تدعي "قدرتك على تحرير التعاطف المقيد لدى النرجسيين عن طريق دفعهم باستمرار إلى الاهتمام بالعلاقات، والمجتمع، والتواصل مع الآخرين. الأمر منطقي، فالنرجسية غير الصحية طريقة للتأقلم مع الشعور بعدم الأمان. ومع نمو الشعور بالأمان، تقل النرجسية".

لعل هذه أبرز المعلومات السريعة المرجو خيرها من الأبحاث الأخيرة عن النرجسية. يقول مالكين: "لقد اعتدنا النظر إليه باعتباره أمرا لا يمكن تغييره".

تاريخ ثقافي موجز للنرجسية

في فقرة "عشيقات الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، الطبعة الخامسة المنقحة"، وهي مشهد هزلي في أحدث مواسم المسلسل الكوميدي الأميركي "داخل إيمي شومر"، تجتمع بعض النساء للحديث عن علاقاتهن العاطفية الأخيرة، التي حظت بنهاية سيئة، وتقوم كل واحدة منهن بتشخيص حالة حبيبها السابق، مستعينة باضطرابات مرضية تتزايد حدتها، ثم تهاجم المرأة التي تخالفها الرأي حول نزاهة رأيها. لم يكن التناطح بالاضطرابات النفسية تصرفا رائجا من قبل، مثلما هو اليوم. لكن الوضع لم يكن هكذا دوما.

كتاب "ثقافة النرجسية" للمؤرخ الثقافي كريستوفر لاش (مواقع التواصل)


في يوم ما، كانت النرجسية مصطلحا يُستخدم في الأبحاث الأكاديمية والتشخيص الطبي، في الأعم. ثم جاء عام 1979، وفيه طوَّر الباحثون استبيان الشخصية النرجسية، ونشر المؤرخ الثقافي كريستوفر لاش "ثقافة النرجسية"، لينتشر المصطلح ويشيع استخدامه. يقول مالكين: "في المرحلة الابتدائية، كنا نتحدث عن نرجسيتنا بحرية". وفي عام 2006، مع نشر كتاب "الجيل أنا" للكاتبة جين توينجي، ازدادت الفكرة شيوعا في جميع أنحاء البلاد، ولعلها تفشت بين جيل الألفية على وجه الخصوص، لتستقر في الوعي العام.

الآن، يفضح بعض الباحثين مزاعم النرجسية الجماهيرية، معبرين عن قلقهم من إساءة استعمال مصطلح قصد منه الدلالة على اضطراب مرضي، عقب كل انفصال بين حبيبين، أو نزاع عائلي، أو صورة سيلفي.

يقول سيث روزنتال، الباحث في علم النفس: "ربما نستخدم المصطلح بإفراط، إذا ما جنح أحدهم إلى الاستعراض أو تقلد منصبا له مسؤولياته". قد يملك هؤلاء وأمثالهم سمات شخصية تحمل شبها بالنرجسية، لكن "لوصف أحدهم بالنرجسية حقا، لا بد من تواجد دوافع وسلوكيات معينة أخرى".

وأكثر ما يشغل أذهان بعض الخبراء الآن، هو الخوف من الرفض الثقافي لتصرف طبيعي يعكس الثقة بالنفس أو تقدير الذات. يقول ديفيد لادين: "تقدير الذات أمر صحي. لكن النرجسية شيء مختلف تمامًا".

==============================

مترجمٌ عن: (سايكولوجي توداي)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار