اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/16 الساعة 18:12 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/27 هـ

انضم إلينا
نضال الحركة الطلابية.. عندما هزت الجامعة عرش مصر!

نضال الحركة الطلابية.. عندما هزت الجامعة عرش مصر!

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

في ساحة كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية وقف رئيس اتحاد الطلاب على أدراج أكبر مبنى في الساحة تحتشد الغيوم فوقه وأمامه حشد من الطلبة الذين قرروا الاعتصام بالكلية إلى أن تلبي الحكومة مطالبهم، وقف يتلو بيان الاعتصام قائلا بصوت تملأ أصداؤه ساحة الكلية الفسيحة: "ويجب أن يعلم كل حر فيكم أن الحرية تُؤخذ ولا تُعطى، وأنها تُغتصب ولا تُمنح، وبما أننا ليس لدينا القوة لفرض مطالبنا فقد وجدنا أن السبيل الوحيد إلى أن يسمع صوتنا الشعب ويجبر السلطة الحاكمة على احترام الحريات واحترامكم أنتم بالذات، إن طريقنا الوحيد إلى تحقيق أهدافنا هو المقاومة السلبية في صورة اعتصام كامل قد يدوم مدة من الوقت"(1).

 
في تلك الأثناء وتحديدا في عام 1968 كانت الحركة الطلابية تخوض معركتها الأولى مع النظام الجديد بعد استقلال مصر، وحينما كان لا يقدر أحد على أن يُعارض النظام أو يقول رأيه بحرية، وحين كانت معتقلات عبد الناصر وزنازينه تمتلئ بخصومه السياسيين ليذيقهم أشد أنواع التعذيب، كانت مظاهرات الطلبة هي الصوت الأول الذي يخرج من الشارع ضد "صنم الزعيم المعبود"(2).

 
وفي حين أراد الطلبة وطنا بكل ما تعنيه تلك الكلمة من خيالات وتصورات سواء حقيقية أو ساذجة فقد ورّطوا الشعب المصري كله بل ربما الشعوب العربية في صراع مرير مع السلطة من أجل الحرية ونيل الكرامة، حتى إنه أصبح من غير الممكن الحديث عن المقاومة والنضال في البلاد العربية دون ذكر الطلبة والشباب وما فعلوه في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حين اهتز عرش حكام مصر فعرف الطلبة بعدها أن بإمكانهم أن يقلبوا الموازين ويحققوا حلما.
  

 

رجعوا التلامذة

يحكي الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح(i) في مذكّراته عن سنوات عقد الستينيات وكيف استقبل الشعب المصري أنباء الهزيمة الساحقة في عام 1967 من العدو الصهيوني فيقول: "ذقنا مع الهزيمة -ربما لأول مرة- مشاعر الذل والانكسار، انكسار الحلم والثورة، وأصاب الناس زلزال شديد، ليس بسبب الهزيمة وإنما بسبب مشاعر العزة والقوة التي كانوا يعيشونها، وبسبب حالتي النشوة والطموح الكبير اللذين أوجدهما جمال عبد الناصر ومشروعه الثوري"(3).

 
وبرغم تلك الصدمة التي عاشها الشعب المصري جراء الهزيمة(4) لم يكن أحد وقتها يستطيع أن يتعرض للنظام بنقد أو اعتراض "فقد كان الرئيس جمال عبد الناصر يحكم مصر في تلك الفترة بالحديد والنار" يحكي أبو الفتوح "حتى إنه لما وقعت الكارثة وهزمنا في 5 (يونيو/حزيران) لم يستطع أحد أن ينتقد ما حصل من هزيمة وما سبقها من خداع وتضليل"(4).

 
لكن في السنة التالية لنكسة 67 سيحدث شيء مفاجئ، حيث ستتلقى حكومة عبد الناصر في (فبراير/شباط) عام 1968 كلها موجة من الانتقاد والاستهزاء، بل سترتفع أصوات النقد لتطال الرئيس عبد الناصر نفسه وسياسته كلها، أما في (نوفمبر/تشرين الثاني) 1968 سيوجّه محافظ الإسكندرية إنذارا للطلبة المعتصمين بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية بأن الكلية سيتم إخلاؤها بالقوة بالاستعانة بالقوات المسلحة(5). فكيف حدث هذا التحول المفاجئ؟!

 

ميلاد جديد للحركة الطلابية

"رجعوا التلامذة

يا عم حمزة للجد تاني
يا مصر إنتي اللي باقية
وانتي
قطف الأماني
لا كورة نفعت
ولا أونطة
ولا المناقشة وجدل بيزنطة
ولا الصحافة والصحفجية
شاغلين شبابنا
عن القضيـــة
قيمولنا صهبة يا صهبجية
ودوقونا طعم الأغاني"

(أحمد فؤاد نجم)

 

ورث نظام (يوليو/تموز) الذي قام بعد أن حسم الجيش الوضع السياسي المصري المضطرب بإنهائه كليا واقعا سياسيا يمتلئ بالأحزاب والحركة، خاصة في صفوف الطلبة والعمّال، فكان شعار دولة (يوليو/تموز) الجديدة هي تدخل الجيش لإنهاء الحياة السياسية الفاسدة، ومن ثم إنهاء السياسة كليا(6)، ولأن عبد الناصر ونظامه كانوا يدركون مدى خطورة وفاعلية الحركة الطلابية وقدرتها على تفجير الشارع متى أرادت(7) فقد أرسى النظام الناصري قواعده على "إجراءات سياسية شملت تصفية الحركة الطلابية"(7).

   

 
وفي خضم صراع السلطة الجديدة ضد خصومها لجأت إلى إحكام السيطرة على كل هيئات المجتمع الحية، وعلى رأسها العمّال والطلبة، فمدّت نفوذها إلى النقابات العمّالية(8)، واتجهت إلى ساحة الطلبة فروّجت بينهم أن النضال الداخلي سينتهي بمجرد القضاء على قوى الرجعية(9).

 
فتحوّل اتحاد الطلبة إلى نادٍ ترفيهي أكثر من كونه تنظيما سياسيا يمثّل الطلبة، "وأُلغيت انتخابات اتحاد الطلبة فأصبحت بالتعيين بين سنوات 1953-1959، ومُورست على الاتحادات الطلابية شتى أنواع الوصاية والإفساد، فمن التدخل في الترشيح في الكليات، واعتراض جهة المباحث خارج الجامعة على المرشحين، إلى اللوائح المعيقة للحركة، فوصاية الرائد، فتمزيق جسد الاتحاد وتحويله إلى لجان أو جزر منفصلة تحيله في النهاية إلى جمعية خيرية تمارس النشاط الترفيهي"(9).

 
ويعلّق الدكتور أحمد عبد الله قائلا: "فسيطرة النظام السياسي على الكتلة الطلابية لم تستند فقط على القمع والمناورة، وإنما اعتمدت أيضا على الإنجازات الاجتماعية والسياسية الواسعة التي حققها النظام. فقد رحّب الطلبة شأنهم شأن العديد من المصريين بالإنجازات الاجتماعية للثورة وتجاوبوا مع الحماس والشعور بالعزة الوطنية، وتجاوبوا مع ما وفرته الحكومة من فرص أوسع للتعليم وضمانها تشغيل الخرجين"(9).

 
بل إن الحكومة قد بالغت أحيانا في مساندة بعض الشباب حيث قال "مالكوم كير": "فئة المثقفين الشباب إجمالا هي أكثر المتحمسين المؤيدين للنظام.. إنهم هم الذين يشكّلون البروليتاريا التي تمّثلها ديكتاتورية ناصر"(9)وبرغم ذلك اتجه النظام الناصري منذ عام 1965 إلى الاهتمام بالطلبة من الناحية السياسية من خلال "منظمة الشباب الاشتراكي" التي "جنّدت -برغم تخوفات عبد الناصر- 65% من عضويتها من الطلبة، كما أناطت اللائحة بالاتحادات الطلابية مهمة تبنّي وترويج الأفكار القومية العربية والاشتراكية".

 

وهكذا أمّم النظام الجديد الحركة الطلابية تأميما تاما(10)، واعتبرها قوة المستقبل التي ينبغي الرهان عليها، "ووجد الطلاب في الثورة وزعيمها الكاريزمي تحقيقا لآمال الأجيال في الإنجاز الوطني والقومي، واستمر هذا التمازج العميق حتى صحا الجميع على زلزال 5 (يونيو/حزيران) 1967 الذي كان إيذانا بشرخ عميق في العلاقة بين الطرفين"(10).
 

انتفاضة (فبراير/شباط) 1968


 
في يوم 21 (فبراير/شباط) عام 1968، وهو اليوم الذي يوافق يوم الطالب المصري، الذي يحتفل به الطلبة سنويا في ذكرى الخميس الدامي الشهير عام 1946، تحولت الاحتفالات بذلك اليوم إلى سلسلة من حلقات النقاش السياسي، "حيث حاول المسؤولون في الجامعة والحكومة الرد على تساؤلات الطلبة حول الوضع السياسي" خاصة بعد إعلان حكم المحكمة العسكرية في قضية ضباط سلاح الطيران المتهمين بالإهمال، والذين كان الرأي العام يرى أنهم مسؤولون عن جانب كبير من هزيمة 67(11).

 
وفي ذلك اليوم نفسه، وبعد إعلان حكم المحكمة العسكرية، خرج عمّال حلوان من عمّال المصانع الحربية، وكذلك زملاؤهم من عمّال الصناعات الأخرى في مظاهرات حاشدة(11)، حيث اعتبروا أن الأحكام مخففة للغاية، "فكان رد فعلهم هو الخروج إلى الشوارع حيث أصيب عشرات منهم في صدامات مع الشرطة أمام قسم شرطة حلوان"(12).

 
وفي الأيام التالية، وبعد وصول تلك الأنباء إلى الطلبة بالجامعات، والذين كانوا منفعلين من الأصل داخل نقاشات حادة، خرج الطلبة من بوابات الجامعة، ولأول مرة منذ عام 1954 كان وجودهم في القاهرة والإسكندرية ملموسا، بل علت أصواتهم لتنتقد النظام، بل وصلت إلى مطالبة عبد الناصر بتنحية أخيه الليثي عبد الناصر من رئاسة الاتحاد الاشتراكي بالإسكندرية(12)، وفيما ظل الطلبة في القاهرة والإسكندرية على تلك الحالة من الاحتشاد، انفجر الشارع المصري بتظاهرات يتزعمها العمّال والطلاب.

 
وحاول المسؤولون في النظام احتواء ذلك الغضب الطلابي والشعور العام بالصدمة، لكن يحكي أحمد بهاء شعبان أن تلك الانتفاضة خرجت من رحم "انهيار المُثل، وخيبات الأمل، واكتشاف حجم المأساة، والإحساس العميق بوطأة الاحتلال، ومن مهانة الوضع القائم في مواجهة الرايات الصهيونية المختالة التي كانت ترفرف فوق التراب الوطني"(13).

 

جمال عبد الناصر (يسار) وأنور السادات (يمين)  (مواقع التواصل)

 
وظلّت تلك التظاهرات في الشارع المصري إلى يوم 27 (فبراير/شباط)، حيث نتج عن انتفاضة القاهرة وحدها "مصرع اثنين من العمّال، وإصابة 77 من المواطنين، و146 من رجال الشرطة، وأُلقي القبض على 635 شخصا بالإضافة إلى تدمير بعض المركبات والمباني في العاصمة". حيث شارك في تلك الانتفاضة الآلاف من طلبة الجامعات الكبرى في القاهرة والإسكندرية(14). وبرز دور طلبة كلية الهندسة بجامعة القاهرة، "حيث كانوا في قلب الأحداث في واقعتين لهما أهميتهما الخاصة، وقعت الأولى في 24 (فبراير/شباط) عندما شكّلت مجموعة من طلبة الهندسة الكتلة الأساسية من وفد تشكّل من الطلبة المتظاهرين أمام مجلس الأمة والذين سُمح لهم بالدخول لتقديم مطالبهم لرئيس المجلس أنور السادات"(14).


لكن كلمة الشرف التي أعطاها رئيس المجلس للوفد الطلابي بعدم المساس بهم لم تكن كلمة شرف، حيث تم اعتقالهم من منازلهم في نفس الليلة(15)، فكانت الواقعة الثانية لطلبة الهندسة، ففي اليوم التالي عقد الطلبة الذين استشاط غضبهم بسبب القبض على زملائهم اجتماعا موسعا وقرروا تنظيم اعتصام في كلية الهندسة(15)كانت الدعوة لاعتصام كلية الهندسة هو ذروة انتفاضة (فبراير/شباط) 1968، حيث توقفت الدراسة بالجامعة وجاء نص بيان الدعوة إلى الاعتصام يقول: "ويجب أن يعلم كل حر فيكم أن الحرية تُؤخذ ولا تُعطى، وأنها تُغتصب ولا تُمنح، وبما أننا ليس لدينا القوة لفرض مطالبنا فقد وجدنا أن السبيل الوحيد إلى أن يسمع صوتنا الشعب ويجبر السلطة الحاكمة على احترام الحريات هو المقاومة السلبية في صورة اعتصام كامل"(16).


لكن ذلك الاعتصام الذي استخدمت الشرطة كل السبل الممكنة لإنهائه، بداية من الصدام وحتى استخدام أولياء الأمور في الضغط على أبنائهم المعتصمين(17)، انتهى بعد ثلاثة أيام وانتهت معه انتفاضة (فبراير/شباط) بعد أن وصل الدكتور إبراهيم جعفر إلى تسوية مع الطلاب، وهي أن يتقدم الطلاب بمطالبهم إلى رئيس مجلس الأمة حيث تم نقلهم من الكلية إلى المجلس في رتل من سيارات الأجرة. وانتهت انتفاضة (فبراير/شباط) كلها بانعقاد الاجتماع المقترح الذي تحول إلى مناظرة حامية بين الطلبة من جانب وبين وزراء ومسؤولي الدولة وأعضاء البرلمان من جانب آخر، الأمر الذي دعا وائل عثمان أن يذكر في كتابه "أسرار الحركة الطلابية" قائلا: "ولا أذكر أن مجموعة من الوزراء قد استهزئ بها مثلما حدث في تلك الجلسة"(18).

 
 

 
 
حشد في المعبد الناصري
يحكي الدكتور أحمد عبد الله أن مطالب انتفاضة (فبراير/شباط) أبعد من أن تنحصر في مسألة "الأحكام العسكرية على ضباط الطيران "، حيث غطت مطالب الطلاب في شعاراتهم وبياناتهم ومناقشاتهم مع المسؤولين الحكوميين دائرة أوسع كثيرا من القضايا العامة، فجاءت مطالب اعتصام كلية الهندسة بجامعة القاهرة:

- الإفراج فورا عن جميع زملائنا المعتقلين.

- حرية الرأي والصحافة.

- مجلس حر يمارس الحياة النيابية السليمة.

- إبعاد المخابرات والمباحث عن الجامعات.

- التحقيق الجدي في حادث العمّال بحلوان.
 

فيما جاءت توصيات المؤتمر الطلابي الذي عُقد بكلية الصيدلة جامعة الإسكندرية لتعبّر عن مطالب أكثر جرأة:

- تحديد مَن هم المسؤولون الحقيقيون عن كارثة الطيران.

- بناء تنظيم سياسي فعّال وإعادة النظر في تنظيمات الشباب.

- معاقبة المسؤولين عن أحداث حلوان.

- إطلاق حرية الصحافة.

- تنحية الليثي عبد الناصر ii)).

- وقف تدخل المباحث في حرية الجماهير

 
ويعلق الدكتور فؤاد زكريا قائلا: "كانت حركة الطلاب في 1968 تلخيصا للسخط الجارف الذي اجتاح البلاد بعد هزيمة 1967. على أن الروح العامة التي كانت وراء هذا التحرك الطلابي كانت تعبّر عن ما هو أكثر من السخط على الهزيمة، إذ كانت في الواقع تعبيرا عن عدم الرضا عن أسلوب كامل في الحكم تُعدّ الهزيمة العسكرية مظهرا واحدا منه".

 
بينما ذهب شريف يونس إلى أن انتفاضة (فبراير/شباط) كانت ترفع شعارات الأيدولوجية الناصرية في مواجهة النظام الناصري ومن مكان مستقل نسبيا، أي إن انتفاضة (فبراير/شباط) لم تكن تريد هدم النظام الناصري أو معاداته جذريا بل تذكيره بشعارات الناصرية، فيقول: "الهزيمة لم تكن مجرد مناسبة كشفت العجز الكلي للنظام، فالنقد السري للنظام كان مستمرا قبل الهزيمة، وإنما كانت أساسا فجوة في المجال الأيديولوجي الحيوي للدولة أتاحت رفع الشعارات الناصرية فى مواجهة الدولة الناصرية ذاتها من موقع مستقل نسبيا. وإذا أضيف إلى ذلك أن الهزيمة كانت بالدرجة الأولى هزيمة للجيش، عمود النظام، ومؤسسته المدللة، وأن المجتمع المتعلم كله كان يحقد على الإنتليجنسيا العسكرية (الضباط) ويتحدث عن امتيازاتهم ومناصبهم المدنية التي يحتلونها دون وجه حق أو كفاءة.. أدركنا الفجوة التي استغلتها الطبقة المتعلمة (الإنتليجنسيا) للتوغل لقلب النظام".
 

 
جولة أخيرة مع النظام الناصري
استجاب النظام لمطالب الطلبة التي قدموها خلال انتفاضة (فبراير/شباط)، فعلى المستوى القومي، اضطر عبد الناصر لأن يُصدر أمرا بإعادة محاكمة الضباط المتهمين بالإهمال، وتشكيل وزارة جديدة أغلبها من المدنيين ومعظمهم من أساتذة الجامعات وذلك لأول مرة في عهده(19) أما داخل الجامعات، فمهّدت الانتفاضة الطريق لإزالة عدد من القيود التي أعاقت بشدة مجالات النشاط في الحركة الطلابية، فرغم بقاء الحرس الجامعي فإنه لم يعد يتدخل مباشرة في النشاط السياسي للطلاب(19).


وفي تلك الأثناء كان نظام عبد الناصر قد اكتسب قدرا أكبر من الفهم لما يمكن أن يسببه إحياء الحركة الطلابية عقب النكسة العسكرية من تهديد محتمل لاستقرار نظام حكمه(20)، وسعى النظام لتجنيد القيادات الطلابية في التنظيم السري التابع للاتحاد الاشتراكي وهو "طليعة الاشتراكيين"، وبرغم أن الطلبة قد اكتسبوا ثقة بالنفس بعد انتفاضة (فبراير/شباط)، وهدوئهم لانتظار الإصلاح السياسي المرتقب الذي أعلن عنه عبد الناصر في برنامج (مارس/آذار)(20)، فإن ذلك الهدوء انتهى فجأة وبشكل غير متوقع باندلاع موجة من الاضطرابات الطلابية في (نوفمبر/تشرين الثاني) 1968.


كانت تلك الموجة من الحراك أعنف وأشرس من السابقة، والأغرب أنها بدأت خارج العاصمة وخارج الإسكندرية، حيث بدأت في مدينة المنصورة "حين خرج طلاب المدارس الثانوية بالمدينة إلى الشوارع في 20 (نوفمبر/تشرين الثاني) احتجاجا على القانون الجديد للتعليم الذي يسمح لطلاب الثانوية بدخول الامتحانات لأي عدد من المرات، كما رفع القانون درجة النجاح الصغرى في عدد من المواد بالمرحلة الثانوية"(20).


وطبقا لهذا القانون صار على الطلاب الحصول على عدد معين من الدرجات كحد أدنى في المواد الدراسية حتى يحققوا النسبة العامة للنجاح في امتحاناتهم. وسرعان ما انضم إليهم طلاب المدارس الأخرى بالمدينة، وانتهى أول أيام المظاهرات بالمنصورة بتجمع طلابي في مدرسة حكومية، "وفي هذا التجمع أكّد محافظ الدقهلية للطلاب أن قانون التعليم لن يطبّق بأثر رجعي وأنه ستتم بعض التيسيرات للطلاب الذين كانوا مقيدين بالمدارس وقت إعلان القانون"(20)
 
 


 
لكن في اليوم التالي -21 (نوفمبر/تشرين الثاني) 1968- واصل الطلاب التظاهر وبدأ المظاهرات هذه المرة طلبة المعهد الديني الأزهري البالغ عددهم ألفين من الطلاب(20)، والذين -حسب الدكتور أحمد عبدالله- لم يكن ينطبق القانون عليهم لكنهم خشوا أن يتأثروا به. 
واتجه المتظاهرون إلى مديرية الأمن حيث سيصبحون وجها لوجه أمام قوة الشرطة المتمركزة داخلها، وانطلق الرصاص ليحصد أرواح ثلاثة من الطلبة وروح فلّاح، بينما جُرح اثنان وثلاثون متظاهرا وتسعة من ضباط الشرطة وأربعة عشر من عساكر الصف(20).

 
وبات الأمر كأنه معركة خاصة بين الطلاب والنظام، فعندما انتقلت أنباء المنصورة الدامية إلى الإسكندرية التي تضم عددا من الطلاب من أبناء الدقهلية، نظّم اتحاد طلاب كلية الهندسة باليوم التالي مسيرة احتجاج سلمية وخرجت شارات ضد وزير الداخلية حينئذ شعراوي جمعة(20)خرجت المظاهرات فورا إلى شوارع الإسكندرية، يتقدّمها عاطف الشاطر رئيس اتحاد طلاب كلية الهندسة مرفوعا على الأكتاف يرفع علم الكلية، حتى اصطدمت المسيرة بقوات الشرطة أمام كلية الزراعة حيث أصيب ثلاثة وخمسون من رجال الشرطة وثلاثون من الطلاب(20).

 
وفي أثناء حالة الاحتقان والتوتر التي سادت جامعة الإسكندرية قرر محافظ الإسكندرية أن يواجه الطلاب بنفسه وأن يقنعهم بعدم تصعيد التوتر، لكن فور وصوله إلى كلية الهندسة قام الطلبة بمحاصرته واحتجازه في حجرة الحرس التي كانت تحت سيطرة الطلاب والذين قطعوا أسلاك التليفون، "ولم يُسمح للمحافظ بالخروج في آخر الأمر إلا بعد أن أطلقت الحكومة سراح الطلبة الذين تم القبض عليهم خلال المسيرة الطلابية"(20).

 
وتطور الأمر حين وصلت المفاوضات بين المحافظ والطلبة إلى طريق مسدود، فاعتصم الطلبة بكلية الهندسة، "وعزز الطلاب المشاركون في الاعتصام موقفهم بأن استولوا على ماكينة طباعة الرونيو الخاصة بالكلية، وبدأوا في كتابة سلسلة من البيانات وُزّعت جميعها على نطاق واسع في المدينة والتي طالبت باستقالة وزير الداخلية، ومحاكمة المسؤولين عن أحداث المنصورة، والإفراج عن الطلبة المعتقلين، ورفع الرقابة عن الصحف، وإقرار سيادة القانون، وتطوير الجامعات، وأعلنوا كلية الهندسة مقرا دائما للاعتصام، وشكّلوا لجنة "الرصد والاستطلاع" ولجنة "متابعة المطالب"، وأُسندت مسؤولية اللجنة الأخيرة إلى الدكتور عصمت زين الدين رئيس قسم الفيزياء النووية والذي كان يؤيد الطلاب في مطالبهم"(20)
  

مواجهات طلاب جامعة الإسكندرية وأهالي المدينة مع الأمن أثناء تظاهرهم (مواقع التواصل)

 

وفي يوم الاثنين 25 (نوفمبر/تشرين الأول) أثمرت البيانات التي كان يوزعها طلبة اعتصام كلية الهندسة فتوحّدت جهود الطلبة وفئات الشعب خاصة العمّال، فحدث إضراب بالإسكندرية، "كما شهدت المدينة مظاهرات على نطاق لم تعهده من قبل، انتهت بصدام دامٍ مع الشرطة"، حيث لم يكن الطلاب وحدهم هذه المرة بل كان بجانبهم فئات أخرى من سكان مدينة الإسكندرية خاصة من العمال والموظفين، فجاءت نتائج هذا اليوم "مقتل ستة عشر شخصا منهم 3 من الطلاب و12 من الأهالي وتلميذ عمره 12 عاما، بينما أُبلغ عن وصول 167 مصابا من الأهالي إلى المستشفيات وأُلقي القبض على 462 شخصا وأصيب 247 من رجال الشرطة"(20).

 
أما الطلاب الذين كانوا لا يزالون داخل كلية الهندسة، والذين قوبل طلبهم بحضور مسؤول كبير لزيارتهم بالرفض، فقد أنهوا اعتصامهم في ذلك اليوم رغم ما حققه من إعادة توحّد بين الطلبة وفئات الشعب، لكن الدكتور أحمد عبد الله يحكي أن أسباب إنهاء الاعتصام كانت تتعلق أكثر بـ "نقص طعام الإفطار في أيام رمضان، وانقطاع التيار الكهربائي بسبب الأمطار الغزيرة، والضغط الذي مارسه أولياء الأمور، وكذلك انسحاب رئيس الاتحاد من الاعتصام ورفضه إمداد المعتصمين بالطعام، والإنذار الذي وجّهه المحافظ للطلاب بأن كلية الهندسة سيتم إخلاؤها بالقوة"(20).

 
وحسب رواية أحمد كامل قال المحافظ: "خرجت من الجامعة بانطباع أن تجربة الحوار لن تحقق النتائج المنتظرة، فاتصلت بسامي شرف وقلت له: أبلغ الرئيس أنني أطلب تدخّل القوات المسلحة لإنهاء الاعتصام.. بعد دقائق كلّمني الفريق محمد فوزي وقال: لقد وضعت قائد المنطقة الشمالية العسكرية تحت قيادتك.. قلت بعدها لقائد المنطقة الشمالية العسكرية أن يصدر أوامره لقيادة الطيران في المنطقة ليتم إرسال عدد من الطائرات الهليكوبتر فوق مواقع اعتصام الطلبة.. كما طلبت منه وضع بعض قوات الجيش لتمر بدباباتها وأسلحتها في استعراض للقوة من أمام كلية الهندسة.. ورنّ جرس تليفون مكتبي.. كان المتحدث أحد قادة الاعتصام قال: لقد قررنا إنهاء الاعتصام"(21).

 

ما بعد (نوفمبر/تشرين الثاني) 1968

وبذلك انتهت انتفاضة الطلبة في (نوفمبر/تشرين الثاني) 1968 والتي هددت نظام حكم عبد الناصر بشكل مباشر وأشعلت الجدل حولها داخل وخارج الحكومة، فخرجت منابرها بموجة حادة تهاجم حراك الطلبة وعنفهم، بل إن عبد الناصر نفسه قد انتابه الهلع من احتمال سقوط نظام حكمه فخرج يقول: "أعداء الوطن كانوا منذ شهور يعلّقون آمالا كبيرة على اضطرابات يقوم بها الطلبة"، واقتطف عبد الناصر بعض ما كُتب في صحيفة "الأوبزرفر" اللندنية يوم أول (ديسمبر/كانون الأول) 1968 حول اهتزاز نظام حكمه فقال: "من الخطر أن نسمح بأي تخلخل في الجبهة الداخلية"(22).


 
ثم في موضع آخر وتعليقا على استخدام الداخلية للعنف واحتمالية استخدام القوات المسلحة لفض الاعتصام قال: "ما فيش بلد في الدنيا فيها المظاهرات مباحة. اللي بيطلع بمظاهرة بياخد تصريح واللي يخرج عن خط سير المظاهرة في إنجلترا بيتقبض عليه"(22).

 
بعد تلك الأحداث وُجّهت عدة اتهامات إلى الطلبة ونشاط اتحاد الطلاب، فكان اتحاد الطلبة هو أول ضحايا انتفاضة (نوفمبر/تشرين الثاني)، حيث تم إخضاعه لرقابة صارمة، فيما كتب هيكل ملاحظة شديدة الأهمية حين قال: "كان الخطأ الأكبر للتنظيم السياسي أنه حاول أن يجعل من الشباب أداة سياسية ولم يحاول أن يجعل منه قوة سياسية، وبعد مظاهرات (فبراير/شباط) الماضي فإن أسلوب التعامل معه انتقل من النقيض للنقيض وبدا كأن النظام لا يوجّه الشباب وإنما يسترضيه".


من تلك الملاحظة التي كتبها هيكل نبعت عدة أسئلة تتعلق بالحراك الطلابي في ستينيات القرن المنصرم، طرح تلك الأسئلة الدكتور أحمد عبد الله رزة في كتابه "الطلبة والسياسة في مصر" وهي: لماذا حاول نظام عبد الناصر استرضاء الشباب في (فبراير/شباط) بينما أراد سحقهم في (نوفمبر/تشرين الثاني)؟ ثم لماذا نشب حراك (نوفمبر/تشرين الثاني) الذي كان يدور حول مسألة تعليمية يُعدّ النظام محقا فيها حيث تهدف لإصلاح النظام التعليمي، ثم من أين جاءت كل تلك الجرأة لطلبة الجامعات في (فبراير/شباط) و(نوفمبر/تشرين الثاني) في وقت كان المعتقلون السياسيون يُسحقون في زنازين عبد الناصر ويتعرّضون لتعذيب لم يروه من قبل في المعتقلات؟

 
وأثناء انبعاث تلك الأسئلة في أذهان المتابعين والمحللين سبق الواقع الأفكار، وسبقت الشعارات والهتافات ورقات المفكرين، وعلى مشارف السبعينيات كانت الجامعة المصرية، بتقاليدها النضالية العريقة، تستعيد سيرتها الأولى، وتنفتح على أصداء ترنّ في أسماع صفوف طويلة متتابعة ترفع الرايات وتهتف ملء الحناجر "الاستقلال التام أو الموت الزؤام"، "نموت نموت ويحيا الوطن، نموت نموت وتحيا مصر"، ففي مستهل العقد التالي في سبعينيات القرن المنصرم ستنفجر الحركة الطلابية وستصل إلى ذروة سنامها عام 77 حين اهتزت مصر كلها تحت أقدام الطلبة.

____________________________________________________

 

الهوامش

(i) عبد المنعم أبو الفتوح عبد الهادي وشهرته عبد المنعم أبو الفتوح (15 (أكتوبر/تشرين الأول) 1951) المرشح لانتخابات رئاسة الجمهورية 2012، والأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، ومدير عام المستشفيات بالجمعية الطبية الإسلامية، وكان أحد القيادات الطلابية في السبعينيات وعضوا سابقا بمكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين في مصر حتي شهر (مارس/آذار) 2011.

(ii) شقيق عبد الناصر وكان مسؤول الاتحاد الاشتراكي بالإسكندرية.

المصادر

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار