اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/21 الساعة 18:53 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/3 هـ

انضم إلينا
انتفاضة الطلبة.. زمن الخيبات الجميل

انتفاضة الطلبة.. زمن الخيبات الجميل

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

بينما تراجع يوسف "وجلس على السور الحجري القصير للنيل وراح يتفرج على الميدان، بعد أن سمع طلقات البنادق وانفجارات القنابل المسيلة للدموع، ورأى الدخان الذي يسد مداخل المدينة، ولكنه لم يستطع أن يحدد مكان العساكر جيدا، حتى التقطت عيناه بعض الالتماعات التي تتكسر في الجانب الآخر من الميدان. في البداية كان يظنها حراب البنادق، وعندما اقترب من حافة الشاطئ لاحظ أنها صادرة عن أغطية الوجه الشفافة المثبتة بخوذهم". في تلك الأثناء "ضم الشيخ حسني سترته على صدره وتقدم، ثم توقف وسط الطريق الموحل ودار بنصفه الأعلى ورفع رأسه المائل غير الثابت، وتشمم الهواء وتبين الرائحة الحادة، سمع بعدها دبيب أقدام بعيدة، وراح يتقدم حتى توقف مرة أخرى، لقد ازدادت الرائحة الغريبة وحرقت أنفه، وارتفع صوت الأقدام التي تجري على الأرض الموحلة حتى اقتربت من خلفه وأوشكت أن تدفعه أمامها".

 
وبينما كان الشيخ حسني يقف مذهولا في وسط الميدان، جلس يوسف النجار -بطل رواية مالك الحزين- تحدثه نفسه بذكريات ذهابه إلى ميدان طلعت حرب، حينما رأى حينها حلقات الناس، فيقول "حول الطالب والطالبة والحلقة الكبيرة حيث وقف والرجل الأبيض بشعره البني القصير وهو يجادل الطالب أمام الناس بصوت هادئ حول ظروف البلد والاحتلال، بينما عيناه مفتوحتان عن آخرهما تحدقان في عيني الطالب وقد اشتعلتا بكل ألوان الوعيد والتحذير"، وحدّث يوسف نفسه قائلا: "أنت لا تنسى هذه النظرة أبدا، ويمكنك أن تتعرف الآن على رأس صاحبها ولو اختبأ منك بين جبال من الرؤوس المقطوعة".
 

كان حينها الشيخ حسني -البطل الآخر الكفيف لرواية "مالك الحزين"- "يجري ناحية الميدان حتى تبين وقع أقدام أخرى ثقيلة تضرب بقوة على أسفلت الميدان وتأتي لتقابله وانفجرت إلى جواره وقفز في مكانه وانهالت من حوله الأحجار وسقطت الأشجار وداخ الشيخ حسني ودارت به الأرض فوقع على ظهره وطارت العصا من يده وفقد اتجاه الطريق"(1)كانت المعركة في بدايتها، والميدان الذي امتلأ بدخان القنابل وغبار حركة الأقدام اللاهثة ووابل الرصاص والحجارة قد تهيأ للاشتعال، لكن "يوسف" كان لا يزال غارقًا في ذكرياته عندما "جلسوا عند الفجر على حشائش الدائرة المنحدرة وقد تماسكت أيديهم ولم يتحركوا، عندما اقتربت عساكر الحكومة وضربوهم بالعصا الطويلة وسحبوهم من أيديهم وأرجلهم وارتفعت صرخات البنات على الأسفلت، وألقوا بهم في العربات وانصرفوا".

 


  
وعندما هدأت المعركة قليلا قرر "يوسف" أن يدخل الميدان ويتفحصه، كأنه يريد أن يختبر ذكرياته من جديد، محاولا أن يشعل شرارة الحماسة في قلبه مرة أخرى لعل نيرانها تحرق ما تراكم عليه من يأس وحزن ولا مبالاة، ولعله أراد أن يلتقط ذكرى أخرى بمعاينة نوعية قنابل الدخان في الميدان، فانتظر يوسف "عندما انفجرت واحدة إلى جوار الرصيف حتى فرغ دخانها الكريه الأبيض وقام واقفا والتقطها".

 
وعندما تفحصها وجدها "أسطوانة من الكارتون لها قاعدة معدنية خفيفة، سوداء والكتابة الإنجليزية عليها باللون الأصفر (أف ال100 -فييرال لابوريتوريز يو أس إيه 1976) وقال يوسف: غريبة! ورأى المظاهرة الكبيرة القادمة من شارع السودان من ناحية مصانع الشوربجي، والعساكر يخرجون من الممرات الموجودة بين بلوكات إسكان ناصر الشعبي ويطلقون الرصاص والقنابل ثم يتراجعون مرة أخرى ويختفون، ورأى آلاف الأحجار وهي تتدافع من مداخل المدينة نحو العساكر الآخرين وتردهم عبر الميدان، ومع الضربة الأولى لم يشعر بالألم إلا أنه عندما انبثقت شرارة الضوء تركت في عينيه أثرا من النار"(1).

  

"لم يحاول يوسف النجار أن يرى جرحه، كان قماش البنطلون مقطوعًا وغارقًا في الدم والوحل، وبدت له ركبته وقد تهشمت وكبر حجمها، ولكنك جئت إلى هنا على قدميك، هكذا قال. وتمنى أن يكتب كل شيء، يكتب كتابًا عن النهر والأولاد الغاضبين وهم يأخذون بثأرهم من فاترينات العرض وأشجار الطريق وإعلانات البضائع والأفلام، لكنه لم يفعل".

  

 

لكن قبل أن يخوض بطلا رواية "مالك الحزين" الشيخ حسني الضرير ويوسف النجار الشاب المحبط تلك المعركة في نهاية عقد السبعينيات من القرن المنصرم، والتي ستُعرف بعد ذلك بـ "ثورة الخبز" التي كادت أن تُطيح بحكم الرئيس أنور السادات(2)، كان عقد السبعينيات بالقرن الماضي قد افتُتح بانتفاضة طلابية كبرى في ربوع جامعات مصر، بل امتدت لتحتل ميدان التحرير، وهو الاعتصام الذي قامت الشرطة بفضّه، والذي اعتبره السادات عام 1977 "بروفة" الثورة(3)، والمارد المخيف الذي ظل الطلبة يحاولون إخراجه منذ عام 1972، والذي تم فيه لثاني مرة -بعد انتفاضة (نوفمبر/تشرين الثاني) 1968- استخدام قوات الأمن المركزي لفض مظاهرات شعبية بطريقة عنيفة، فما الذي حدث عام 1972 عندما كانت مصر كلها تستعد لخوض حرب التحرير الكبرى ضد الكيان الصهيوني، بينما كانت الجامعات تشتعل غضبًا على الرئيس "بطل الحرب والسلام"؟!
 

ما قبل حرب التحرير

يحكي الدكتور أحمد عبد الله رزة أن أنور السادات بعد أن تولى الحكم بعد وفاة عبد الناصر في (سبتمبر/أيلول) 1970، وبعد أن تخلص من منافسيه على السلطة في (مايو/أيار) 1971، "جعل من الحرية السياسية شعارا لما وعد به من تصحيح للنظام السياسي، كما التزم أيضا بأن يجعل من عام 1971 "عام الحسم" لتحرير الأراضي المحتلة، وهو التزام خلق مناخا من التوقع لدى كافة قطاعات الشعب". وفي تلك الأثناء -وكما يحكي رزة- كانت الحركة السياسية النامية منذ عام 1968 قد بدأت تترسّخ أقدامها. فكان الطلاب يصدرون العديد من مجلات الحائط، كما كانوا يشكّلون جماعات وأسرا طلابية متعددة، ويعقدون الكثير من المؤتمرات والندوات(3).
 

وبرغم أن هذا النشاط الطلابي كان يدور حول مجالات متنوعة وقضايا متعددة منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي فإن التركيز الأساسي لذلك النشاط كان ينصب على قضيتين ومطلبين أساسين(3) هما: "تحرير الأراضي المحتلة والديمقراطية". فكانت "القضية الوطنية" التي تفجر وعيها مع مظاهرات الطلبة عام 1968 بعد هزيمة الجيش المصري عام 1967 واهتزاز صورة نظام عبد الناصر أمام أتباعه، وبرغم أنها لم تكن معادية للنظام بشكل جذري(4) كانت تتحول إلى ثغرة تمّثل ثقبا في جدار دولة (يوليو/تموز) التي أنشأها العسكر بعد زوال الاحتلال الإنجليزي عن مصر.

  
 
وكان هذا الثقب يتسع ويضم مناصرين وأجيال جديدة للقضية الوطنية يحاولون الاتصال مرة أخرى مع ماضي النضال الوطني في مرحلة الاستعمار الإنجليزي، محاولين تكرار ما حدث في ثورة 1919(4)، بل زاد الأمر فتحوّل إلى شرخ كبير بين الوعي الشبابي الصاعد وبين الدولة ونظامها الحاكم. وزاد من تلك التصدّعات انفتاح القضية الوطنية ووعي مناصريها على تجارب حركات التحرر الوطني في ذلك الوقت، "حيث كانت جماعة أنصار الثورة الفلسطينية هي أبرز الجماعات السياسية، وقد أنشأتها في كلية الهندسة بجامعة القاهرة مجموعة من القيادات الطلابية التي سبق لبعضها زيارة المخيمات والمعسكرات الفلسطينية بالأردن"(5).

  
فيحكي أحمد بهاء شعبان أن الطلائع الجديدة من الحركة الطلابية في الجامعات المصرية في بداية السبعينيات راحت تبحث عن بدائل لثقافة وفكر الطبقة الحاكمة المهزومة، حيث كان سؤال الهزيمة ينخر داخل العقول الشابة التي لم تكتف بأجوبة السلطة، "فراحت تعب عبا من روافد التاريخ وثوراته وكفاح الأمم وتجاربها، في محاولة مستميتة للبحث عن ركائز لإعادة الثقة لنفس مهزومة ومجروحة، أملا في تخطي المحنة والنهوض من الكبوة وتحقيق الانتصار"(6).

 
ويعلق الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عن تلك الفترة فيقول: "بعد انهيار الحلم الناصري في نفوس الجماهير حلّت حالة من عدم اليقين أو الثقة في كل ما له صلة بالنظام، وبدأنا نفكر في أن كل مَن كان ضد جمال عبد الناصر كان على صواب وعلى حق"(7)بل تزايدت تلك الشروخ والتصدعات على مدار عقد حتى أدت إلى انفجار الشارع المصري عام 1977 في انتفاضة كادت أن تُطيح بحكم السادات نفسه. فيضيف أحمد بهاء شعبان: "وفي ظروف بالغة الصعوبة، ألقت بظلالها الكئيبة على وقائع تلك الأيام، امتدت على مدار عقد كامل من السنين، كانت الرحلة المضنية لهذه الطلائع بهدف البحث عن يقين جديد يعوّض الفراغ الشاغر بعد انكشاف إفلاس فكر الطبقة الحاكمة، واتضاح عجزها عن حماية التراب الوطني، وتحقيق مطالب الشعب"(8).

  
ويذهب شعبان إلى أن فصول تلك الرحلة تتابعت في ظل ثلاثة مصادر للتأثير:

لمصدر الأول: انطلاق الثورة الفلسطينية التي مثّلت الرد الموضوعي على وضعية الهزيمة، فالشعب المقاتل بالسلاح في أيدي الجماهير، بالصدام الفدائي الحقيقي، بالإمكانات المتاحة، هو الطريق الذي لا طريق غيره.

المصدر الثاني: الصمود الفيتنامي ضد الإمبريالية الأميركية، فها هو شعب فقير، فلاحي، مسالم، يُفرض عليه أن يواجه أعتى الدول الاستعمارية في التاريخ، فلا يتراجع ولا ينحني ولا يهرب من أعباء المواجهة، ونحن أيضا يمكننا أن نفعل.

أما المصدر الثالث: فقد كان المثل "الجيفاري" النبيل، النموذج الأسطوري الذي انبهر به شباب جيلنا، وكان مثالًا للتضحية بالذات ولهجر كافة ملذّات الحياة، واستجابة لنداء الثورة في مواجهة ثوريي المكاتب، المناضلين بالاسم فقط، والمتاجرين بالنظريات والمبادئ"(8).

  
 
لكن هل كانت هذه الأسباب كافيةً لتحريك جموع من الطلاب، والنشطاء، والمثقفين، والعمّال، ليشكّلوا رئة صناعية تحاول أن تستنشق هواء الحرية من جسد متعب وروحه تصعد إلى السماء؟!

شرارة الانتفاضة

كل ما تهل البشاير

من يناير كل عام

يدخل النور الزنازن

يطرد الخوف

والظلام

يا نسيم السجن ميل

ع التعب وارمي السلام

زهر النوار

وعشش في الزنازين الحمام

(أحمد فؤاد نجم)

  

كان النشاط الطلابي منذ بداية عقد السبعينيات من القرن المنصرم في تصاعد مستمر(9) حيث يقول الدكتور كمال أبو المجد: "بدأ النشاط الطلابي المتمرد أو الثائر يأخذ صيغة عمل واحدة وهي ما تُسمى بالمؤتمر الطلابي، وهو صيغة عمل حركية خاصة وليس مجرد مؤتمر طلابي، وكان تصعيد حرارة المؤتمر تتم بمواصلة الطَرْق على موضع واحد في جو من الإثارة والمبالغة والطرح للقضية من زاوية واحدة حتى تستقر داخل المؤتمر رؤية واحدة تتحول إلى اقتناع عقلي وحماس عاطفي"(9).

 
وبرغم ذلك كان التصعيد الفعلي الأول للحراك الطلابي ليس بخصوص قضية سياسية -وإن كانت كل القضايا متداخلة مع السياسة بشكل ما- لكن بخصوص قضية تخص الطلبة أنفسهم، فيحكي الدكتور أحمد عبد الله رزة: "ويعتبر اعتصام كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة في أوائل العام الدراسي 1971/1972 بشأن موضوع بدل العدوى في مرتبات الأطباء البيطريين أحد المؤشرات المبكرة على تنامي نزعة التحرك الجماعي لدى الطلاب". لكن الأمر لم يكن مجرد موضوع طبي أو فئوي، حيث يضيف رزة: "وقبل ذلك بعام جرت محاولة قام بها بعض المرشحين اليساريين في انتخابات اتحاد الطلاب جامعة القاهرة لتسييس الصراع على مقاعد الاتحاد الذي لم يكن سياسيا في العادة، الأمر الذي يُعدّ مؤشرا أكثر تبكيرا على نمو الاهتمام الطلابي بالشؤون السياسية في تلك الفترة".

  

 
ولم تكن تلك هي المحاولة الأولى، فإبان المعركة الانتخابية الأسبق طالب هؤلاء المرشحون بإلغاء الحرس الجامعي، "ذلك المطلب الذي اختار السادات أن يستجيب له، وهو ما ساعد على قيام انتفاضة طلابية كبرى في العام الدراسي الذي تلا إلغاء الحرس الجامعي"(9)
 

أغنية الكعكة الحجرية لانتفاضة مهزومة

دقت الساعة القاسية

كان مذياعُ مقهى يُذيع أحاديثه البالية

عن دعاة الشغب

وهم يستديرون

يشتعلون -على الكعكعةِ الحجريةِ- حول النُّصُب

شمعدان غَضَب

يَتَوَهَّجُ في الليل

والصوتُ يكتسح العتمة الباقية

يتغنى لليلة ميلاد مصر الجديدة!

(الشاعر أمل دنقل "أغنية الكعكة الحجرية")

داخل الميدان الذي سيطر على ذاكرة "يوسف النجار" في رواية "مالك الحزين" وعلى مخيلة "ندى" في رواية "فرج" و"علي" في رواية "انكسار الروح"، ذلك الميدان الذي سينفجر به أكبر حراك ثوري في القرن الحادي والعشرين "ثورة 25 يناير" والذي سيظل حلما حلو المذاق على ريق آلاف وربما ملايين ممن شاركوا أو شهدوا تلك الأحداث. في ذلك اليوم كان الطلبة الشباب ومعهم مجموعات من مختلف أطياف الشعب يقفون متحلقين حول نصب الميدان، متشابكي الأيدي يهتفون بالحرية واستقلال مصر -كما وصفهم الشاعر أمل دنقل في قصيدته "أغنية الكعكة الحجرية "- حتى وصلت قوات الأمن المركزي فضّت اعتصامهم بالقوة. 

  

 
قبل ذلك بأيام، بالتحديد في يوم الخميس 13 (يناير/كانون الثاني) 1972، وجّه أنور السادات خطابا للأمة، برر فيه تقاعسه عن تنفيذ وعده بأن يكون عام 1971 هو عام الحسم ضد العدوان الصهيوني بأن "ضباب  الحرب الباكستانية الهندية قد أعاق تنفيذ هذا الوعد"(10)، وادّعى السادات أن العالم لم يكن فيه متسع لاندلاع حربين كبيرتين في آن واحد، وأن الحليف السوفيتي لمصر تشغله الحرب الهندية الباكستانية إلى الحد الذي لا يستطيع فيه تقديم مساعدة كافية(11).

  
وجاء رد الطلبة على ذلك الخطاب سريعا وغاضبا، ففي يوم السبت 15 (يناير/كانون الثاني) كان الرد الطلابي فوريا وحاسما، "فغمرت جامعات مصر آلاف المنشورات وصحف الحائط التي تندد بهذا العذر الواهي، وتهيب بالشعب التداعي لوضع حد للعبث بمصير الوطن"(12)، ووفقا لما ذكره مراسل صحيفة "الجارديان" البريطانية: "لا ريب أن بعض أطفاله لم يصدقوا خطابه، فخطاب "الضباب" ربما يهدأ، أو يربك، أو حتى يُقنع السذج، ولكن بالنسبة لشباب البلاد الغيور من الطلاب والعناصر السياسية كان الأمر استفزازا لهم".

 
ويحكي أحمد بهاء شعبان: "كانت البداية بمبادرة من جماعة "أنصار الثورة الفلسطينية" وغيرها من التنظيمات الطلابية، بكلية الهندسة جامعة القاهرة، التي دعت إلى مؤتمر عُقد يوم الاثنين 17/1/1972 نادى فيه الطلاب بتسليح الجماهير للقيام بدورها في مواجهة العدوان الصهيوني، ورفضوا تمييع القضية في متاهة لحل الاستسلامي، وأدانوا سياسة "اللاسلم واللاحرب" ودعاتها". أما في يوم الأربعاء 19/1/1972 فقد أعلن الطلاب عقد مؤتمر موسع حضره ممثّل عن النظام وهو الدكتور أحمد كمال أبو المجد -أمين الشباب في الاتحاد الاشتراكي حينئذ- "والذي اضطرته حدة التساؤلات المطروحة أمامه ووضوحها إلى الاعتراف بأنه لا يملك إجابة، ولا يستطيع ردا، مصرحا بتصريحه الشهير الذي اعتصم على إثره الطلاب"(12)
 


 
ففي مواجهة سيل الأسئلة الصعبة والجريئة التي ألقاها الطلاب في وجهه يومئذ "أجاب أنه لا يملك ردا وقال: فما أنا إلا بوسطجي يحمل تساؤلات الطلاب للرئيس السادات ويعود برده عليها"(12)، وفي تلك اللحظة تصاعد غضب الطلاب فوصل إلى ذروته وطالبوه بالرحيل، بل جاء صوت الطالبة الناشطة سهام صبري لتعلن الاعتصام داخل الجامعة حتى يأتي "من يملك الرد على الأسئلة"(12).

 
وتطور اعتصام كلية الهندسة بالدعوة إلى الاعتصام العام الذي امتدت آثاره وسرت في أنحاء جامعات مصر"سريان النار في الهشيم"(12)، وانتقل الاعتصام من كلية الهندسة إلى القاعة الكبرى، قاعة "جمال عبد الناصر" بالحرم الجامعي، وانتُخبت اللجان الوطنية بالكليات وكوّنوا ما سموه بـ "اللجنة الوطنية العليا لطلاب مصر" استلهاما من "اللجنة الوطنية للعمّال والطلاب" التي تألفت في الأربعينيات من القرن الماضي(12).

 

وفي ساعة متأخرة من نفس الليلة وضعت اللجنة الوطنية العليا للطلاب مسودة بيان يلخص مطالب الطلبة ويناشد الرئيس بالاستجابة لدعوة الطلاب وحضور المؤتمر، "وإلا فإن الطلاب سوف ينظمون اعتصاما داخل الجامعة حتى تستجيب"(13)وبعد أن فشل الطلاب في حث الرئيس على مقابلتهم وافقوا على حل وسط لتسوية الموقف اقترحه وزير الداخلية حينئذ ممدوح سالم، وهو دعوة وفد طلابي كبير للذهاب إلى مجلس الشعب لتقديم مطالبهم وإنهاء الاعتصام، وتم تنفيذ الاقتراح والاتفاق على نشر الوثيقة في صحف اليوم التالي(14)، لكن بعد مغادرة الوفد الطلابي علموا أنه لن يتم نشر أي شيء و"أن السادات سوف يعقد اجتماعًا مع ممثلي القوى الشعبية ومن بينهم الطلاب لمناقشة الأمر في غضون يومين تقريبا"(14)

 

من اليمين: أنور السادات - سيد مرعي - ممدوح سالم (مواقع التواصل)

 
واستشاط الطلبة غضبا وهتفوا ضد مجلس الشعب، واستمر الاعتصام، لكن بعد ذلك بساعات، في فجر 24 (يناير/كانون الثاني)، قامت قوات الأمن المركزي بمداهمة الجامعة والقبض على الطلاب، ويعلق الدكتور أحمد عبد الله رزة قائلا: "وبهذا فإن قرار اقتحام حرم الجامعة، الذي لم يتخذه وزير الداخلية "المستبد" في عام 1968، وتباهى بتحاشي اتخاذه، أقدم عليه خلفه الذي من المفترض أنه أكثر ليبرالية في عام 1972"(14).

 

دقت الساعة الخامسة

ظهر الجند دائرة من دروع وخوذات حرب

ها هم الآن يقتربون رويدا.. رويدا..

يجيئون من كل صوب

والمغنون -في الكعكة الحجرية- ينقبضون

وينفرجون

كنبضة قلب!

يشعلون الخناجر،

 

غير أن ذلك لم يُوقف استمرار "الإضرابات وحركات الاحتجاج العنيف، التي نزلت إلى الشارع المصري بصورة لم يسبق لها مثيل، تطالب بالإفراج عن الطلبة المسجونين"(15)، فتوجهت المظاهرات وكوّنت اعتصاما آخر في المساء حول قاعدة التمثال وسط ميدان التحرير، حيث "جذب المنظر الفريد سكان القاهرة الذين حاولوا مساعدة الطلاب بكل ما في استطاعتهم، بدءا من تقديم الطعام لهم إلى مدّهم بالأغطية والبطاطين في تلك الليلة الباردة من شهر (يناير/كانون الثاني)، وفي ساعة متأخرة من الليل وجّه قائد قوات الأمن المركزي أمرا بتفريق الطلاب الذين كانوا ينشدون الأناشيد الوطنية، وتم تفريقهم بالقوة فجرا بعد رفضهم التفرق"(16).

يستدفئون من البرد والظلمة القارسة

يرفعون الأناشيد في أوجه الحرس المقترب

يشبكون أيديهم الغَضَّة البائسة

لتصير سياجا يصد الرصاص!

الرصاص..

الرصاص..

وآه...

يغنون، "نحن فداؤك يا مِصْرُ"

"نحن فداؤ..."

وتسقط حنجرة مخرسة

معها يسقط اسمُكِ يا مصرُ - في الأرضِ

لا يتبقى سوى الجسد المتهشم والصرخات

على الساحة الدامسة

دقت الساعة الخامسة

 

لكن الطلبة الذين فرقتهم قنابل الشرطة ورصاصها المطاطي عادوا ليجتمعوا ثانية في مجموعات أصغر تطوف بالمنطقة التجارية وسط القاهرة، وهم يهتفون "إصحي يا مصر"، واستمرت المظاهرات حتى الظهر، بينما كان الرئيس السادات يعقد اجتماعًا على مرمى حجر منها(16)، لكنّ أحدا لم يستيقظ فانتهت انتفاضة الطلبة عام 1972.
 

 

موجة أخرى من الانتفاضة الطلابية

أتسأل مصر ما حمل العميد

وهل عند الرماة لها من جديد

هو السهم الذي عرفته يوما

وجرب وقعه الشعب الوئيد

جاءت مطالب انتفاضة (يناير/كانون الثاني) 1972 لتشمل جميع قضايا الوطن، حيث كان الطلبة حينها هم الصوت العالي للقضية الوطنية والوعي السياسي بكل ما تحمله تلك الكلمات من معنى، وحسب الدكتور أحمد عبد الله رزة وأحمد بهاء شعبان تركزت مطالب الطلبة على ثلاث قضايا رئيسة هي:
 

- إنهاء حالة اللاسلم واللاحرب واتخاذ أمر نهائي بالحرب وتحرير الأراضي المصرية المحتلة من قبل العدو الصهيوني.

- قضية الديمقراطية والنظام السياسي في مصر، كذلك حرية الصحافة.

- وكانت ثالث القضايا هي البنية الاجتماعية الاقتصادية للبلاد، حيث طالب الطلبة بضرورة قيام ما سموه "اقتصاد حرب"، وكانت أكثر المطالب راديكالية في تلك القضية هو المطالبة بألا يتجاوز الحد الأعلى للأجور في البلاد عشرة أمثال الحد الأدنى، مع رفض سياسة ربط الاقتصاد المصري بالمصالح الإمبريالية عبر مناطق التجارة الحرة، وطالبوا بالإفراج عن العمّال المعتقلين وإعادة الاعتبار للجان النقابية العمّالية التي تعرضت للتشهير من قِبل الحكومة نتيجة إضراب العمّال عام 1971(16).
  

 أحمد عبد الله رزة (مواقع التواصل)

 
ويُعلّق رزة قائلا: "هكذا أصبحت الحركة الطلابية التي جاءت عام 1968 كمجرد رد فعل على الهزيمة حركة سياسية تتحرك بالوكالة عن طبقات اجتماعية أخرى، وتدفع هذه الطبقات إلى أن تشكّل بدورها حركتها الخاصة... كما أنها فرضت على النظام الحاكم إدراك الخطر السياسي الذي يجلبه التسويف في مواجهة القضايا الملتهبة". 
لكن في (يناير/كانون الثاني) التالي من عام 1973 جاء في جريدة الأهرام في عدد 3 (يناير/كانون الثاني) خبر يقول: "بعض الإذاعات الأجنبية والصحف العميلة استغلت ما قامت به فئة ضئيلة من الطلبة محاولة اتخاذها مادة لخدمة أهداف العدو". كان هذا التعليق يُمثّل لغة الصحافة حينئذ في تناولها للأحداث الأخيرة من صيف عام 1972(16).

 
حيث قرر السادات مع مجلس الأمن القومي إلقاء القبض على زعماء الحركة الطلابية، "حيث دعا في خطابه يوم 29 (ديسمبر/كانون الأول) إلى "ممارسة الديمقراطية بلا خوف" وحذّر في نفس الوقت أنه لن يسمح "من الليلة" أن يضلل شباب البلاد بواسطة "اليمين المتطرف أو اليسار المغامر" فكانت كلمة "لن أسمح" هي الإشارة لوزير الداخلية لتنفيذ عمليات القبض على القيادات فجرا"(16).

 

أنا شفت شباب الجامعة الزين

أحمد وبهاء والكردي وزين

حارمينهم حتى الشوف بالعين

وف عز الظهر مغميين

عيطي يا بهية على القوانين

وقابلت سهام

ف كلام إنسان 

منقوش ومأثر ف الجدران

عن مصر وعن عمّال حلوان 

مظاليم العهد المعتقلين

عيطي يا بهية على القوانين

(أحمد فؤاد نجم)

 

حيث اتخذ السادات ذلك القرار بعد تصاعد واستمرار الاحتجاجات الطلابية، حين بدأ العام الدراسي 72/73 بموجة تصعيدية من مجلات الحائط التي كان موضوعها الرئيس هو ما وصفه السادات بـ "قلة الحياء"(17)وفي أوائل (ديسمبر/كانون الأول) اتخذت الأحداث صورة خطيرة عندما قام الدكتور حسن حمدي، وكيل كلية الطب بجامعة القاهرة، بتمزيق عدد من مجلات الحائط واستدعى محرريها (حسام سعد الدين، وأحمد عبد الله، وسناء عبد العزيز، وأشرف صادق) للمثول أمام مجلس التأديب(18)
  

 
"واتخذ التجمع الطلابي شكلا مفتوحا استمر انعقاده بصورة شبه يومية على مدى بقية الشهر، حيث أطلق الطلاب على أنفسهم اسم "التجمع الوطني الديمقراطي"، ونظموا المسيرات داخل الجامعة وأصدروا البيانات التي تكرر الدعوة للمطالب السياسية للطلاب، والمطالبة بالديمقراطية داخل الجامعات وفي البلاد ككل". واستمرت الاحتجاجات والتظاهرات حتى بعد قرار السادات باعتقال زعماء الحركة الطلابية، "حيث اندلعت مظاهرة كبيرة لطلاب جامعة القاهرة اقتحم فيها المتظاهرون كردون البوليس ووصلوا إلى ميدان الجيزة. واحتل الطلاب الميدان، ثم تم إجلاؤهم بقوة الشرطة وأصيب أربعون منهم"(18)واستمرت تلك الاحتجاجات الطلابية حتى قامت حرب (أكتوبر/تشرين الأول) وعَبَر الجيش المصري قناة السويس.
 

لكن رغم تحقق المطلب الرئيس في القضية الوطنية حينئذ، وهو تحرير الأراضي المصرية من العدوان الصهيوني، ستستمر بعد ذلك الاضطرابات والاحتجاجات حتى تصل إلى ذروة سنامها في انتفاضة 1977، لكن هذه المرة ستكون مشاركة الطلبة ممزوجة بأطياف واسعة من الشعب، حيث ستكون المرة الأخيرة التي يقف فيها "يوسف النجار" في الميدان.
 

فبعد ذلك سيصاب هذا الجيل من الحركة الطلابية، والذين -حسب الدكتور أحمد عبد الله رزة وشريف يونس- مثّلوا درجة عالية من الوعي السياسي الشعبي، سيصابون بالإحباط وينسحبون من الحياة العامة، بل من الحياة كلها، فستنتحر "أروى صالح"، كأنها أرادت أن تقول إن الحركة الطلابية انتحرت، بل إن الحياة السياسية في مصر قد انتهت، وتفككت القضية الوطنية أو اختفت، ويظهر السؤال: كيف صاحبت انتفاضة كادت أن تُطيح بنظام حكم السادات(19) بتلك الحالة من اليأس والإحباط السياسي؟

المصادر

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار