اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/23 الساعة 15:10 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/5 هـ

انضم إلينا
الذكريات الكاذبة.. هل يمكن للوعي أن يكون مزيفا؟

الذكريات الكاذبة.. هل يمكن للوعي أن يكون مزيفا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

في مساء ثمانيناتي هادئ، كان ستيف تايتس(1) وخطيبته غريتشن في طريقهما إلى أحد المطاعم من أجل عشاء رومانسي، لقد اقترب موعد زواجهما، والتحضيرات النهائية ربما تستثير حماستهما في أيّام كتلك، لكن في الطريق للمطعم اعترضت الشرطة سيّارة ستيف، حيث قبل عدة ساعات اغتُصبت مواطنة أميركية بتلك المنطقة وأَبلغت الشرطة بمواصفات سيّارة المغتصِب والتي كانت تتفق مع سيّارة تايتس، هنا انتهى التحقيق المبدأي إلى أخذ صورة تايتس إلى الضحية لكي تؤكد أو تنفي علاقة تايتس بالجريمة.

 

كل شيء، إلى الآن، طبيعي. تايتس مقتنع أنه لم يرتكب تلك الجريمة البشعة ولم يتبقّ إلا مجموعة من الأعمال الورقية لتبرئة ساحته، لكن المفاجأة كانت أن الضحية قالت إن الرجل في تلك الصورة هو الأقرب للجاني، تلك مصيبة إذا، ربما اهتزت الصورة أمامها فقط أو ارتبكت قليلًا -غالبًا قال تايتس ذلك لنفسه-، في المُحاكمة حينما تراه سوف تتأكد السيدة من ذلك، بالفعل التقت الضحية بتايتس في المحاكمة لكنها قالت في شهادتها:"نعم سيدي، أنا متأكده تمامًا، إنه هو ذلك الرجل"!

  

ستيف تايتس (مواقع التواصل)

  

كانت تلك مفاجأة مدوية لتايتس وعائلته، على مدى سنة كاملة من المحاكمات والاتهامات والسجن، كان كل شيء قد اقترب من نهايته، وأصبح ستيف هو نجم التليفزيون والصحف، هذا المغتصب الوسيم الذي لا تتحدث عنه الأفلام، لكن من بين ذلك كله يخرج بعض الأمل حينما يقنع ستيف صحفي يدعى بول هيندرسون ببراءته، فيتتبع هيندرسون الخيوط واحدًا تلو الآخر ليصل إلى المغتصِب الحقيقي، إدوارد لي كينج، وهو بالفعل مغتصب متسلل اغتصب 50 فتاة في تلك المنطقة قبل ذلك.

 

خرج تايتس من السجن، لكن حياته كانت قد تحطمت تمامًا، فُصل من عمله، وتركته خطيبته، وأصبح شخصًا غاية في التوتر والغضب، فقد ثقته في القانون وفي العالم كله، ضع نفسك مكانه وتخيّل كل تلك الفضائح، كل تلك الإهانة، كل تلك العناوين المدوية للصحف الصباحية وحوارات برامج المساء التي يراها الملايين، لماذا حدث ذلك؟ هل هناك مؤامرة ما يرسمها أحدهم بمكر شديد لإيقاع ستيف؟ ما الذي دفع تلك المرأة إلى قول إن ستيف هو الجاني بينما هو في الحقيقة لم يفعل ذلك؟

 

ذكريات مُضلَّلة
حسنًا، لنترك حكاية تايتس الآن وسوف نعود لها بعد قليل، لنرجع إلى الوراء قليلًا، تحديدًا حتّى سنة 1974 حينما بدأ كل من إليزابث لوفتس (Elizabeth F. Loftus) وجون بالمر (John Palmer) متخصصي علم النفس الإدراكي من جامعة واشنطن بالبحث(2 ، 3) خلف مدى قوة ذاكرتنا، لكن هذا البحث كان من وجهة نظر مختلفة عما نظنه حينما نتحدث عن قوة الذاكرة، لقد كان سعيا حول مدى تأثرها بالمعلومات، أو اللغة التي تُعطى بها المعلومات، بعد حادث ما، لكي نفهم ذلك بشكل أوضح دعنا نبدأ بالتجارب.

 

في التجربة الأولى لدينا 45 متطوعا، سوف نعرض عليهم سبعة أفلام قصيرة متفاوتة في المدة بين 5 إلى 30 ثانية، في كل هذه الأفلام نرى حادث اصطدام سيّارتين، بعد ذلك نطلب كل متطوع أن يصف لنا الحادثة كأنه شاهد عيان لها، بعد ذلك سوف نسأل المتطوعين عن: كم كانت سرعة السيارتين تقريبًا أثناء الاصطدام؟ لكن هذا السؤال لم يُعطَ بالصيغة نفسها لكل المتطوعين، لكننا سوف ننوّع من الكلمات المستخدمة في السؤال، حيث نبدّل بين ارتطام (Collide) وتحطم (Smash) وارتجاج (Bump) وضرب (Hit) واتصال (Contact)، ثم بعد ذلك سوف نربط تقييم المتطوع لسرعة السيارات وارتباطه بالفعل المستخدم.

  

   

جاءت النتائج الأولية تشير إلى أن المتطوعين الذين استُخدمت معهم كلمات أكثر عنفًا كـ "تحطم" قالوا إن السيارتين اصطدمتا بسرعة حوالي 65 كم/ساعة أو أعلى، بينما جاء "ارتطام" في المرتبة الثانية، ثم "ارتجاج" ثم "ضرب" ثم "اتصال" -أقل الكلمات عنفًا- والتي قال المتطوعون في إجابتهم عن سؤالها إن السيارتين اصطدمتا بسرعة حوالي 45 كم/ساعة، هنا افترض كل من لوفتس وبالمر أن طريقة صياغة الأسئلة بشكل ما قدمت معلومات مضللة للأشخاص عن الحادث فأثر ذلك على إدراكهم له، وبالتالي على ذكرياتهم عنه، لكن كان هناك احتمال آخر وهو أن هؤلاء الأشخاص ربما ما زالت ذكرياتهم عن الحادث واحدة لكن انحيازهم للاستجابة (Response bias) لصيغة السؤال نفسه هي ما تسبب في الاختلاف، هنا -لتحييد ذلك الأثر- سوف نقوم بتجربة إضافية.

 

هذه المرة لدينا 150 متطوعا، سوف نقسمهم إلى ثلاث مجموعات، الأولى مكونة من 50 شخصا وسوف نسألها عن اصطدام مجموعة من السيّارات بالكلمة "تحطّم" والثانية بالكلمة "ضرب" والثالثة هي مجموعة للمقارنة (Control)، لكننا هذه المرة لا نسأل عن السرعة بالأساس، حيث سوف نترك المتطوعين لمدة أسبوع ثم نلتقي بهم من جديد للسؤال عن ذكرياتهم عن الحادثة نفسها، تحديدًا عن نوافذ السيارات الزجاجية، هل تحطّمت أي من تلك النوافذ في الحادث؟ هنا سوف تميل المجموعة التي سُئلت قبل أسبوع بالصيغة "تحطّم" إلى قول أن الحادث تضمن تحطم نوافذ زجاجية، بينما ستميل المجموعة التي استخدمنا معها الكلمة "ضرب" إلى القول أنه لم يحدث أي تحطم للنوافذ الزجاجية، وهو فعلًا ما حدث، لم تتحطم أي من النوافذ في الفيلم المعروض عليهم.

 

لماذا إذا تذكرت مجموعة من الأفراد أنها شهدت تلك النوافذ المحطّمة؟ إنه السبب نفسه ربما الذي جعل ضحية الاغتصاب تقرر أن تايتس هو الجاني بينما هو ليس كذلك، لقد تم تعديل إدراكها للحادث بتأثير أية معلومات كانت مرافقة في الفترة بين الحادث والمحاكمة، في الحقيقة مع بعض البحث نجد(4) أن 66% تقريبًا من الجرائم التي خرج أصحابها من السجن بعد أن تم إثبات براءتهم بسبب كشف الحقيقة عبر اختبارات الـ (DNA) مثلًا كانت بسبب خطأ في تذكر أحد الشهود للحادث. لقد تم تضليل الضحية، أو غيره ممن شهد الحادث، لسبب أو لآخر، أو بمعنى أصح، تم تضليل ذاكرتهم.

 

إن تعديلات طفيفة، بحيث لا يمكن ملاحظتها بسهولة، في اللغة المستخدمة لإعطاء المعلومات بعد حدث (Event) ما، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة. مثلًا، السؤال عن تذكر وجود "إشارة مرور حمراء" أثناء الحادث أو "إشارة المرور الحمراء"، يمكن أن تعدل في طريقة تذكرنا للأشياء، وسوف تؤثر تلك التعديلات بحيث تميل الإجابة إحصائيًا في حالة استخدام أداة التعريف(5) "الـ" بـ نعم.

  

 الذاكرة ليست كاميرا لتسجيل الأحداث بقدر ما تشبه "ويكيبيديا"، نعم يمكن لك أن تدخل لتسجل بها موضوعا عن شيء ما، لكن الآخرين يمكن لهم أيضًا أن يتدخّلوا لتعديلها مرّة بعد أخرى مع الزمن

مواقع التواصل
   

إن أحد أشهر الاختبارات في تلك النقطة هي اختبار قوائم الكلمات الشهير(6)، نعرض عليك قائمة كلمات ثم بعد عدة ساعات نعرض عليك قائمة أخرى بها كلمات ونطلب منك تحديد أي من تلك الكلمات قد رأيتها بالفعل في القائمة السابقة، بالطبع سوف تتذكر بعض الكلمات الصحيحة، لكن سوف يميل جزء كبير من الخاضعين للاختبار للقول أن كلمة "قتل" مثلًا قد وردت في القائمة، ولكن الكلمة لم ترد، بل كلمات كـ "جريمة" و"موت" و"سكّين" و"دماء" مثلًا قد وردت في القائمة الأولى، وهي ما شكل ذكرياتك عنها، إن تأثرنا بالمعلومات المتداولة بيننا وبين آخرين خلال أية فترة زمنية بيننا وبين حادث ما هو ما يكمّل تلك الذكرى، هنا تظهر تلك النقلة النوعية في فهمنا لما تعنيه الذاكرة.

 

حيث يظن الناس أن الذاكرة هي كاميرا تخزن أفلام عن الحوادث في الماضي، حينما نود تذكر حدث ما من الطفولة مثلًا، كحفلة عيد الميلاد، أو حادث أليم لأحد الأقارب أو أول يوم دراسي، فإننا نستعيد هذا الملف ونضغط على زر "شغّل"، فتظهر أمامنا، أو يظهر أمامنا ما نتذكره منها، كما سجّلناه في المرّة الأولى، لكن يتضح بعد تجارب لوفتس وبالمر، وخلال(7) أكثر من 200 دراسة على 20 ألف خاضع للتجارب، أن ذلك ربما هو أمر غير صحيح، الذاكرة ليست كاميرا لتسجيل الأحداث بقدر ما تشبه "ويكيبيديا"، نعم يمكن لك أن تدخل لتسجل بها موضوعا عن شيء ما، لكن الآخرين يمكن لهم أيضًا أن يتدخّلوا لتعديلها مرّة بعد أخرى مع الزمن.

 

هذا هو ما نسميه "تأثير المعلومات الخاطئة (Misinformation Effect)، وهو ما تختبره بشكل عادي -وربما يومي- حينما تختلف مع صديق لك حول لون السيارة المركونة أمام الشركة فيؤكد أحدكما أنها زرقاء ويؤكد الآخر أنها حمراء، إلّم يكن كلاكما، فأحدكما بالتأكيد مخطئ، لقد خلق ذكرى حقيقية تمامًا عن شيء لم يحدث أصلًا، وهو شيء يحدث لنا جميعًا، فأنت مثلًا، تكون متأكد تمامًا أنك تتذكر تركك للمفاتيح على طاولة الطعام، وتجدها في غرفة المكتب، أو تتذكر أنك قرأت كلمة (MacDonald's) لكنها في الحقيقة (McDonald's)، وتلك هي ذكرى كاذبة شهيرة.

 

ذكريات مزروعة من جذورها!
دعنا الآن نتشكك قليلًا، تلك الصور التي نعرضها على الخاضعين في التجارب هي مجرد "صور" وليست أحداث حقيقية، ربما فقط ما حدث هو خلل بسبب أنك لا تُخضع حالة حقيقية للتجربة لكنك فقط تصنع محاكاة يكون الخاضع فيها للتجربة آمنًا وذا حالة نفسية مختلفة، ومن الصعب طبعًا أن نوهم خاضع للتجربة أنه قد شهد جريمة قتل حقيقية لكي نختبر استجابته، فذلك أمر غير أخلاقي ولا قانوني، لكن هناك حالة واحدة يمكن أن نرى فيها بوضوح أثر ظروف قاسية نفسيًا وجسديًا على أشخاص في تكوين ذكرياتهم عن حادث ما، وتلك الحالة هي مدارس البقاء لتدريب الجنود في الجيش الأميركي (Survival Schools).

  

من أشهر القضايا قضية الممرضة نادين كوول والتي صاحبتها ذكريات عن تعرضها للاغتصاب، وممارستها الطقوس الشيطانية،  بعد ذلك، تم اكتشاف أن السبب هو طريقة العلاج بالتنويم المغناطيسي والتي استخدمها المُعالِج الخاص بها (مواقع التواصل)

   

تعرض المتدرب(8 ، 9) خلال تلك الفترة من تدريبه لدرجات عالية من الضغط الجسدي والنفسي من أجل تجهيزه لحالات مماثلة في الحروب والعمليات الخاصة، أشارت الدراسات التي اختبرت جنودًا تعرضوا لاستجوابات عنيفة من قبل أشخاص، ثم سؤالهم عن شكل هؤلاء الذين استجوبوهم بعد تمرير معلومات خاطئة -كما حدث في الاختبارات السابقة- وجاءت النتائج لتشير إلى ميل ناحية اختيار الخاضع للتجربة لصورة شخص آخر غير الذي قام باستجوابه لساعات، بل تذكر 98% من الخاضعين للتجربة وجود هاتف، مسدس، ونظارة في حجرة الاستجواب، وهي أشياء لم تكن موجودة.

 

يمكن إذن أن نعدل ذاكرة أشخاص لخلق ذكريات كاذبة (False Memories) عن أحداث حصلت لهم أو أمام أعينهم، ذلك أمر يمكن فهمه، لكن لوفتس وفريق عملها يمدون الخطوط على استقامتها للتساؤل عن إمكانية خلق ذكرى جديدة تمامًا من جذورها في أدمغة أشخاص آخرين، ذلك مستوى جديد تمامًا من اللعبة ظهر مع عدة قضايا مهمة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت، أشهر تلك القضايا هي قضية الممرضة(10) نادين كوول (Nadean Cool) والتي صاحبتها ذكريات عن تعرضها للاغتصاب، وممارستها الطقوس الشيطانية، ثم نكتشف بعد ذلك أن السبب هو طريقة العلاج بالتنويم المغناطيسي (Hypnosis) والتي استخدمها المعالج الخاص بها، قضية أخرى هي تلك المتعلقة بـ بيث رزرفورد (Beth Rutherford) والتي صاحبتها ذكريات عن أبيها وهو يغتصبها بانتظام ثم تحمل منه وتقتل طفلها، وتسبب ذلك في أن ترك الأب وظيفته كقس ثم ظهرت الحقيقة، وهي علاقة ذلك بالمعالج النفسي الخاص بها.

 

رفعت كل من نادين وبيث قضايا على المُعالج الخاص بهما وكسبتها، لكن حالات كتلك أصبحت فيما بعد مجال بحث نشط، لأنها استثارت فكرة أن يتمكن البعض، بطريقة أو بأخرى، ليس فقط من تعديل ذكريات آخرين، لكن خلق ذكريات جديدة تمامًا من جذورها، وزرعها في أذهان آخرين، أشهر تلك التجارب هي ما نسميه "تجربة الضياع في المركز التجاري" (Lost in the mall technique) ، وهي تجربة تم تصميمها بحرفية من قبل جيم كون (Jim Coan) طالب علم النفس المعرفي بجامعة واشنطن والذي انضم لـ لوفتس ورفيقتها جاكلين بيكريل (Jacqueline Pickrell)  وكانت التجربة أن نقوم -عبر طرق ملتوية ذات علاقة بالأقارب- بعرض أربعة ذكريات من الطفولة على المتطوعين، كلها ذكريات حقيقية عدا واحدة تتضمن فقدانه في المركز التجاري وإعادته لعائلته من قبل أحد الأشخاص.

 

تجارب مشابهة تضمنت إنقاذ الطفل من الغرق، الذهاب للمستشفى، الاتصال بالشرطة، وتزوير صور عبر الفوتوشوب بدقة وإطلاع المتطوعين عليها على أنها أحداث حصلت بينما كانوا أطفالًا، جاءت كل النتائج لتتفق حول(13) أن 25% من الخاضعين للتجارب تذكروا بالفعل أحداثًا لم تحصل، ومع تطور اللقاءات معهم ارتفعت كمّية التفاصيل التي قدموها عن تلك الذكرى، كذلك أشار الباحثون إلى أن التجارب التي تضمنت صور مفبركة جاءت بنتائج أكبر حتى 38%، وحينما عرضت الخدعة على الخاضعين للتجربة لم يستطع بعضهم (4 من 25) أن يستخرج الذكرى الكاذبة.

 

في الحقيقة لفتت تلك النقطة الانتباه لطرق بعض المعالجين النفسانيين أو حتّى الضباط ومحققي الجرائم لاستخراج ذكريات البعض عن جرائم اعتداء حدثت في طفولتهم، سواء في القضايا الخاصة أو حتّى من أجل علاجهم، حيث ربما يدفع المعالج أو الضابط -لتسهيل الحدث- بالشخص للتذكر عبر طلب بسيط، وهو أن يتخيل أنه يتعرض للاعتداء، وأنه لا مشكلة من التخيل، لن يحدث شيء، ثم يسأله أثناء ذلك عن التفاصيل، الوقت، المكان، الألوان، الباب، ثم يسأله: من يمكن أن تتصور ليكون هو من يفعل ذلك؟ بتلك الطريقة قد يستطيع المعالج التعرف إلى تلك الذكرى، لكن بعد التجارب الأخيرة في زراعة ذكريات من جذورها تصور بعض الباحثين أن ما يفعله المعالج هنا ليس استخراج ذكرى قديمة حدثت بالفعل، بل ربما زرع لذكرى جديدة تمامًا لم تحدث أصلًا!

  

   

هنا سوف نقوم بتصميم تجربة جديدة تمامًا لاختبار قدرة(14) "تضخيم التخيل" (Imagination Inflation) على إضافة ذكريات كاذبة إلى أدمغتنا، في البداية -بعد دراسة مفصّلة لكل حالة على حدة- سوف نعرض على كل منهم 40 حدثًا ليجيب عن كل منهم باختيارات تتراوح ما بين (حصل فعلا) ثم (ربما) ثم (لم يحدث على الإطلاق)، في المرحلة الثانية نطلب من الخاضع للتجربة أن يحضر بعد أسبوعين ثم نخضعه لتمرين تخيّل، يدفع به القائم بالتجربة لتخيل أي من تلك الأحداث التي قال إنها لم تحدث، ثم بعد فترة تبدأ المرحلة الثالثة وهي إخضاع الأفراد بالتجربة لاختبار الذاكرة مرة أخرى، هنا سوف يتذكر 24% من الأفراد أشياء كان قد قال من قبل إنه لم يتذكرها.

 

لكن هنا ربما سوف نود أن نعود لسؤال سابق عام عن مدى أصالة تلك الذكريات الكاذبة، هل هي ذكريات حقيقية؟ والإجابة كانت "نعم"، ليست تلك الذكريات الكاذبة فقط بدرجة الشحن العاطفي الخاص بالذكريات العادية نفسها، لكن استجابة الدماغ(15) لها كانت مشابهة لاستجابته في ذكريات عادية، نحن نعرف ذلك لأن تقنيات التصوير الدماغي قادرة على رصد حالة المخ في أثناء استدعاء الخاضع لتجربة ما لذكرياته الصحيحة وتلك الكاذبة ثم مقارنة النتائج، بل أضف لذلك أن تلك الذكريات استمرت مع أصحابها لمدد تصل حتى عام ونصف(16) بعد زرعها، بل أننا سوف نجد أن الأشخاص ذوي الذاكرة القوية، في التجارب(17) ،سوف يقعون في فخ الذكريات الكاذبة بالقدر نفسه تقريبًا كالناس العاديين.

 

هل تثق في ذاكرتك؟
حسنًا، في تلك المرحلة من حديثنا، دعنا نكبح جماح الحماس قليلا، لسنا هنا في فيلم (Inception) ولا (Eternal Sunshine Of Spotless Mind)، فرغم أن تاريخ البحث النشط في هذا المجال بدأ قبل أربعين سنة تقريبًا، ورغم أن ذلك النوع من البحث العلمي قد تدخل ليفصل في جرائم قتل واغتصاب ويعدل قوانين شهادة الأفراد في المحاكم، إلا أن المعرفة التي حصلنا عليها من خلاله ما زالت غير قادرة على دعم تحركات واثقة به إلى ذلك الحد الكبير بعد.

   

أبحاث إليزابيث لوفتس -الظاهرة في الصورة على المنصة- وفريقها لاقت انتقادات شديدة عند ظهورها، وما زالت تجد درجة من النقد خاصة في الأمور المتعلقة بالقضايا والجرائم، لكن ذلك التوجه البحثي يجد الآن تقديرًا واسعًا في وسط علم النفس التجريبي، وتحرز نتائجه تقدمًا ملحوظًا يومًا بعد يوم (مواقع التواصل)

   

تلك النتائج تعطي ميلا إحصائيا بالضعف الذي احتجنا معه إلى أربعين سنة لكي نصل إلى ما نظن أننا نعرفه الآن، فالبشر كائنات لا يمكن توقع أفعالها، وحينما نضعهم في تجارب فإن كمية قصور قدرتنا(18) على تحديد (Underdetermination) نتائج دقيقة يرتفع ولا ينخفض، وذلك لأن عدد المتغيرات في تلك التجارب لا يمكن حصره، خاصة أن النتائج نفسها غالبًا ما تواجه إضافات تستحق التأمل، قلة عدد المتطوعين مثلًا، أو أنهم عبروا عن الذكريات الكاذبة بوضوح وعدد كلمات أقل، أو أن تجارب أخرى تختلف في النسب المئوية، وهكذا.

 

إن ما نعرفه الآن إذن هو مدى تعقد وتراكب جهازنا الإدراكي لدرجة أنه يسمح للعالم الخارجي للتدخل في تعديل ذاكرتنا نفسها، ربما ذلك هو نوع من التكيّف، أو ربما لسبب آخر، نحن ما زلنا غير قادرين على فهم السبب في حدوث تلك الذكريات الكاذبة، ولا السبب في أن بعض الأشخاص أكثر من غيرهم عرضة لها، لذلك فنحن في حاجة للمزيد من الوقت والبحث، خاصة أن أبحاث لوفتس وفريقها لاقت انتقادات شديدة عند ظهورها، وما زالت تجد درجة من النقد خاصة في الأمور المتعلقة بالقضايا والجرائم، لكن ذلك التوجه البحثي يجد الآن تقديرًا واسعًا في وسط علم النفس التجريبي، وتحرز نتائجه تقدمًا ملحوظًا يومًا بعد يوم، لكن ليس لدرجة فانتازيا هوليوود الممتعة، خاصة حكايات كريستوفر نولان.

 

في جلسات العائلة نتسامر كثيرًا حول ذكريات الطفولة، بالطبع لا ننتبه لطرق تقديمنا للمعلومات التي نتشاركها حول الذكرى نفسها، كذلك نحن نثق في بعضنا البعض، لذلك سوف نتقبل بسهولة تلك المعلومات التي يقدمها الأقارب لنا عن -مثلًا- سيّارة أحد الأعمام والتي كانت تمشي ببطء شديد؛ حتّى أنها كانت تأخذ ربما ليلة كاملة لتذهب إلى مدينة "الغردقة"، سوف نضحك ربما، وهنا سوف تنتقل مشاعرك لتصديق تلك الحالة، سوف تستشعر ثقل السيّارة وطول المسافة، بينما ذلك لم يحدث، وهكذا كلما تبتعد الذكرى في الماضي، ثم نتحدث عنها مرة، ثم مرة، ثم مرّات طويلة على مدى -قُل- عشرين سنة، سوف يكون ما نتذكره جميعًا عن طفولتنا ليس في الحقيقة ما حدث!

 

في تلك النقطة سوف نتساءل عن قدرة ذكرياتنا على تشكيل ذواتنا، شخصياتنا، خذ مثلا تلك التجارب(19 ، 20) الأخيرة والتي زرعت ذكريات طفولة في بعض الأشخاص عن طعام محدد، ذكريات تشير إلى أنهم مرضوا بسبب هذا الطعام، ليكن الجزر مثلًا، هنا سوف نلاحظ في بعض الخاضعين للتجارب ميل أكبر من مجموعة المقارنة ناحية عدم اختيار هذا الطعام في قائمة قُدمت لهم بحفل مصطنع. ورغم أن الذكريات المزروعة بالكامل هي حالة نادرة الحدوث، على العكس من الذكريات الكاذبة الجزئية والتي تنتشر بيننا بشكل يومي، إلا أننا في مرحلة ما قد نستشعر الخوف، سوف نستشعر أننا ننقطع عن الزمن، وكأننا نعيش لحظة واحدة فقط أصيلة وحقيقية في حياتنا، إنها "الآن"، هنا ربما سوف نسأل عن: ما الذي نعرفه عن ذواتنا؟ وماذا أيضًا يتحكم بنا ولا نعرفه؟ ثم، من نحن؟!

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار