اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/19 الساعة 12:31 (مكة المكرمة) الموافق 1439/4/1 هـ

انضم إلينا
"هوس السيلفي".. نشوة عابرة أم اضطراب نفسي؟

"هوس السيلفي".. نشوة عابرة أم اضطراب نفسي؟

سامح

محرر
  • ض
  • ض

كيف يلتقط المرء سقوطه؟ ربما حاول "أندريه ريتروفيسكي"[1] الإجابة عن هذا حينما حاول القفز من الطابق التاسع، بإحدى البنايات التي كان يتسلّقها، لتسجيل تلك اللحظة بكاميرا هاتفه، لكنّ صداقته بالحبل الذي كان يربطه لم تشفع له كثيرا حيال الأمر، لتنتهي محاولته الأخيرة بشأن هذا "السيلفي" قبل لحظات من ارتطامه بالأرض. الأمر الذي تكرر مع الشاب الباكستاني "جمشيد خان"[1] الذي خانه القطار عندما حاول مرافقته في "سيلفي"، كان هو الأخير، قبل أن تضيع تحت عجلاته المحاولة وصاحبها في مشهد مؤسف لم يتوقف عن التكرار بصور مختلفة في كثير من الحوادث التي ألهت فيها لحظة التصوير صاحبها عن الانتباه لما يحدث في حينها.

 

تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان "بنفسه" أن يقتنص الحدث الذي يشهده "لنفسه"، فيخرج للعالم بواقعة يشهدها، أو حالة مزاجية تعبّر عنها صورته الملتقطة دون أي مساعدة خارجية. لكن، وعلى الرغم من كون السيلفي ممارسة ذاتية في التقاط الصورة، فإن عددا من الإحصاءات في عام 2014م، لموقع "غوغل" الشهير، أخبر أن 93 مليونا من صور "السيلفي" تنتقل يوميا عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمستخدمي "الأندرويد" فقط[2]، وهو الأمر الذي شاع على خلفيته استخدام الكلمة، ومن ثم إدراجها في القواميس اللغوية، حيث حوى قاموس "أكسفورد" في عام 2013م تعريفا موجزا للسيلفي على أنه: "صورة فوتوغرافية يأخذها المرء لنفسه وبنفسه بواسطة هاتف ذكي في المقام الأول"[3].

 

من هذا الاعتراف اللغوي بالمفردة، وذلك التعداد الضخم لتناقلها، تمكّن الباحث "طارق عثمان" من اعتبار السيلفي "ظاهرة شبه كونية عابرة للأقطار والثقافات"[2]، وهو الأمر الذي دفعه للسؤال حول جدواها ومقدار العمق الذي تحدثه في النفس، وأنها تضطّر صاحبها للمخاطرة أحيانا، وللإدمان عليها في حالات أخرى. ومن بين الدراسات التي لا تمدح كثيرا الظاهرة، والتحليلات النفسية للأمر، نتساءل بدورنا: هل الأمر حقا بهذا العمق، في سببه ونتيجته، أو أن للمختصين رأيًا آخر حيال ذاك؟

 

الكلمة ستُترك للعميان

في جمع واسع من الفلاسفة يضع الرسّام الإيطالي "رفائيل سانزيو" تصوره عن الحوار الفلسفي الدائر بين "أفلاطون" و"أرسطو" داخل لوحته الشهيرة "مدرسة أثينا"، حيث "يشير أفلاطون بيده إلى السماء في ترميز لفلسفته التي تقوم على عالم القيم والأفكار والمُثُل العُليا، فيما يُشير أرسطو إلى الأرض رمزا لفلسفته التي تعتمد على الأسباب والعِلل المنطقية في فهم العالم"[4].

 

 

هذا الحوار الذي حاولت ريشة "رفائيل" التقاطه يرى الباحث "خالد حاجي" أنه كان تسجيلا للصراع الفلسفي الناشب خلال التاريخ بين مدرستين: "مدرسة مثالية تستمطر الوحي أو الحقيقة من عالم السماء المخفي اللامنظور، وهي تتوسل بحاسة السمع. ومدرسة واقعية تكتفي بما هو منظور بغرض التوسع في فهم حقيقة الواقع والتمكن منه، وهي تتوسل بحاسة النظر"[5].

 

ذلك النظر الذي سيطر على كثير من جوانب الواقع، حسب "حاجي"، لنرى به الإنسان، في ثقافتنا المعاصرة، أكثر طلبا للصورة من أي شيء، فتبدو مقولة "دافنشي" الشهيرة "الكلمة ستُترك للعميان" ذات واقعية، وتصبح "حقيقة الأشياء مناط نظر، لا يمكن أن تُصاغ بدقة إلا بواسطة الصورة" التي "ألهت العقل الإنساني عن كل الأشياء الأخرى"[5]، فالصورة أولا وبعدها يأتي تسلسل الأشياء.

  

تلك الظاهرة التي انتقلت بدورها إلى الذات، وعبّرت عنها آلية "السيلفي"، كتجلٍّ آخر لسيطرة الصورة واستدبار الكون وراءها، غير أن للباحث "طارق عثمان" رأيًا آخر يرى أن ظاهرة تصوير الذات والتمركز حول الصورة يمكن "تتبعها تاريخيا حتى القرن الرابع عشر، والتي يمكن اعتبار الرسام الألماني النهضوي "ألبريخت دورر" هو مدشنها برسمه بورتريهات شخصية، ليتبعه في ذلك العديد من الرسامين كفان جوخ -مثلا- الذي رسم لنفسه ما يزيد عن 43 بورتريها"، لذا فإنه من الممكن إدراج السيلفي "ضمن التاريخ الطويل للبورتريهات الشخصية"[2].

 

لكن ما يختلف في الأمر عن ماضيه هو أن السيلفي، وبخلاف كونه عملا غير فني كالبورتريهات، يضع إنسان التواصل الاجتماعي في حالة بحث دائم عن تجديد صورته الخارجية في أعين الناظرين، فيتحول "الكون كله -زمانا ومكانا- إلى خشبة عرض وظيفتها إظهار الذات في جميع تجلياتها وهيئاتها الخارجية"[5].

 

 

فتتوارى "كل المناظر والمشاهد خلف منظر الإنسان، تتوارى جبال (الهيمالايا) والمحيطات والبحار والوديان والمآثر التاريخية والعمرانية، تتوارى كلها وراء صورة يلتقطها الفرد ولسان حاله يقول: "أنا فوق جبال الهيمالايا"، أو "أنا أمام شلالات نياغارا"، أو "أنا أمام البحر"، أو "أنا أمام الكعبة المشرفة"... فالصورة أصبحت شهادة لحضور الذات الإنسانية على خلفية مظاهر كونية"[5]، وكذلك فهي الدليل الأول (للمشاهدين) على التمتع باللحظة، بصرف النظر عن حقيقة هذا التمتع (للذات) من عدمه.

 

أو أن السيلفي، كظاهرة للتواصل والعرض، أصبحت -حسب "حاجي"- تمثّل نزوعا بيّنًا نحو استدبار الكون والطبيعة، وهو ما أثّر على شغف الإنسان وحوّله عن التمتع بالأشياء الماثلة أمامه إلى الاهتمام بتحقق هذا المشهد أمام بصر الآخرين.

 

على خشبة المسرح

في وصفه لطبيعة التفاعل الاجتماعي يرى عالم الاجتماع "إرفينغ غوفمان" في نظريته عن عرض الذات[6] أن ثمة جدلية أساسية تكمن خلف جميع تفاعلاتنا الاجتماعية، وهي أن الفرد عندما يكون في حضور الآخرين فإنه يسعى لاستكشاف واقعهم، ومن ثم يقوم بتصدير صورته إليهم بالشكل الذي يتسق مع مصلحته الذاتية، وهو ما يحققه له الاهتمام بالمظاهر في كثير من الأحيان.

 

أو بكلمات أخرى، وحسب "باوميستير وهيوتن"، فإن عرض الذات يمكن التعبير عنه بالسلوك الذي "يتوخى توصيل بعض المعلومات حول الذات أو بعض من صورة الذات إلى الآخرين"[2]. هذا السلوك الذي يقوم بتحفيز الدوافع النفسية لدى الأفراد في اللحظة التي يكونون فيها داخل دائرة العرض، أي "إن المرء لا يعمد إلى عرض ذاته إلا إذا كان هناك من سيطلع على هذا العرض ومن سيقيّمه"[2].

 

في السياق نفسه، يستطرد "باوميستر" بأن ثمة غرضين رئيسين يحركان النفس لعرض ذاتها على الآخرين، أولهما: هو إرضاء الجمهور، بمقارنة المعروض من الذات مع توقعات وتفضيلات الآخرين لينال إعجابهم وإثابتهم. وثانيهما: هو إرضاء الذات نفسها، أو بناؤها، عن طريق مقارنة المرء لها (ذاته الفعلية) مع التصور النموذجي لديه عنها (ذاته المرجوّة)، فتُخلق عنده الرغبة في رؤية الجمهور له على هذه الذات التي يود أن يكون عليها.

 

لتمركزها حول الذات والوجه تحديدا، تبقى السيلفي الوسيلة الأهم  لتوصيل الانفعالات التي يختارها المرء بنفسه لما يحب أن يراه عليه الجمهور

مواقع التواصل
 

ذلك الدافع الأخير، وحسب "طارق عثمان"، قد وفّرت له وسائل التواصل الاجتماعي منصة عريضة لمزاولته من خلال "بروفايل" المرء ومدوناته و"سيلفيهاته"، "فالأصدقاء والمتابعون على فيسبوك بمنزلة الجمهور الذي يعرض المرء جزءا من ذاته أمامه"، إمّا لكسب رضاهم، وإمّا لإقناع ذاته بصورته التي يود أن يكون عليها، "وتمتاز هذه المنصة الإنترنتية عن المنصة الاجتماعية الواقعية بتوفيرها لإمكانية التحكم الصارم في المعروض، فالمرء بوسعه اختيار وتحرير وتنقيح وتعديل كل ما يريد نشره قبل إذاعته على الملأ"[2].

 

لكن، ومن بين كل الفرص التي تتيحها هذه المنصة، ترى "داينفينباخ وكريستوفوراكوس"[2] أن السيلفي ستبقى هي الوسيلة الأهم، لتمركزها حول الذات، وحول الوجه تحديدا، ومن ثم فهي قادرة على توصيل الانفعالات التي يختارها المرء بنفسه بشكل ممتاز، وكذلك يمكن التحكم الصارم فيها بتعديلها وتحويرها وحرية اختيار مكان وزمان وسياق أخذها، لذا، وبفضل هذه الخصائص، يتمكن المرء من توصيل ما يحب للجمهور أن يراه.

 

هنا يلقي "غوفمان" طرف الخيط من بعيد، الذات على خشبة المسرح، ذلك الدور الذي ينقسم به الفرد إلى شطرين: "مؤدٍّ (performer) مختلق للانطباعات، ومثقل بالأعباء، ينخرط بكل نقصه البشري في مهمة الأداء على الخشبة. وشخصية (character) ذات نعوت حسنة يُصمَّم الأداء لأجل إظهار روحها وقوتها وصفاتها الرفيعة"[6]، فيخترق السيلفي حيز التصوير إلى حيز التمثيل، أو يتعدى مساحة تسجيل اللحظة إلى الرغبة في إيصال انطباع إيجابي عن النفس لدى الجمهور. لكن، ووفقا للسيد "نيوتن"، فإن الأمور لا تذهب إلى اليمين إلا بالقدر الذي سترتد به إلى اليسار، فحين (يؤدّي) المرء بالسيلفي إلى إظهار (الشخصية)، فإن تلك الشخصية قد ترتد، بدورها، على من أحضرها، بشكل مضاد، في بعض الأحيان.

 

من المسرح إلى الكواليس

مَن يحكم على مَن؟ ذلك هو سؤال "زيغمونت باومان"[7] الذي ينتقل به عبر عالمين: عالم حقيقي نحياه، وعالم افتراضي نحيا به. فمن سؤاله عن العلاقات التي تنتهي بضغطة زرّ (حظر)، ننطلق إلى سؤالنا حول الذات، التي تعرضها الكاميرا وتسوّق لها الشاشات، ومدى تحكّم الواقع الافتراضي بها وتأثيره من خلال قنواته في واقع الفرد الحقيقي، وتأثيره الراجع إليه بعد ذاك.

 

ذلك السؤال الذي يحمل موقع "هيلت داي" الطبي الأميركي جزءا من إجابته وهو يخبرنا، عبر دراسة قامت بها "جيسي فوكس"، الأستاذ المساعد بجامعة "أوهايو"، على 800 شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاما، أن سلوك السيلفي، أو تصوير الذات، يرتبط بشكل قوي مع "ما يُعرف علميا بالنرجسية والاهتمام الزائد بالنفس، وأن الأشخاص الذين يرتبطون بتصوير السيلفي وقضاء وقت طويل في تعديل الصور ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي يرتكز اهتمامهم على ذاتهم بشكل أكبر ويعتقدون أنهم أكثر ذكاء وجاذبية وأفضل من الآخرين، بالإضافة إلى وجود مشكلات في الشعور بالأمان والسلوك المتهور وعدم التعاطف ومراعاة الآخرين، رفقة بعض سمات معاداة المجتمع والميل إلى تضخيم الذات"، وهو ما تعتبره "فوكس"، رغم الدراسة، أمرا غير ضروري الإصابة به وإن أظهرت النتائج وفرته، لأن شيوع الظاهرة الآن أكسبها نوعا من التلقائية والروتين[8].

 

أدى تزايد الرغبة في التصوير والنشر على مواقع التواصل إلى "عواقب نفسية قد تتسبب في الاكتئاب ومحاولة إيذاء النفس بسبب عدم الشعور بالرضا عن المظهر"

مواقع التواصل

 

لكن، وعلى مسافة قريبة من دراسة "جيسي"، يقف "طارق عثمان"[2] باستنتاجه حول "مفارقة السيلفي" (selfie paradox)، ليخبرنا أن هذا الاهتمام بتصوير الذات لن يؤول دائما إلى لا شيء، لذا فإنه من المحتمل أن يعود هذا الهوس على صاحبه بنرجسية خفية لا يعلم معها الشخص ذلك، أو ينتبه لكونه نرجسيا، وهو ما يربطه بتعليق المرء على سيلفي الآخرين بشكل ناقد "بينما يُقيّم السيلفي الخاصة به، في المقابل، بشكل أكثر إيجابية، فبالنسبة له هي صور مسوغة، اقتضتها اللحظة، أصيلة، وليست زائفة، غير متكلفة، ومنزهة عن الأوهام، ولا ترمي أبدا لترويج الذات"، وأن الناس عندما يُسئلون عن رأيهم عامة في ظاهرة السيلفي فإنهم "يستحضرون في أذهانهم سيلفي الآخرين، التي يقيّمونها بشكل سلبي" فلا أحد يبدو أنه يحبها، "ولكن الجميع يجدون دوما المبررات لأخذها"[2].

 

لكن يبدو أن الأثر، المرتد على الذات، لا يقف عند النرجسية فقط، إذ يرى "ديفيد فيلي"، استشاري الطب النفسي في مستشفى "بريوري - لندن"، أن اثنين من كل ثلاثة مرضى يقومون بزيارته يعانون من اضطراب تشوه الجسم "الديسمورفوفوبيا" (BDD) [*] منذ ظهور الهواتف المزودة بكاميرات، والتي ساهمت في زيادة الرغبة في التقاط الصور الشخصية وعرضها على مواقع التواصل، الأمر الذي يؤدي إلى "عواقب نفسية قد تتسبب في الاكتئاب ومحاولة إيذاء النفس بسبب عدم الشعور بالرضا عن المظهر"، علاوة على "أن إدمان التقاط هذا النوع من الصور" قد "ينطوي على هوس الشخص بمظهره الخارجي" بشكل مرضي[8]، بينما أكدت الرابطة الأميركية للطب النفسي أن التقاط الناس الصور الذاتية "قد يدل على الإصابة بأحد أنواع الاضطرابات العقلية الذي يطلق عليه "سلفيتيس"، ويعرف بأنه الرغبة الكبرى لالتقاط الصور الذاتية ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة للتعويض عن عدم وجود الثقة بالنفس"[8].

 

فالإنسان في ثقافة السيلفي، ووفق "خالد حاجي"، لم يعد "ينظر ليجد، بل صار ينتظر ليوجد"، أي إنه أصبح عارضا لذاته، "منتصبا أمام أنظار الآخرين كي يُمنح الوجود النفسي والاجتماعي في أعين الناس، لا في فضاء الوجود الأصيل"، وهو الوجود الذي لا يتعدّى لحظات الرؤية للصورة المنتقاة للذات، أي إنه "وجود شكلي أو وجود "ديزاين" (Design)، مدة صلاحيته قصيرة جدا" بما يحفّز على الاستهلاك، "فكلما أدى وظيفته واستنفد أغراضه حل محله (ديزاين) آخر"، فتصبح الذات الإنسانية بسبب هذا الارتباط مع ثقافة العرض "ذاتا قابلة للرمي بعد الاستعمال، مثلها مثل مواد الاستهلاك الأخرى، ولعل من يروم إثبات ذاته عبر الاستعراض الشكلي إنما ينتظر أن تمنحه عين الرائي وجودا"، وهو ما يراه "حاجي" تعبيرا حقيقيا عن "النقص والفقر"[5].

 

فبين هذا التأويل وما يسبقه، وبين تلك الأرقام التي ترصد آثارا، لم تكن حميدة، حول السيلفي سنرى السؤال النفسي يعود مرة أخرى: هل هي حقا صورة بلا بُعد، أو أنها تمظهر خاص جدا لكثير من الاضطرابات؟ ولو كان الأمر كذلك، فهل يكون الهوس بالسيلفي محض إدمان يُحقق لصاحبه النشوة، أو هي صرخة استغاثة ومؤشر حقيقي لحاجة هذا المهووس إلى اهتمام وتعزيز للثقة ممن يحيطون به؟

================================================

 

الهوامش:
 [*] مرض الديسمورفوفوبيا (BDD): هو اضطراب وسواسي (نفسي) يشعر معه الشخص المصاب به بقلق مفرط بسبب عيب في شكل أو معالم جسمه.
أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار