اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/2 الساعة 14:50 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/14 هـ

انضم إلينا
"يا ليتني مثله".. لا تقع في فخ المقارنة!

"يا ليتني مثله".. لا تقع في فخ المقارنة!

الزهراء جمعة

صحفية ومترجمة
  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة

لنكن صادقين مع أنفسنا، كم مرة شعرنا بالغيرة من آخرين يملكون ما لا نملك؟ وحسدنا من يمكنه القيام بما نعجز عنه؟ وسبّب ذلك لنا مرارة وشعورا بالحزن؟ هي مرات لا تحصى بلا شك.. يناقش التقرير التالي غريزة المقارنة الاجتماعية ويعالجها من ناحية نفسية، إنها أمر طبيعي، ولكن، انتبه ولا تقع في الفخ.

 

نص التقرير

بالنظر إلى حساب "ليزا" على فيسبوك يبدو للجميع أنها تتمتع بحياة ساحرة، فهي مسؤولة تنفيذية شابة، تلتقط صورا أثناء التنزه عبر لندن في عطلة أوروبية واختيار المنتجات الطازجة في سوق المزارعين القريب من منزلها، ومَن يمضون الوقت معها شخصيا قد يعتقدون أنها محظوظة كذلك، فلديها ابنة جميلة وزوج مخلص، وتعيش في شقة جميلة في نيويورك، وهي فنانة تستكشف العروض الثقافية في المدينة ونُشر لها مقال في صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا.

 

لكن ليزا تمتلك نظرة داخلية أكثر قتامة عن حياتها، فهي تقول: "لدي شعور سيئ أنني لا أملك ما أريد، وأشعر وكأنني قد اتخذت خيارات خاطئة ولم أبلغ ما أردت". ويشتعل شعورها بالنقص خاصة عندما تقارن نفسها بالأصدقاء والزملاء، والناس من ماضيها، وكثير منهم لا يزال حاضرا في وعيها بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. فهناك صديق من الكلية حقق حلمها السابق بأن تصبح ممثلة وهو يعيش في منزل رائع في ضاحية جميلة. وكذلك منافسها في الثانوية الرحالة المتخصص الآن في مجال الصحة العامة، تقول ليزا: قد يكتب قائلا في منشور له "أسافر اليوم إلى ليبيريا للمساعدة في أزمة الإيبولا"، ويحصل على عشرات التعليقات مثل "أنت أروع مَن قابلتهم في حياتي!". ونادرا ما تحصد منشوراتها هذا القدر من الحماس فتدفع هذه المقارنات ليزا إلى إعادة التفكير في خيارات حياتها وخاصة تلك المتعلقة بحياتها المهنية.

 

مقارنة النفس مع الآخرين هي طريقة عمل العقل البشري، ويمكن أن يكون ذلك أمرا مفيدا. فقد يدفعك الإلهام الذي تشعر به من إنجازات شخص آخر إلى تحسين حياتك الخاصة

مواقع التواصل
  

جاءت إلى نيويورك في العشرينيات من عمرها يغمرها شغف العمل في المسرح، ولكنها تحولت إلى العمل في الإعلان عندما أدركت أنها لتعمل في المسرح "يعني أن أكون نادلة لبقية حياتي" على حد تعبيرها. وبينما تشعر بالامتنان لكسبها راتبا جيدا ومزايا إضافية، فإنها تكره المواصلات وتجد عملها شاقا في بعض الأحيان، وتقول: "إنني نادمة لاختياري هذا المسار بسبب ما انتهيت إليه"، وعندما واجهت إنجازات أقرانها قفزت إخفاقاتها المتصورة أمام أعينها على الفور.

 
إن مقارنة النفس مع الآخرين هي طريقة عمل العقل البشري، ويمكن أن يكون ذلك أمرا مفيدا. فقد يدفعك الإلهام الذي تشعر به من إنجازات شخص آخر إلى تحسين حياتك الخاصة، ويمكن للاعتراف بأن قدراتك تعلو درجة فوق شخص آخر أن يمنحك دفعة لتقدير لذاتك، غير أن هذه المقارنات يمكن أن تكون ضارة عندما تتركك مكتئبا وتشعر بالنقص، وكان ذلك هو الحال قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أداة دقيقة مشحونة للمقارنة الاجتماعية ليس لها مثيل في التاريخ البشري. ويشير الباحثون إلى أن جزءا من تفردها يرجع إلى كونها ترسم صورة مشوهة بشدة للكون الاجتماعي، فالناس على الأرجح يتبادلون التجارب الرائعة والأخبار الجيدة عن أنفسهم -ما يدعوه عالم النفس بجامعة هيوستن "ماي-لي نغوين ستيرز" "نقاط الضوء في حياة الآخرين"- وتستخدم شركات التقنية خوارزميات لتحديد أولويات تلك المعلومات خصيصا في وسائل التواصل الاجتماعي.

  

بُنيت تلك الشريحة الضيقة والمشوهة من الواقع والتي يتم عرضها على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مثالي لجعل المشاهدين يشعرون بالنقص والإحباط، وتقول "سوزان فيسك"، عالمة النفس بجامعة "برينستون": "إنها تخلق تسونامي من المعلومات الزائدة بسرعة هائلة، الأمر الذي يمكن أن يزيد من حدة الآثار". وصاغت "فيسك" مصطلحات مثل "الحسد للأعلى والسخرية لأسفل" في تلخيصها المشاعر المثارة عندما نقارن قيمتنا مع الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولأن المقارنة غريزة إنسانية أساسية فلا توجد وسيلة لإيقافها تماما، ولكن إذا تمكّنا من فهم أصولها وآلياتها وما يجب الانتباه له فقد نتمكن من التخفيف من الآثار السلبية لها وزيادة منافعها سواء كان ذلك في الإنترنت أو خارجه.

  

المقارنة والشعور بعدم الرضا


 

من السهل أن نرى كيف ساعدت الاختلافات الاجتماعية الناس على البقاء على قيد الحياة والازدهار، فقد يكون أحد أفراد مجتمع الصيادين وجامعي الثمار البدائي قد أدرك أنه ماهر بشكل خاص في تتبع الفريسة، فأصبح مرشدا لا غنى عنه لجماعات الصيد، حتى وإن ترك رمي الرمح لأولئك الذين لديهم قدرة أعلى على إصابة الهدف. في الوقت الحاضر قد تنظر مراهقة إلى نفسها باعتبارها متفوقة بالرياضيات فتهدف إلى الحصول على درجة علمية في الهندسة، وتترك كتابة الروايات لأقرانها أصحاب مَلكة اللغة.

  

تم طرح نظرية المقارنة الاجتماعية للمرة الأولى عام 1954 على يد عالم النفس "ليون فيستنجر" الذي افترض أننا نعقد المقارنات كوسيلة لتقييم أنفسنا، وترتبط هذه الغريزة في جذورها بالأحكام الفورية التي نصدرها عن الآخرين، وهي عنصر أساسي في شبكة المعرفة الاجتماعية في الدماغ، والتي يمكن أن تُعزى إلى الحاجة التطورية لحماية الذات وتقييم التهديدات. يقول "توماس موسويلر" أستاذ السلوك التنظيمي بكلية لندن للأعمال: "نحن نربط معلوماتنا عن الآخرين بأنفسنا ولا مفر من فعل ذلك، فهي واحدة من أبسط الطرق التي نطور بها فهمنا عن أنفسنا وما نجيد فعله وما لا نجيده، وهي ليست بطريقة إستراتيجية فحسب، بل كذلك بشكل تلقائي وعفوي كلما واجهنا أناسا آخرين، فحتى عندما تواجه معيارا متطرفا تقوم بالمقارنة أولا، ثم تصحح النتائج".

  

لذلك إذا كنت تسير في الشارع وركض بجانبك شاب عشريني فقد تقيّم فورا أن ذلك يعني -عبر المقارنة- أنك لا تملك جسدا رياضيا، ثم قد تلحظ أنك تكبره بعقدين على الأقل ولديك طفلان ووظيفة بدوام كامل، وتذكر أنك لا تملك مثل ذلك القدر من الوقت لممارسة الرياضة، إنها مقارنة بين التفاح والفاصوليا الخضراء، وهي مقارنة أقل سلبية مما لو كنت تنظر إلى أحد الآباء العاملين مثلك.

  

 
تميل أهدافنا في المقارنة -كما يشير إليهم الباحثون- إلى أن يكونوا ممن نتعرف عليهم عن كثب مع أولئك الموجودين داخل محيطنا الشخصي، فنحن لا نفكر عادة كيف أن حياتنا تتطابق مع حياة "إيلون موسك"، أو ذلك الرجل المشرد الذي يستلقي على الرصيف، وإنما مع أفراد عائلاتنا وأصدقائنا وزملائنا وجيراننا. وترتبط المقارنات التي نشعر بها بشدة بالمجالات التي نعتبرها ذات قيمة مثل المظهر والعلاقات والثروة والإنجاز المهني أو حتى الأهداف الأكثر تحديدا. يقول "ستيرز" موضحا: "قد يعرف أحد الأكاديميين أن زميلا قد قُبل نشر خمس مقالات صحفية له، ولشخص آخر قد لا يُعدّ هذا أمرا مهما، غير أن الأكاديمي قد يقول مفكرا: لقد قُبل لي مقالان فقط ورفض الكثير".

 

تتوقف آثار المقارنات صعودا ونزولا تبعا لكيفية معالجتنا للمعلومات، حيث يحدث التحسين الذاتي عندما تلهمنا المقارنة التصاعدية بالمحاولة بجد أكثر، وقد يحدث تعزيز الذات عندما نلاحظ أوجه التشابه مع شخص متفوق، ونقول لقد ارتدنا نفس الكلية!، أو خلافاتنا مع شخص فاشل، كأن نقول إنه ليس متفانيا في عمله نقيض ما أفعل. وتتلف النفس عندما نقارن صعودا فقط لنلاحظ الاختلافات التي لا يمكن التغلب عليها، مثل أن هذه الفتاة أكثر جمالا مما قد يمكنني أن أكون، أو الاستناد إلى القواسم المشتركة مع شخص تزدريه، كقول إن هذا الفاشل عاطل مثلي.

 

لا يتشابه جميع الناس من حيث خطر المقارنة الاجتماعية السلبية، ومن غير المفاجئ أن أولئك الذين يعانون من انخفاض في تقدير الذات هم أكثر عرضة لأن يشعروا أنهم بلا قيمة. وهو ما يبدو مألوفا لـ "ليزا" التي تقول: "تقدير الذات هو نبوءة تحقق ذاتها، فالمرء هو من يطور هذا النقص في الثقة، فقد كنت دائما أملك درجة عالية من النقد الذاتي وأسيء النظر إلى نفسي". ويمكن للصحة النفسية لأولئك المعرضين للمقارنة السلبية أن تكون عرضة للخطر بشدة نتيجة لذلك. يقول "ميتش برنستين" عالم النفس في جامعة نورث كارولينا: "عندما نعتمد على الآخرين في إحساسنا بالذات -ألا نشعر بالرضا إلا إذا حصلنا على ردود فعل إيجابية منهم- فإننا معرضون لخطر الاكتئاب".


تشبه وسائل التواصل الاجتماعي الكيروسين المسكوب على نيران المقارنة الاجتماعية، فهي تزيد معلوماتنا عن الناس وتجبر عقولنا على القيام بالتقييم والمقارنة 

مواقع التواصل
 

ولكن ليس الأمر كله سيئا، فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون في جامعتي "إسكس" و"كامبريدج" عام 2015 أن الميل إلى الانخراط في عمليات المقارنة يتناقص بمرور العمر، ويفترض الباحثون أن أحد أسباب ذلك يرجع إلى كوننا نقيّم أنفسنا وفقا لماضينا بدلا من الآخرين مع تقدمنا ​​في السن، وأن المقارنة الاجتماعية تشتد عموما بالنسبة للشباب. تقول "سامانثا" وهي معلمة عمرها 24 عاما في أوكلاند بولاية كاليفورنيا: "لدي دائما قائمة بالأشياء التي يجب أن أفعلها، من أين جاءتني هذه الأفكار؟ لقد أدركت أنني أمضي معظم وقتي في مقارنة نفسي مع زملائي وأقراني أو أفراد الأسرة، وهنا تنشأ توقعاتي".

  

وتتطور"سامانثا" بالفعل في حياتها المهنية، وتحمل شهادة الماجستير، وتشغل منصبا إداريا، لكن لديها شكوك حول خياراتها التي غالبا ما تفوق اعتزازها بإنجازاتها. وتقول: "لقد خصص الكثير من زملائي وقتا للسفر أو شغلوا أنواعا مختلفة من الوظائف أو عاشوا في أماكن متعددة، أما أنا فلم أفعل أيا من ذلك، فقد سلكت هذا المسار، وحافظت على تركيزي ونجحت فيه، ولكن أثناء قيامي بذلك أضعت فرصا أخرى". إن ما تراه "سامنثا" على حسابات أصدقائها يجعلها تشعر بالنقص، وتضيف: "أمضت صديقتي "هيذر" شهرا في اليونان ولم أبعد يوما عن "كولورادو"، ولدي أصدقاء يتزوجون وينجبون أطفالا بينما أنا عالقة هنا، وأعلم أنني لا يجب أن أقارن نفسي بغيري، ولكن من الصعب عدم فعل ذلك".

 

إدمان تسجيلات الإعجاب

تشبه وسائل التواصل الاجتماعي الكيروسين المسكوب على نيران المقارنة الاجتماعية، فهي تزيد معلوماتنا عن الناس وتجبر عقولنا على القيام بالتقييم والمقارنة. في الماضي كنا نستوعب انتصارات الآخرين بشكل متقطع، وكنا نعرف أخبار زملائنا أو جيراننا كل حين، بينما الآن أصبحت الأخبار حاضرة باستمرار تخبرنا عن الجديد في حياة مجموعة الناس أكبر ممن كنا نتعقب أخبارهم سابقا، وتصاحبنا هذه التحديثات في مواصلاتنا ولحظات الانتظار أو حتى في سريرنا في الثانية صباحا.

  

 

إن الميل إلى تفقّد وسائل التواصل الاجتماعي في وقت شعورنا بالإحباط قد يترك آثارا سلبية للغاية، فقد ترى تغريدة أحدهم عن وظيفته الجديدة الرائعة في حين تأكل السلطة حزينا على مكتبك، أو تنظر إلى صور إحدى معارفك بجانب صديقها الجذاب بينما خضت للتو شجارا مع شريكك. ويبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي تعبر عن تقييمات صريحة للناس بطرق واضحة، فعدد المتابعين على تويتر، أو قلوب إنستغرام، أو وصلات "لينكيد إن"، أو إعجابات فيسبوك التي جمعها شخص آخر مقارنة بنا تبدو دليلا دامغا على ترتيبنا في سلم خيالي ما.

 

وهناك سبب لسعي المراهقين المحموم خصوصا إلى الشعور بالقيمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويُرجع "برينستين" ذلك إلى مجموعة واسعة من المناطق في الدماغ التي تسعى للمكافآت الاجتماعية، بما في ذلك الجزء من النواة المخططية يسمى النواة المتكئة (باللاتينية nucleus accumbens)، والتي تصبح مشحونة للغاية في مرحلة البلوغ. ويقول "برينستين": "إن المكافآت الاجتماعية في الأساس هي تنشيط للدوبامين داخل الدماغ عندما نشعر بأننا نحظى بالاهتمام أو ردود الفعل الإيجابية من الأقران، ويمكن أن ينتج عن مقارنة نفسك بالآخرين كذلك، وخاصة أصحاب القيمة العالية وأن ترى أنك تتفق معهم أو أنك تشبههم، تنشيط أجزاء من الدماغ كما تفعل المخدرات، وهذا قد يكون السبب حقا في إدمان المراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي". ويمكن لمعظم البالغين الذين نشأوا قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي أن يتذكروا كيف واجهوا نفس المحرك الفطري لاهتمام الأقران في فترة المراهقة، فهي جزء من عملية طبيعية من التقييم المنعكس، حيث نطور شعورا بكينونتنا من نظرة الآخرين لنا.

  

يقول "برنستين": "يفترض لهذا الشعور بالرضا تبعا لنظرة الآخرين لك أن يزول في سن الرشد، لكن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت "مراهقة" تدوم مدى الحياة، مما يجعل من السهل جدا الاستمرار في عقد المقارنات بأسلوب مراهق للغاية".

 

  

انضمت "نيكي" -البالغة من العمر 41 عاما والتي تعمل في خدمة العملاء- إلى فيسبوك في عام 2009 بناء على طلب أختها وقريبتها، تقول: "قالا لي: هيا انضمي لنا سيعجبك الأمر حقا!"، وفي البداية استمتعت فعلا بإعادة التواصل مع الأصدقاء القدامى، بما في ذلك رفيقة المدرسة الثانوية التي فقدت الاتصال بها منذ فترة طويلة. وكانت تمضي ساعة أو أكثر كل ليلة تمرر عبر الموقع لمعرفة عما يتحدث الناس، وحيث كان العديد منهم تقريبا في نفس سنها -أي في الثلاثينيات- كان أساس حديثهم شيئا واحدا: كما تقول نيكي: "الأطفال، الأطفال، الأطفال!".

 
ولا يتعلق الأمر بعدم حبها للأطفال، فالأمر نقيض ذلك تماما، فهي تقول: "إنني ألعب معهم على الزلاجة والحجلة وأتقلب معهم في التراب"، ولكن في ذلك الوقت كانت هي وزوجها يحاولان الإنجاب بلا نجاح، واكتشفت "نيكي" في النهاية أن عقمها كان سببه بطانة الرحم، مما أدى إلى استئصال الرحم، وذلك يعني أنها لن تلد أبدا، "وهي حقيقة مريرة تلقي بها وسائل التواصل الاجتماعي على وجهي باستمرار كلما سجلت الدخول" وفقا لقولها. بالنسبة لـ "نيكي" يتعلق الأمر بالأطفال، وللبعض الآخر يتعلق بشكل البطن المنتفخة، أو الوضع المالي غير المستقر أو مهنة معطلة.

 

أما "كريستال"، وهي أم تبلغ من العمر 37 عاما، فتأخذ استراحات طويلة من وسائل التواصل الاجتماعي لتجنب تلك الهجمة الشرسة لصور المنازل المثالية والابتكارات، وتقول: "عندما أدخل إلى الإنترنت أشعر بأنني أسوأ أم على الإطلاق، فغرف أطفالي لا تبدو هكذا، ولا أصنع الكعك هكذا، وينتهي بي الأمر أشعر بعشرة أضعاف السوء تجاه نفسي وأستمر في اجترار المشاعر السيئة لساعات".

  

عندما تثير وسائل التواصل الاجتماعي شعورا بعدم الكفاية هناك طرق تبدو بديهية لتملك زمام الأمور مجددا، كأن تحذف التطبيقات أو أن تقوم بإلغاء تنشيط حساباتك

مواقع التواصل
 

ومن المفارقات أن وسائل التواصل الاجتماعي تضربنا في نقاط ضعفنا لا عن طريق استهدافها عمدا، بل عن طريق كونها غائبة إلى حد كبير عنها، حيث تميل شبكاتنا الاجتماعية إلى أن تكون واسعة وغير شخصية، ويقوم الأشخاص بنشر المعلومات على شرائح واسعة من المشاهدين دون التفكير بالضرورة في من يشاهدها. وبسبب الميل إلى نشر حساب تم تحريره وتنقيته بعناية عن حياتنا، يقول "موسويلر": "إن ملفات تعريف الفيسبوك ترسم صورا وردية جدا، وإذا كنت لا تزال تتفاعل مع هؤلاء الناس من المدرسة الثانوية فستعرف كلا الجانبين المشرق والمظلم".

 

وعلاوة على ذلك يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي تحريف مجالات المقارنة المفضلة لدينا، وتجعلنا نعتقد أننا نهتم ببعض الأشياء أكثر مما نفعل حقا. فلم نكن دائما نهتم بالطريقة التي يزيّن بها معارفنا كعكة عيد ميلاد أطفالهم أو الوجهات التي يمضون فيها عطلاتهم، ولكن عندما تقابلنا هذه الأمور على وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار نبدأ فجأة بالنظر في نواقصنا. في عصر سابق لظهور وسائل التواصل الاجتماعي ربما كان "ستيفن" -وهو أمين مكتبة أكاديمي يبلغ من العمر 51 عاما- ليكون بيتوتيا قانعا، وفي حين أنه انطلق في عديد من الرحلات الفردية في العشرينيات والثلاثينيات من عمره فهو لا يسافر بذلك القدر الآن حيث إنه مطلق ولديه ابنة شابة. ويقول: "إن السفر بمفردك يجعلك تشعر بالوحدة كثيرا"، لكن صور العطلات على وسائل التواصل الاجتماعي تجعله يشكك في معتقداته، ويقول: "ربما يجب أن أجرب أكثر، مثل ذلك الشخص الذي ذهب للتو إلى أيسلندا". ومن ناحية يمكن لتوقع حياة الآخرين أن يحفزه، لكن ذلك في الواقع رغم كل شيء يضعه في موضع شك، "هذا يذكرني أنني لا أحيا حياتي على أكمل وجه".

 

فلتذهب إنجازاتهم إلى الجحيم!

عندما تثير وسائل التواصل الاجتماعي شعورا بعدم الكفاية هناك طرق تبدو بديهية لتملك زمام الأمور مجددا، كأن تحذف التطبيقات أو أن تقوم بإلغاء تنشيط حساباتك، أو تنقية قوائم أصدقائك لتجنب رؤية تلك المنشورات والصور من أولئك الذين يسببون لك شعورا سيئا. كما يمكنك استخدام تطبيقات مثل "Moment" أو "StayFocused" والتي تحسب الوقت الذي تهدره على مواقع معينة وتشجعك أو تجبرك على تسجيل الخروج منها. ولكن الأمر يتعلق في النهاية بطريقة استخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعي، وليس مقدار الوقت الذي نقضيه عليها، فذلك هو ما يملك التأثير الأكبر على شعورنا.

 

المقارنة أمر لا مفر منه في الحياة حتى وإن كنت تُحسن استخدام وسائل التواصل، ومن المهم أن نتذكر أنها ليست بالضرورة أمرا سيئا، فحتى إن شعرت بخيبة الأمل حينها (مواقع التواصل)

  

تقول "إيما سيبالا"، مديرة مركز "CCARE" لتطوير التعاطف في جامعة ستانفورد، ومؤلفة "مسار السعادة": "عندما نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لرؤية منشورات الآخرين بلا حضور ذهني تنخفض سعادتنا، فنحن نقارن أنفسنا بالآخرين، ونتوه في حياتهم المثالية، وننسى أن نتمتع بما لدينا، لكن المشاركة والنشر والتفاعل قد تكون ذات تأثير معاكس. حيث يقدم فيسبوك فرصا لا تُعدّ للحضور مع الأحبة والأصدقاء ولنكون بجانبهم إذا ساءت الأمور، وكذلك يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن الحاجة إلى الدعم".

 

والمقارنة أمر لا مفر منه في الحياة حتى وإن كنت تُحسن استخدام وسائل التواصل، ومن المهم أن نتذكر أنها ليست بالضرورة أمرا سيئا، فحتى إن شعرت بخيبة الأمل حينها، يقول "موسويلر": "يمكن لوعيك بأنك لا تجيد أمرا ما أن يكون درسا مفيدا"، فتقبل حقيقة أنك لن تكون أبدا عالما في الفيزياء الفلكية يمكن أن يشجعك على التركيز أكثر على المواهب التي في متناول يدك. وأضاف: "إن كان الآخرون أفضل منك في مجال ذي قيمة فقد يكون ذلك مصدر إلهام بالنسبة لك للعمل على نفسك".

 

وتحب "فيسك" أن تشير إلى المصطلح الهولندي للشعور بالحسد وهو "benijden" الذي يعني الحماس الذي يحصده الشخص من مثال آخر مثير للإعجاب. وتقول: "تشير بعض الأدلة إلى أن العدوى الاجتماعية الإيجابية ممكنة مع وجود المقارنة الاجتماعية، حيث يمكن للأخبار السارة عن الآخرين أن تجعلنا نشعر بالرضا كذلك".

  

تقليص الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي مهم، ولكن الأهم من ذلك هو كيفية استخدام ذلك الوقت

 

وبشكل عام فإن الوقاية الأكبر من الوقوع في فخ المقارنة وأفضل طريقة لسحب نفسك منه هي بتطوير تقدير ثابت للذات والحفاظ عليه، وهذا يعني صقل هويتك واحترامك لذاتك، وتغذية العلاقات مع مَن يرونك على حقيقتك، والحفاظ على معتقداتك ومبادئك الحقيقية. يقول "برنستين": "هناك تجاذب عنيف، فهل يجب عليك أن تسعى إلى الشعور بالرضا عن نفسك من خلال المكافآت الاجتماعية، أو أن تعتمد على طرق أكثر استقرارا لتعرف مَن أنت حقا؟ ويأتي الشعور بتقدير الذات من التفكير في نفسك بغياب أي تقييمات خارجية، بمعنى هل يمكنك الشعور بالفخر بذلك الشخص الذي لا يتم النشر عنه علنا؟".

 

قررت "نيكي" في نهاية المطاف أن تفصح عن حقيقة عقمها على الإنترنت وكذلك في الحياة الحقيقية، مما أدى إلى تعميق الصداقات، كما نظرت إلى ما هو أبعد من صور أطفال الآخرين وأدركت أن الأشخاص الذين عرفتهم كانوا يعانون من صراعات مختلفة، مثل تشخيصهم بالسرطان، أو منزل سحب لعدم دفع رهنه، أو فقد لشريك. وأدركت أنها تحظى بصحة جيدة، ولديها وضع مالي مستقر، وتنعم بزواج سعيد، فعرفت أن المقارنة يمكن أن تعمل في كلا الاتجاهين. "لقد تخطيت مرحلة الشعور بالأسف على نفسي والآن لدي نظرة صحية للحياة، فحياة كل فرد مختلفة عن الآخر ولا أحد مثالي، وأنا ممتنة للغاية لما أملكه".

 

خطوات عملية.. كيف لا تقع في الفخ؟

1- ركز على التواصل لا المقارنة

يقول "برنستين" عالم النفس في جامعة كارولينا الشمالية: "إن تقليص الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي مهم، ولكن الأهم من ذلك هو كيفية استخدام ذلك الوقت"، فبدلا من مجرد تمرير المنشورات ابعث برسالة خاصة إلى أحدهم وتحدث عن التجارب المشتركة، وابحث عن علاقة حقيقية، واستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عام لتتمكن من "تعزيز العلاقات القيّمة خارج الإنترنت".

 

2- انظر إلى من هم أعلى منك بقليل

 
تشير عقود من الدراسات إلى أن المقارنة التصاعدية يمكن أن تثير الدافع والمجهود، فمثلا حصد الأطفال الذين يقارنون أنفسهم بأقرانهم الذين يتفوقون قليلا على أدائهم درجات أعلى. ورؤية أن الطريق إلى التحسن قابل للتحقيق هو مفتاح مهم، ومن الأفضل مقارنة نفسك بشخص أعلى منك بدرجة أو اثنتين لا ذلك الذي على قمة السلم.

 

3- قدّر ما لديك من نِعم

إن ركزت على الأمور الجيدة في حياتك فلن تكون مهووسا بما لا تملكه، وتنصح "لوريتا بريونينغ" مؤلفة "عادات الدماغ السعيد" بالانخراط في "مقارنة تنازلية واعية"، بمعنى أن تقارن نفسك بأسلافك، "فأنت لا تضطر إلى شرب الماء الذي تملؤه الميكروبات، ولا يجب أن تتعامل مع العنف يوميا، سيذكرك ذلك أنك على الرغم من بعض الإحباطات تملك حياة رائعة".

 

4- قارن نفسك بــ نفسك

تماما مثل ميل كبار السن إلى مقارنة أنفسهم حاليا بماضيهم، وتقول "سونيا ليوبورميرسكي" عالمة النفس في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد إن "السعداء من الناس يستخدمون أنفسهم للتقييم الداخلي، ولا يعني ذلك عدم ملاحظتهم للمقارنات التصاعدية، لكنهم لا يدعون ذلك يؤثر على تقديرهم لذاتهم، ويركزون على التحسن دائما، فالعدّاء السعيد يقارن نفسه بآخر جولة ركضٍ له، وليس بمَن هم أسرع منه".

 

5- اصنع بهجتك الخاصة

يوصي الطبيب النفسي "رافي شاندرا" من سان فرانسيسكو باستخدام غريزة المقارنة الاجتماعية كنقطة انطلاق للنمو الذاتي الحقيقي، وهو يروي جهوده الخاصة للقيام بذلك الأمر في كتابه الجديد، "فاسيبوذا: التسامي في عصر الشبكات الاجتماعية!" الذي يقول فيه: "بدلا من الشعور بالحسد، وهو شكل من أشكال العدوانية، استكشف ما يعجبك وتقدّره في الآخرين، وأوجد شعورا بالفرح لنجاحهم، الأمر الذي يمكن أن يكون حافزا لنموك أنت".

_________________________________________________
 
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار