اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/4 الساعة 17:58 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/16 هـ

انضم إلينا
انتفاضة الطلبة والعمال.. رقصة الثورة الأولى

انتفاضة الطلبة والعمال.. رقصة الثورة الأولى

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
في خطاب لـ "الغزالي حرب" خلال مؤتمر عُقد خارج مصر عقب زيارة السادات لإسرائيل قال الغزالي معلقا على أحداث (يناير/كانون الثاني): ".. إن السلطة في مصر كانت ملقاة على قارعة الطريق، ولم تجد من يلتقطها!!"(1)، ويعلق "صلاح الدين محسن" أحد حضور ذلك المؤتمر قائلا: "كانت مصر من أقصاها لأقصاها تغلي بالغضب، والسادات كان مذعورا في أقصى الجنوب باستراحته بأسوان.. بالقرب من صديقه "جعفر النميري" الذي كان يحكم السودان في ذلك الوقت حتى إذا ما استحكمت حلقة الغضب يكون قادرا على الهرب إلى السودان، حيث مسقط رأس والدته، واللجوء لدى صديقه النميري.. ولا أدري كيف أن أحزاب المعارضة لم تتقدم متحالفة -أو حتى حزبا واحدا منفردا- لالتقاط السلطة التي كانت ملقاة على قارعة الطريق!"(1).
 
أما بعد أسبوعين من أحداث (يناير/كانون الثاني)، والتي عُرفت تاريخيًا بـ "انتفاضة الخبز" بينما سمَّاها الرئيس السادات "انتفاضة الحرامية"، قال في خطابه: "اللي عايز يفجر موقف في مصر يلاقي المادة المتفجرة في مكانين: في الطلبة باعتبارهم شباب مندفع لا يتروى في التفكير.. عايز يعيش وعايز يكون له كيان، والمادة الثانية هي العمال"(2).
 
كان السادات حينئذ، والذي سيتحول الهتاف باسمه كبطل للحرب والتحرير بعد حرب (أكتوبر/تشرين الأول) 1973 إلى هتاف لسقوطه وسقوط نظامه في ذلك الوقت، يستعيد قوته وسلطته مرة أخرى بعدما انهارت خلال يومين فقط تفجر فيهما الشارع المصري، فخرج الشعب بعشرات الآلاف ينادي "فين الفول يا بطل العبور؟!". طوفان بشري غاضب يدمر ويحرق كل ما يقف أمامه، حتى إنَّ الشرطة قد تمت هزيمتها بالكامل وانسحبت تجر أذيال قسوتها الوهمية(3).
    
 

 وبينما كانت القاهرة تشتعل بالمظاهرات الشعبية الغاضبة، "وصل السادات، المذعور، إلى منزله بالجيزة، قادما من أسوان، حيث كانت، كما يذكر أحمد بهاء الدين في كتابه "محاوراتي مع السادات"، طائرات الهليكوبتر تقف أمام البيت الرئاسي على شاطئ النيل، جاهزة للإقلاع، وكانت المنطقة كلها محاطة بالدبابات الثقيلة. وفي مطار أبو صوير كانت طائرة السادات الكبيرة من طراز بوينج 707 رابضة على أرض المطار، مستعدة للطيران إذا حكمت تطورات الأحداث.."(4).

 
لكن وبرغم انتهاء الأحداث بعد يومين بنزول الجيش إلى الشارع لأول مرة منذ 1952 وسيطرته على مجريات الأمور، ظلت هذه الذكرى المرعبة لانتفاضة (يناير/كانون الثاني) تسيطر على ذاكرة السادات وقراراته فيما بعد(4)، لكن ما الذي حدث في يومي 18 و19 (يناير/كانون الثاني) 1977 واستدعى كل هذا الغضب والرعب من رئيس مصر محمد أنور السادات وكبار وزرائه، ألم يكن جزء كبير من القضية الوطنية التي ظهرت ملامحها الجديدة بعد نكسة 1967 قد تم حلها بانتصار (أكتوبر/تشرين الأول) وطرد الجيش الصهيوني من سيناء؟ لماذا اتَّهم السادات الطلبة والعمال بتفجير الأحداث وتهديد سلطته برغم مشاركة أطياف واسعة من الشعب في المظاهرات؟
 

48 ساعة زلزلت الدولة المصرية

"لا تهمني النظريات الاقتصادية. يهمني فقط سعر كيلو اللحم والسكر وزجاجة الزيت وعلبة الدواء وفاتورة الكهرباء، وأن كل جنيه في جيبي صار ثلاثين قرشا. لقد انتهت حقبة اليوفوريا ورقص السيدات أمام لجان الانتخاب لتأتي لحظة الحقيقة".

 (أحمد خالد توفيق)

   

   
في مساء يوم 16 (يناير/كانون الثاني) 1977 وقف عبد المنعم القيسوني -نائب الوزراء ورئيس المجموعة الاقتصادية- أمام مجلس الشعب، ليعلن عن قيام الحكومة باتخاذ مجموعة من القرارات الاقتصادية "الحاسمة والضرورية" التي تهدف إلى خفض العجز في ميزان المدفوعات، "وذلك تحت ضغط الصندوق والبنك الدوليين، ومن أجل توقيع اتفاق معهما"(5). فكانت المحصلة الرئيسة لهذه القرارات هي تحميل الفقراء من المصريين أعباء مالية تقترب من 500 مليون جنيه سنويا، تدفع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، على شكل زيادة في أسعار جميع السلع الضرورية، حيث حدثت زيادة مباشرة في أسعار الخبز والسجائر والبنزين والبوتاجاز والسكر والدقيق الفاخر والذرة والسمسم والحلاوة الطحينية والفاصوليا واللحوم المذبوحة والشاي والأرز والمنسوجات والملبوسات بنسب تتراوح ما بين 30% إلى 50%(5).

 
حيث يذكر ممثل البنك الدولي في مصر حينئذ "بول ديكي" في مذكراته المعنونة بـ "بعض الأفكار حول مسألة الانفتاح الاقتصادي" أنه طالب السلطات المصرية باتخاذ "بعض الإجراءات الحازمة، ومن ضمنها تخفيض سعر الجنيه المصري، إلى جانب رفع الدعم عن السلع الضرورية"(6)، التي كانت الحكومة لسنوات طويلة تقوم بدعمها لصالح سواد الشعب.

 
في اليوم التالي تضمنت "قرارات 17 (يناير/كانون الثاني) 1977" استجابة كاملة لتوصيات البنك الدولي وفي مقدمتها:

- إلغاء الدعم عن السلع الأساسية مثل السكر والدقيق الفاخر والذرة والسمسم والحلاوة الطحينية والفاصوليا واللحوم المذبوحة والشاي والأرز والمنسوجات والملبوسات.

- زيادة أسعار بعض السلع الأخرى، مثل السجائر والبنزين والبوتاجاز، زيادة مباشرة.

- زيادة رسوم الدمغة، والرسوم الجمركية، ورسوم الإنتاج والاستهلاك، وضرائب السيارات.

- رفع سعر الدولار من 40 إلى 70 قرشا (وهو ما يعني تخفيض قيمة الجنيه المصري بما يوازي 75% من قيمته الأصلية).

   
 
 
وما هي إلا ساعات حتى كان الانفجار يهز أركان البلاد من أقصاها إلى أقصاها، من الإسكندرية حتى أسوان، وانهارت ممانعة السلطة ومقاومة فرق أمنها في مواجهة زحف الملايين الهادر(6)، فمثل انتشار النار في الهشيم "زلزلت انتفاضة الخبز القاهرة والإسكندرية وغيرها من المدن المصرية. وسخر المتظاهرون حينها من الرئيس السادات بشعارات من عينة "فين الفطور يابطل العبور؟" واضعين قوته العسكرية في عام 1973 في كفة والارتفاع المفاجئ للأسعار في كفة أخرى"(7).

 
يحكي "أحمد بهاء شعبان"، وهو أحد القيادات الطلابية التي شاركت في تلك الأحداث حينئذ، فيقول: "جلسنا صباح يوم 18 (يناير/كانون الثاني) 1977 في حلقة متسعة نتدارس آثار ما أقدمت عليه السلطة بإعلان قراراتها الجديدة لرفع الأسعار، فيما أسمته سياسة "تعديل المسار الاقتصادي"، ولم تك حلقة الزملاء قد انفضت بعد حتى اندفع بعض الزملاء القادمين من خارج الجامعة وأخبرونا أنهم عرفوا أن العمال في حلوان (بمبادرة من شركة مصر-حلوان للنسيج) قد بدأوا في الخروج، آلافا مؤلفة، بهدف التصدي للمؤامرة الجديدة على حياة الكادحين المصريين المسحوقين تحت وطأة الاستغلال اليومي البشع"(8).

 

ويكمل شعبان: "انطلقنا عبر بوابة جامعة القاهرة الحديدية الضخمة إلى الشارع، عبرنا "كوبري الجامعة" إلى الشارع في اتجاه القصر العيني، ثم اتجهنا إلى مقر "مجلس الشعب" الذي توقعنا اندفاع الجموع الشعبية نحوه كما تعودت من قبل، وما كدنا نصل إلى شارع القصر العيني، من جهة حي المنيل، حتى رأينا وفود العمال والمواطنين البسطاء قد بدأت تفد إلى الشارع قادمة إليه من "حلوان" الحي الصناعي العتيد، محمولة على عربات لوري، وظهر هتاف مدوي: إحنا الشعب مع العمال ضد تحالف رأس المال". 

ملصق لاتحاد طلاب مصر 1977 يدعو لانتفاضة في 18 و19 (يناير/كانون الثاني)  (مواقع التواصل)

 

"ثم أتت حشود جديدة، هائلة، تتدفق من شرايين أسطورية لكي تصب في مركز المدينة الذي ينبض الآن كقلب واحد بالغ الضخامة، وآلاف من سيدات مصريات مرتديات السواد، يلوحن بأيديهن غاضبات، هتافات.. ضجيج.. لافتات.. أهازيج شعبية.. صرخات.. وفجأة يعلو وسط الحشد هدير يتردد صداه في جنبات الشوارع المكتظة: بلادي.. بلادي.. بلادي".

 
"عجوز أبيض الشعر يرتدي جلبابا، يبكي بحرقة ويصرخ في انفعال بصوت مبحوح "والله دي ولا ثورة تسعتاشر!"، ويصيح بصوت متهدج "أنا شوفتها بعنيا دول..كنت صغير بس واعي وفاهم!"، ثم ينقطع الحديث بعد أن غلبه الموقف". "حركة الجموع تأخذني من نفسي، ترتد بي إلى الخلف كأني ذرة تتحرك طواعية وسط ملايين الذرات المتشابهة، فألفاني أمام بوابة مبنى مجلس الشعب مرة أخرى. لا أحد منا قادر على الحركة المنفصلة، ذبنا جميعا في المجموع وتشكل كياننا المندمج جسدا واحدا عملاقا لا أول له ولا آخر. معه لا تستطيع أن تتحرك إلا بوحي من إرادته الكلية. ومرة ثانية يعلو صوت جموع طلابية: شباب الجامعة ياما قال.. خلوا بالكو من العمال"(8).
 

دقت الساعة المتعبة.. واصطدمت الجموع بالدروع

كل ما تهل البشاير من يناير كل عام
يدخل النور الزنازن
يطرد الخوف والظلام

لما قامت مصر قومة بعد ما ظنوها نومه

تلعن الجوع والمذلة والمظالم والحكومة؟

(أحمد فؤاد نجم)

برغم كل تلك الحشود التي خرجت إلى الشارع في ذلك اليوم، لم تكن المظاهرات الشعبية سواء الطلابية منها أو العمالية بشيء جديد، فعلى مدار سبعة أعوام، منذ تولى الرئيس السادات السلطة بعد وفاة جمال عبد الناصر، بل منذ انتفاضة الطلبة في عام 1968، كانت المظاهرات تخرج باستمرار، حيث كان الشارع المصري يلتهب بالقضية الوطنية التي نضجت ملامحها مرة أخرى بعد نكسة 67 والهزيمة العربية المخزية، وكان رد فعل الحكومة دائما عبر جهازها الأمني وفرق الأمن المركزي المدججة بالعصيان الثقيلة والدروع والقنابل والبنادق والرصاص، لكن جاء عنف الأمن هذه المرة مبالغا فيه ومناسبا لحجم الحشود في الشوارع.

  
 
يضيف أحمد بهاء شعبان إلى حكايته سطورا جديدة تصف لحظات المواجهة من الميدان فيقول: "على اليمين، من جهة حي السيدة زينب العتيق، برزت في أقصى الشارع أعداد ضخمة من جنود الأمن المركزي، مدعمين بالحافلات المدرعة والمجنزرات، مدججين بأسلحة القمع، وعلى اليسار من جهة حي "جاردن سيتي" الأرستقراطي، وعبر عدة شوارع موازية تتقدم قوات مماثلة، ومن الخلف من جهة القصر العيني، تزحف مجموعات عسكرية كبيرة لإحكام الحصار على المواطنين العزل، وهي تمهد لهجومها الشامل بإطلاق زخات من الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع على تجمعات الأعداء!!..".

 
"ثم مدافع رشاشة وهراوات مطاطية ودروع صلبة تتقدم وسط صيحات عالية يطلقها الجنود تنخلع لها الأفئدة. توترات تجتاح الحشد على هيئة تخلخلات وتضاغطات متتابعة، وملامح صدام دامٍ تنتشر في الأفق وسط سكون ثقيل ومنذر ومسيطر على المكان. فجأة ينفجر صوت قوي من اللامكان بل من كل المكان: "لم كلابك يا ممدوح.. دم اخواتنا مش هيروح". هتاف آخر: "مش حنخاف.. مش حنخاف.. من القلعة والاستئناف". وصل التوتر الآن أقصاه، وبدأت المعركة دون سابق إنذار، الرصاصات المطاطية والقنابل المسيلة للدموع تفجر في كل مكان، غازات كثيفة تحجب الرؤية وتؤذي العيون وتلهب الصدور". "غازات لزجة وثقيلة وحارقة، استوردها خصيصا قبل فترة وجيزة من الولايات المتحدة، وفيما كانت جنود الأمن المركزي تتقدم ببطء من جهات ثلاثة لإحكام الحصار، كانت تجمعات الجموع تنبسط وتنقبض كقلب ينزف".

 

"ينفجر زئير جماهيري، صوت شاب صارخ مندفع يعقبه مطر طوبي يسقط فوق رؤوس الجنود.. بلاطات الشوارع الصلبة تنخلع بأيدي الجماهير الثائرة، ثم تتحطم على الأرض إلى قطع صغيرة تلتقطها الأيدي ثم تقذف بها بعنف وغضب تجاه المعتدين".

 

  

"الرؤية تتعذر، والتنفس يصبح صعبا، وسعال متصاعد، والعيون ملتهبة، موجوعة، وأشباح الجنود تندفع في اشتباك التحامي، صدام عنيف مع الحشود، وأصوات صرخات متناثرة يضج بها المكان". "وتنتقل المعركة إلى ميدان التحرير، قلب القاهرة، ومجددا بدأ العسكر بإطلاق القنابل وطلقات الرش على الآلاف من العزل بأوامر من ضابط متوتر، والناس لا تملك ما ترد به إلا الحجارة والطوب. وتفلح الكتلة الزاحفة في اختراق حصار الأمن المركزي بجوار مجلس الشعب، تلتحم الكتلتان معا، وتشكّلان جسدا بالغ الضخامة والقوة، يخوض معركة طاحنة، وصراعا داميا، ضد قوات السلطة الغاشمة.. وينطلق الحشد المنتشي بقوته، بعد تراجع قوات الأمن، يصرخ في عنفوانه، وتردد حوائط بيوت القاهرة القديمة صدى صرخاته الهادرة (إصحي يا مصر)"(8).

 

اليوم الثاني.. نهاية ثورة وليدة

يا شغالين ومحرومين

يا مسلسلين رجلين وراس
خلاص خلاص
ما لكوش خلاص
غير بالبنادق والرصاص

(أحمد فؤاد نجم)

 
في اليوم الثاني 19 (يناير/كانون الثاني) 1977 تستمر المظاهرات، وتتجمع الحشود مرة أخرى رغم ما ينشره الراديو و"مانشيتات" الجرائد عن "المخربين الذين عاثوا في الأرض فسادا"(8)، أما القاهرة في الصباح فتبدو باردة الطقس، متحفزة الملامح، ساخنة الأنفاس، وعلامات التوتر تُلحظ فوق قسمات الوجوه، وفي ألق العيون".

  
"ويرتفع على الأكتاف شاب يرتدي النظارات الطبية.. يرفع يده فيصمت الجميع ليدوي صوته القوي الثاقب:

"يا أهالينا يا أهالينا.. آدي مطالبنا وآدي أمانينا:

أول مطلب يا شباب.. حق تعدد الأحزاب

تاني مطلب يا جماهير.. حق النشر والتعبير

تالت مطلب يا أحرار.. ربط الأجور بالأسعار

إحنا الطلبة مع العمال.. ضد حكومة رأس المال"(8).
 

 
ويموج الحشد بانفجارات راعدة تردد الهتاف المدوي، ومن ركن آخر يرتفع على الأكتاف شاب آخر، كث الشارب، عمالي المظهر، يرتدي ملابس كاكية، ويصرخ بصوت أجش:

"مش كفاية لبسنا الخيش

جايين ياخدوا رغيف العيش!"

 

 
"وتظهر فجأة قوات الأمن المركزي، وتتكرر أحداث الأمس، تنطلق القنابل المسيلة للدموع، ويتسلح الناس بحجارة الأرض في وسط دخان القنابل، وفي مواجهة رصاص الحكومة، وتتولى مجموعة من الشباب مطاردة تجمعات الأمن المركزي، والتي بدأت تنهك بفعل الجهد المتواصل طوال يوم أمس وما انقضى من ساعات اليوم، وتواصل الجري خلف فلوله البائسة المذعورة، تمطرها بوابل من الطوب والحجارة"(8).

 
"نحمل الضحايا إلى مداخل العمارات في محاولة مستميتة لإسعافهم، تدمع العيون وأحد المواطنين يقرأ من واقع البطاقة الشخصية اسم الضحايا الذين سقطوا برصاصات حية أطلقها الجنود". "الحشد الهائج بعد أن سال دمه ينطلق في ثورة ماردة باتجاه قصر عابدين.. عشرات الآلاف ينطلقون في غضب وهم يلوحون بقبضتهم الثائرة.. ولأول مرة نبصر حشودا من الجيش لا جنود الأمن المركزي.. يرتفع التوتر حتى يبلغ أقصاه.. ويتوجه الحشد إلى عساكر الجيش بهتافهم المدوي:

"يا اخويا ياجندي الجيش.. شعبك حافي ولابس خيش".

 
"وتستمر التظاهرات وتتوجه هذه المرة إلى قسم شرطة عابدين، وتصطدم مع الشرطة مرة أخرى.. ويمر الوقت.. مظاهرات.. صدامات.. شعارات.. جرحى ومصابون.. صرخات وهتافات.. صورة فتاة جميلة على رأس المظاهرة.. صورة طفل حافي القدمين يتصدى بالطوب لعدوان الأمن المركزي.. صورة الأم التي تحمل وليدها الشهيد.. صورة العلم يرفرف فوق السارية.. ومن أحد الأزقة الجانبية يخرج صوت الشيخ إمام عبر جهاز التسجيل:

 يا مصر قومي وشدي الحيل
كل اللي تتمنيه عندي
لا القهر يطويني ولا الليل
يا مصر عودي زي زمان
ندهة من الجامعة وحلوان
يا مصر عودي زي زمان

تعصي العدو وتعاندي"(8).

 

وفي نهاية ذلك اليوم تدخل الجيش وفرض حظر التجول، تاركا ما يقارب من خمسين قتيلا وأكثر من 600 جريح، وتراجعت الحكومة عن رفع الأسعار وأقرت بقوة الاحتجاجات(9)، لكن هل خرجت كل تلك الحشود وتلك الاحتجاجات فقط من أجل زيادة الأسعار، أو أن الأمر يتعدى ذلك؟!

 

تصدعات في الحرم الوطني أنتجت انهيارا

 
للوهلة الأولى

قرأت في عينيه يومَهُ الذي يموت فيه

رأيتُه في صحراء "النقب" مقتولا

منكفئًا.. يغرز فيها شفتيه،

وهي لا ترد قبلةً.. فيه!

نتوه في القاهرة العجوز، ننسى الزمنا

نفلت من ضجيج سياراتها، وأغنيات المتسولين

تُظلّنا محطةُ المترو مع المساء.. متعبين

وكان يبكي وطنا.. وكنت أبكي وطنا

نبكي إلى أن تنضُب الأشعار

نسألها: أين خطوط النار؟

وهل تُرى الرصاصة الأولى هناك.. أم هنا؟

(الشاعر أمل دنقل)

 

كانت الساحات الجامعية في مصر قبل حرب (أكتوبر/تشرين الأول) مشتعلة(10)، وبعد فترة هدوء وجيزة في الجامعات المصرية تجددت إرهاصات نشاط ما قبل الحرب واستمرت على مدى معظم سنوات العقد. فكانت مسألة تحرير الأراضي المصرية والعربية التي احتلها الجيش الصهيوني جوهر المطالب الطلابية وجوهر القضية الوطنية والرأي العام الذي كان للطلبة دور كبير في تشكيله(11)لكن في فترة ما بعد حرب (أكتوبر/تشرين الأول) سيكون طلبة الجامعات هم أول من يلتفت إلى التغيرات التي تحدث للنظام اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا بانتهاجه لسياسة الانفتاح الاقتصادي والسياسات الموالية للغرب، فسيظهر نوع من النشاط الطلابي يتميز بالانقسامات الأيدولوجية الحادة والواضحة داخل الكتلة الطلابية(11).

 
في تلك الأثناء، وبينما كان الجيش المصري يخوض حرب الاستنزاف ثم التحرير، ثم يحتفل بالنصر، كانت الكتلة الطلابية تتسع اتساعا ضخما، وتنتشر في أرجاء البلاد نتيجة إقامة عدد من الجامعات في المناطق الإقليمية(12)، حيث اتبعت الحكومة سياسة فتح أبواب التعليم العالي أمام أعداد متزايدة من الطلاب. فحسب دراسة إحصائية عن صورة التعليم في تلك الفترة كان التعليم الجامعي يضم نصف مليون طالب جامعي، كما انضم 86 ألف طالب جديد بالجامعات، أما عدد الكليات فكان 142 كلية في 13 جامعة، بينما زادت ميزانية الجامعة إلى 370 مليون جنيه(13).

ومع تزايد أعداد الطلبة الجامعيين منذ بداية عقد السبعينيات لم يكن الطلبة فقط هم من يمثلون الشريحة الأهم التي يسعى النظام لاحتوائها وضمان ولائها له كما فعل عبد الناصر من قبل(14)، بل كانت هي الشريحة ذات الوعي السياسي الأكبر، كان الشباب والعمال هم عصب ذلك الشعب، العمال يقفون فوق تروس الدولة الداخلية من مصانع ومؤسسات، بينما يقف الشباب على الجبهة يتلقون الهزيمة، ثم ينتفضون في الجامعات، ثم يصنعون النصر في الحرب ويدفعون من دمائهم، ثم لا يجدون لهم مكانا ولا مستقبلا في بلادهم.

 


 
ففي تغطيتها لأحداث الطلاب في مصر عام 1972 كتب "وليام ديلفوس" و"ريتشارد جونز" من "فاينانشيال تايمز": "يجب منح اهتمام أكثر جدية للجيش، خاصة الـ 70000 طالب الذين قد انضموا إليه أو جندوا فيه منذ حرب 1967، وبالنسبة لسلك الضباط فقد شكلوا فيه جماعة ضغط بالفعل، وأرسل الرئيس السادات اللواء صادق للتحدث إلى القوات على جبهة القنال في إجازة الأسبوع، ومن المتوقع أن يقوم بذلك شخصيا في الأسابيع القادمة، وحيث إن الكيل قد فاض، فهو لن يمكنه أن يخاطر"، حيث كانت هناك شائعات في ذلك الوقت أن الفريق صادق هو الذي دفع السادات إلى اتخاذ قرار إنهاء اعتصام الطلاب بواسطة الشرطة ليتفادى تهديد الفريق باستخدام الجيش لهذا الغرض(15).

 
على الجانب الآخر كان وضع التعليم الجامعي في مصر في انحدار مستمر، ويوضح أحد الأساتذة الجامعيين بقوله: "الجامعات المصرية ليس بإمكانها سوى تخريج جيل قادر على التقليد والطاعة"(16)، وأرجع ذلك إلى القيود على النشاط الطلابي المستقل سواء كان أكاديميا أو سياسيا، وأحوال هيئة التدريس وأسلوب التعليم بالكتاب المقرر والمحاضرات الرسمية.

 
ويعلق الدكتور أحمد عبد الله رزة قائلا: "فليس من المستغرب أن 63% من المستجيبين في عينة بحث شملت ألف طالب جامعي يعتبرون أن التعليم الجامعي في مصر على حافة الهاوية"(17). وفي بحث آخر أجري على خمسة آلاف طالب حول الهدف من الدراسة الجامعية أجاب 47.7% بأن الهدف هو الحصول على "الشهادة وأكل العيش" بينما 20.2% للحصول على مركز أعلى، فيما أجاب 27.2% أنه الاهتمام بنوع الدراسة(17) وكان تقييمهم العام للتعليم الجامعي أنه سيئ بلا شك(17).

 

 

 
وبينما كان التشكيل الطبقي في مصر كله يتغير ويتبدل نتيجة قرارات عبد الناصر في الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم وغيرها من قرارات خلال فترة عقد الستينيات، كانت شريحة الشباب يائسة وهي ترى مؤسسة الجيش تحظى بكل خيرات البلاد بينما تُلقي إليهم بالفتات، الأمر الذي زاد سوءا مع سياسات السادات الانفتاحية. ويضيف رزة موضحا: "كان الطلاب يعيشون في قلق بشأن فرص تعيينهم بعد التخرج، ففي حين تستطيع قلة منهم أن تحقق نجاحا في سوق العمل الحر، خاصة من العمل لدى الشركات الأجنبية، كانت غالبية خريجي الجامعات تعتمد على الحكومة في الحصول على وظيفة، بما في ذلك خريجو الكليات المرموقة مثل الطب والهندسة، كما أن مجرد انتظار الوظيفة الحكومية يعتبر عملا مزعجا"(17).

 
وفي ظل بداية الانفتاح واقتصاد السوق الحر الذي يتيح للقلة ثراء سريعا ولا يتيح تلك الفرصة للاغلبية، "أصبحت الهجرة من البلاد كليا بمنزلة السحر الذي يبرئ من كل العلل"(17)، فكانت هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية سببا في شكوى الطلاب، ودافعا لوقوع عدد من الإضرابات الطلابية بهدف تحسين أوضاعهم المهنية والوظيفية المستقبلية.

 

الطريق إلى مسرح انتفاضة (يناير/كانون الثاني) 1977

"وازداد الجو عبوسة ودمامة، وامتطت الأسعار الجنون، ندر الفول والعدس والشاي والبن، واختفى الأرز والسكر، وتدلل الرغيف، وندت عن الأعصاب المرهقة بوادر استهانة، فتعددت السرقات، وتعاقب خطف الدجاج والأرانب، وبعض السائرين ليلا نهبوا أمام بيوتهم، وانبرى رجال العصابة ينذرون ويهددون، ويدعون إلى الأخلاق والتضامن بحناجر قوية وبطون مكتنزة"

(نجيب محفوظ، الحرافيش)

  

بسبب كل تلك الظروف التي كانت تقلق الطلاب استمر نضال الطلبة بعد حرب (أكتوبر/تشرين الأول)، فبينما كان السادات ووزراؤه يحتفلون بالنصر ظهر نشاط الطلاب الاحتجاجي مرة أخرى في (يناير/كانون الثاني) 1974 نتيجة القبض على عدد من الطلاب في بورسعيد وظهور مظاهرات عمال حلوان في وسط القاهرة، فأصبحت جامعة القاهرة مسرحا لنشاط متصاعد طيلة ثلاث أشهر(17).

 
وفي عام 1976 جمع "أسبوع الجامعة والمجتمع" نادي الفكر الاشتراكي التقدمي "ونادي الفكر الناصري" و"الجماعة الإسلامية" في (نوفمبر/تشرين الثاني)، ومع نهاية ذلك الأسبوع أصدر المشاركون فيه "وثيقة نوفمبر" وأكدوا فيها على "مطالب الطلاب التي تتضمن رفضا لتحديد الأحزاب السياسية المسموح لها العمل في البلاد بثلاثة فقط، والدعوة لإلغاء القوانين المقيدة للحريات السياسية، ورفض سياسة الانفتاح الاقتصادي، ورفض السياسات الاستسلامية، وكذلك رفض السلطات الزائدة عن الحد المخولة لرئيس الجمهورية"(17).

  

 
ونتج عن هذا الأسبوع قرار بتوصيل هذه المطالب إلى البرلمان عبر مسيرة تخرج مباشرة من الجامعة، وحدث انقسام حول توقيت تلك المسيرة، فقرر نادي الفكر الاشتراكي التقدمي الخروج بالمسيرة، التي بدأت بألفين من الطلاب وانتهت بمائتين وفقا لرواية الصحف الرسمية(17)، وهي المسيرة التي سيذكرها الرئيس السادات وسيشن عليها هجوما في أعقاب مظاهرات انتفاضة الخبز 1977، حيث اعتبر مسيرة (نوفمبر/تشرين الثاني) تلك بمنزلة تحضير لمظاهرات (يناير/كانون الثاني) ووصف المشاركين فيها بأنهم شرذمة(18).

  

على الجانب الآخر كانت فئة أخرى من فئات الشعب تئنّ تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية قاسية، حيث تحمل الشعب المصري فترة الحرب ودفع تكلفتها الاقتصادية بالكامل من عرق جبينه، فيما كان العمال تكفيهم أجورهم بالكاد كي يلبوا احتياجاتهم اليومية الأساسية، لكن عندما جاءت سياسات الانفتاح الاقتصادي لم يعد هناك قدرة على التحمل ولا طاقة على المواصلة.

 
فعلى امتداد السنوات التي مهدت لانتفاضة الخبز، وخاصة بعد حرب 1973، "تم بإلحاح شديد الترويج لسلسلة مترابطة من الأوهام والأكاذيب حول الرخاء الذي سينهمر فوق الرؤوس بلا حدود ولا حساب، والتوقعات الهائلة المبهرة، وعن وعود المستقبل التي لا أساس موضوعي لها، ولا إمكانية فعلية لتحقيقها، بهدف تبرير التراجع عن الخط الوطني السابق، والانقلاب على الخيارات الإستراتيجية التحررية الماضية، وتسويغ السعي الحثيث للصلح المنفرد، المجحف، مع العدو الصهيوني، العدو التاريخي للوطن، والارتماء في أحضان الراعي الرسمي، والشريك الرئيس له في عدوانه واغتصابه.. الولايات المتحدة الأميركية"(19).

 

ففي الفترة من 1973 إلى 1976 ارتفعت تكلفة المعيشة بنسبة 42%، وخلال عام 1976 وحده ارتفعت تكاليف المعيشة بنسبة 11.2%، وتشير دراسة لهيئة العمل الدولية جرت عشية الانتفاضة أن 44% من المصريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر(20)وصاحب ذلك التدهور في الأحوال المعيشية صعود الاحتجاجات العمالية الكبيرة خلال عامي 1975 و1976، ففي مطلع (يناير/كانون الثاني) 1975 خرج عمال المصانع الحربية في حلوان في مظاهرات واسعة، وفي (مارس/آذار) حدث إضراب كبير في المحلة الكبرى، وخلال نفس العام حدث إضرابان مهمان بين عمال النسيج في الإسكندرية وعمال شركة الكابلات في شبرا الخيمة. وشهد عام 1976 إضراب عمال النقل البري، كما شهد إضرابا عماليا واسعا في مدينة كفر الدوار. وأيضا اندلعت صدامات عنيفة بين الأهالي وقوات الأمن في كل من مدينتي المنزلة وبيلا في العام نفسه(20).

  

 
ويعلق تشارلز تريب في كتابه "السلطة والشعب" قائلا: "مشكلة النظام مجملة بدأت عندما لم تعد الدولة تقدم ما عليها من صفقات: ركود اقتصادي، وفقد للاستثمارات والإنتاجية، وكذلك الحرب ونفقات المحافظة على دولة الأمن الوطني".

 

ويضيف تريب: "في أثناء تلك السنوات من خمسينيات القرن الماضي إلى سبعينياته كان العقد الاجتماعي، والذي عُرف فيما بعد سخرية باسم "ديموقراطية الخبز"، قد أسس. وقد مَثّل ذلك في الأساس تفهما غير مكتوب من شأن الحكومة أن تمضي من خلاله في إصلاحات اجتماعية واقتصادية وتطوير الاقتصاد الوطني، والذي كان إلى حد كبير غير مقيد بأي مُساءلة نظامية. ومن ثم لم تكن هناك ديمقراطية على الإطلاق، لم يكن هناك سوى عقد تلزم الحكومة بمقتضاه نفسها بُمثل العدالة الاجتماعية، كذلك الإمداد الاقتصادي والتعليمي للجميع"(21).

 

وعندما أبدت الدولة فشلها وعدم قدرتها على أداء مهامها والالتزام بعقدها انهار كل شيء، فكانت هزيمة الجيش في 67 البداية، ثم تبعها عدة إخفاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية، مما جعل فئة الطلبة والعمال يحاولون منذ الستينيات بالمطالبة بالإصلاح والالتزام "بالناصرية"(21)، لكن القمع والعنف كانت استجابة النظام الواضحة. وعندما أراد السادات أن يعيد رسم ذلك العقد الاجتماعي ويغير السياسات الاقتصادية وقف له الطلبة والعمال، حتى انفجر الوضع كله عن انتفاضة شعبية كاملة، حتى ظن السادات أن نظامه كله ينهار، لكن عندما اقتصرت دور الحشود فقط على التظاهر ولم تمتد أيدي أحد إلى السلطة استعاد هيبته مرة أخرى(22).

  



نظرة على الحركة الطلابية المهزومة

في لقاء أعقب انتفاضة (يناير/كانون الثاني) 1977 مع المجلس الأعلى للجامعات، استعرض السادات الاضطرابات منذ 1971، ثم اختتم روايته بإنذار قائلا: "أنا بقول.. إضراب.. اعتصام.. تعطيل للدراسة.. عمل البلطجية اللي بيتم داخل الحرم الجامعي ممنوع.. استخدام المادة المتفجرة في الشباب اللي هم الطلبة لا.. لا يجب أن تكون في الجامعة مرة أخرى أبدا.. رسالة المعاهد التعليمية هي العلم.. مفيش اجتماعات سياسية داخل الجامعة إطلاقا.. اللي عايز يشتغل سياسة يروح يدور على الحزب اللي هو عاوزه بره".

 
وبعدها عادت الأمور كما كانت، عاد الحرس الجامعي والقمع، وتعرضت عديد من القيادات الطلابية والوطنية للاعتقال، لكن وبرغم ذلك الدور الذي أداه الطلاب في المسرح الوطني يؤكد الدكتور أحمد عبد الله رزة أن الأمر لم يكن كذلك في انتفاضة 1977، حيث كان دور الطلبة خلال يومي 18 و19 (يناير/كانون الثاني) 1977 ضئيلا جدا(23)، الأمر الذي يؤكده شريف يونس حيث يقول: "نجح النظام في استبعاد خطر الاستيلاء المنظم على مواقع الحركة الطلابية. وحين أدت الأوضاع العامة إلى انتفاضة (يناير/كانون الثاني) 1977 العفوية جرت المظاهرات بمعزل عن الحركة الطلابية وشعاراتها مصداقا لنجاح النظام"(24).

 
ويضيف يونس: "كانت مظاهرات ميدان التحرير 1972 ذروة الحركة الطلابية الوطنية، وكانت مظاهرات (يناير/كانون الثاني) 1977 لحن ختامها وعلامة فشلها وكشف حدود قدراتها التمثيلية.. اكتسحت الملايين الجرارة بسواعدها العارية في سويعات خط الدفاع الأول للنظام: الشرطة، واضطر النظام للتراجع عن قرارات رفع الأسعار، وتراجع الشعب بعد تحقيق الهدف المباشر، ونزل الجيش إلى الشوارع والميادين ليحفظ ماء وجه النظام، وفي (نوفمبر/تشرين الثاني) من نفس العام سافر السادات إلى إسرائيل بين مؤيد ولا مبال.. وهكذا أتيح للحركة الطلابية أخيرا أن ترى ذلك الشعب الواقعي -الذي يختلف عن شعبها الأيديولوجي- وهو يهدر كالبحر وينتصر وينسحب في مشهد مرعب.. بدت بجانبه الحركة الطلابية، بكل ادّعاءاتها العريضة، قزما لا يكاد يُرى بالعين المجردة. لم يبق الشيء الكثير.. جرت احتشادات طلابية بمناسبة زيارة القدس وبمناسبة كامب ديفيد، تلاشت سريعا ولم تترك صدى يذكر، وتفرغ من تبقى من الحركة الطلابية الوطنية لاتهام الشعب الذي خذلهم"(24).

  
 
وهكذا انتهى دور جيل الحركة الطلابية الذي اكتسب وعيه خلال نهاية عقد الستينيات وحتى انتفاضة عام 1977 عندما وجد نفسه يقف وحيدا على أرض هشة، وانهارت كل أحلامه، لينتحر تاركا مكانه لجيل جديد من الحركة الطلابية التي سيبرز وجهها الإسلامي لكنه لن يتمخض عن أي قضية وطنية أخرى إلا بعض المظاهرات الحاشدة من أجل أحداث فلسطين أو احتلال العراق أو فساد نظام مبارك، فقد تفككت القضية الوطنية، وانتهى عصر الأبطال.

 
لكن يبقى أن يقال إن حراك الطلبة برغم من دورهم الضئيل في انتفاضة 1977 كان هو الدافع الأكبر بجانب حراك العمال لتفجير تلك العاصفة الشعبية الهادرة، وهو ما كان يمكن أن يتطور إلى شكل مشابه لانتفاضة 25 (يناير/كانون الثاني)، لولا أن الطلبة كانوا يقفون على أرض الأحلام وليس الواقع، ولولا أن القوى السياسية لم تتخاذل عن التقاط السلطة من الأرض، وهو الأمر الذي -لسخرية القدر- سيتكرر مرة أخرى بعد 25 (يناير/كانون الثاني).

المصادر

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار