اغلاق
آخر تحديث: 2017/2/13 الساعة 13:51 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/17 هـ

انضم إلينا
تشومسكي والاشتراكية في عصر رد الفعل

تشومسكي والاشتراكية في عصر رد الفعل

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
ما تزال قائمة كتابات نعوم تشومسكي تتمدد، رغم اقترابه من التسعين. ومن حسن حظ اليسار العالمي أنه ما يزال يجري المقابلات. في وقت مبكر من هذا الشهر، قبل أقل من أسبوع على عيد ميلاده الثامن والثمانين، جلس تشومسكي في مكتبه بكامبردج، بولاية ماساتشوستس، ليجري هذا الحوار مع فايوس تريانتفيلو، خريج جامعة بنسلفانيا، وفيه ناقش تشومسكي كل شيء، بداية من الاشتراكية، والطبيعة الإنسانية، وآدم سميث، إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

 

بينما يقضي ترامب وقته منشغلا بتشكيل حكومته، يقر تشومسكي بأن المستقبل قد يأتي بالتعصب والعنف، لكنه يؤكد أن الاختيار ما يزال بأيدينا. كما يشير إلى أن تكتيكات فرق تسد "تعتمد على نوع المقاومة التي سيشكلها أفراد مثلك".
 

كيف يتوجب على الاشتراكيين النظر إلى العلاقة بين الإصلاحات التي تؤنسن نظام الإنتاج الحالي (على النحو الذي يقدمه ساندرز) وبين الهدف بعيد المدى المتمثل في القضاء على الرأسمالية تماما؟

يسعى بيرني ساندرز إلى إحياء نظام يشبه ليبرالية الصفقة الجديدة، فهل يتوجب على من يهتمون بأمر الإنسان، وحياته، ومشاغله، أن يسعوا إلى أنسنة نظام الإنتاج الحالي؟

رويترز
 

حسنا، أولا علينا الانتباه إلى أن الاشتراكية - حالها كحال أغلب مصطلحات الخطاب السياسي - قد فقدت معناها. ولو أنك نظرت إلى الوراء كفاية، لوجدت أنها كانت تعني تحكم المنتجين في الانتاج، والقضاء على العمل المأجور، ودمقرطة جميع نواحي الحياة؛ الإنتاج، والاقتصاد، والتعليم، والإعلام، وتحكم العمال في المصانع، وتحكم المجتمع في المجتمعات، وما شابه. هكذا كانت الاشتراكية من قبل. لكنها لم تعد تعني أي من ذلك منذ مئات السنين. في الواقع، كانت الدول الموصوفة بالاشتراكية أكثر الدول معاداة للاشتراكية في العالم. كان للعمال في الولايات المتحدة وإنجلترا حقوقا تفوق حقوق قرنائهم في روسيا، ومع ذلك كانت توصف بأنها دولة اشتراكية.

 

أما عن بيرني ساندرز، فهو شخص محترم ونزيه، وأنا أدعمه. لكن عندما يتحدث ساندرز عن الإشتراكية فهو يقصد ليبرالية "الصفقة الجديدية" (New Deal liberalism). ففي الواقع، ما كانت سياساته لتمثل مفاجئة بالنسبة للجنرال أيزنهاور. بل إن تسمية ذلك بالثورة السياسية لهو علامة على مدى الإزاحة الهائلة التي تعرض لها الطيف السياسي إلى جهة اليمين، خاصة في الثلاثين عاما الأخيرة، منذ الشروع في مأسسة البرامج النيوليبرالية. فإنما يسعى ساندرز إلى إحياء نظام يشبه ليبرالية الصفقة الجديدة، وهو أمر جيد للغاية. لذا، فيما يتعلق باستفسارك، أظن أن علينا طرح هذا السؤال: هل يتوجب على من يهتمون بأمر الإنسان، وحياته، ومشاغله، أن يسعوا إلى أنسنة نظام الإنتاج الحالي بالطريقة التي تصفها؟ والإجابة هي أجل، لا شك أن عليهم فعل ذلك، لأنه يصب في صالح البشر.

 

هل عليهم الشروع في سعي بعيد الأمد للقضاء على النظام الاقتصادي الرأسمالي تماما؟ بالطبع، هذا ما أظنه. لا شك أن لهذا النظام إنجازاته، لكنها تستند على مزاعم وحشية، وافتراضات معادية للإنسانية. فمجرد فكرة أحقية طبقة معينة من الناس في إعطاء الأوامر بحكم امتلاكها الثروة، ووجود طبقة أخرى ضخمة تتلقى الأوامر وتطيعها بسبب افتقادها إلى الثروة والسلطة، لهو أمر غير مقبول. لذا، يجب القضاء على النظام الرأسمالي بكل تأكيد. لكن هذه ليست بدائل، وإنما هي أمور نقوم بها معا.

 

إحدى الحجج الرئيسية التي تستخدم ضد الاشتراكية هي الطبيعة الأنانية والتنافسية للنفس البشرية، بما يجعل الرأسمالية حتمية في نهاية المطاف. ما ردك على هذا؟


انتبه إلى أن الرأسمالية ليست سوى فترة شديدة القصر من عمر المجتمع الإنساني. بل إننا لم نحصل على رأسمالية حقيقية قط، كل ما حصلنا عليه كان تنويعة بشكل أو بآخر على رأسمالية الدولة. والسبب في ذلك أن الرأسمالية لن تلبث أن تدمر نفسها. لذا اعتادت طبقة رجال الأعمال المطالبة بتدخل قوي للدولة من أجل حماية المجتمع من الأثر المدمر لقوى السوق، فهم يخشون أن يؤول كل شيء إلى الرماد. إذا، كان لدينا نوع أو آخر من رأسمالية الدولة خلال هذه الفترة الوجيزة للغاية من التاريخ البشري، وهذه الفترة لا تملك إخبارنا بأي شيء عن الطبيعة البشرية. ولو أنك تأملت المجتمعات البشرية والتفاعل الإنساني، ستجد أن بإمكانك استنباط أي شيء تشائه. ستجد الأنانية، وستجد الإيثار، وستجد التعاطف.

 

ولنضرب مثلا بآدم سميث، قديس الرأسمالية، لنرى كيف كان يفكر. ظن آدم سميث أن الغريزة الإنسانية الرئيسية هي التعاطف. لكن انظر إلى مصطلح "اليد الخفية". انظر إلى السياق الذي يستخدمه فيه. ولن يكون فهم ذلك أمرا صعبا، لأنه لم يستخدمه إلا مرتين، بمعدل مرة واحدة في كل من كتابيه الرئيسيين.

 

ظهر المصطلح في كتابه الأهم "ثروة الأمم" مرة واحدة، فيما يشبه نقدا للعولمة النيوليبرالية. وكان السياق هكذا: لو أن الصناع والتجار الإنجليز استثمروا أموالهم في الخارج، واستوردوا السلع من الخارج، فربما يجنون أرباحا، لكن ذلك سيضر بإنجلترا. إلا أن لديهم التزام كاف تجاه وطنهم، لذا فمن الأرجح أنهم لن يفعلون ذلك، وهكذا سيجري إنقاذ إنجلترا من آثار ما نطلق عليه اسم العولمة النيوليبرالية بواسطة يد خفية. كان هذا أول الاستخدامين.

 

أما الاستخدام الآخر فجاء في "نظرية الشعور الأخلاقي" (يعتبره آدم سميث عمله الرئيسي، وإن كان الناس لا يولونه نفس الاهتمام الذي يولونه للكتاب السابق). وهو في هذا العمل مساواتي، يؤمن بالمساواة في العائد، لا في الفرص. إنه رمز تنويري، ما قبل رأسمالي. يدعونا سميث إلى افتراض سيطرة أحد الملاك على معظم الأراضي في إنجلترا، إلى درجة لم يعد معها أمام الآخرين مكانا للعيش. ثم يخبرنا سميث أن ذلك لن يهم، لأن المالك الثري سيوزع الموارد عليهم، بدافع من التعاطف معهم، وهكذا ستقودنا يد خفية إلى مجتمع مساواة رائع. كانت هذه فكرة آدم سميث عن الطبيعة البشرية.

 

إنه سياق مختلف بوضوح عما تُستخدم فيه "اليد الخلفية" اليوم من قبل المحاضرين الذين تستمع إليهم، أو الكتب التي تطالعها. وهذا يكشف عن اختلاف في الفكر، لا في الطبيعة البشرية. فما نعرفه بالفعل عن الطبيعة البشرية أنها تحوي جميع هذه الاحتمالات.

 

هل تعتقد أن الضرورة تقتضي رسم ملامح واضحة لنظام اشتراكي مستقبلي، بما يوفر بديل حقيقي يداعب أحلام غالبية الناس؟
 (pexels.com)


أعتقد أن الناس أكثر اهتماما بالأهداف الاشتراكية الأصيلة بعيدة المدى (وهي ليست بالشيء الذي نقصده عادة عندما نتحدث عن الاشتراكية). إن عليهم التفكير مليا وبحرص في الطريقة التي يجب أن يدار بها المجتمع المأمول، لكن ليس بتفاصيل موسعة، لأن هناك كثير من الأشياء التي نتعلمها بخوض التجربة، كما أننا لا نملك المعرفة الكافية لنمارس التخطيط التفصيلي للمجتمعات بأي وسيلة كان. لكن بإمكاننا وضع إرشادات عامة، ومناقشة العديد من المشكلات المحددة.

 

ويجب أن يصير ذلك جزءا من الوعي الجمعي. هكذا يصير التحول إلى الاشتراكية ممكنا، حينما يصير ذلك جزءا من وعي وإدراك وتطلعات الأغلبية العظمى من الجمهور. إذا، خذ أحد الإنجازات الرئيسية في هذا الاتجاه مثالا، ولعله الإنجاز الأكبر: الثورة اللاسلطوية في أسبانيا عام ١٩٣٦. لقد تطلب ذلك عقودا من الإعداد: على مستوى التعليم، والنشاط السياسي الذي أخمد أحيانا في بداياته. لكن حينما جاءت الهجمة الفاشية، كان لدى الناس تصور للطريقة التي يريدون تنظيم مجتمعهم وفقها.

 

كما رأينا ذلك في صور أخرى. خذ - على سبيل المثال - إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. كان لهذه الحرب نتائج مدمرة في معظم أوروبا. لكن الشعب لم يستغرق وقتا طويلا لإعادة بناء الديمقراطيات الرأسمالية، لأنها كانت مرسومة بالفعل في الأذهان. كانت هناك أجزاء أخرى من العالم قد طالها الدمار أيضا، إلا أنها عجزت عن القيام بنفس الأمر. لم يكن لديهم هذه المفاهيم في أذهانهم. فقدر كبير من ذلك يتعلق بالوعي البشري.

 

وصل ائتلاف اليسار الراديكالي (سيريزا) إلى الحكم مدعيا الالتزام بالاشتراكية. ثم انتهى به الحال إلى التعاون مع الاتحاد الأوروبي. ولم يترك سدة الحكم حتى بعد اضطراره إلى تطبيق إجراءات التقشف. كيف يمكننا - في رأيك - تجنب تكرار ذلك في المستقبل؟

لو كانت اليونان قد حصلت على دعم اليسار التقدمي والقوى الشعبية الأخرى في أوروبا، لربما استطاعت مقاومة مطالب الترويكا

pixabay.com

أعتقد أن مأساة اليونان الحقيقية، بغض النظر عن همجية البيروقراطية الأوروبية، وبيروقراطية بروكسل، وبنوك شمال أوروبا، التي كانت وحشية حقا، هي أن الأزمة اليونانية لم تكن حتمية. كان من الممكن تداركها بسهولة منذ البداية. 
لكن ما جرى قد جرى، ووصلت سيريزا إلى الحكم مع التزام معلن بالسيطرة على الأزمة. في الواقع، دعت سيريزا بالفعل إلى استفتاء شعبي، وهو ما أثار ذعر أوروبا: كانت فكرة إعطاء الشعب الفرصة لتقرير شيء يخص مصيره لعنة بالنسبة للنخب الأوروبية، فكيف للديمقراطية أن تطبق (حتى في البلد التي ولدت فيها).

 

نتيجة لهذا التصرف الإجرامي (سؤال الناس عما يرغبون)، نالت اليونان عقوبة مضاعفة. لتزداد مطالب الترويكا الأوروبية قسوة. كانوا يخشون وقوع نوع من تأثير الدومينو. فلو أن البعض أنصت إلى رغبات الناس، ربما تنتقل العدوى إلى آخرين، وينتشر وباء الديمقراطية، لذا كان علينا وأدها في المهد. ثم انصاعت سيريزا، وهي منذ ذلك الوقت تفعل أشياء أراها غير مقبولة.

 

تسألني كيف كان على الناس أن يتجاوبون؟ بخلق شيء أفضل. الأمر ليس سهلا، خاصة وهم معزولون. إن اليونان بمفردها في موقف ضعيف. ولو كانت اليونان قد حصلت على دعم اليسار التقدمي والقوى الشعبية الأخرى في أوروبا، لربما استطاعت مقاومة مطالب الترويكا.

 

ما رأيك في النظام الذي خلقه كاسترو في كوبا بعد الثورة؟
 (pixabay.com)


حسنا، ماذا كانت أهداف كاسترو الحقيقية؟ لا نعرف ذلك. كانت هناك الكثير من الضغوط على كاسترو منذ الدقيقة الأولى، بسبب الهجوم الوحشي الذي شنته القوى العظمى عليه.

 

علينا تذكر كيف راحت الطائرات القادمة من فلوريدا تشن غاراتها على كوبا بعد أشهر - حرفيا - من تسلمه السلطة. وفي غضون عام، كانت إدارة أيزنهاور قد عقدت العزم على الإطاحة بالحكومة، وجرى ذلك بشكل سري ورسمي في الوقت نفسه. ثم جاء غزو خليج الخنازير. ليتسبب فشل الغزو في غضب إدارة كينيدي، مما دفعها إلى شن حرب إرهابية ضخمة فورا، حرب اقتصادية ازدادت قسوة بمرور الأعوام.

 

في ظل هذه الظروف، كان استمرار كوبا أمرا مدهشا. إنها جزيرة صغيرة على الضفة الأخرى من قوى عظمى تحاول تدميرها، ولقد اعتمدت على الولايات المتحدة طوال تاريخها الحديث. لكنها بطريقة ما نجحت في البقاء. ونحن نقر بأنها كانت ديكتاتورية: كثير من الوحشية، وكثير من السجناء السياسيين، وكثير من القتلى. لا تنس أن هجوم الولايات المتحدة على كوبا كان يفسر أيديولوجيا على أنه ضرورة لحماية نفسها من روسيا. وما أن اختفت روسيا، حتى ازداد الهجوم قسوة. لم يعلق أي شخص - تقريبا - على ذلك، لكنه يدل على أن المزاعم السابقة كانت كذب صريح، وهكذا كان بكل تأكيد.

 

إذا نظرت إلى الوثائق الداخلية للولايات المتحدة، ستجد تفسيرا واضحا للخطر الذي شكلته كوبا. ففي بداية الستينيات، ذكرت وزارة الخارجية أن خطورة كوبا تتمثل في تحدي كاسترو الناجح لسياسات الولايات المتحدة، الذي ترجع أصوله إلى مبدأ مونرو. لقد أسس مبدأ مونرو لأطماع الولايات المتحدة في السيطرة على نصف الكرة الأرضية الغربي، وهو ما كان يكافحه كاسترو بنجاح. كان ذلك أمر غير مقبول. إنه كقول أحدهم، هيا بنا نقيم ديموقراطية في اليونان، وهو ما لا نستطيع التسامح معه، لذا علينا اقتلاع هذا التهديد من جذوره. لا يملك أحد مواجهة سيد الكرة الأرضية، بل وسيد العالم، ولا يستحق من يفعل ذلك إلا أن ينال عقابا وحشيا. لكن رد الفعل جاء خليطا من هذا وذاك. كانت هناك إنجازات، مثل الصحة، ومكافحة الأمية، وما شابه. كان نجاح الأممية مذهلا. فلم يذهب نيلسون مانديلا إلى كوبا لتهنئة كاسترو وشكر الشعب الكوبي فور خروجه من السجن دون سبب قوي. كان هذا رد فعل على طريقة العالم الثالث، ولقد تفهموه.

 

لعبت كوبا دورا هائلا في تحرير أفريقيا والتخلص من نظام الفصل العنصري، كذلك أرسلت الأطباء والمعلمين إلى أفقر بقاع العالم، إلى هايتي، وباكستان عقب الزلزال، وإلى كل مكان. كانت الأممية مدهشة. لا أظن أن التاريخ شهد طوال عمره مثيلا لها. كانت الإنجازات الصحية مبهرة. كانت إحصائيات الصحة في كوبا تقترب من مثيلاتها في الولايات المتحدة، وانتبه إلى ما بين البلدين من فارق في الثروة والطاقة.

 

على الجانب الاخر، كانت هناك ديكتاتورية قاسية. لذا كان الأمر - كما قلت - خليطا من هذا وذاك. التحول إلى الاشتراكية؟ نحن لا نستطيع مجرد التحدث عن ذلك. فالظروف جعلت منه أمرا مستحيلا، ولا نعرف إن كانت هناك نية لفعل ذلك.

 

في السنوات الأخيرة، ظهرت عدة حركات في الولايات المتحدة تنتقد النموذج الاجتماعي والاقتصادي الحالي. ومع ذلك، اتحد معظمهم ضد عدو مشترك، بدلا من التوحد حول رؤية مشتركة. كيف ينبغي لنا أن نفكر في حالة الحركات الاجتماعية وقدرتها على التوحد؟

لم يكن استخدام العنف في بلاد مثل الولايات المتحدة ممكنا، فلا تملك القوى الرأسمالية هذه الخيارات هناك. وإن بذلت جهود ضخمة لتقويض وهدم الحركة العمالية

pexels.com


هيا نضرب بحركة "احتلوا" مثالا هنا. إنها لم تكن حركة، بل تكتيك. فلن يمكنك الجلوس إلى الأبد في حديقة قرب وول ستريت. لا يمكنك مواصلة ذلك أكثر من بضعة أشهر.

 

كانت تكتيكا لم أتوقعه. ولو أن أحدهم سألني النصيحة، لأخبرته بعدم المشاركة. لكنها حققت نجاحا كبيرا، نجاحا هائلا، وكان لها أثر كبير على تفكير الناس، وتصرفاتهم. لا شك أن فكرة تركيز الثروة (١% و٩٩%) كانت هناك، في خلفية أذهان الناس، لكنها أصبحت بارزة - حتى في الإعلام الشعبي (في جريدة وول ستريت، على سبيل المثال) - وأدت إلى أشكال مختلفة من النشاط، لقد ملأت الناس بالطاقة وما شابه. إلا أنها لم تكن حركة. إن اليسار - بصورة عامة - مفتت للغاية. نحن نعيش في مجتمعات مفتتة. الناس وحيدون حقا: أنت ولا شيء آخر معك سوى حاسوبك اللوحي.

 

أضرت سياسات الولايات المتحدة كثيرا بالمراكز التنظيمية الرئيسية، مثل الحركة العمالية. لكن هذا لم يقع فجأة كإعصار شرس. لقد صممت السياسات بحيث تقوض تنظيم الطبقة العاملة، ولا يرجع ذلك فقط إلى دفاع هذه الاتحادات عن حقوق العمال، بل لما لها من أثر ديمقراطي أيضا. إنها مؤسسات تمكن الأشخاص الذين يفتقرون إلى القوة من الاتحاد، فيدعم كل منهم الآخر، ويزدادون معرفة بالعالم، ويجربون تطبيق أفكارهم، ويطلقون البرامج، وذلك أمر خطير. هذا يشبه استفتاء اليونان. ومن الخطر التهاون معه.

 

علينا تذكر ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية وفترة الكساد الكبير، حيث شهد العالم صعودا للديمقراطية الراديكالية الشعبية، في كل بقاعه. لا شك أنها اتخذت أشكالا مختلفة، لكنها كانت حاضرة، في كل مكان. ظهر الأمر في اليونان على هيئة ثورة يونانية، وكان يتوجب سحقها، وبالفعل تم ذلك بطريقة عنيفة. بينما سحقت في بلاد مثل إيطاليا، حيث دخلت القوات الأمريكية البريطانية عام ١٩٤٣، باستهداف المجموعة المعادية لألمانيا وتدميرها، ومن ثم استعادة النظام التقليدي. لكن لم يكن استخدام العنف في بلاد مثل الولايات المتحدة ممكنا، فلا تملك القوى الرأسمالية هذه الخيارات هناك. وإن بذلت جهود ضخمة لتقويض وهدم الحركة العمالية بداية من أواخر الأربعينيات. لكنها استمرت.

 

هوجمت الحركة العمالية بشكل حاد في ظل حكم ريجان، وتكرر ذلك في عهد كلينتون. والآن، تعاني الحركة العمالية من ضعف شديد (في بلدان أخرى، اتخذت أشكالا مختلفة). لكنها تظل إحدى المؤسسات التي أتاحت أمام الناس فرصة للتجمع من أجل التعاون معا وتبادل الدعم.

 

ماذا علينا أن نتوقع من دونالد ترامب؟ هل يوفر نجاحه أرضية مشتركة لإعادة تعريف الحركة الاشتراكية وتوحيدها حول رؤية مشتركة في الولايات المتحدة؟
 (رويترز)


تقع مسؤولية الجواب عن ذلك - بالأساس - عليك أنت وأصدقائك. الأمر يعتمد حقا على طبيعة رد فعل الناس، خاصة الشباب. هناك فرصا عديدة، ويمكن استغلالها. فلا يوجد في الأمر حتمية من أي نوع.

 

فقط فكر فيما قد يحدث. صحيح أن التنبؤ بتصرفات ترامب مهمة صعبة، فهو لا يعرف ماذا يريد. لكن هناك سيناريو متوقع، وهو (على سبيل المثال): ينتمي كثير ممن صوتوا لصالح ترامب إلى الطبقة العاملة، التي صوتت لأوباما عام ٢٠٠٨. لقد خدعتهم شعارات "الأمل"، و"التغيير". لكنهم لم يحصلوا على الأمل، ولا حصلوا على تغيير، فخاب أملهم. لقد صوتوا هذه المرة لمرشح آخر يبشر بالأمل والتغيير، كما تعهد بتحقيق كل الأشياء الرائعة. لكنه لن يفعل ذلك. إذا، ماذا سيحدث في غضون عامين، عندما يفشل في تحقيق ذلك، وتخيب أمال الناخبين أنفسهم ثانية؟

 

غالبا ما سيقوم النظام بما يفعله عادة تحت هذه الظروف: سيحاول تقديم كبش فداء، "صحيح أنك لم تحصل على ما وعدناك به، لكن هؤلاء البشر عديمو القيمة هم السبب في ذلك، هؤلاء المكسيكيون، والزنوج، والمهاجرون السوريون. إنهم الذين دمروا كل شيء. هيا نطاردهم. إنه ذنب الشواذ".. ربما يحدث ذلك. ولقد حدث مرة تلو أخرى على مر التاريخ، مع عواقب شديدة السوء. ونجاح ذلك يعتمد على نوع المقاومة التي سيقودها أشخاص مثلك. إن الإجابة على هذا السؤال مسؤوليتك أنت، لا أنا.


المقال مترجم عن: https://www.jacobinmag

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك