انضم إلينا
اغلاق
الاستهلاكية من منظور مختلف

الاستهلاكية من منظور مختلف

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
قدم "ألان وارد" مؤخرا استعراضا لتطورات سوسيولجيا الاستهلاك، نبه فيه إلى أن "مشكلة العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك، التي كانت - بطريقة ما - نقطة البداية بالنسبة لاستقصاءات تجريبية عن الاستهلاك، عادت لتحتل مكانها في جدول الأعمال". إن الاعتراف بالاستقلالية الجزئية للاستهلاك، و"تسليط الاهتمام عليه منفردا" سمح بظهور عدة رؤى تحليلية. مع ذلك، نحن نحتاج اليوم إلى "طرق [جديدة] لإعادة ربط الاستهلاك بالإنتاج والتموين، وبرأس المال والعمالة".

هذا بالضبط ما تقوم به أعمال مثل "شرب المياه" لمارك هارفي، و"إعادة التدوير المنزلي، وعمل الاستهلاك" لكاثرين وييلر وميريام جولكسمان. كما وضعت لينا بلانديني-سيماني الاستهلاك في كتابها "معايير الاستهلاك والأخلاقيات اليومية" داخل سياق مجتمعي أكبر، ولقد فعلت ذلك بطريقة مختلفة: حيث ربطت المعايير التي تحكم الاستهلاك اليومي برؤية للعالم (Weltanschauung)"تدمج بين الأفكار الأخلاقية المتعلقة بالحياة الفاضلة والعدالة وكذلك المعتقدات البراجماتية فيما يتعلق بحالة العالم".

 

استخدم مارك هارفي في كتابه "شرب المياه" المقاربة النيوبولانية (نسبة إلى كارل بولانيي) "العملية الاقتصادية المؤسسية" (IEP)، التي قضى عدة سنوات في تطويرها، للاقتصادات السياسية لشرب المياه كما صيغت وأعيدت صياغتها في المملكة المتحدة (خاصة لندن)، وإيطاليا، وألمانيا، وتايوان، وديلهي، ومكسيكو سيتي. يتتبع الكتاب عملية إنتاج مياه الشرب، وتملكها، والسيطرة عليها، وتوزيعها، واستهلاكها في هذه الظروف، بين العامة، والمتاجر، بطرق غير رسمية وغير قانونية، بعيدا عن كل طرق التموين الهجينة.

تتوسع كاثرين وييلر وميريام جلوكسمن في "إعادة التدوير المنزلية والعمل الاستهلاكي" في استخدام مقاربة "العملية الاقتصادية المؤسسية" من خلال منظور العمالة، مع دراسة مقارنة عن إعادة التدوير والمخلفات المنزلية في إنجلترا، والسويد، والبرازيل، والهند. إن هذا الكتاب استكشاف منهجي لـ"عمل الاستهلاك"، والصورة المميزة من العمل "اللازمة لشراء السلع والخدمات الاستهلاكية، واستخدامها وإعادة استخدامها والتخلص منها" (وييلر وجلوكسمن، ص٣٧)، كما يشرح الكتاب ما يتطلبه هذا المنظور من إعادة نظر في المقاربات التقليدية لتقسيم العمل.

 

يعتبر كتاب هارفي إسهاما هاما في علم اجتماع اقتصادي يتمدد بصورة متواصلة، وفي المقاربات السوسيولوجية للاستدامة. أما وييلر وجلوكسمن فتقدمان ربطا جديدا ودقيقا لمجالات العمل بالاستهلاك، وهو أيضا إسهام متميز في علم اجتماع النفايات المبشر. وتقدم بلانديني-سيماني إسهاما نظريا فائقا في علم اجتماع الاستهلاك. يعتمد الثلاثة في بنائهم على تعريف موسع للاستهلاك يتموضع في الممارسة المجتمعية، وهو تعريف لا يفترض مسبقا سوقا تبادليا لانطلاق الاستهلاك، ويتضمن استعمال البضائع والخدمات، وتصفيتها والتخلص منها.

 

الاستهلاك في صياغة اجتماعية-اقتصادية

يستكشف "شرب المياه" التنوع الاستثنائي للمراحل التي يمر بها هذا العنصر - الأكثر عادية من بين العناصر - في رحلته "من المصدر إلى المعدة". يتعرض الكتاب إلى ما ينظر إليه كثيرا باعتباره أمرا مفروغا منه: مياه صنابير لندن المستخدمة في كل الأغراض، كما يتعرض إلى سوق المياه المعبأة شديد التميز في المملكة المتحدة، وألمانيا، وإيطاليا.

يشرب الإيطاليون أربعة أمثال ما يشربه مستهلكو المياه المعبأة في المملكة المتحدة، وذلك في سياق ضعف الثقة المتزايد بينهم في جودة مياه الصنابير هناك. ويشرب الألمان كمية مماثلة تقريبا، وإن كان ذلك يأتي في سياق مغاير، حيث يمتلكون مياه صنبور عالية الجودة. وتناقش بعض الفصول الأخرى أنظمة الإمداد بمياه الشرب، فنجد ٢.٥ مليون بئر غير قانوني في بيوت الطبقة الوسطى في ديلهي، و٥٠٠٠ لتر مياه في الأبار المنزلية التي تعتمد على شاحنات المياه في مكسيكو سيتي، و"جراجات شرب المياه" في تايوان، حيث تتدفق المياه من الخراطيم بدلا من الوقود.

تضع دراسات الحالة هذه الأنظمة في سياقها الاجتماعي-الاقتصادي، والتاريخي، والجغرافي-المائي. ولما كانت مياه الشرب سلعة أساسية، كان للماء تاريخ سياسي مكثف في جميع دراسات الحالة: صراعات بسبب الأسعار، وبسبب طبيعة التموين بين عام وخاص، وبسبب حقوق الاستخراج وما شابه. لم ينشر الكتاب بصفته مختارات محررة - إنه أشد شبها بمشروع متكامل منه بذلك - ومع ذلك شارك باحثون عالميون في كتابة أربع من الحالات الخمس: أدريان إيفانس، وافيرام شارما، ودانيل فيجيروا، وويليام د. ه. لي. تم تبني نهج متعدد الأساليب، بالاعتماد على مصادر أولية وثانوية، تشمل بيانات مسح ثانوي، وبحث نوعي يعتمد على ملاحظات المستهلك، ومقابلات مع خبراء محليين، وموردين، وأرباب بيوت، وتحليل لهياكل السوق، ومصادر تاريخية ثانوية.

 

تبنت مقاربة هارفي النيوبولونيانية موقفا أنثروبولوجيا تجاه "الاقتصاد". "تكاد تتحرر تماما من أي افتراض مسبق بوجود أي تنظيم اقتصادي"، تستكشف الطرق المختلفة لمأسسة العمليات الاقتصادية في المجتمع، وعلاقتها بالسياق الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والمادي. إن عملية الاستهلاك واحدة من أربعة عمليات، هي: الإنتاج، والتملك/التخصيص، والتوزيع. وبالعمل معا تستقر علاقاتها في صيغة مميزة تصمد أمام مدى زماني ومكاني ممتد، لا لشيء إلا لتعاد صياغتها مرة أخرى.

إن دراسة الحالة الافتتاحية توفر سردا تاريخيا لسيرة مياه صنابير لندن الطويلة، مما يعرض المقاربة إلى تحول بنيوي. يستلزم الابتكار مسار مسبق. و"يتم تعديل عناصر الاستمرار بواسطة...ديناميكية علائقية جديدة". تعتبر في حالة لندن مثالا فريدا على التحمل خلال التحول: فنظام تسعير "معدل المياه" القائم على الملكية، المستمر بكفاءة بين احتكارات المياه الخاصة، ولد مع الميثاق الملكي الخاص بشركة النهر الجديد عام ١٦١٤، بالأربعين ميلا من الأنابيب الخشبية التي تهيمن على مياه نهر ليا لصالح أسر لندن الثرية.

 

يوضح "شرب المياه" أن الابتكار في الممارسات الاستهلاكية لا يفهم تماما إلا في سياق تغير الصياغة في عمليات الإنتاج. 

مواقع التواصل الاجتماعي
 

لا يحمل الاستهلاك جوهرا اقتصاديا بالنسبة إلى هارفي، بل يصبح - من الناحية التحليلية - عملية اقتصادية عند مقاربته على أنه مؤسس اجتماعيا في صيغة ما مع سائر العمليات. ففي مقاربة "العملية الإقتصادية المؤسسية" يكون "الاستهلاك في حد ذاته عملية، إضافة إلى كونه -علائقيا - العملية التي تنهي وتبدئ دورة الإنتاج، والتوزيع، والتبادل". بهذا المعنى يضمن الاستهلاك إعادة إنتاج الصياغة.

وهكذا تكون معايير وأنماط الاستهلاك عناصر حاسمة في تكوين الاقتصاد. وهنا، تأتي في المقدمة نقطة عدم ملائمة النظر إلى طلب المستهلك باعتباره تفضيل فردي. إن الممارسات الاجتماعية هي ما تنتج الطلب، وهي التي لا يمكن فهمها إلا في سياق التكوينات العلائقية، ونشأتها التاريخية. ويوضح "شرب المياه" أن الابتكار في الممارسات الاستهلاكية لا يفهم تماما إلا في سياق تغير الصياغة وما يتضمنه ذلك من ديناميات تكميلية لكل من عمليات الإنتاج، والتملك/التبادل، والتوزيع، المترابطة.

 

كذلك، يعتبر "شرب المياه" مساهمة هامة في علم اجتماع الاستدامة. إن اقتصاد بولاني السياسي لهو اقتصاد تاريخي بصورة جذرية، يطرح سؤال نقل مكان الاقتصاد في المجتمع. كما يشدد هارفي على "نقل مكان المجتمع في الطبيعة". يتطلب ذلك منا تحليل أزمات الاستدامة بوصفها اجتماعية المنشأ لا أنثروبولوجية: "مؤسسة على تفاعلات ومسارات مجتمعية معينة في علاقتها بتبعاتها البيئية الخاصة بها". يعكس "شرب المياه" الترتيبات الاجتماعية-الاقتصادية التي يجري فيها دائما بوصفه عنصرا تحليليا، كما يحاول عرض كلا من أهمية المياه ككيان مادي وخصوصيات هذه الهبة الطبيعية، بطرق تتطلب التفاعل بين السياسي والاجتماعي. إن كتاب هارفي يلح علينا كي نتعامل بجدية مع التحولات الاجتماعية-الاقتصادية للمادة، ونسيج الطبيعة الما قبل اجتماعي.

 

العمل الاستهلاكي
 (pexels.com)

يعتمد "إعادة التدوير المنزلي والعمل الاستهلاكي" لوييلر وجلوكسمن على اهتمام جلوكسمن القديم بالتقسيم المجتمعي للعمل، ومكانة العمالة المنزلية فيه. إن مفهوم العمل الاستهلاكي - "كل العمل اللازم لشراء، واستعمال، وإعادة استعمال، والتخلص من السلع والخدمات الاستهلاكية" - يقوم بدور الجسر الذي يربط دراسة العمل بدراسة الاستهلاك.

وكما كان الحال مع هارفي، يمكن اعتبار النظرية إحدى أشكال التزاوج بين المفهوم الجاري تطويره، ودراسة مجال نشاط معين، عوضا عن التعامل مع المفاهيم على أنها "منتهية". وليس توفير حد فاصل بين العمل الاستهلاكي والاستهلاك، أو العمل المنزلي بالهدف المعلن هنا؛ فكل واحد من الثلاثة يستطيع وصف نفس النشاط عبر النظر عبر عدسة تحليلية مختلفة. لذا قد يعتبر إعادة التدوير عملا منزليا من أجل دراسة التقسيم الجنسي للعمل في المنزل، إلا أنه عمل استهلاكي بالنظر إلى علاقته بدوره داخل"دائرة اقتصاد النفايات الأكثر اتساعا".

 

يفتح العمل الاستهلاكي قضايا تتعلق بإعادة الترتيب المعاصرة لتقسيم العمل. فمثلا، ينقل تجار التجزئة ومقدمو الخدمات مسئولية العمل بعيدا عنهم ويضعونها على كاهل المستهلك، سواء في الخدمة الذاتية والدفع الحر في المتجر، أو في ملء استمارات التجارة الإلكترونية التي لا تنتهي. وفي الاتجاه المعاكس، يعهد الثري بالعمل الاستهلاكي الشخصي إلى الخدمات الارشادية والبركاريا التي تتولى تزويد وكالات التوظيف على الانترنت بالعمالة المنسحقة، مثل "تاسكربت".

 

يوفر العمل الاستهلاكي مسار إدخال رئيسي تحليلي (analytically key entry route) لمشروع وييلر وجلوكسمن شديد التعقيد: الأطر الاجتماعية-الاقتصادية للعمالة (SEFL). تدمج SEFL"تنظيم العمالة الاجتماعي الكلي" لجلوكسمن (TSOL) مع مقاربة (IEP) لهارفي. (رد هارفي الجميل بدمج العمل الاستهلاكي في تحليله الخاص). يقدم (SEFL) ثلاثة أبعاد من التفاضل والتفاعل. أولا، تقسيم العمل التقني داخل مراحل العمل ومؤسساته وأقسامه. ثانيا، (TSOL) بين أنساق اجتماعية-اقتصادية (الدولة، السوق، غير الربحي، المجتمع، المنزل)، حيث العمل الجاري في مجال ما يترابط مع العمل في سائر المجالات.

وهكذا يتفاعل العمل غير المدفوع للمستهلكين الذين يجهزون إعادة التدوير المنزلي حسب متطلبات نظم الجمع المحلية مع العمل المدفوع لموظفي البلدية وشركات النفايات الخاصة. أما البعد الثالث فهو العمل الجاري في نقاط مختلفة من تهيئة ال(IEP)، حيث العمل المؤدى في أي عملية يصيغ عملا في أخرى، بما فيه العمل الاستهلاكي.



يهدف SEFL إلى تشجيع الاهتمام بالحدود المختلفة أو الاستمرارية في كل بعد. (بين مهام العمل والمهنة، والأنساق الاجتماعية-الاقتصادية للعمل ومراحل العملية الاقتصادية). وانتقال العمل بينها وخلالها. هكذا، تكون أسئلة البحث الرئيسية هي: أولا، نقل العمل إلى ومن المستهلكين بين حدود اجتماعية-اقتصادية و(IEP)؛ ثانيا، التفاعل بين المستهلكين والعمال الآخرين وبين أنماط العمل ومراحله. ربما قصد بالامتناع عن تعريف العمل هنا تجنب مزيد من الثقل النظري، وهو ما قد يجده البعض مشكلا.

 

هذا ليس إطار شحيح، لكنه يسمح بتحليل كاف بالنسبة للتعقيدات المعاصرة. تم تطبيق الإطار نسبيا بين إنجلترا والسويد في ناحية، وبين تلك السياقات ذات نظم إدارة النفايات شديدة التقدم والبرازيل والهند في الناحية الأخرى. إن إدارة النفايات في الحالة الثانية بدائية، وهناك، بدلا من اشتراك المستهلك في العمل الاستهلاكي لإعادة التدوير، تظهر العمالة الفقيرة. اعتمدت الدراسات الإنجليزية والسويدية على مقابلات مع خبراء (في إنجلترا)، وأرباب منازل، إضافة إلى دراسة للملاحظات المنزلية، ودراسات نوعية ثانوية في السويد. تعتمد الحالة البرازيلية والهندية بشكل كبير على المصادر الثانوية.

 

إذا، يجب فهم العمل الاستهلاكي بناء على الصياغة الواسعة للإنتاج، والتبادل، والتوزيع. مما يعيد صياغة العملية الاقتصادية باعتبارها مستندة إلى تعهد المستهلك بالعمل في سبيل الاستهلاك. إحدى نقاط الخلاف الجوهرية هي أن "العمل الاستهلاكي يحدد ما يجري استهلاكه". والمثال الذي ساقه هارفي في "شرب المياه" عن كوب شاي يصب في المنزل بالمملكة المتحدة مناسب جدا. فهذا الكوب يقوم بتهجين مصادر المياه القومية، التي يسيطر عليها ويتولى توزيعها تموين احتكاري خاص، مع سلعة عالمية، يتم إنتاج هيئتها الأخيرة عبر عمالة المستهلك.

 

على الرغم من الاحترازات التحليلية، يظهرتوتر بين امتداد العمل الاستهلاكي ليشمل كل أنواع أنشطة التمكين والتنظيم - تم استعمال مثال تنظيم مخيم ترفيهي -العمل الاستهلاكي ل، دعنا نقول، المسح الضوئي للباركود في حالة دفع الحساب بطريقة الخدمة الذاتية (هذا يكمل عملية تقديم خدمة)، أو تركيب أثاث في المنزل (يتطلب هذا النشاط من المستهلك إكساب السلعة التي قام بشرائها قيمتها).

إن الكتاب نتاج برنامج مقارنة واسع، تناول العمل الاستهلاكي في تجهيز المنزل وإعداد الطعام ويمكن استعمال مزيد من هذه الاتجاه المقارن هنا. وإعادة التدوير هو النشاط الفريد؛ عمل تطوعي يوفر المادة الخام لعمليات إنتاج تعيد القيمة إلى النفاية. وهنا كانت الحاجة إلى منظور جديد لتفسير اشتراك أرباب المنازل في هذه العملية: "الاقتصاد الأخلاقي"، اعتمادا على مصادر من بولاني، وإي. بي. طومسون، وأندرو ساير لتحليل تشابك المعياري والاقتصادي. إن الحجة المركزية هنا هي أن " الاقتصاديات الأخلاقية القومية المتفردة لإعادة التدوير مؤسسة عبر التفاعل بين أنظمة تموين مؤسسية، وتقاليد جمعية ومستهلكين يفكرون يوميا في التعامل مع نفاياتهم.

 

معايير الاستهلاك

إن تفسيرالتطور التاريخي للمعايير الاستهلاكية العامة يتضمن معالجة كلا من التقاليد الثقافية التي انبثقت منها، والصراعات بين المجموعات المنخرطة في إنتاجها.

pexels.com

إن بوابة الدخول إلى الاستهلاك والخروج منه هي- كما ذكرت بلانديني-سيماني - الدلائل الوفيرة التي يقدمها البحث التجريبي. عادة ما يؤطر الاستهلاك بقلاقل أخلاقية عمن يستهلك ماذا، وإلى أي درجة، وتأثير ذلك على الأفراد، والمجتمع، والكوكب.لكن الغريب هو أن "معايير الاستهلاك" اليومية هذه لم تتعرض إلا إلى القليل منالاهتمام النظري (مع استثناء بارز أو اثنين)، إلا في سياق "الاستهلاك الأخلاقي" الصريح. و"معايير الاستهلاك والأخلاقيات اليومية" يتناول هذه الفجوة. فاهتمام بلانديني-سيماني متجه إلى جوانب الاستهلاك اليومي الاعتيادية المدمجة في الممارسة الاجتماعية، والعلاقة بين مثل هذا الانخراط الأخلاقي اليومي و"الكونيات" التي تشجعها، والتي تجمع المعتقدات البراجماتية عن طريقة عمل العالم وتقريرات أخلاقية قوية.

وبينما يمكن لمثل هذه الكونيات أن تبين بصراحة خطابيا - مثل مفهوم "كولتورنست" السوفيتي عن "العيش الفاضل" الذي أنتج المعايير الاستهلاكية للمجر الاشتراكية - إلا أنها عادة ما تكون جزءا راسخا في الممارسة الاجتماعية أو منصوص عليها باعتبارها "أخلاق عملية". ويتمكن الناس من الانخراط في واحد منها، دون تبادل وجهات النظر الصريحة حولها، عبر الاشتراك في ممارسة "الملابس المحترمة" أو "التسوق المقتصد" نفسها. تقف بلانديني-سيماني ضد نظريات تعرض تفسيرات عامة لموضوع معايير الاستهلاك، تعتمد عادة على النفعية، أو الحفاظ على الفئات الثقافية أو المنظومة الاجتماعية.

وهي تستعرض عدد من هذه المقاربات، مثل بورديو ودوجلاس، وعلى النقيض من ذلك تقدم "أكثر التفسيرات بساطة" للتساوق التاريخي بين معايير الاستهلاكوالعمليات الملموسة خلف التنوع الخاص بكل مجموعة. مثل هذه العمليات موجودة في المدخل الجماعاتي إلى المصادر الثقافية التي تستمد منها معايير الاستهلاك، وقدرتها واستعدادها للتحكم في المواقع المؤسسية التي تنتج هذه المصادر. لذا، نجد أن تفسيرالتطور التاريخي للمعايير الاستهلاكية العامة يتضمن معالجة كلا من التقاليد الثقافية التي انبثقت منها والصراعات بين المجموعات المنخرطة في إنتاجها.

 

إن معايير الاستهلاك يعاد إنتاجها على المستوى الجمعي كما أنها عرضة للتبني من قبل الأفراد، وتقدم بلانديني-سيماني رصدا دقيقا لمعايير استهلاك شخصية. إنها تجادل قائلة إن الممارسات الاجتماعية تجسد "عدة ثقافية يمكن للناس الاعتماد عليها انتقائيا في ابتكار أخلاقياتهم العملية الشخصية، بينما توفر في نفس الوقت قيود تقليدية. لا تعد الممارسات المتميزة هي الأوثق صلة بالموضوع "لكن مجموعات من الممارسات التي يربط بينها اعتقاد أخلاقي وبراجماتي معين.. مجموعة من الممارسات محددة علائقيا تحمل معان وكونيات مشتركة".



إحدى نقاط قوة مفهوم المعايير الاستهلاكية في أنها تشمل كلا من النشاط الروتيني غير المتعمد الذي تعبر المناهج النظرية عنه جيدا، ونشاط متعمد، هو الآخر نتج بتأثير من "معتقدات براجماتية" أوادعاءات عامة عن الكيفية التي يعمل بها العالم والاقتصاد.

 

تضع بلانديني-سيماني حججها داخل مجال نظري وتجريبي واسع، فهي لا تعتمد فقط على نطاق فسيح من مصادر الأبحاث الثقافية الأنثروبولوجية، وتاريخية، وسوسيولوجية، ومادية تتعلق بالاستهلاك، بل - على سبيل المثال - على نظريات جدلية عن الموضوع وسجالات فلسفية عن الأخلاق أيضا. كما أنها لا تخشى الانخراط في بعض الإشكاليات الأساسية لدراسة الاستهلاك -مثل دور الدعاية في تنمية الطلب الجماهيري- التي غالبا ما تهمش من قبل الاهتمامات الحالية بمنعطف الممارسة (practice turn). يزودنا الكتاب بشهادات تفسيرية دقيقة عن العمليات الاقتصادية، والتكنولوجية، والاجتماعية، والمؤسساتية، والتي تتغير خلالها معايير الاستهلاك - أعقد من أن يشرح هنا. كل هذه المميزات ترشح النص ليكون مرجع تدريسي مثالي.

 

أخيرا، يشتبك الكتاب مع حركات استهلاك أخلاقي. ويعرض حجتين أساسيتين: أن نظريات الحياة الفاضلة والعدالة التي تقوم عليها حركات الاستهلاك الأخلاقي شكلتها ظروف اجتماعية محلية واهتمامات ثقافية؛ وأن "تبني أهدافا استهلاكية أخلاقية على مستوى الحياة اليومية يعتمد على إمكانية دمجها في" أخلاقيات وممارسات وكونيات استهلاكية محلية. إن خطر الموقف الاستهلاكي الأخلاقي الكوني يكمن في أنه "يستبعد أن تنوع في الأخلاق، وطرق العيش، والخير الباطني الذي يقود إلى ممارسات مختلفة"، وهي نقطة حري بالخطباء كسالى الأذهان أن ينتبهوا إليها.

 

تنتقد بلانديني-سيماني الاستهلاك الأخلاقي عندما يؤطر من ناحية الاختيار الفردي كآلية لمعالجة المسائل المنهجية. مع ذلك، أود الإشارة إلى أن كثير مما يتضمنه شعار الاستهلاك الأخلاقي يتفق مع وجهة النظر المعيارية التي تتبناها بلانديني-سيماني: صياغة الأهداف حسب العدالة، والسعي إلى معالجة المشاكل المنهجية عبر سياسات ديموقراطية، لا اختيارات المستهلك.

 

الخاتمة

الاقتصاد الأخلاقي نقطة بداية مثمرة لتحليل الخيالات الاقتصادية التي تستثمر صياغات اجتماعية-اقتصادية. والكونيات سواء، يمكن النظر إليها كاستثمار لا يقف عند الاستهلاك، بل يشمل عمليات الانتاج، والتبادل، والتوزيع.

pixabay.com
 
يعتبر كل كتاب من الثلاثة إسهاما هاما. فكل واحد يعرض استراتيجية مختلفة لتطوير دراسة الاستهلاك. ذلك عند هارفي عبر فهم موقع الاستهلاك فيصيغ اجتماعية-اقتصادية متنوعة. وهو عند وييلر وجلوكسمن عبر فهم الدور الذي يلعبه الاستهلاك في الإطار الاجتماعي-الاقتصادي للعمل. أما سبيل بلانديني-سيماني إلى ذلك فيأتي عبر فهم الاستهلاك في معياريته اليومية، وفي السياق الكونيات الثقافية التي يعتمد عليها. كل واحد يقدم فائدة كبيرة إلى الاخر، وذلك أكثر وضوحا في حالة هارفي ووييلر وجلوكسمن، وأيضا في الكيفية التي قد تتلاقح بها مفاهيم ورؤى الثلاثة معا.

 

ربما يكون الاقتصاد الأخلاقي نقطة بداية مثمرة لتحليل الخيالات الاقتصادية التي تستثمر صياغات اجتماعية-اقتصادية. والكونيات سواء، يمكن النظر إليها كاستثمار لا يقف عند الاستهلاك، بل يشمل عمليات الانتاج، والتبادل، والتوزيع. ما الواضح أن هناك علاقة معقدة بين المعايير الاستهلاكية والعمل الاستهلاكي، وهي تستحق الدراسة.

نحن نملك ثروة من المصادر هنا، يمكن بها ربط الاستهلاك بالإنتاج والتموين، وبرأس المال والعمالة. أخيرا، كل كتاب من الثلاثة يشكل عرضا مثاليا لتنوع الصياغات الاجتماعية-الاقتصادية، أو لخصوصية الاقتصاد السياسي والكيان الاجتماعي-الاقتصادي. ربما نحتاج أيضا إلى اعتبار السمات المشتركة والاعتماد المتبادل.

________________________________________________

المقال مترجم عن: soc.sagepub

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار