اغلاق
آخر تحديث: 2017/2/6 الساعة 13:32 (مكة المكرمة) الموافق 1438/5/10 هـ

انضم إلينا
كيف نرضى؟ الجدل مع الحياة بحثا عن مساومة

كيف نرضى؟ الجدل مع الحياة بحثا عن مساومة

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

ولدتم جزافاً... هذه هي رسالة "سيوران" الأولى والأخيرة للبشرية (1)، فقد كان الأديب "إميل سيوران" يتساءل دائما قائلا: "لا أستوعب لماذا علينا أن نقوم بأعمال في هذا العالم، لماذا علينا أن نحظى بأصدقاء وتطلعات، أحلام وآمال". (2)


فالسخط يملؤنا من هذا العالم المليء بالظلم والدماء والمذابح والشرور، فكل شيء ممكن، وكل شيء مُباح، ولا يهم أي طريق نسلك، إنها ليست بأفضل من غيرها. فكل الأمور سواء، أنجزت شيئاً أم لم تُنجز، لديك إيمان أم لا، تماماً كما هو سواء أبكيت أم بقيت صامتاً. "فكل شيء حقيقي ووهمي في آن واحد، طبيعي وشاذ، رائع وتافه؛ لا شيء يساوي أكثر من شيء أخر، ولا فكرة أفضل من فكرة أخرى". (3)

 

وهذا السخط يبقينا داخل قبو مظلم من اليأس والقنوط والجذع؛ حيث يلوح لنا -في ظل تلك الأوضاع المعيشة الصعبة والبائسة- السؤال: (4) ماذا يمكن أن نفعل في هذه الحياة، ألم نكن نستحق حياة أهدأ وأفضل من تلك؟!

 

إننا نتوقع -دائماً- مواقف حاسمة؛ أفكاراً واضحة، كلماتٍ ذات معنى؛ لكن كم مصير من مصائرنا يمكن رؤيته؟ نحن وحيدون في الحياة إلى حد أننا لا بد من أن نسأل أنفسنا أليست وحدة الاحتضار هي رمز الوجود البشري! أليس من تفرقهم الدنيا يجمعهم الموت! هل يمكن أن يكون هناك خلاص في اللحظة الأخيرة؟
 

لكن هل خُلقنا لنموت؟ وإذا كان الموت هو الحقيقة الواضحة والثابتة في هذه الحياة، لماذا يتوج سعينا بالفشل والضياع، لماذا تهدينا الحياة مخاطرها؛ بدلا من أن تهدينا نورا -ولو ضئيلا- وسط عتمة ذلك النفق.!

 

فسخطنا من الحياة يتولد من السعي لشيء مجهول أو شخص مجهول دونه تكون حياة المرء غير مكتملة، عندما ترتبط أمانينا بانتظار أشياء نظن أنها ستتحقق بلا ريب مثل: عالم مثالي أو أفضل، انتصار الخير والحق دائما، النجاح في كل شيء. ونفكر بقناعات يقينية أن أمانينا وخيالاتنا ستتحقق؛ بينما -حتى- من يحققون أهدافهم تظهر لهم تعاسات جديدة، ورغبات أخرى غير محققة (5)، فهل تفكيرنا في التسامي على ظروفنا هو مجرد أوهام؟ هل نستطيع التفكير فيما بعد البقاء؟ وماذا يفعل الإنسان في هذا العالم، وما المسارات المتاحة له؟ وكيف يرضى بما هو متاح لديه؛ ليستطيع إكمال حياته؟

 

الإنسان بين الوعد والمقسوم


ماذا نتمنى أن نعد أنفسنا؛ ربما نتمنى أن نولد من جديد في عالم تتعوض فيه الخسائر ويعود فيه الغائب؛ حيث الإنصاف للمظلوم، ورد المظالم لأهلها، وتحقيق العدل المطلق، وحيث الاستجابة للدعاء، وحيث الصبر على الابتلاء يُكافأ بالنهايات السعيدة، وحيث المعرفة تتحقق، وتتواجد إمكانية الوصول للحقيقة.!

لكن لماذا نفترض أن الحياة (حياتنا الخاصة والصغيرة) وإن كانت مليئة بخيبات الأسى والألم؛ هي أسوأ من نظيراتها في الوجود، لماذا نفترض أن حياة الأفريقي الفقير في الغابات والحقول الريفية والصحراء؛ هي أسوأ من حياة المواطن الأوروبي أو الأميركي؟

 

في مقدمة كتاب "الحياة على مقاس الحدود القائمة: الرضا في عالم من الاحتياج"  لعالم الانثروبولوجيا الوجودية "مايكل جاكسون"  يفترض "جاكسون" أن الحياة داخل الاتحاد الأوروبي أو أميركا الشمالية مثلاً ليست -بالضرورة- أفضل من الحياة في أي بلد نامٍ، إذا فكرنا في الأمر على مستوى الفرد وتطلعاته وإحباطاته؛ بمعنى أن الوجود الإنساني إذا كان هو المقياس لجودة الحياة، فلا فارق بين غني وفقير، ولا بين مواطن يعيش بمدينة نيويورك، وآخر يعمل مزارعاً في أي قرية أفريقية، بل ربما كانت حياة الفلاح أفضل من حياة المواطن، إذا عرفنا أن "رضا" الفلاح عن حياته أكبر من رضا المواطن الأميركي عن حياته.(6)

 

ويقول "أمارتيا سين":" يمكن أن تكون ميسور الحال دون أن تكون في حال جيدة. يمكن أن تكون في حال جيدة دون أن تتمكن من عيش الحياة التي تريدها. يمكن أن تنال الحياة التي تريدها دون أن تتحقق سعادتك. ويمكن أن تكون سعيداً دون أن تكون حريتك كبيرة. يمكن أن يكون نصيبك من الحرية كبيراً دون أن تحقق الكثير غير ذلك."(7)

 

ويحكي "جاكسون" عن المقابلات التي أجراها في سيراليون (والتي تعد البلد الأقل قابلية للمعيشة في العالم) تلك المقابلات التي اعتمد عليها في دراسته (8)، فيقول "إن آمال الناس وتطلعاتهم بسيراليون تمتزج بالوعي بالحدود التي يكتشفها المرء داخل حياته وخلال رحلته، وأنهم متقبلون لفكرة أن السعادة تتكون من معرفة كيف يحقق المرء أفضل الممكن من ضمن ما هو مُتاح له، وليس الوقوف على رأس كل الأشياء أملاً في أن تحقق شيئاً آخر في النهاية". فهل هناك فائدة ممكنة من هذا السلوك؟

 

مسارات الإنسان في الحياة
قبل أن نحاول الإجابة على سؤال: ما الذي نستفيده بإدراك حدود فعلنا وما الممكن بالنسبة لنا في الحياة، يجب أن نحاول أن نفهم ما هو ذلك الممكن وما خريطة تقسيماته، وما هو المتاح وغير المتاح للإنسان في الحياة؛ خاصة الإنسان العربي الذي يواجه أخطارا وتحديات جمة تزيد من شعوره بالعجز وقلة الحيلة؛ حيث يرى المرء "العالم في حالة لامعقولة، وغير منطقية لا تدل على أن من يحيون فيه قد عرفوا الطريقة المثلى للعيش.. كأن قوة خارجية لها إرادة مطلقة في أن يظل الإنسان حائرًا تتسع أمامه حدود الجهل إلى ما لانهاية، كلما ظن أنه في طريقه إلى سيادة كونه" (9).

 

فالحياة عبارة عن مناورات ومساومات وجدل للوصول لمسار أو طريق يرضي الإنسان؛ فهناك من يبحث عن السلطة والنفوذ والمال، وهناك من يبحث عن المُثل والأخلاق والقيم، وهناك من يبحث عن سلام نفسي؛ هربا من واقعه الأليم بسفر أو انقطاع عن الحياة القديمة أيا كان شكل هذا الانقطاع، ويمكن تتبع تلك المناورات في أربع مسارات (10):

 

أولها: المواجهة الشاملة: وهي ما عبر عنها الشاعر أمل دنقل في قصيدة "سفر الخروج" حينما قال:

أيها الواقِفونَ على حافةِ المذبحهْ

أَشهِروا الأَسلِحهْ!

سَقطَ الموتُ؛ وانفرطَ القلبُ كالمسبحَهْ.

والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاحْ!

المنَازلُ أضرحَةٌ،

والزنازن أضرحَةٌ،

والمدَى.. أضرِحهْ

فارفَعوا الأسلِحهْ

واتبَعُوني!

أنا نَدَمُ الغَدِ والبارحهْ

رايتي: عظمتان.. وجُمْجُمهْ،

وشِعاري: الصَّباحْ!

حيث يحمل هذا الاختيار بشارة ما بالخلاص والنصر المبين، واستحالة الحياة إلا من خلال مواجهة شاملة تصطف فيها الصفوف، فيحيا من يحيا على بينة ويموت من يموت على بينة؛ لكن يذهب هذا المسار لأبعد من ذلك، فينفي الحياة ويُمعن في محاولة قتلها لمحاولة الوصول لواقع تاريخي آخر سابق علينا، فنحن -بنظر متبني هذا المسار- داخل واقعة زمنية مُخالِفة للمثال التاريخي؛ ولكن المشكلة هنا، هي صعوبة؛ وربما استحالة الرجوع لوضع تاريخي محدد وضيق، والتحجر بداخله. (11)

 

وثانيها العجز: كاختيار سلبي أمام الحياة، أن تكون عاجزا بالكامل عن تغير أي شيء. وهنا يلجأ الإنسان للهروب أو إنهاء حياته أو الاستسلام لمجريات الحياة اليومية والروتين اليومي، وقد يكون هذا الاختيار متقاطع مع باقي مسارات الحياة، فكل شئ عبارة عن لحظات في حياة الإنسان قد يتجاوزها، وقد يظل داخلها؛ حيث لا يمكن ادعاء أن حياة إنسان تمتثل لمسار أو اختيار بالكامل، بينما هي تقترب وتبتعد عنه، وكذلك الإنسان يفعل تجاه الفكرة والقيمة.

 

وثالثها فكرة الهروب: في معنى المراوغة هو شكل الانسحاب التكتيكي؛ حيث يتصلب المرأ عندما تتيح الحياة له الفرصة ويرتخي عندما تشتد هي عليه، حيث يأخذ الإنسان مسافة من واقع حياته؛ ليعيد تقييمها من جديد والاستعداد للاشتباك معها مرة أخرى على بصيرة وبينة. (12)

 

ورابعها: هو التسليم للقدر، والتعايش معه، والتفاعل مع الحياة بالقدر الذي يبقينا أحياء، ولا يجعلنا ننفي ما خارجنا بالكامل وتقبل الحياة كما هي. والاعتراف بأن هذا العالم قاسٍ وظالم والحياة غير عادلة؛ لكن ليس في وسع الإنسان أن يغيره بالكامل، وليس للإنسان إلا ما سعى؛ فالسعي مقدم على الوصول إلى نتيجة وحل نهائي، قد يسبب إراقة دماء بغير حق.

 

حين يخبرنا المفكر علي عزت بيغوفيتش في كتابه "هروبي إلى الحرية" أن "ثمة طريقة واحدة فقط لتجنب الهزيمة عندما تواجه العالم، ومع أن هذه الطريقة ليست آمنة تماما، إلا أنها الطريقة الوحيدة الممكنة، وهي أن تحول نسبة القوة بينك وبين العالم لتكون في صالحك، فبدلا من تحريك آلاف الأشياء وتغييرها وكل منها أقوى منك وأثقل، فإنك تقوِّي نفسك لتكون (فوق) العالم. ويمكنك أن تقوم بهذا الأمر، إنه في استطاعتك ولو بقدر ضئيل، فالعالم ضخم ﻻ يقهر. ﻻ يمكنك أن تكسو كل الطرق التي تسلكها بالجِلْد، ولكن يمكنك أن تصنع حذاءً لنفسك، أي أن تغطي قدميك بالجلد، وستكون النتيجة هي ذاتها. هذه هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع العالم، ومع الظروف التي نجد أنفسنا فيها.

هل فكرت من قبل لماذا يشعر المسنون بالبرد حتى عندما يرتدون ما يدفئهم؟ إنهم يفتقدون إلى الدفء الذاتي. إن أفضل طريقة لمقاومة البرد الخارجي هي أن تتحرك دماؤك، ومن ثم تشعر بالدفء من داخلك. هذا هو الحل الحقيقي الوحيد"، فالإنسان في الحياة يتنقل بين تلك المسارات، ويحاول أن يقارب ويسدد؛ لعله يلتمس طريقا نحو معرفة أو سعي جديد إلى الله.

كيف نرضى؟

الرضا متصل دائماً بما هو أكثر من وضع المرء التاريخي أو الثقافي. فالرضا -في نظره- يعكس إحساساً بالانقطاع ما بين من نكون على جانب، وما ننشد أن نكون على الجانب الآخر

بيكساباي
يذهب "مايكل جاكسون" إلى أنه يمكننا أن نرضى إذا فهمنا الرضا الإنساني، "ليس كحالة مستقرة نهائية، إنما كمجال للصراع والجدل؛ فصعوبة تحقيق الرضا لا تؤدي إلى انحسار سيطرة الفكرة على مخيلاتنا؛ إذ أنها تشير إلى أمل، من دونه يصبح الوجود لا يحتمل"(13). فالحياة، حياتنا وحياة من نهتم بهم، تدخر لنا أكثر مما فات، وكما تحمل الحياة مآسي تحمل كذلك فرصا. فبرغم من مصاعب الحياة، وما يمكن أن تمنحه أو تسلبه من الإنسان، "فإنه من الصعب أن تصادف أناساً راضون بشكل تام ونهائي بنصيبهم". وبرغم ما يواجه الإنسان من مآسي ومعاناة تزلزل كيانه" فمن الأندر أن تصادف أناساً لا يتوقعون أي شيء من الحياة، ويقبلون الحالة الراهنة بلا منازعة، ولا يتخيلون يوماً أن أوضاعهم قد تتحسن اجتماعياً وروحياً ومادياً، أو يجب أن تتحسن". (14)

وبرغم أن التهديدات في العالم الحديث مثل الحروب والهجرة وانهيار الأسواق والكساد الاقتصادي ليست بالسهلة، ولا تمنح من يعايشها أي شعور بالرضا؛ بل شعورا رهيبا بالغضب والسخط. يوضح "جاكسون" أن الرضا متصل دائماً بما هو أكثر من وضع المرء التاريخي أو الثقافي. فالرضا -في نظره- يعكس إحساساً بالانقطاع ما بين من نكون على جانب، وما ننشد أن نكون على الجانب الآخر.

 

فإستراتيجية "جاكسون" لتحقيق الرضا -والتي اكتشفها من مقابلاته مع البسطاء في سيراليون- هي إستراتيجية السعي لتحقيق المكاسب من خلال الاستسلام. فيقول: "هذا النظام الأخلاقي، من العيش داخل الحدود؛ بدلاً من الكفاح لتجاوزها. على المرء أن يحاصر حريته لكي يتحرر. أن يخصم لا أن يضيف. المنطق الكامن وكأنه كما يلي: بغض النظر عن الأشياء المشتهاة في الدنيا: المزيد من النقود أو الحب أو الحرية أو السلطة، فالحصول على هذه الملموسات يعتمد على اللاملموس، الذي يتم تصوره في أشكال مختلفة، سواء الحظ أو المصير أو القدر أو القوى الروحانية. أي أن العالم الذي نتحرك فيه فعلياً يحاصره مجال مغناطيسي يتجاوز فهمنا الإمبريقي ولا سيطرة لنا عليه. بالتبعية، فإن يأسنا من القدرة على وضع أيدينا على السلع التي يقدمها لنا عالمنا الاجتماعي، قد يصل بنا إلى نقطة نكف فيها عن السعي ونضع أنفسنا تحت رحمة القوى فوق-الاجتماعية أملاً في أننا بتعريضنا أنفسنا لها (أي هذه القوى) نكون أكثر فعالية عما إذا حاولنا مقاومتها ببذل الجهد والكفاح.

 

أي عمل ناجح يتعاطى مع العالم يتطلب عملاً مقابلاً في الاتجاه من الخضوع للعالم، استسلام وتسليم يعوض ما حصلنا عليه. ومن منظور أخلاقي: لا يمكن للمرء أن يتوقع الحصول على شيء دون مقابل، رغم أنه من خلال تعريض المرء نفسه للاستلاب من كل ما يملك فقد ينال فرصة كسب ما هو أكثر مما يأمل فيه".(15)

 

خاتمة


يذهب علي عزت بيغوفيتش إلى أن التسليم لله أو التمرد، والرضا أو السخط، إجابتان مختلفتان للسؤال نفسه، "ففي التسليم لله يوجد شيء من كل حكمة إنسانية فيما عدا: التفاؤل السطحي الأبله "(16). فالتسليم عند بيغوفيتش هو قصة المصير الإنساني؛ فمن الطبيعي أن ينفذ إليه التشاؤم؛ لأن كل مصير هو مصير تراجيدي مأساوي إذا قمنا بالتمعن في أعماقه.

 

فما الذي يمكن أن يعزي أُمٌا فقدت ابنها الوحيد أو طفلها الصغير؟ وأي سلوى ممكنة لرجل أصيب في حادث فأصبح قعيدا غير قادر على الحركة؟ فالاعتراف بالقدر -كما يوضح بيغوفيتش- "استجابة مثيرة للقضية الإنسانية الكبيرة التي تنطوي في جوهرها على المعاناة، وهو اعتراف بالحياة على ما هي عليه، وقرار بمواصلة الحياة والتحمل". ويدعونا بيغوفيتش أن لا يحملنا الوهم على أن نبدد جهودنا في الإحاطة بكل شيء والتغلب عليه.

 

ولا يعني التسليم لله -عند بيغوفيتش- الاستسلام والخضوع للبشر، فطاعة الله تستبعد طاعة البشر والطواغيت؛ وهي مواصلة للكدح والجهاد حتى الرمق الأخير.

"فالتسليم لله شعور بطولي (لا شعور بطل)؛ بل شعور إنسان عادي قام بأداء واجبه وتقبل قدره".(17)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك