اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/9 الساعة 16:01 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/13 هـ

انضم إلينا
ليس مجرد رياضي.. كيف اكتسب أبو تريكة شعبيته الجارفة؟

ليس مجرد رياضي.. كيف اكتسب أبو تريكة شعبيته الجارفة؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    

في منتصف شهر يناير/كانون الثاني الماضي، كشف النظام المصري عن قوائم موسعة للمنظمات والشخصيات المتهمة بالإرهاب، مُدرج فيها أسماء الآلاف من المواطنين الذين وسمتهم الدولة المصرية بكونهم "إرهابيين" أو على علاقة بكيانات تعتبرها إرهابية.

وبرغم الضجة التي أثارتها القائمة في المجمل، إلا أن اسما واحدا لفت أنظار الجميع بدهشة، فوجود اسم لاعب الكرة المصري "محمد أبو تريكة"  داخل ما أسماه النظام  "قوائم الإرهابيين" ليس أشد الأحداث مأساوية ولا أكثرها غرابة.

المُلفت للانتباه كان في ردود الأفعال التي أعقبت الإعلان عن اللاعب بكونه "إرهابي وعدو للوطن"، ففي ظل الحملة الشرسة التي تقودها السُلطة ضد كل مُعارضة وتعميم "حالة الاستثناء" والقمع التي تُمارسها السُلطة وتحالفاتها الإعلامية والاقتصادية على المجال العام المصري، كان من المستغرب أن تخرج أصوات من داخل معسكر السُلطة تستنكر وجود اسم "أبو تريكة"  داخل القائمة، وتُطالب النظام بمزيد من العقلانية والتوضيح.


عكست ردود الفعل تلك مشهدا يوحي بأن شخصية "أبو تريكة"، تقف على أرضية ما خارج كل الصراعات التي يشهدها المجتمع المصري؛ رغم معرفة الغالبية بميوله السياسية المُعارضة للنظام، فما الذي يُمكن أن يتوفر للاعب كرة قدم نال شهرته من خلال إنجازاته الرياضية بحيث يتسنى له أن يكون استثناء داخل حالة الاستثناء التي تعيشها مصر في السنوات الأخيرة؟
 

السياسي في الرياضة

في العقود القليلة الماضية اهتمت الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية بدراسة الرياضة بصفة عامة 1 وكرة القدم بصفة خاصة 2 كظاهرة اجتماعية، وسعت لإعادة النظر في وضعيتها داخل المجتمعات، بل وفي الكيفية التي اندمجت بها تلك الرياضات الشعبية بشكل عام في النسيج الاجتماعي الحديث، كدورها في خلق الانتماء وبناء السرديات والملاحم، وتفريغ الرغبة في العنف بشكل سلمي، وفعاليتها في تعزيز الاندماج القومي وتجاوز الخلافات الداخلية والعرقية وخلاف ذلك من وظائف اجتماعية 3 أخرى ساهمت إلى حد ما في تشكيل بنية المجتمعات المعاصرة.
 

فقد كان الاهتمام الأساسي لتلك الدراسات معني برصد نقاط التماس بين كرة القدم والسياسة والاجتماع، وعلاقة هذه الرياضة من حيث (اقتصادياتها، ورموزها، وشبكاتها الإعلامية، ووزنها الاجتماعي) بالمجال العام.
 

اعتمد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ونجليّه -في ذلك الوقت- على الاستثمار السياسي في الإنجازات الرياضية للمنتخب المصري عبر تقديم نفسه راعيا لتلك الإنجازات
رويترز

في مصر كان المثال الأبرز علي التماس الواضح بين الرياضة والسياسية والاجتماع  جليا في السنوات التي سبقت الثورة، حيث مثّل النجاح الكبير الذي حققه المنتخب المصري لكرة القدم على المستوى الإفريقي لسنوات متتالية مناسبة مهمة تلاقت فيها لعبة كرة القدم بالسياسية بشكل واضح، حيث اعتمد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ونجليّه -في ذلك الوقت- على الاستثمار السياسي 4 في الإنجازات الرياضية للمنتخب المصري عبر تقديم نفسه راعيا لتلك الإنجازات، بجانب الظهور المتكرر لنجليه  5 برفقة الفرق الوطنية في المناسبات المختلفة، ما عده البعض محاولة لتجديد أو حيازة الشرعية الشعبية والسياسية للنظام الحاكم.

إلا أنه وعلى النقيض من الموقف الأول لنظام مبارك، فقد قامت السُلطة الحالية بمُهاجمة "أبو تريكة" كواحد من أبرز اللاعبين في كرة القدم في مصر حين وضعت اسمه على قوائم الإرهاب 6 الموضوعين على قوائم الترقب، إضافة إلى التحفظ على ممتلكاته، لتنفجر مجددا مساحات التماس بين كرة القدم والسياسة والاجتماع.

انسحبت ردود الأفعال 7 تلك بشكل مُلفت إلى خارج المجال الرياضي متداخلة مع المجال العام بكل مكوناته وانفجرت من قلب الإعلام المصري -الداعم للنظام- أسئلة عن السُلطة وتغولها في تصفية الحسابات وحجم حالة الاستثناء وماهية تعريف الإرهاب 8  وخلاف ذلك من أسئلة متعلقة بالسياسة والقانون.
 

هذه الحادثة توضح حجم التداخل الحادث بين الرياضة والسياسة، فعن طريق عدة مفاهيم تحاول العديد من العلوم الإنسانية تفسير مساحات التماس والتفاعل المتبادل بين المجاليّن، حيث جسدت فيها واقعة أبو تريكة مفهوم "رأس المال الرمزي" كما وضحه "بيير بورديو" وعلاقته بتجديد أو بتآكل الشرعية السياسية والاجتماعية للسُلطة وللفاعلين السياسيين بشكل عام.
 

رأس المال الرمزي

نظر بورديو إلى رأس المال الرمزي على أنه علاقة إنتاج مشتركة بين الفضاء الاجتماعي وبين الفرد وذاته الفاعلة داخل هذا الفضاء
مواقع التواصل
 


كان من الاسهامات المهمة التي قدمتها دراسات علم الاجتماع لفهم بعض الظواهر غير السياسية في جوهرها على الرغم من تأثيرها في المجال السياسي، مفهوم محوري صكه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو وهو مفهوم "رأس المال الرمزي"10، ويأتي هذا المفهوم  في ظل مشروع أوسع لبورديو يرمي إلى الاسهام في تجاوز أزمة علم الاجتماع التي عايشها خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي.

رأس المال الرمزي الذي يمتلكه الفرد يستند أساسا إلى مجموع المنابع والمصادر الرمزية التي يمكن أن تتشكل أو تتصف بها الذات الفاعلة داخل سياق اجتماعي معيّن


ففي تلك الفترة  كانت النظرية السوسيولوجية -وفق الدكتور زهير الخويلدي- 11 "تسير في اتجاهين منفصلين، أحدهما يركز على مستوى البنية الاجتماعية والعلاقات القائمة بين أجزاء المجتمع المختلفة، والآخر يهتم بمستوى الأفراد الفاعلين، حيث حاول بورديو تجاوز تلك المشكلة من خلال تأسيس نظرية وُسطى تعمل للتغلب على تلك الثنائية المُتعسفة بين الفرد (النزعة الذاتية) والمجتمع أو الفضاء الاجتماعي(النزعة الموضوعية)".


بهذا المنطق نظر بورديو إلى رأس المال الرمزي على أنه علاقة إنتاج مشتركة بين الفضاء الاجتماعي وبين الفرد وذاته الفاعلة داخل هذا الفضاء، فالجزء الأساسي في هذه العملية هو تحويل عادات الجماعة الإنسانية التي تشكل هذا الفضاء إلى مصادر ما يمكن تسميته "رأس المال الرمزي" الذي يُمكن استثماره في تعزيز علاقات الهيّمنة والقوة والشرعية داخل المجتمع والدولة، ما يعزز بناء وتماسك النسيج الاجتماعي.
 

ما يهمُنا في هذا الصدد؛ هو أن رأس المال الرمزي الذي يمتلكه الفرد يستند أساسا إلى مجموع المنابع والمصادر الرمزية التي يمكن أن تتشكل أو تتصف بها الذات الفاعلة 12 داخل سياق اجتماعي معيّن، وتتوزع تلك المصادر بين العادات والتقاليد والأعراف والسرديات -التاريخ القومي كمثال- والرموز الجمعية والدين والفنون، بحيث يصبح امتلاك رأس المال الرمزي هو امتلاك الفرد لسمات محددة تحقق تلك المقولات المشتركة والمُتفق عليها داخل المجال العام، والتي يدركها الفاعلون الاجتماعيون بدورهم، مما يحول صاحبها في المُحصلة النهائية لفاعل اجتماعي-سياسي-ثقافي.
 

التحرك من آخر الملعب أو فكرة الرجل العصامي



"المولود في "ناهيا" هو البطل القادم من بعيد، نجم الأفيش الذي وضع اسمه قبل المخرج، محبوب جمهور الدرجة الثالثة، أيقونة الكرة التي تمت صناعتها على الهواء مباشرة، من مباراة إلى أخرى، ومن بطولة إلى بطولة. لذلك أبو تريكة مختلف، لأنه بعيد عن أي تصنيف، وناجح في كسر كافة التابوهات القديمة المتهالكة"

(أحمد مختار، صحفي رياضي)


مثّلَ محمد أبو تريكة النموذج المثالي لفكرة النجاح والترقي الاجتماعي في الوعيّ الجمعي والخيال الاجتماعي عند غالبية شرائح الطبقة الوُسطى والدنيا بالمجتمع المصري، حيث جاء من خلفية ريفية - طبقية متدنية، غريبة عن المدينة الكبيرة، عمل منذ صِغرهِ كعامل ذو أجرة يومية في أحد مصانع الطوب 13  ليُساعد عائلتُه ويدعم مساره التعليمي بنفسه كأقرانه في نفس الطبقة.
 

ويروي أبو تريكة أنه حين أراد لعب الكرة بشكل محترف وأتت فرصة الاختبار في نادي الترسانة الرياضي، لم يكن يملك ثمن الحذاء الرياضي المناسب الذي بدونه لم يكن بإمكانه أن يدخل الاختبار أو أن يشارك -لاحقا- كلاعب كرة في الأندية الكبيرة بمسابقة دوري المحترفين  14.

فقد اعتاد "أبو تريكة" على المشاركة واللعب في الدورات الرمضانية في قرية ناهية على أطراف مدينة الجيزة ومركز شباب ناهيا 15 كغيره من عشرات الآلاف من الشباب المصريين الذين لم تكن تسمح لهم ظروفهم الاقتصادية وضغوط الحياة وبعدهم عن المُدن الرئيسية بممارسة اللعبة التي يفضلونها في أماكن أفضل.


وعلى خلاف لاعبين كُثر في تاريخ الرياضة المصرية، مثلت رحلة صعود أبو تريكة التطابق المثالي لفكرة "الرجل العصامي" المحببة لنفوس طبقته الاجتماعية والاقتصادية، وأضحت نموذجا لرحلة الصعود (الاجتماعي/الطبقي) الأخلاقي في الخيال الاجتماعي المصري الذي تشكل مع انتهاء الحقبة الناصرية وبدء سياسات الانفتاح الاقتصادي منذ أواسط السبعينات 16 .

فن التمركز داخل المجتمع



لا يمكن اعتبار رحلة صعود أبو تريكة من هامش المدينة إلى أن صار ملكها المتوّج، ولا ترقِيه الطبقي والاجتماعي هي أحد أهم مكونات "رأس ماله الرمزي" الذي يحوزه، بل شكلت بجانب إجادته للتحركات بالكرة داخل الملعب وتحركاته داخل الفضاء الاجتماعي عوامل هامة في تعزيز "رأس المال الرمزي"، فالعمل الخيري الذي عرف عن اللاعب 17، وإعلان تضامنه مع غزة، وموقفه من مذبحة بورسعيد والمجلس العسكري بعد ثورة ٢٥يناير، بجانب مواقف عديدة أخرى كل ذلك ساهم في تعزيز مكانته كرمز اجتماعي متجاوز لحدود ملعب كرة القدم.
 

اعتبر كثيرون أن دخول أبو تريكة في قائمة الإرهاب بمثابة شرخ في شرعيتها، وشرعية فكرة الحرب على الإرهاب؛ والنظام الذي يستند على تلك السردية

كانت السمة العامة لمواقف أبو تريكة هي الامتثال للخط العام للقيم التي تتشكل منها الشرعية السياسية والاجتماعية داخل المجال العام المصري، ففي كل مشهد جديد كان أبو تريكة يجيد التمركز أكثر داخل المجتمع، محققا لنفسه رصيدًا جديدًا، وبالعودة لبورديو  18   "فإن رأس المال الرمزي  يرتبط بشكل أساسي بأهمية الوضعية التي يشغلها الفرد في الفضاء الاجتماعي من جهة، وبالقيمة التي يضفيها الناس عليه من جهة أخرى" فهي عملية إنتاج مشترك في الفضاء الاجتماعي، وتتعلق هذه القيمة باستعدادات الأشخاص وتصوراتهم المتوافقة مع البُنى الاجتماعية والأخلاقية الموضوعية القائمة.
 

صانع البهجة.. كيف يكون إرهابي؟


"تريكة هو أهم وأقوى رجل في مصر، لأنه حالة الإجماع الوحيدة التي نعرفها الآن. إجماع سببته المحبة لا القوة. فإن أردت معاداته، يجب أن تعلم أنك في مواجهة مع عموم الناس وليس فئة بعينها"

(الكاتب والمحرر الرياضي أحمد مجدي رجب)

 

صدر قرار وضع اسم أبو تريكة على لائحة الإرهاب، وعلى عكس ما توقع النظام المصري الحاكم، بدا الإعلاميون المحسوبون على النظام، مستائين مستنكرين لمثل هذه الخطوة 19 التي بدت غير مفهومة.
 

اعتبر كثيرون أن دخول أبو تريكة في تلك القائمة بمثابة شرخ في شرعيتها، وشرعية فكرة الحرب على الإرهاب؛ والنظام الذي يستند على تلك السردية. حيث وصف الإعلامي وائل الإبراشى  أبو تريكة بأنه صانع البهجة للمصريين فكيف يكون من أعداء الوطن.


في حين تساءل الإعلامي عمرو أديب عن حجم حالة الاستثناء التي تستند عليها وتحتاجها السُلطة في مواجهتها الإرهاب الداخلي بقوله "الناس دي كانت عايشه وسطنا، وصحينا الصبح بقوا جماعة إرهابية "، مؤكدًا عدم معرفته الشخصية بأبو تريكة وآخرين احتوت القائمة على اسمائهم، لكنه أردف مُشددا على سؤال المعرفة والسُلطة؛ أو ما هي الكيفية التي يتحول بها مواطن مصري صالح إلى إرهابي في نظر السُلطة، حيث تابع: "أنا عاوز المحكمة تقول لنا دول إرهابيين إزاي؟ أنا وأبو تريكة مش أصحاب.. بس إزاي ده إرهاب؟.. إحنا محتاجين نفهم.. لازم نعرف أبو تريكة عمل إيه، لأن كدا ممكن أي واحد فينا يدخل القائمة اللي ملهاش ملامح دي، ونلاقي أسماءنا فيها في يوم من الأيام، والحاجات دي بتعطل النمو" حسب قوله.

جوهر نظرية بورديو هو الربط بين البنيّة الاجتماعية ودورها في صناعة راس المال الرمزي ومصادره ومنابعه الثقافية والرمزية والأخلاقية، وبين دور الذات الفاعلة في امتلاكه ومراكمته

وتتابعت ردود أفعال الإعلاميين خاصة الذين عرفوا بتأييدهم للنظام في إجراءات استثنائية وقمعية أكبر بكثير من واقعة أبوتريكة، ودارت أغلب اعتراضاتهم حول تاريخ اللاعب وقيمته وعطائه والأهم تجسيده للأخلاق العامة والقيم التي يؤمن بها غالبية من الشعب المصري فكيف يتحول لعدوه؟!، وفي ذات السياق عقبت الإعلامية لميس الحديدي بقولها: "محمد أبو تريكة هو الأخلاق اللي بنربي أولادنا عليها.. وأكثر لاعب محبوب في مصر.. إزاي يكون إرهابي".

يُمكن فهم حالة الالتفاف حول محمد أبو تريكة والتشكيك في شرعية الحرب على الإرهاب خاصة من معسكر السُلطة والحرب على الإرهاب بفهم فاعلية ودور رأس المال الرمزي الذي حازه أبو تريكة، ودوره في تكوين وإعادة إنتاج علاقات السُلطة والشرعية في الفضاء الاجتماعي.

فجوهر نظرية بورديو هو الربط بين البنيّة الاجتماعية  ودورها في صناعة راس المال الرمزي ومصادره ومنابعه الثقافية والرمزية والأخلاقية، وبين دور الذات الفاعلة في امتلاكه ومراكمته.

فرأس المال الرمزي في جوهره هو رأس مال من الشرف والسُمعة الحسنة والهيبة بحيث يمنح صاحبه فاعلية اجتماعية وسياسية، تحقق له وضعيّة اجتماعية تمثيلية داخل الفضاء الاجتماعي 20، ليُصبح الهجوم عليه، هجوم على الفضاء الاجتماعي ذاته وليس مجرد هجوم على فرد بعينه، ما يجعل صاحبه أحد المعايير على شرعية أو عدم شرعية الخطاب والفعل السياسي في التحليل الأخير.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار