اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/3 الساعة 12:51 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/9 هـ

انضم إلينا
حتى لا تفقد محبيك.. أساليب لإنقاذ علاقاتك من الانهيار

حتى لا تفقد محبيك.. أساليب لإنقاذ علاقاتك من الانهيار

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
صحيح أننا نستخدم لفظة الحميمية للإشارة إلى العلاقة الجنسية، لكن ألم تسمع بالصديق الحميم؟ بالضبط، إن الحميمية أسمى درجات القرب. تناقش هذه المقالة مسألة الحميمية بين الأحبة والأصدقاء على السواء، وطرق تحقيقها، وتقدم نصائح للحفاظ عليها، وإشارة إلى أسباب الاهتمام الزائد بالعلاقة العاطفية على حساب علاقات الصداقة.

 

نص المادة
تنطوي الحميمية دوما على مخاطرة. لكن سواء كان السياق علاقة صداقة أو علاقة عاطفية، فإنها مخاطرة يُقبل أغلب البشر على خوضها، بل ويسعون إليها، لأن التواصل هو أوثق السبل إلى التسامي. إن اقترابك من شخص آخر هو أحد أكثر التجارب الإنسانية إثارة، فهو حجر أساس أمنك العاطفي وجواز سفرك إلى إثراء الذات أيضا. وفي حالة العلاقة العاطفية، تأتي الرغبة عنصرا إضافيا. مع الانتباه إلى أن للحميمية دور جوهري في الصداقة العميقة، يماثل دورها في الحب الخالد. فرغم اعتيادنا استخدام لفظة الحميمية للإشارة إلى العلاقة الجنسية، فإن كل من يملك صديقا عزيزا يدرك أن الانجذاب الجسدي ليس عنصرا أساسيا لنشوء رابطة حقيقية بين شخصين. إن الحميمية هي هذه الحالة التي تجمعك بإنسان آخر يفهمك حق الفهم.

 

ومع ما تستلزمه الحميمية من توقع فطري لتجاوب الآخر، فإنها تحرص على وجود قناة اتصال مفتوحة، لمشاركة اللحظات العصيّة على الاحتواء، مثل البوح والفضفضة في أوقات الكرب وخيبة الأمل، والابتهاج في أوقات الانتصارات والفرح. أما نقيض الحميمية، وأعني بذلك العزلة الاجتماعية، فهو نذير شؤم للبشر.

 


فلطالما
أكد العلم على أن الافتقار إلى العلاقات الإنسانية الصادقة، هو أحد العوامل المسببة للوفاة، بدرجة خطورة لا تقل عن اعتياد التدخين. وكلما ازدادت دائرتنا الاجتماعية اتساعا، تحسنت فرصنا في تجنب السمنة، وارتفاع ضغط الدم، وسائر الحالات المرضية المدمرة. كذلك لعمق وطبيعة الروابط التي تجمع بيننا أهمية كبيرة: فدرجة الدعم الذي تتلقاه من العائلة، والأصدقاء، والأشخاص الأقرب إلى قلبك، تساعدك على تجاوز المخاطر الصحية الكبرى.

 

لا عجب أن البحث عن الحميمية جار في كل مكان، بداية من صفحات المواعدة الإلكترونية الجادة، إلى النوبات الاعترافية. التي تضرب مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف اجتذاب أكبر قدر من التصديقات والإيموجي الداعمة. وبينما يفيد هذا الأسلوب المراسلاتي، على المدى القصير، في تهدئة الحنين إلى التواصل الذي يكتمه أغلب البشر، فإن الحميمية الصادقة قد تبدو صعبة المنال، في عالم كثيرا ما يحل فيه التبادل السريع للرسائل النصية، والاعتذار عن الانشغال إلى درجة تعوق اللقاء، محل التفاعل الذي يتخذ من الزمان والمكان الحقيقيين مجالا له.

 

الحميمية هي غذائنا العاطفي المتمهل، وجبة منزلية ودودة، في عالم يطلب فيه الطعام من داخل السيارة. لكن بلوغ الحميمية يستغرق وقتا، وهذه إحدى الحقائق الأساسية. فعملية الانفتاح على الآخر، والإفصاح عن الذات، تتطلب صبرا مثلما تتطلب شجاعة، والتأني ضروري هنا لكسب الثقة.

 

تملك الصداقة من القابلية للحميمية، مقدار ما تملكها العلاقات العاطفية. ولذلك فالأشخاص الذين تجمعهم علاقة صداقة أولا، كثيرا ما ينتهي بهم الأمر أحبة، ولذلك أيضا يلجأ المحب إلى الصديق ليأتمنه على أسراره، حين تترنح العاطفة. وحسب ما صرح به عريس جديد، إلى مراسل أفراح جريدة نيويورك تايمز مؤخرا، فإن ارتباطه بعلاقة صداقة مع عروسه في البداية، نزع عنه كثيرا من حصانته خلال النقاشات، مقارنة بحاله إن كان قد اقترب منها بدافع عاطفي أولا.

 


في
العادة، نتوقع من الحبيب مزيدا من الحميمية، مقارنة بما ننتظره من الصديق، سواء جسديا أو عاطفيا، لكن الحميمية تسري في العلاقتين من خلال الأسرار المشتركة، واللمسة الحانية، ولحظات الضحك والبكاء، والصمت البليغ. لا يتعلق الأمر بطريقة تعامل الشخصين معا، بل بالشعور الذي يثيره كل منهما في الآخر: الشعور بالتواصل والاستيعاب.

 

الحميمية هي ما ننشده حين نشعر بالإجهاد العصبي أو السأم، ونحتاج إلى الراحة، كما أنها السبب في تقديرنا للاجتماع بالأحبة، في الأوقات الأكثر لطفا. الحميمية هي "ما يبحث عنه معظم الناس في حياتهم الاجتماعية"، حسب قول هاري ريس، المتخصص في علم النفس، بجامعة روتشستر، وأحد أهم المشتغلين بطبيعة الحميمية والعمليات التي تتضمنها. إذن، ما الذي يتطلبه الأمر، كي تصبح مقربا حقا من إنسان آخر، سواء في علاقة حب أو صداقة؟ وما الذي تحتاجه للحفاظ على حيوية العلاقة، على المدى الطويل؟

 

تبدأ الحميمية حين يتشارك الشخص شيئا ذا مغزى عاطفي، مع شخص آخر. وهذا فعل جوهره المخاطرة. فالمرء يراهن هنا على صحة شعوره القائل بجدارة الآخر بالثقة، لكن هناك احتمال دائم بعدم استيعاب المضمون العاطفي، أو تجاهله، أو عدم مقابلته بالمثل. لذا، تميل خطوات الحميمية الأولى إلى الحذر. تنص نظرية الاختراق الاجتماعي، التي تحدد مراحل العلاقات الإنسانية، على أن بناء الحميمية، سواء مع صديق أو حبيب محتمل، يتضمن عملية استكشاف. نحن نبادر بتقديم معلومات سطحية وغير شخصية لاختبار رد فعل الآخر. وتشجعنا كل استجابة إيجابية على مزيد من الإفصاح عن الذات، عبر تقديم مواد ذات قيمة عاطفية أكبر.

 

شبَّهَ الباحثون هذه العملية بتقشير بصلة، فنحن نخلع الطبقات عن أنفسنا، ونولي الاهتمام ونقدم الدعم، مثلما يفعل الشخص الذي نقترب منه الأمر نفسه. ومع استمرار العملية التبادلية، يتناوب الشخصان لعب دور المعترف والمستأمَن، لتنشأ الثقة، والعاطفة، وأحيانا الهوية، أزواجا أزواجا.

 


تثير
فينا هذه العملية نوعا من التوتر العاطفي، لأننا نتخلى تدريجيا عن خطوطنا الدفاعية، نخلع دروعا لعلها لازمتنا منذ مرحلة الطفولة أو المراهقة، حين تعلمنا إخفاء جوانب شخصيتنا التي قد تدفع الآخرين إلى رفضنا اجتماعيا. لا يمكنك التعامل بجدية مع علاقة عاطفية، أو وصف أحدهم بالصديق الحميم، قبل أن تكون مستعدا لإطلاعهم على أسوأ اللحظات التي قاسيتها في حياتك. إن كل خطوة على درب الحميمية مغامرة، فكل ما تبوح به قد يستخدم ضدك.

 

لكنك تراهن على عذوبة الوصال المأمول. فإلى جانب ما يصاحب الإفصاح عن الذات من تخفيف للاحتقان، "يشعر المرء بارتياح مبهج، عند تجاوب الطرف الآخر بصورة إيجابية"، يقول ذلك جيمس كوردوفا، أستاذ علم النفس بجامعة كلارك. إن الاستماع باهتمام صادق، والتجاوب الرقيق، يثبت جدارتك بالثقة التي أودعت فيك.

 

البحث عن الحميمية: لعبة المواعدة
ما المواعدة إلا عملية إفصاح عن الذات، متدرجة، ومتبادلة، وقد تبدو مخاطر الإفصاح أكثر حدة بصورة خاصة خلال المواعدة. بينما يجري توطيد الصداقة، عادة، في سياق عرضي، دون أي تخطيط مسبق، تأتي المواعدة - أكثر من أي نشاط آخر في ثقافتنا - مثقلة بالتوقعات والترقب، متشابكة مع مسائل الهوية، والالتزام، والزمن: ما الذي أريده من ذلك؟ ما الذي نمثله معا، أنا وشريكي؟ هل من مستقبل لنا؟

 

إذا أشركت أحدهم في أمر شخصي، وخاب ظنك، فقد تشعر بوخزة في قلبك، خشية إصداره حكما ظالما عليك، حسب قول ستين هالينج، أستاذ علم النفس بجامعة سياتل، ومؤلف كتاب الحميمية والتسامي وعلم النفس. من السهل أن تتعثر خطاك، في طريقك إلى بلوغ الحميمية: فيحظى الآخر بصورة تفصيلية، سابقة على أوانها، لأكثر أسرارك خفاء، أو يبوح لك بأسرار أكثر مما ينبغي. ففي سعيه المحموم للتعرف عليك، يفشل الشخص في رؤيتك بوضوح. يشرح ذلك هالينج قائلا: "إنك تحوز على اهتمام أحدهم، فتغدو أحد مشاريعه. مما يدفعك إلى التساؤل: هل لرأيي أي أهمية هنا؟" إذ أن هناك اختلاف بين الرغبة في بناء علاقة حميمة، والتصميم على بنائها.

 


ليس
كل ممارس للعبة المواعدة ينشد الحميمية. صحيح أن مفهوم الرومانسية التقليدي يولي أهمية خاصة للثقة، والأمانة، والتواصل، وسائر علامات التقارب، لكن الناس قد يتواعدون لأسباب عدة: لتخفيف الشعور بالعزلة الاجتماعية، أو للاستمتاع بالوقت، أو لتعزيز ثقتهم بأنفسهم، حسب ما توصلت إليه كاثرين ساندرسون، أستاذة علم النفس بكلية أمهرست. قد يمنح البشر الأولوية لأهداف أخرى، مثل المسار الوظيفي، على حساب العلاقات الإنسانية، التي تستلزم استثمارا للوقت. ولا يعني السعي إلى تحقيق منافع ذاتية أن الشخص مخطئ، أو يعاني نوعا من الرهاب الاجتماعي [رهاب الحميمية مثلا]، حتى إذا تعارض ذلك مع أهدافك الشخصية. إلا أنه يستحب ساعتها الانتقال للبحث عن علاقة حميمة في مكان آخر.

 

إضافة إلى ذلك، يظهر البعض عجزا مزمنا عن توطيد علاقاتهم الاجتماعية، متجنبين أي فرصة قد تفضي إلى الحميمية. ولعلهم اكتسبوا طابعا اجتنابيا خلال تجاربهم الحياتية المبكرة، بأن أبدى القائمون على رعايتهم رفضا لهم، أو إهمالا لاحتياجاتهم. أظهر بحث قاده فيليب شيفر - عالم النفس - أن المخاطرة الكامنة في عملية بناء الحميمية تشكل تهديدا خاصا لهؤلاء الأشخاص؛ فهي تجعلهم عرضة للرفض، والعقاب، وفقدان التحكم. إن تجنب العلاقات الوطيدة "ينتج عن حياة حافلة بالصعوبات والحاجة إلى حماية النفس، وهو رد فعل تكيفي"، حسب قول ديبرا ماشك، عالمة نفس بكلية هارفي مود، تجري أبحاثا عن العلاقات الوطيدة.

 

حتى عندما يُقبل شخصان على بناء علاقة عاطفية حميمية، فقد يأتي الإفراط في العزم بنتائج عكسية. هذه هي الحالة التي قد تبدو فيها خطط المواعدة التقليدية، مثل تناول عشاء بالخارج معا، مواقفا خرقاء، حسب قول هالينج. إذ يمارس الجو العام ضغوطا من أجل مشاركة المعلومات، وتدقيق كل طرف في استجابات الآخر اللفظية وغير اللفظية، في حين قد يؤدي نشاط أكثر أريحية، مثل تمشية هادئة، أو ممارسة نشاط ترفيهي معا، إلى تخفيف الوعي الذاتي، مع إتاحة الفرصة للتواصل، في الوقت نفسه.

 

يبدو أن المواعدة الإلكترونية تسمح بتجنب بعض الحرج الذي قد يظهر في اللقاء المباشر. إنها تتيح للشريك المحتمل فرصة للبوح الحميمي، بل وتشجعه على ذلك. لكن بإمكان المراسلة المطولة أن تنزع عن البوح المتبادل إثارته، دون التلميح إلى نوع العلاقة التي قد تجمع بين الشخصين، حسب قول بول دبليو إيستويك، أحد أفراد معمل أبحاث الانجذاب والعلاقات، بجامعة كاليفورنيا، في دافيس. دع المراسلة تستمر فترة كبيرة، وسترتفع التوقعات بصورة غير واقعية. "لكنها ستتحطم مع أول لقاء مباشر، مسببة خيبة أمل"، حسب قول إيستويك. ببساطة، لا يستطيع الفضاء الإلكتروني نقل صورة كاملة للشخص، هذا "التكوين الحيواني المعقد الدافئ"، وفق تعبير أحد رواد مواقع المواعدة الإلكترونية.

 

هل للجنس أثر إيجابي على الحميمية؟


إجابة
موجزة: لا. حين يرتبط شخصان، يلعب السؤال المتعلق بممارسة الجنس دورا محوريا، ولذلك علاقة بالاعتقاد الشائع بأن الجنس يزيد كلا من الشريكين قربا من صاحبه. والرغبة في الدفء العاطفي، والشعور بالتواصل، هي من أهم أسباب ممارسة الجنس التي يذكرها الرجال والنساء، وفق دراسة عالمي النفس سيندي ميستون وديفيد بوس. وليست النساء بأكثر قابلية من الرجال لفعل ذلك بدافع الحاجة إلى الدفء العاطفي، ولا الرجال أكثر قابلية من النساء لفعل ذلك بدافع اللذة الخالصة، حسب ما توصل إليه باحثو جامعة تيكساس.

 

لا شك أن التواصل الجسدي يثير الكيمياء العصبية المرتبطة بالتعلق، مما يحفز إنتاج الأوكسايتوسين والأفيونيات، التي تسبب مشاعرا إيجابية، وتشجع على أخرى. وعندما نربط بين هذه المشاعر وهذا الشخص، نجد في أنفسنا رغبة في البقاء معه، وكلما تكرر هذا، تكرر ذلك، وهلم جرة.

 

يقول عومري جيلاث، إن مجرد حضور الرغبة الجنسية، حتى إن أثارها شخص مجهول تماما، يدفع البشر إلى التصرف بحميمية. قام جيلاث مع زملائه بجامعة كانساس، بعرض صور مثيرة جنسيا - وهو محفز جنسي شهير - على مجموعة من المشاركين. وبينما كان البعض مدركا لما يراه، تم عرض الصور على آخرين لفترات شديدة القصر، بما يشبه الومضات، بدرجة يعجز معها الوعي عن تسجيلها. في الحالتين، جعل ذلك المشاركين، خاصة المجموعة الثانية، أكثر استعدادا للإفصاح عن المعلومات الشخصية، والتضحية من أجل حبيبهم الحالي، كما أظهروا قدرة أكبر على حل المشكلات بفاعلية. وهذه الآثار كلها، من علامات الحميمية.

 

الحميمية في العشق
حين تبلغ الحميمية العاطفية أوجها، لن نجد شيئا ينافس سكرة ما يجري في الفراش، إلا أثر هذه السكرة على حياتنا. تتسارع وتيرة الإفصاح عن الذات. وتستغرق الرغبة في التواصل أغلب الوقت. فيجلس الأحبة الجدد معا حتى الرابعة صباحا، يخبر كل منهما صاحبه عن والديه، ومعلم المدرسة المفضل لديه، والأماكن التي أقام فيها، وما يحب وما يكره. حينئذ، لا تمثل خطورة البوح بكل تفاصيل حياتك ردعا يذكر، أمام لذة فوزها باهتمام شريكك، وعنايته، وعاطفته. تمكن هذه المعلومات المشتركة كل فرد من رؤية العالم من منظور رفيقه، بما يساعد على الاندماج في "نحن"، هذه الهوية المشتركة الجديدة.
 


إنهما
شخصان يندمجان في ذات جديدة، ليتعرى كل منهما طوعا أمام شريكه. تمكنت كارين بريجر من جامعة تيكساس بدلاس، وليندا روبيرتس من جامعة ويسكنسون-ماديسون، عبر بحثهما المشترك في مجال العلاقات، من تحديد ثلاثة مكونات تميز العلاقات شديدة الحميمية: ميل دائم إلى الإفصاح، واهتمام داعم، وشعور بالاستيعاب الاستثنائي، تلازم جميعها كل فرد خلال انغماسه في حياة صاحبه، بعاداته، ومشاعره.

 

إن الحميمية تغيرنا. فاقترابنا من الآخر يحسن وعينا بقدراتنا وإمكانياتنا، إنه يزيدنا سعة. وضع الزوجان والباحثان في علم النفس، أرثر أرون وإيلاني أرون، نموذجا للتوسع الذاتي، ينص على أن الاقتراب من شخص آخر، يتضمن إفراغ لهويته وموارده داخل ذواتنا. حيث يفيدنا حضور وجهة نظره ومهاراته، خلال معالجة المشاكل. نحن نجني الخبرات أولا، مثل تناول وجبة خارج المنزل، أو التنزه معا، خاصة في مراحل العشق الأولى، وبعدها نجني الموارد، مثل مشاركة المنزل أو الحساب البنكي. وليس الالتزام بعيد الأجل بالعلاقة، بأقل الموارد الإضافية قيمة. كذلك يزيدنا القرب من الشريك إيمانا بقدرتنا على تحقيق الأهداف، وشعور أقوى بالسيطرة على مجرى حياتنا.

 

تقول ماشك، التي درست التوسع الذاتي: "نحن نأخذ موارد الآخر، ووجهة نظره، وهويته. يصبح شريكك جزءا منك، وتصبح أنت جزءا منه. أنا وأنت تغدو نحن". إن الوقت الذي يستغرقه توسع الذات المتسارع، الذي يصاحب الاندفاع المبكر لتحقيق الحميمية، يشكل تجربة لا تنسى. قد يبدو الإيغال في القرب أمرا فاتنا، وسحريا، خاصة لأن البقاء سويا، عند كثير من الأحبة، يختلف كلية عن ذلك.

 

الرجال، والنساء وطريقة عمل الحميمية
بمرور الوقت، يشكل الحفاظ على الحميمية نوعا من التحدي. وأسباب ذلك متجذرة في الطريقة التي بدأ بها التقارب. يرتبط شخصان معا، يظهر كل منهما حبا لنقاط قوة الآخر وعيوبه. يعاهد كل منهما صاحبه على أن يكون أهلا للاطلاع على مخاوفه وضعفه، وفي المقابل يتخلى الآخر عن خطوطه دفاعه. لكن التجرد من جميع الدروع، يترك الأحبة عرضة لازدراء شركائهم، ومع الوقت، تبدأ متطلبات الحياة اليومية في التأثير على الاهتمام الداعم الذي يوليه كل حبيب لمحبوبه.
 


يعني
ذلك أن تعليقا متبرما، أو نوبة مزاجية ما، مهما كانت بسيطة، قد تتسبب في أذى حقيقي للطرف المتلقي. ويتطلب الاستمرار في العلاقة، وعدم اللجوء إلى الانسحاب العاطفي، ضبطا شديدا للنفس. نتيجة لذلك، تميل الرابطة القوية إلى التراخي بمرور الوقت، وهو ما يعتبره كوردوفا عملية تآكل عادية. تستنفذ المهام الأبوية، والضغوط اليومية الأخرى، مخزون الحبيبين العاطفي، وتضعف مقاومتهما العاطفية كثيرا.

 

عندما تبدأ هذه العجلة في الدوران، قد يجد الأحبة مشقة في عكس اتجاهها. كثيرا ما يعتقد الأزواج ضرورة حل جميع مشاكلهم، من أجل استعادة هذه الرابطة القوية ثانية. في الواقع، وجد كوردوفا أن إظهار مزيد من الاهتمام بالشريك، ببساطة، هو الدواء الأنجع.

 

الصداقة: هل أخفق الرجال؟
في الوهلة الأولى، يبدو أن الأبحاث التي تتناول علاقة الصداقة تؤكد صحة القوالب الجندرية التقليدية، التي تنص على كون النساء أكثر تقديرا للتقارب العاطفي من الرجال. فبينما يميل الأصدقاء الذكور إلى ممارسة الأنشطة عند اجتماعهم معا، مثل الألعاب الرياضة، والاستماع إلى الموسيقى، تعطي الصديقات الإناث للحديث - الذي يتعلق في الأغلب بأمور شخصية - أولوية كبرى، خلال قضائهن الأوقات معا. تقول الإناث إن النقاش الحميمي هو أكثر وجوه الصداقة أهمية، حيث يساعدهن على فهم أنفسهم، وحل مشاكلهن مع الأحبة الآخرين.

   

لكن الرجال لا يولدون بميل فطري إلى تجنب الحميمية. في الواقع، تظهر الدراسات أن الرجال والنساء يقدرون علاقات الصداقة مع النساء، وسبب ذلك، على وجه التحديد، هو ميل هذه العلاقات إلى الحميمية العاطفية. لكن الوضع يختلف خارج العالم الغربي، حيث تميل علاقات الصداقة الذكورية إلى الاتصاف بدرجة كبيرة من الحميمية والإفصاحية.

 


يدرك
رجال أمريكا الشمالية جيدا أن مشاركة المعلومات الشخصية، ستقربهم من الصديق، أكثر من ممارسة نشاط معا، هذا ما توصلت إليه بيفرلي فير، أستاذة علم النفس بجامعة وينيبيغ، ومؤلفة كتاب عمليات الصداقة. لكن ما يمنعهم من مواصلة الإفصاح عن الذات أمام رجال آخرين، حسب قول بيفرلي، هو الخوف من الرفض. يشعر الرجال بافتقار كبير إلى المناعة، عند مشاركة الأمور الشخصية، ولعل السبب هو تعارضها مع قيمة أخرى يعظمها الرجال، هي التنافسية. تتساءل فير: ماذا سيحدث إن وضع الرجال في موقف ينتظر منهم فيه مشاركة معلومات شخصية من رجال آخرين؟ هل سيحصلون فائدة كما تفعل النساء؟

 

لجأت فير إلى أداة تستخدم على نطاق واسع بين الباحثين: "36 سؤالا"، التي طورها أرثر وإيلاني أرون. صممت هذه الأسئلة، التي يطرحها كل زوج على زوجه، لخلق شعور مؤقت بالحميمية، حتى بين الغرباء. تبدأ الأسئلة بـ"هب أنك تملك اختيار أي شخص في العالم، أيهم سترغب في دعوته إلى العشاء؟" وتتطور الأسئلة تدريجيا بهدف خلق كثافة عاطفية. في منتصف الطريق تماما، يأتي السؤال رقم 18، شديد الخصوصية: "ما هي أكثر ذكرياتك قسوة؟" ويضع السؤال الأخير المتلقي في مركز الحميمية، حيث يطلب منه مشاركة مشكلة شخصية، والاطلاع على رؤية الآخر لطريقة التعامل منها. مع انتهاء الأسئلة، لم يتوقف المشاركان، اللذان التقيا في المعمل، عند مشاركة معلومات ذات ثقل عاطفي فحسب، بل تعاملا كما يفعل أطراف العلاقات الحقيقية، بأن تجاوب كل منهما مع احتياجات زميله.

 

أحضرت فير إلى معملها أزواج من الرجال الذين تربط بينهم علاقة صداقة بالفعل، وأجرت عليهم تجربة الـ"36 سؤالا". مع وصول النقاشات إلى مرحلة الأسئلة الشخصية، لاحظت فير رد فعل مشترك. "ظهر الذهول على الرجال، ثم عم الصمت فترة. بعدها، استخدام البعض لفظة غير لائقة، علامة على الدهشة، وعلق آخرون على عمق الشعور الذي انتابهم" حسب قول فير. لكن ما تلى ذلك أثار ذهولها، إذ أجاب الجميع بصراحة وصدق حقيقيين.

 

حتى الآن، وجدت فير أن دفع الأصدقاء إلى الإفصاح عن الذات، يقوي الشعور بالارتباط والرضا عن العلاقة. وبمرور الوقت، سيتبين إن كان الرجال سيحصدون من ثمار الصداقة ما تحصده النساء، مثل الوصول إلى فهم وتقدير أفضل للذات.

 

المحافظة على الحميمية
لا تحظى قضية الحفاظ على الحميمية ضمن علاقة الصداقة بالكثير من الاهتمام، ويرجع ذلك - جزئيا - إلى انخفاض قيمة الصداقة في مجتمعنا مقارنة بالعلاقة العاطفية. يكثر أصحاب العلاقات العاطفية الصادقين من اللجوء إلى الخدمات الاستشارية، حين تتعرض العلاقة إلى خطر كبير، وتلتف حولهم الأسرة والأصدقاء لمساعدتهم على إنقاذ العلاقة والاستمرار معا.
 


لكن
علاقات الصداقة المترنحة لا تجذب مثل هذه التعبئة، ولا تحظى بمجهود مماثل للحفاظ عليها. يبدو أن الأصدقاء أنفسهم قد تشربوا هذه الرسالة، فهم يميلون إلى التعامل مع النزاعات بسلبية، في مقابل حرص أصحاب العلاقات العاطفية على حلها. تنتهي علاقة الصداقة أحيانا بصورة درامية، عبر خيانة الثقة أو ارتكاب فعل غادر. لكنها في أغلب الأحيان تذبل تحت تأثير الإهمال.

 

لكن الأصدقاء يتجاوبون سريعا مع محاولات البعث، مثل مكالمة هاتفية أو لقاء لتناول فنجان قهوة. تقول فير إن طريقة الحفاظ على الصداقة الحميمة، هي الرجوع إلى ما جمع بينهما في أول الأمر: مشاركة معلومات عن حياتهما، وتقديم الدعم، وقضاء بعض الوقت معا.

 

مع ذلك، تنتعش الحميمية بين الأصدقاء، أحيانا، بصور غير متوقعة. فلقد وجد هالينج أن لعملية لم الشمل أثر مذهل، وشديد العمق إلى درجة تنتج في بعض الأحيان حالة من التسامي الروحي. "إنك تشعر بالارتباط بأحدهم لأنك صريح معه، مما يجمد شعورك بالوحدة بعض الوقت".

 

التقى موراي سويد، كاتب سيناريو في الرابعة والسبعين من عمره، بأستاذ ذي شخصية آسرة يدعى بريان، في حقبة السبعينات. نشأت صداقة بين الرجلين، ثم انقطع الاتصال بينهما. وبعد عقدين من الزمان، كان سويد يسكن في لوس أنجلوس، حين بدأ بريان في زيارة المدينة بصورة دورية لعلاج السرطان. تطوع سويد لاصطحابه من المطار إلى العيادة، والعكس. لكن حالة بريان لم تكن مبشرة، وكان كثيرا ما يتحدث عن الخوف الذي يتملكه. في المقابل، قال سويد إن محنة صديقه القديم كانت تحرك مخاوفه الشخصية من الموت.

 


لطالما
فكر سويد في الموت باعتباره شيئا يشيد جدارا بين البشر. "لكني وجدته بابا، يتيح لرجلين أن يزداد كل منهما قربا من صاحبه، بطريقة لم تحدث من قبل" يقول سويد. وبعد عشرين عاما من وفاة بريان، ما يزال سويد يثمن رحلاتهما بالسيارة، من وإلى العيادة. "ما كانت الحميمية لتتحقق، إن لم تتح لنا فرصة الحديث، خلال تواجدي سائقا للسيارة".

 

هكذا هي الحميمية. توفر لك تجربة روحانية دون جعجعة. لكن هالينج يرى أن لحظات التواصل العميق تنبع غالبا من تغير الملابسات. فالذهاب في رحلة، والتواجد في الطبيعة، وحتى العمل المشترك على مشروع ما، كل ذلك يمهد الطريق إلى تحقيق اتحاد متجرد من أي وعي ذاتي، يختفي فيه الزمان، لتلمع اللحظة الحاضرة كالشمس. يقول هالينج: "نحن نفتح قلوبنا لهذا الإنسان، فيثير ما نجده فيها ذهولنا. إنها لحظة استنارة".

 

حين تفقد الحميمية توازنها
أحيانا، تفقد رقصة الإفصاح عن الذات، الحذرة، والمتأنية، توازنها. كأن يبدي أحد الطرفين صراحة، أو تعلقا أكثر مما يبديه صاحبه. لا يعني ذلك أن انتهاء العلاقة أمر حتمي. فما زال بالإمكان مساعدة الشريك المتقلب على البوح الصادق.

 

نصائح يقدمها علماء النفس ممن سبق ذكرهم في المقالة
المران يخلق الكمال

 ليس الإفصاح عن الذات بعملية ذات قطبين، إما كل شيء أو لا شيء. فالحميمية تستغرق وقتا. "على الطرف الأكثر اطمئنانا تشجيع كل محاولة يقوم بها شريكه"، هكذا تقول عالمة النفس كاثرين ساندرسون.

 

استعن بالمقربين الآخرين

 لا تتوقع من شريكك إشباع كامل حاجاتك الحميمية. "ارع عنصر التواصل، في علاقات الصداقة، عبر الاهتمام الصادق بعوالم أصدقائك"، تنصح بذلك عالمة النفس ديبرا ماشك.

 


غير بؤرة الاهتمام

 قد تكون النظرة المباشرة حميمية، لكنها مرعبة أيضا، خاصة عند من يجدون صعوبة في البوح الصادق. فبدلا من ذلك، يمكنكم قضاء بعض الوقت، جنبا إلى جنب. "تجري بعض النقاشات الحميمية في أثناء القيادة، عندما لا تكون أنظار كل شخص موجهة مباشرة إلى صاحبه"، يقول عالم النفس ستين هالينج.

 

اهتم بذاتك الخاصة

 إن كنت تفضل مشاركة صاحبك في كل نشاط تقوم به، فتنصحك ماشك بخوض بعض المغامرات وحدك. اذهب إلى السينما، أو قم برحلة لطيفة في عطلتك الأسبوعية منفردا.

 

فضفض قليلا عن الفضفضة

 لا تخفي اهتمامك بمشاعر شريكك. وإن بدأ في الانغلاق على نفسه، سل نفسك بصوت مسموع عن سبب ذلك، هذه نصيحة من هالينج.

 

كن متعاطفا

 يجد البعض صعوبة في الإفصاح عن الذات، ولعل فيهم من عوقب في مرحلة مبكرة من عمره بسبب حديثه عن مشاعره أو تصرفه بشيء من النعومة. "علينا أن نتصف باللطف، ونقدم الدعم، وكل الرعاية، للقلب الهش الذي دعوناه إلى علاقة حميمية. علينا استخدام خيالنا للتعاطف مع ما يعنيه كونك خائفا"، يقول عالم النفس جيمس كوردوفا.

_______________________________________
المقال مترجم عن الرابط التالي 
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار