اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/5 الساعة 16:03 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/11 هـ

انضم إلينا
"عالم الأخ الكبير".. السجون وفلسفة القهر والمراقبة

"عالم الأخ الكبير".. السجون وفلسفة القهر والمراقبة

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
عند الحديث عن العمارة في مدن البلدان النامية في عصرنا الحديث، يمكن أن نتحدث عن البيوت ومساكن الشعوب بطبقاتهم المختلفة، إضافة إلى المستشفيات، المدارس والجامعات والمصالح الحكومية، شبكات المجاري، هذه المباني بمجموعها تمثل شبكة عمران المدينة التي يتعامل معها الناس في حياتهم اليومية، وهي تؤثر عليهم بشكل أساسي عندما يتعلق الأمر بجغرافيا المدينة وتخطيطها، ووسائل المواصلات والطرق المتاحة؛ كي يصل الناس يوميا لمدارسهم، وجامعاتهم، وأماكن عملهم، أو عندما يتعلق الأمر بالمرافق التي يستخدمها السكان بشكل يومي وتمثل ضرورات الحياة، كل هذا يجعل لعمران المدينة أهمية قصوى في حياة الناس، ومن يتحكم بذلك العمران يتحكم في حياة الناس اليومية.

 
ماذا لو أصبحت كل هذه الشبكات غير أساسية مقابل شبكة أخرى من المباني، لتشكل هذه الشبكة طريقة الحياة داخل المدن في البلدان النامية، مما يجعلها خطوطا لحدود المدينة ومحددات للحياة بداخلها، هنا تظهر السجون والمباني الحكومية شديدة الحراسة والثكنات العسكرية وأقسام الشرطة كشبكة عمرانية تتحكم بسير الحياة اليومية داخل المدن في البلدان النامية، وخاصة داخل المدن في بلادنا.

 

البيوت العشوائية سمة بارزة تتسم بها مدينة القاهرة.

رويترز
  

فلا تسير الحياة في بلادناإلا بتعاملات حكومية كثيرة ومرهقة، والتي تعد في صورة من صورها مزيج من المراقبة والمعاقبة، حين يمتزج الأمن بالمراقبة بنية الانتقام برغبة إظهار تحكم السلطة، لأنها ترى أنها إن لم تعوده على العقاب تمرد!

 

امتلأ العالم بالسجون بعد أن أضحت مأوى لحوالي 10 ملايين شخص في العالم(1) وهذا الرقم يتزايد، إذ ارتفع عدد نزلاء السجون فى العالم بنسبة 10% منذ عام 2004، وفي بعض البلدان مثل إندونيسيا، زاد إلى 183%. وفي بلادنا العربية تتعدى نسبة الارتفاع في عدد المعتقلين تلك الأرقام، فهناك حديث عن خمسين ألف معتقل سياسي في مصر(2) وضعفهم تقريبا في سوريا، وآخرين في العراق لا نعرف أعدادهم.

 

هنا تبرز السجون ليست -فقط- كإحدى أدوات المعاقبة، بل كإحدى ركائزها، وكمؤسسة مركزية تطوِّق المدينة على شاكلة بوابات المدن القديمة في العصور الوسطى، فلو كانت بوابات العصور الوسطى تمنع الأعداء بالخارج من الدخول للمدينة، فإن وظيفة السجون أن تمتص أعداء سلطة المدينة بالداخل، فما تأثير عمارة السجون على البشر خاصة السجناء والذي يكون الجزء الأكبر منهم سجناء سياسيين؟ وكيف يعمل عمران المعاقبة في بلادنا؟

 

سجون ما قبل الحداثة.. والعقاب كانتقام شخصي
في سجن "خلية السماء" (Sky cell) الذي تم استعراضه بمسلسل "صراع العروش" (Game of Thrones) كان السجن بدون قضبان(3)، مجرد غرفة فارغة أحد جدرانها غير موجود، من أراد أن يهرب فليهرب، لكن إلى أين؟  فالهروب هنا يعني الموت المحقق، فقد استخدم (Sky cell) مفهوم "الخطر" لاحتجاز السجناء، حيث تم نحت السجن في جرف عالٍ ينفتح عليه السجن، من المفترض أنه يسمح للبعض أن يقرروا مصيرهم بأيديهم، ودفعهم إلى ذلك بجعل الأرضية مائلة قليلا.
 


 
كان مفهوم "الخطر" في العصور الوسطى وعصر ما قبل الحداثة والتقدم التكنولوجي والاكتشافات العلمية، هو المفهوم المعمول به في السجون، حيث كانت السجون تقام في قبو قصر الملك، أو أسفل القلاع أو على حدود الصحراء، أو فوق الجبال أو داخل السراديب، أو فوق الصخور يحيط بها الماء العميق، أو تقام داخل الغابات وفي جوف الجبال. وظل هذا الأمر معمولا به في أوروبا وجميع أنحاء العالم في العصور الوسطى.

 

حيث كانت السلطة كلها في يد الملك /السلطان /الأمير /الإمبراطور الذي تقع السلطة كلها في زمام يده، حينها يصبح المذنب أو المجرم أو المخطئ قد أذنب وأخطأ في حق الملك وحق القانون الذي وضعه الملك، فالملك وحده هو الذي يأمر بعقابه، فقد كان جسد الإنسان هو محل العقوبة وموضع استرداد الحق واسترجاع السيادة للملك.

 

ويذهب د. خالد فهمي في كتابه "كل رجال الباشا"(4) إلى أن: استخدام جسم المذنب كرادع أو كنموذج للعقوبة أمر له حدوده، لأن الجسم لا يحتمل في نهاية الأمر، غير مقدار محدد من الألم، قد لا يكون رادعا فعالا للآخرين عن ارتكاب نفس الخطأ. وفوق ذلك تتطلب فعالية هذا النوع من الردع أن يكون الاستعراض ضخما والحضور غفيرا إذا أراد الملك استرداد هيبته فيحشد الحشود ليروا المخطئ كيف يُعذب أو يُعدم أو يُحرق، فكانت عمليات الشنق العلنية تجري في ميادين كبيرة وأماكن تجمُّع مهمة في المراكز الحضرية.

 

لكن كما أن جسد الإنسان له حدود للتحمل فكذلك مساحة ميدان عرض العقوبة لها حدود وعدد محدود من الناس هو من يمكنه مشاهدة عرض الشنق والتعذيب واسترداد السيادة الملكية، فكان هنا -وكما يذهب فهمي- غرض التحول من "شعائر" العقوبات العلنية إلى "روتين" القواعد القانونية. والتغلب على حدود الجسد والمكان التي تحاصر قدرة وإمكانيات المشهد على التخويف والردع، فالهدف أصبح هو عقول العامة وقلوبهم وليس نظراتهم عن طريق تمثيل سلطة الملك في غيابه وسلطة قانونه كرمز فعال يعبر عن إرادة الملك ورغبته .
 

  
ويضيف فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة"(5) أن هذا التبدي الأكثر خفة للسلطة الذي يستخدم السلطة "العقل" كسطح يكتب عليه، ويحقق إخضاع الأجسام من خلال السيطرة على العقول والأفكار أكثر كفاءة بكثير، كمبدأ من سياسة الأجسام المتمثلة في التعذيب والشنق. فتصبح القواعد القانونية إحدى أدوات السلطة الأكثر فعالية بقيامها بتعريف الجرائم وتثبيت سلم العقوبات وتحديد المكلفين من الهرم البيروقراطي بتنفيذ العقوبات. لكن ومع تغول السلطة تدريجيا بمرور الزمن، أصبح كل هذا لا يكفي، فجسد المخطئ لا يكفي لردعه وهزيمته بالكامل، بل يجب تحطيمه تحطيما جسديا ونفسيا وشعوريا، كي يتحقق هنا الترابط بين مفهومي المراقبة والمعاقبة، فبارتباطهما يثبت في عقل المخطئ، وفي عقل كل إنسان أن المراقبة تستلزم العقاب، لأن السلطة تعرف كل شيء.

 

تصميم جديد للمراقبة والعقاب

نادِ الخلائق تشهد الشعر .. العقرب الشـــمس ناظمِ الكلم

حكاية سجنٍ شاع ظلامهُ .. وذاع عذابــــــهُ بالوادِ والقممِ

بين السجون لا يضارع له .. حـــــــقدٌ وكرهٌ وروح منتقمِ

هو الجمرة الحمراء نهار صيفه .. والزمهرير شتاه بلا رحمِ

جدرانه الصخر وأبوابه الصُلب .. كبِنَا ثمود وعـادٍ بذي إرمِ

الجوع يفترس البطون توحشًا .. حتى بدا الأُسَارى جلدا على عظمِ

(قصيدة كتبها المعتقل عصام سلطان من داخل سجن العقرب)

 

في الأفلام الأميركية تظهر السجون بشكل خاص، حيث تظهر القضبان والسلاسل، وتظهر الزنازين بشكل دائري أو مستطيل، لتبدو جميعها ظاهرة للضابط المسئول عن السجن، فيظهر ذلك جليا في فيلم "شاوشانك ريدمبشن" (Shawshank Redemption) الذي تم إنتاجه عام 1994م وفيلم "ذا غرين مايل" (The Green Mile) الذي تم إنتاجه عام 1999م والذي قدم عنفا وتجارب مروعة في السجن في سياق تاريخي، حيث ارتبطت السجون بشكل عام بالحرمان والخوف والتعذيب. ويرجع تصاميم السجون في فترة بداية الحداثة إلى أشهر تصميمين لعمارة السجون وهما "سجن الدولة الشرقية" (Eastern State Penitentiary) والآخر نظام المراقبة "بانوبتيكون" (Panopticon) والذي تبناه فوكو في نظرياته الأكثر فعالية.
 

  Shawshank Redemption - 1994 (آي إم دي بي)

   
حسب دراسة روش وكيركهيمير(6)، فإن الأنظمة العقابية تتبع الأنظمة الاقتصادية الإنتاجية المتبعة في ذلك الوقت. فنظام العبودية نشأ في الحضارات التي اعتمدت على القوى العاملة الكثيرة وقلة الوعي بقيمة الإنسان، أما نظام العقاب الجسدي فنشأ في المجتمعات التي اعتمدت على العمل الجسدي وقلة الوعي الفكري، حيث كان الجسد هو الشيء الوحيد الذي يمكن الوصول إليه والتأثير عليه، أما نظام السجون والأشغال داخل السجن فنشأ في المجتمعات التجارية الإنتاجية وذلك للحاجة إلى البضائع المصنعة الرخيصة.

 

نشأت دور الحبس في أوروبا في القرن السابع عشر، ولم تكن تهدف لحبس المجرمين فقط، بل أيضاً المجانين والفقراء والعاطلين عن العمل، حيث كانت نظرة المجتمع لهؤلاء الناس على أنهم يشكلون مصدرا للشر والفساد، فلا بد من حبسهم وإبعادهم عن المجتمع المستقر بالإضافة إلى انشغالها بأعمال إنتاج تفيد المجتمع والاقتصاد. وسرعان ما أصبح المساجين يشكلون قوة إنتاجية كبرى بأجور قليلة. ثم في القرن الثامن عشر تقريباً تطورت فكرة السجون كعقاب للمجرمين. فكان الانتقال من مفهوم مقابلة الجريمة بعقوبة محددة تفرض على المجرم من قبل سلطة الملك إلى مفهوم المراقبة وإعادة التأهيل.
  

مجسم السجن ويظهر فيه التنظيم

- تصوير: بسمة عبد الله

مواقع التواصل

نشأ
نظام "سجن الدولة الشرقية"(7) (Eastern State Penitentiary) من معتقدات دينية بشكل أساسي، وهي أن النفس البشرية قادرة على التوبة عند عزلها عن الحياة المادية والشرور الدنيوية، ويجب أن يوضع المخطئ في انفرادية تامة بعيداَ عن المجتمع وكل الناس لكي يفكر في أعماله ويستطيع التوبة إلى الله والتقرب من الخالق خلال هذه الفترة. فكان التصميم المعماري -والذي ابتكره المعماري جون هافيلاند- مكونا من برج مركزي بشكل "مُثمَّن" يتشعب منه 7 ممرات طويلة تتوزع على جانبيها زنزانات المساجين الانفرادية بطابق أو طابقين. وتتصل بكل زنزانة باحة خارجية صغيرة من الخلف تحيطها جدران عالية، بحيث لا تسمح للمساجين برؤية بعضهم البعض.

 

يسمح للسجين بالخروج إلى الباحة لمدة ساعة واحدة في اليوم فقط، وذلك لممارسة التمارين واستنشاق الهواء.(8) أما باقي اليوم فيتوجب على المساجين البقاء داخل زنازينهم ذات الأبعاد 2.45 × 3.60 بارتفاع سقف 3 أمتار، وتتوسط السقف فتحة زجاجية أطلق عليها اسم عين الله، لكي يشعر المساجين أنهم تحت المراقبة الدائمة من الله. الكتاب الوحيد الذي يسمح به داخل الزنزانة هو الإنجيل، وكان يتوجب على المساجين قراءته كل الوقت للتوصل إلى التوبة لإدراك أخطائهم. أما الطعام والشراب فكان يدخل من خلال فتحة صغيرة من الممر الرئيس لا يمكن أن يدخل منها شيء أكبر من صحن الطعام.

 

من هنا يتم عزل المساجين بصورة مطلقة ودائمة ولا يمكنهم رؤية أحد ولا التحدث مع أحد وحتى عند نقلهم من مكان إلى آخر يتم وضع غطاء كامل على رؤوسهم.(9) وعند قيام أي من المساجين بخرق هذه القوانين تتم معاقبته بحبسه في حفرة تحت الأرض، أو رشقه بالماء في الباحة في البرد الشديد والعديد من أساليب التعذيب الأخرى المروعة. أما بالنسبة للخدمات، فقد احتوت كل زنزانة على صنبور ماء ومرحاض يتم غمره مرة واحدة في اليوم.

    

  
أما
النموذج الآخر للسجن فكان نتاج اقتراح المعماري الذي قدمه "جيرمي بنثام" لتحقيق ارتباط مفهوم المراقبة والمعاقبة التي قدم فيها فوكو -فيما بعد- نظريته لفهم المفهومين منفصلين. وبانبيتكون تشير لوحش أسطوري يمتلك ألف عين، إشارة لوظيفة برج المراقبة الأساسية في ذلك التصميم.

 

يتكون سجن بنثام من برج مركزي (9) تلتف حوله الزنزانات بشكل نصف دائري. يشكل البرج مركز الرقابة الرئيس والذي يمكن منه رؤية كل الزنزانات والحراس دون أن يستطيع أي منهم رؤية الآخر. يهدف التصميم إلى وضع جميع من في السجن تحت المراقبة الدائمة، مما يجبرهم على التصرف بشكل صحيح طوال الوقت لمعرفتهم أنه يمكن رؤيتهم بأي وقت. وبنفس الوقت، إن عدم قدرتهم على رؤية بعضهم البعض تلغي قوة الجماعة والفساد الذي يحصل من خلال تفاعلهم مع بعض، مما يجعلهم يشعرون بالانفراد طوال الوقت دون أن يؤدي ذلك لشعورهم بالانعزال وذلك لقربهم الجسدي الناتج عن التصميم. 

 

تنص النظرية(10) -أيضاً- على ضرورة أن يستطيع السجين رؤية البرج في كل الأوقات دون أن يستطيع رؤية العين المراقبة، مما يعزز من قوة المراقبة وسلطتها. يقوم التصميم بتوظيف المعمار للسيطرة على عقول وتصرفات الأشخاص. فحسب فوكو، تكمن فعالية النموذج في القدرة على الجمع ما بين المراقبة والملاحظة، الحراسة والمعرفة، الفرد والجماعة، الانعزال والشفافية.

 

في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، أصبح مفهوم "بانوبتيكيزم" (Panopticism) يشكل المبدأ الرئيس المتبع من قبل معظم مشاريع السجون في تلك الفترة.(11) اعتبرت هذه الفكرة أفضل طريقة لإثبات أنه يمكن أن يلعب المعمار دورا في الضبط والمراقبة، وجعله شفافاً أمام ممارسة القوة والسلطة، فأصبح من الإمكان استبدال العنف والقوة بالمراقبة، وكل ذلك يرجع فضله إلى التصميم المعماري المأخوذ من أحدث النظريات الإصلاحية.
 

برج مراقبة بإحدى السجون الجورجية (رويترز)

   
بينما كانت بحوث سابقة قد أشارت إلى أن علاقات الضبط والسلطة على المسجونين وسط المشقة والعزلة والمراقبة المستمرة، يمكن أن تزيد التوترات "الآلام النفسية" بين السجناء. وكذلك مشاكل عقلية وأسرية فيما بعد الخروج.(12)

 

السلطة وعمران المعاقبة وتغول البانبيتكون
  

"أخطر ما في السجن أن تفقد احترامك لذاتك، لأنك إن فعلت صارت رقبتك بيد جلادك، وصرت تتقبل منه الصفعة في وجه الكرامة على أنها قبلة في خدّ الرضى"

(أيمن العتوم)

 

فى فيلم "فورتريس" (Fortress) -الذي تم إنتاجه عام 1992م ولعب فيه الممثل كريستوفر لامبرت دور البطولة- لم يتم سجن المذنبين عن طريق قضبان وأسوار كما هو المعتاد، ولكن عن طريق أجهزة تم زرعها بأجسامهم تلحق بهم الألم إذا عبروا الخطوط الأمنية أو قاموا بأي مخالفات. تعد هذه الفكرة تعبيرا مبكرا عما سيؤول له نظام العقاب والمراقبة في عصرنا الحالي، حيث ستمتد أسواط العقاب على ظهور الجميع حتى بدون سجون وأبراج مراقبة ثابتة، فقد انصرف حارس البرج وظهر البرج على رأس كل إنسان في العصر الحديث.

 

"الأمر لا يشبه ما كتبه جورج أورويل عن السيطرة على المجتمع والواقع، بل هو أسوأ" كانت هذه إحدى أشهر الجمل التي قالها بطل مسلسل الرسوم اليابانية "سايكو باس" (Psycho Pass) أو معامل التحليل النفسي، حيث تدور القصة في المسلسل عن مدينة تم تصميمها بالكامل على شكل تصميم البانبيتكون، حيث ينتصب برج ضخم في وسط المدينة هو وزارة الرعاية الاجتماعية، وبداخل هذا الوزارة يقبع نظام حاسوبي ذكي يسمى نظام "العرافة" هذا النظام متصل بجميع الحواسيب والتليفونات المحمولة لكل سكان المدينة، وهذا النظام هو الذي يحدد للناس ماذا يرتدون صباحا، وما الوظائف التي تناسبهم بعد التخرج، وماذا يأكلون وماذا يشربون، هذا النظام هو المتحكم في حياة سكان المدينة بالكامل .

 


يظهر
بعد ذلك بطل المسلسل وهو قاتل متسلسل ينفذ مجموعة من الجرائم المروعة، لكنه يتحدى بها النظام. وهذا النظام متصل بنوع خاص بالاسلحة، تلك الأسلحة تحدد معامل التحليل النفسي لكل السكان، ومن تتعدى معامل تحليله النفسي رقما محددا يتم الإطلاق عليه من قبل الشرطي الذي يحمل السلاح. كانت رؤية بطل المسلسل هنا هو تحدي هذا النظام بالكامل، حيث سيتبنى ويتحدى نظرية فوكو، في أن السلطة هي من تحدد من هو المجنون ومن هو المذنب وغير المهم للمجتمع، فسيقوم البطل بحشد الفنانين والشواذ والمرضى النفسيين لينفذوا جرائمهم ضد المجتمع والسلطة.

 

يعبر هذا المسلسل عن أزمة المجتمع الحديث بصورة بليغة، حيث تغول نظام المعاقبة وشمل المجتمع كله، أما في بلادنا العربية فقد أصبحت سجنا كبيرا بلا أي قوانين، تتسع زنازينه لتشمل جميع السكان، يعمل بها رجال السلطة بالسوط، ويتحكمون في رقاب الخلق بلا قانون ولا ضمير ولا حساب.

 

ويذهب عالم الاجتماع زيغمونت باومان(13) أنه في حين أن صورة الأخ الكبير السلطوي لدى أورويل هي صورة مذهلة فهناك صور أخرى، ومنها وصف فرانتس كافكا للقوى المبهمة التي تتركك من دون يقين بأي شيء (من يعرف ماذا عنك؟ كيف يعرفون؟ وكيف تؤثر هذه المعرفة فيك؟) وربما يكون هذا الوصف أقرب إلى الهدف من عالم قواعد البيانات في الوقت الراهن. لكن هذا الوصف ربما يشير إلى قوة السلطة والدولة، أما الصورة المجازية الأقدم من ذلك فهي صورة النفعي جيرمي بنثام، ويأتي بعدها تصور فوكو الذي كان تصورا لإعادة خلق العالم خاليا من المجرمين، بل لبناء سلطة أخلاقية عليهم.

 

إذن، فالسجون ليست -فقط- مجرد مبانٍ للعقاب، بل هي عوالم كاملة موازية للعالم الحقيقي، لها قوانينها وظواهرها، كما أنها تؤثر بشكل رئيس وفعال على العالم الحقيقي بدعوى الضبط والمراقبة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار