اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/22 الساعة 16:34 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/30 هـ

انضم إلينا
"الأم العاملة".. ماذا بعد أن تثبت المرأة ذاتها؟

"الأم العاملة".. ماذا بعد أن تثبت المرأة ذاتها؟

  • ض
  • ض

"من الشائع أن تجيب ربة المنزل فيما يتعلق بنوعية عملها بقولها: لا أفعل شيئا، فأنا أمكث في المنزل!"

(عبد الوهاب المسيري)

 

بات خروج الأمهات للعمل حديثا شائعا في الجلسات النسائية، حيث يصعب حسمه والإجماع عليه، لما له من تبعات متعددة في حال مشاركتها في ميدان العمل، أو البقاء داخل المنزل، ليبدو الأمر أشدّ تعقيدا على ما هو عليه، لا سيما وأن آثاره تمتدُّ للأم وأطفالها وأسرتها. ما الذي يدفعُ أمّا لتوقظ أطفالها باكرا وتجبر ذاتها على الذهاب للعمل، سؤال تطرحه بشرى البكري، أمّ لثلاثة أطفال توائم، والتي تجد فرحتها برؤية أطفالها يستيقظون وحدهم صباحا، دون مُنغضاتٍ كالتأخر على موعد الوظيفة[1].

 

فيما تؤيد منى هاشم، أمّ لطفل، خروج المرأة للعمل؛ لا سيما وأن رقعة الحياة الاستهلاكية قد اتّسعت، وأصبحت الأمور الثانوية أساسية بالنسبة للأسرة، كما أن المرأة باتت تجد نفسها في التحاقها بالعمل[2].

 

المرأة بين العام والخاص.. محاولات التوازن وإثبات الذات
"نسمع كثيرا هذه الأيام عن حقوق الأطفال، ولكن على الرغم من أهمية ضمان هذه الحقوق إلّا أن الذي نادرا ما يُطرح على بساط النقاش هو حقهم في آباء ملتزمين بتحمل مسؤولية وتربيتهم تربية كاملة"

 (د. جوزيف زنكا - رئيس الأكاديمية الأميركية لأطباء الأطفال)

  

 

هاجس النساء لتكون أمّا وزوجة وموظفة، يثير لديها إشكالية الصراع الداخلي النفسي للتوفيق بين كل هذه الأدوار، والذي يؤدي لحالة من "الارتباك الاجتماعي"

بيكساباي

 

تناولت المدرسة النسوية المتطرفة، فكرة "المكانة الاجتماعية" -أي القيمة التي يحصل عليها الفرد بوجوده في مكان ما- وارتباطها بخروج المرأة للعمل، ومشاركتها الحياة العامة، فهي لا تَعتبر أن العمل في المجال الخاص -داخل المنزل- يمنح المكانة الاجتماعية المطلوبة، وبهذا تجد أن قيم العفّة والأمومة مجرد خرافات وإشاعات تروّج لها المجتمعات لتزييف وعي المرأة، كي تقنع بالبقاء في المجال الخاص. لذا؛ كانت هناك دعوات نسائية لدفع المرأة نحو تحقيق المكانة الاجتماعية المطلوبة بالنزول لسوق العمل وتحقيق الاستقلال المادي المطلوب[3].

 

ولكن ماذا عن دوّامة "صراع الأدوار" التي تشغل هاجس النساء، لتكون أمّا وزوجة وموظفة، وتلعب أدورا أخرى عديدة، ما يثير لديها إشكالية الصراع الداخلي النفسي للتوفيق بين كل هذه الأدوار، والذي يؤدي لحالة من "الارتباك الاجتماعي" على حد تعبير عالم الاجتماع دوركهايم، والتي تكرّس إِشكالية صراع الأدوار وعواقبه النفسية والاجتماعية.[4]

 

ما يحدث فعليّا، أن تبقى المرأة غالبا عالقة بين المجال الخاص والعام؛ أي بين فكرة البقاء في المنزل والخروج للعمل، وهذا يبدو أكثر وضوحا عند النساء العاملات، فهي لا تشعر أنها تنتمي للمجال العام أي للعمل والوظيفة، ولا للمجال الخاص للبيت والأطفال، مما يترك آثارا نفسية على الأمّ التي تحاول إيجاد نوع من التوازن بين العامّ والخاص، تقول ضحى جمجوم[5]، أمّ لطفل: "أنا لست امرأة عاملة، ومع ذلك لا أحتمل فكرة أن أعمل خارج البيت وداخله وأن أقوم بعدة مهمات، لأن ذلك سيشكل ضغطا نفسيا وجسديا".

 

قد تخرج بعض النساء إمّا لإثبات ذاتها في خطوة ترسل فيها رسالة ضمنية أنها قادرة على الإبداع والعطاء ووضع بصمتها أينما حلّت، أو إشباع رغبة ما زالت تبحث عن تحقيقها كتحصيل منصب أو وظيفة ما، وهناك من النساء من تدفعها الظروف المادية الصعبة لمشاركة الزوج في تحمّل الأعباء، بحيث يصبح المجال العام قاسما مشتركا بين الشركين. وأمام كل هذه النماذج، يبقى هناك "الأطفال" الذين يبحثون عن عقد ذكرياتهم مع الوالدين وتوطيد العلاقة معهم.

     

وفي هذا السياق، تشير جمعية النساء الأمهات الذين اخترن البقاء في البيت في الولايات المتحدة الأميركيّة أن "وظيفة الأم خلق الذكريات؛ فعندما نشرع في توضيح الأنشطة التي يجب أن تُعطَى لها الأولوية بشكل يومي في حياتنا، فإننا سرعان ما ندرك أنه سواء قضينا ساعات طويلة في قراءة قصص لأطفالنا أو تحضير أطباق شهية، فإننا نسهم في إنشاء المفهوم الذي يتكوَّن للأطفال عن البيت. إننا بهذا نخزن احتياطيا ذكريات لِلُّجوء إليها في السنوات المقبلة. إننا بهذا العمل نقوم بملء الفراغات في عقولهم بالصور والأصوات والروائح التي ستظهر ثانيةً عندما يحتاجون إلى تذكر أنهم في مكانٍ مّا يحظون بالحب والمودة".

 

وتؤكد نقاء حامد[6]، أمّ لطفلين، أنها رغم عملها في مجال العلاقات العامّة، وقضاء ما يقارب الثماني ساعات في عملها لكنّها تحاول أن تجعل علاقتها بأطفالها متينة بشكل دائم ومستمر، في خطوة نحو الاستمتاع بالأمومة، وتعويض ساعات الغياب، وتتابع كلامها بابتسامة "أطفالي متعلقين بي جدا، وعلاقتي بهم حميميّة".

 

وتلفت الأخصائية النفسية، عهود النتشة[7]؛ أمّ لطفل، والتي تركتْ عملها عندما علمت أنّها "حامل"، إلى أن  ابتعاد الأم عن الابن يؤدي إلى إحداث خلل في مفهوم "الأمان" لدى الطفل، والذي يتبعه نقص في العواطف والمشاعر، فهو لا يستوعب أن أمّه التي تزوّده بالحنان ذاتها التي تغيب عنه لساعات، فيصاب بحالة من الانفصام النفسي فيما بعد بحسب وصفها، والتي تظهر أعراضه أكثر في مرحلة المراهقة.

 

وتضيف النتشة، عدا عن وضع الطفل في مراكز للرعاية المسمّاه بــ "الحضانة"، بحيث يترك الأهل الطفل بين يدي شخص غريب في بيئة لم يعتد عليها لساعات طوال، مما يؤدي لإصابته بصدمة نفسية، ينجم عنها من قلة ثقة الطفل بوالديه، في ظل شحّ الرعاية والاهتمام.

 

النساء اللواتي يخرجن اضطرارا بدواعي مشاركة الزوج ومساندته، لا بد أن تحاول قدر الإمكان إيجاد قنوات للتواصل الفعّال مع الطفل، كمنحه وقتا نوعيا، ومشاركته اهتماماته وميوله

أن سبلاش
  

وترى لبنى حصارمة[8] التي تعمل منذ 28 عاما خارج المنزل، وهي أمّ لستة أطفال، أنه من الممكن خلق توازن بين الأمومة والعمل، ويكون ذلك بمشاركة الزوج ومساعدته، والتي لها أثر كبير على قدرة المرأة على العطاء في المجال الخاص والعام، كما تشكل دافعا لحفاظ الأم على صحتها النفسية والجسدية.

 

وتضيف أنه مهما حاولت الأم خلق التوازن المطلوب، لكنه سيكون مرهقا لها على المدى البعيد، فتقول: "المرأة العاملة قد تبدو مع الزمن أكثر تقدما في العمر من النساء اللواتي في سنّها، كأن تدخل في ميدان الشيخوخة في وقت مبكر!".

 

وتتابع أن النساء اللواتي يخرجن اضطرارا بدواعي مشاركة الزوج ومساندته، لا بد أن تحاول الأم قدر الإمكان إيجاد قنوات للتواصل الفعّال مع الطفل، كمنحه وقتا نوعيا، ومشاركته اهتماماته وميوله، وتزويده بالمعرفة التي تعينه على مواجهة الحياة فيما بعد. "كنت أجمع أطفالي بعد عودتي من العمل، أسألهم عن تفاصيل يومهم، كنّا نفتح حوارا عن كل شيء، المهم أن نتحدث".

 

كيف نمت فكرة خروج المرأة للعمل؟
"إن البقاء في البيت ليس في حقيقة الأمر تضحية بحياة الحرية. إن التضحية الحقيقية هي التضحية بالأطفال والزوج؛ وذلك عندما تقصر في العلاقة الحميمية بينها وبين أطفالها، لقد أجبَرَنا أطفالُنا على المكوث معهم في البيت بسبب الجاذبية العاطفية القوية التي يمارسونها علينا، إن قضاء حياتنا في الاهتمام بالأطفال مفيد لنا نحن أيضا"

(كارولين جاركليا)

   

أصبح تحقيق البقاء المادي بأن تصبح المرأة "يدا عاملة"، و"طاقة إنتاجية"، في مقابل تخليها عن وظائفها الإنسانية كالأمومة، يشكل خطرا على التماسك الأسري

أن سبلاش
    

عزز ظهور العلمانية كمذهب فكري خروج المرأة للعمل، حيث عرّف  الفيلسوف "جون هوليوك" العلمانية بأنها: "الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان بالقبول أو الرفض"[9]. ومع ظهور العلمانية طرأ على الحضارة الغربية تطورات عديدة غيرت من توجهها وبنيتها، حيث ارتفعت معدلات الترشيد المادي للمجتمع، وإعادة صياغة الإنسان في ضوء المنفعة  المادية[10].

 

كما لعبت حركة الفيمينزم النسوية التي ظهرت مؤخرا في الغرب، دورا كبيرا في هذا المجال، حيث رأت أن الإنسان هو مجرد كائن مادي يمكن مساواته بالكائنات الطبيعية. وبهذا انتقلت الحركة النسوية من فكرة "تحرير المرأة" والدفاع عن حقوقها، إلى "التمركز حول الأثنى" بحسب وصف المسيري، وبهذا فإن المرأة من وجهة نظر هذه الحركة، "مكتفية" و"مستقلة" بذاتها لا عضوا وأما في الأسرة، وأنها تود "اكتشاف" ذاتها و"تحقيقها" خارج أي إطار اجتماعي.[11]

 

من هنا تزايدت هيمنة القيم المادية "البرانية"، مثل الكفاءة في العمل في مجال الحياة العامة مع إهمال دور الأم كقيمة "جوانيّة"، والاهتمام بالإنتاج على حساب القيم الأخلاقية والاجتماعية، كتماسك الأسرة وضرورة توفير الرعاية للأطفال؛ حيث أصبح تحقيق البقاء المادي بأن تصبح المرأة "يدا عاملة"، و"طاقة إنتاجية"، وبهذا تتخلى عن وظائفها الإنسانية كالأمومة. ويصف المسيري بأن "القضاء على الأمومة هو فعليا القضاء على آخر معقل ومأوى للإنسان، وآخر مؤسسة وسيطة تقف بين الإنسان ورقعة الحياة العامة"[12].

 

وبهذا يستبعد المجتمع المادي الأمومة وتنشة الأطفال وغيرها من الأعمال المنزلية، فمثل هذه الأعمال لا يمكن أن تنال المرأة مقابلها أجرا نقديا، رغم أنها تقضي جلّ وقتها في العمل ضمن رقعة الحياة الخاصة، "فعمل المرأة داخل المنزل لا يحسب ثمنه مع أن قيمته عالية". فوظيفة المرأة كأم بالنسبة للمجتمع المادي الاستهلاكي لا شيء، طالما يتم بعيدا عن رقعة الحياة العامة[13]كما أن الخطاب الإعلامي المتداول، يلعب على وتيرة خروج المرأة للعمل، وتعزيز تمركزها حول ذاتها، وهو "خطاب يهدف إلى توليد الضيق والملل وعدم الطمأنينة في نفس المرأة عن طريق إعادة تعريفها بحيث لا يمكن أن تحقق هويتها إلا خارج إطار الأسرة"[14].

  

 

وأظهرت نتيجة استفتاء قام بها مركز روبر ستارتش في أميركا الشمالية[15]، حول وجهة نظر المرأة بخصوص العمل، "أن الأغلبية الساحقة من النساء المتزوجات يفضلن البقاء في البيت، وأن هذه الأغلبية في تزايد مطرد منذ عام 1985م"[16].

 

وتذهب أبرز رموز الحركة النسوية سيمون دي بوفوار إلى تعزيز فكرة خروج المرأة للعمل بالقول: "إنَّ الأمومة خُرافة، ولا يوجد هناك غريزة للأمومة، وإنما ثقافة المجتمع هي التي تصنع هذه الغريزة؛ ولهذا نجد أنَّ الأمومة تعتبر وظيفةً اجتماعية"، والتي اعتبرت فيه أن الصحة الإنجابية تقف عائقًا أمام ممارستها لدَوْرها الجندري المساوي لدور الرجل، ومِن هذه الإشكاليات أيضًا الحملُ والرَّضاعة، وغيرها من الوظائف الفيزيولوجية للمرأة" [17].

 

خروج المرأة للعمل.. بين التأييد والرفض
قد تطرح بعض الأمهات سؤالا: كيف نثبت ذاتنا ونحقق طموحاتنا في ظل وجودنا وبقائنا في المنزل أي في الحيزّ الخاص؟ يرى المسيري أنه لا بد من إعادة صياغة رؤية الناس لمفهوم العمل، فليس هو العمل المنتج والذي يقدم سلعا وخدمات مادية استهلاكية للمجتمع، وإنما العمل الإنساني الذي يقوم على إنتاج الإنسان وبنائه وبهذا تصبح الأمومة من أهم الأعمال المنتجة، وبهذا يقل شعور المرأة بالعجز والدونية وعدم الجدوى، ويزداد احترام الرجل لها، ويكف الجميع عن القول إن المرأة العامل في المنزل لا تعمل!

 

وتشير هيلين آندولين في كتابها الأنوثة، أنه رغم النية الطيبة التي تحملها بعض النساء حول خروجها للعمل لمساعدة الزوج، فذلك ليس مبررا وتقول: "بدلا من محاولة القيام بمشاركته هذه الأعباء، قدّمي له العون ليقوى على تحملها، قدّري ما يقوم به حق قدره؛ لأن هذا سيقوي ثقته بنفسه وسيساعده على النجاح في عمله، خفّفي أعباءه في البيت، وذلك بالتقليل من كثرة الطلب على وقته وماله، وكذلك بتوفير جو هادئ وخالٍ من الاضطراب يمكّنه من الشعور بالانتعاش"[18].

  

على سبيل المثال: هناك أمهات مفعمات بالطاقة، ولا يجدن ذواتهنّ إلأ بالنزول لميدان العمل، وتقديم كل ما يمكن أن يفيد المجتمع، ونراها في ذات الوقت قادرة على العطاء في بيتها ومع أطفالها

أن سبلاش
  

تقف الأم آلاء سامي[19]، موقف الحياد من فكرة عمل المرأة أو بقائها في المنزل، لكونه حديثا يصعب اختزاله بالقبول أو الرفض، حيث ترى أن  كل امرأة لها ظروفها المادية والاجتماعية والنفسية، لكنّ من الهامّ أن تحاول  المرأة قدر الإمكان توفير ظروف حياة تضمن توازنا نفسيا وجسديا لها ولطفلها.

 

وتؤكد على هذه الفكرة، الأم نقاء حامد، التي ترى أنّه لا يمكن خلق صورة نمطية عن المرأة العاملة وتعميمها على كافّة النساء، لاسيما المتعلق منها بعدم قدرتها على الموازنة بين أمومتها والعمل، وصعوبة الحفاظ على تماسكها الجسدي والنفسي، ووصولها لمرحلة الاستنزاف. منوّهة أن لكل امرأة لها شخصيتها الخاصة بها. على سبيل المثال: هناك أمهات مفعمات بالطاقة، ولا يجدن ذواتهنّ إلأ بالنزول لميدان العمل، وتقديم كل ما يمكن أن يفيد المجتمع، ونراها في ذات الوقت قادرة على العطاء في بيتها ومع أطفالها.

 

وفي كل الأحوال؛ علينا دائما كأمهات أن نطرح سؤالا: هل ممارسة دور الأمومة والعمل خارج المنزل يجعلنا نعيد إنتاج المجتمع من ناحية إدخال كفاءات للسوق وتماشي المرأة مع متطلبات العمل بما ينسحب مع هذا الخروج من تغيرات، أم أننا بذلك ننتج مجتمعا جديدا بقيم وصفات تتماشى مع القيم المادية للمجتمع؟

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك