اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/14 الساعة 17:17 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/23 هـ

انضم إلينا
النرجسية وجنون العظمة.. كيف تنبأ دوستويفسكي بالشبكات الاجتماعية؟

النرجسية وجنون العظمة.. كيف تنبأ دوستويفسكي بالشبكات الاجتماعية؟

أراكة عبدالعزيز

مترجمة ومدونة سورية
  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة

 لعلّ الأديب الخالد "فيودور دوستويفسكي" كان خير من يمثل "أدب المعاناة أو الأدب المتمخض عن المعاناة والذي لا يكتفي بطرح المعاناة الإنسانية في قصص جوفاء، بل إنه يسبر في كل عمل أدبي له أغوار النفس ويقوم بتشريحها بكل براعة وإبداع. في هذا العمل "رواية المِثل" يطرح دوستويفسكي قضية القلق الاجتماعي والأنا المتضخمة التي تلهث خلف الشهرة والتمجيد، ولأن الطرح كان بديعا فقد انطبق على أيامنا هذه بصورة كبيرة ولكن في نطاق التقنية والعوالم الافتراضية التي ساهمت بشكل كبير في ازدياد التعقيدات النفسية لدى الفرد البشري.

نص التقرير

 في الفصول الأولى للرواية القصيرة التي كتبها فيودور دوستويفسكي، بعنوان "المثل" والتي تتطرق في صفحاتها إلى القلق الاجتماعي ممثلا في بطلها "ياكوف بتروفيتش جوليادكين" الذي تطفلَ على عشاء رئيسه في العمل، واخترق متوترا أشد التوتر ومضطربا أشد الاضطراب "صفين من المشاهدين المتعجبين المتسائلين".

الانتشار المهول للموارد المتاحة والمستخدمة لتوثيق الحياة اليومية يدل على أن كل مستخدم للشبكة الاجتماعية هو ملحمة نرجسية كاملة على منوال جوليادكين "البطل" كما لقبه دوستويفسكي.

مواقع التواصل


"كانت كافة الأعين مصوبة نحوه، والآذان تلقي السمع بشيء من الترقب المهيب. بكثير من الانتباه، اقترب الحشد شيئا فشيئا، ومن مسافة أبعد بقليل، تهامست النسوة قلقًا. رب المنزل متلبث على مسافة من جوليادكين إنه لا يبدو مشاركا مشاركة فعالة في محنة بطلنا، كل شيء كان يجري بكثير من اللباقة والرهافة على كل حال، ومع ذلك شعر بطلنا شعورا واضحا بأن اللحظة الحاسمة قد حانت".

لقد كان بطلنا مخطئا بالطبع؛ فالضيوف الآخرون إنما كانوا ينخرطون في أحاديث تخصهم، ولا يتصلون مع "جوليادكين" إلا بالمجاورة؛ هالة الضوء المسلّطة عليه إنّما كانت تماما من نسج خياله، إلا أن الاضطراب والخوف تحت رماد هذه الهالة، كانا حقيقة لا مجازا. حشرجات صوت جوليادكين والدمع المنسكب من مقلتيه، جهوريةُ صوته، وجرأته، كلها إنما كانت محاولة منه لصوغِ خطاب بليغ، لرئيس الخدم الذي حاول سرا إبعاده عن قاعة الضيوف، فلم يستمع إليه أحد، ولم يلتفت إليه أحد من جمهوره المُتخيّل. جوليادكين المُصاب بالنرجسية والبارانويا، يظن خوفا وأملا أنه مراقب من قبل الجميع وأن الجميع يوجهون أنظارهم نحوه هو لا سواه، ولا يستند في منح القيمة لنفسه إلا على هذا المبدأ.

واليوم، يألف مستخدمو الإنترنت هذه المشاعر كثيرا؛ إذ كُرّس الكثير من النقد والنقاش حول ارتفاع القيمة الذاتية بكمية "ضغطات الإعجاب" في تويتر وإنستجرام وشبكات النشر الذاتي أو ترويج الذات. وبالفعل فإن الانتشار المهول للموارد المتاحة والمستخدمة لتوثيق الحياة اليومية يدل على أن كل مستخدم للشبكة الاجتماعية هو ملحمة نرجسية كاملة على منوال جوليادكين "البطل" كما لقبه دوستويفسكي. إلا أن عنصر البارانويا هو عنصر مهم يوازي في ذلك أهمية الخيلاء أو الغرور. وعلى هذا الأساس حذرنا من أن كل ما ينشر على الشبكة العنكبوتية بإمكانه أن يدمر عملنا وعلاقاتنا، وأن غوغل وأمازون تقوم بقراءة الرسائل في بريدنا الإلكتروني، والشيء ذاته تقوم به وكالة الأمن القومي الإلكترونية.

وفي السياق الاجتماعي، نحن مُنكشفون باستمرار على شبكة كاملة من الأصدقاء والمعارف والأقرباء، وهو الأمر الذي يعطي كل تعليق سلبي ثقلا يكاد يوازي في ذلك ثقل البيان العام. إن الأمر كما لو أننا نقف في منتصف غرفة مليئة بالأشخاص دون أن نعرف تماما إلى أي اتجاه ينظرون، ودون أن نستطيع أن نشعر إلا بالانفعال الشديد لأنهم ربما قد ينظرون إلينا. إن النرجسية وجنون العظمة أو ذهان الشك "البارانويا" هو خليط من الخوف والرغبة بأن نكون محط أنظار الآخرين الذين لا نعرفهم، وينطبق الأمر ذاته على المجتمعات الافتراضية حيث تبرز العديد من المخاوف مثل اكتشافنا على حين غرة أننا غير مهمين والخوف من التخلّف عن ركب هذه المجتمعات. ومع بطلنا هذا، ووعيه الذاتي وورطته الذاتية، إذ يعاني ما يعاني من المشاكل، فإن رواية "المثل" جاءت لتحاكي لنا "وعلى نحو دقيق" المخاوف التجريبية لوسائل الإعلام الاجتماعي الحديثة.

الأمر بالنسبة لجوليادكين، هو عينه لأي كاتب للتغريدات الفكاهية أو منشورات فيسبوك الفصيحة والبليغة، ثمة جهد مبذول في سبيل الحفاظ على الصورة الشخصية من أجل الآخرين فقط

الأوروبية


في القرن التاسع عشر، في مدينة سانت بطرسبورغ وعلى مدى ثلاثة أيام تجري مجموعة من الأحداث لبعض موظفي الدولة العاديين، وتحكي رواية "المثل" مجموعة من الوقائع التي يعايشها رجل يلتقي مع "مثيله" أو قرينه لتكون النتيجة والخاتمة مذلة بصورة مأساوية وتافهة. هذا البطل وموظف الدولة صاحب المنصب البسيط ياكوف بيتروفتش جوليادكين "لا يرى هدفا أسمى من أن يمتلك شعبية بين زملائه في العمل". هذا الهدف الذي يتلاءم على نحو لافت للنظر مع المشهد الرقمي اليوم. إذ إن جوليادكين ربما لا يغرد في تويتر عن نضاله في رحلاته الصباحية إلى مقر العمل، لكنه يتلذذ بلعبه دور البطل. ورغم تحرره من التهديدات الرعناء التي تصله، إلا أنه كان يشعر بعبء الترصد، وأي متعة يشعر بها كانت تنتقل على عجل إلى قلق واضطراب يصيبه وهو يبحث في وجوه المارة عمن يكون منهم قد يعرفه.

والأمر بالنسبة لجوليادكين، هو عينه لأي كاتب للتغريدات الفكاهية أو منشورات فيسبوك الفصيحة والبليغة، ثمة جهد مبذول في سبيل الحفاظ على الصورة الشخصية من أجل الآخرين فقط، وفي الشبكات الاجتماعية وتحت مراقبة وترصد مجتمع ضخم وواسع، تغدو هذه الجهود وهذه المساعي أكثر إرهاقا وإنهاكا. ومع ذلك، ومع هذا العالم الاجتماعي الذي ينتقل إلينا عبر الشاشات والألياف البصرية، قد يكون عزاؤنا هو الاعتقاد بأن يستمر أصدقاؤنا في متابعتنا.


ويستمر ذلك الخيال وهذا الشعور حتى نكتشف أن تلك الصورة الشخصية الرائعة أو التغريدة متقنة الصياغة أو الرابط الخاص بمقال ما، لم تحظَ بالاهتمام المنشود، فتتحركَ فينا جميع هذه الأسئلة الذهانية: هل يراني الجميع؟ هل يراقبونني؟ ما الذي يعتقده الآخرون بشأني؟ وتتوالى الأسئلة حتى تعرّي ذواتنا أمام ذواتنا ونكتشف ضآلتنا وعدم أهميتنا المُخجلة، لنعود بالتفكير وإدراك أن لا أحدِ يراقبنا وليس هناك من يهتم بشأننا، ونغرق في خجلنا باعتقادنا وافتراضنا اهتمامهم وهم لم يفعلوا أصلا.

لم يؤلم جوليادكين شيء أكثر من تلك "اللحظة الحاسمة"، التي أمَلَ فيها عند حديثه أن يسترعي اهتمام الجمهور، فاستمر الحفل دون أي رد فعل، مع إحساسه بأن ذاته تتأرجح بين طرفي نقيض بين الذل والغرور -من القناعة بأن على الجميع أن يعرفوا رأيك، إلى القناعة بأن مشاركة هذا الرأي لم تكن إلا عجرفة وحماقة- إن تجربة مستخدم الشبكات الاجتماعية هي واحدة من التجارب التي تكون فيها غير مرئي أبدا وعديم الأهمية بنفس الدرجة. ولم يكن لقب جوليادكين ليستخدم إلا لرمزيته، فلئن تمت ترجمته، فإنه سيعني "العاري الصغير" والذي ينطبق تماما علينا نحن مستخدمو الشبكات جميعا.


في هذه الأثناء وكما يؤكد ذلك ويثبته تصفحنا المحموم للإنترنت والشبكات الاجتماعية، فإن الذهان أو البارانويا المستشرية بنا من أن نكون منكشفين أو مراقبين إنما يتغذى في حقيقة الأمر على الخوف من أن نكون دائما من المتخلفين عن الركب. وقد استحضر دوستويفسكي هذا الخوف من التخلف عن الركب، أو "الفومو"، في الثلث الأول من رواية "المثل"؛ والذي يرتكز على الحفل الذي لم يدعَ إليه جوليادكين، الذي تسلل واختبأ في الدهليز ليطلّ على الحفل من فرجة مطلة على قاعة الضيوف.

 وكما استطرد الراوي في وصف اختباء جوليادكين وتسلله إلى الدهليز، فقد أسهب في وصف متعة وسعادة الضيوف وتكلّف في وصف الحدث ومن شارك فيه بينما تعمّد إقصاء جوليادكين والقارئ عن معرفة الكثير من تفاصيل الحفل الحميمة.

"لو كنتُ أملك المواهب إذن لـ... ولكن أين أنا من الأسلوب القوي المشرق الذي يمكنني من وصف الجو العاطفي المؤثر في تلك اللحظات الرائعة التي تهيب بالمرء إلى السمو الأخلاقي؟ وهي لحظات من الحياة يبدو كل شيء فيها أنه يسهم في تأكيد ظفر الفضيلة".

إن هذه اللحظات الكبرى التي يتحدث عنها الراوي ليست أكثر من نخب بيروقراطي في حفل عشاء يصفه الراوي بحماسة ودقة متناهية.

أن تعيش عاريا تحت هالة من الضوء تسلّطها عليك تصوراتك غير السوية، إنما سيبعثُ فيك المزيد من الألم ويمنح الاضطراب كل القوة كي يستشري فيك أكثر فأكثر

مواقع التواصل


إلا أن هناك العديد من الأمور التي لم يتطرق إليها الراوي ولم تتضمنها السطور؛ إنها تلك الأفكار التي تسلط الضوء، في حقيقة الأمر، على أفكار ما زالت مجهولة ولم تصل حتى الآن إلى حد المعرفة والإدراك. إنها الأفكار الكبرى العظيمة والمحاطة بالغموض، تلك التي لم تتحدث عن الغيرة التي تنهشنا في لحظات الملاحقة الافتراضية ونحن نتعقب صور أصدقائنا وأحبابنا ومن نُعجب بهم في عطلاتهم، ونقرأ تدويناتهم ونشاهد لقطاتهم الحية لأحداث لن نتمكن من حضورها. ورغم أننا وعبر هذا النقل المباشر سنتعرف إلى الحدث وكل ما فيه إلا أن حقيقة أننا لم نتمكن من الحضور سوف تبقى عالقة في أذهاننا، ناهيك عن حقيقة أننا لا نعرف ما الذي فاتنا هناك.

لذا فإننا نتساءل رغما عنا: هل نمتلك نحن أيضا جدول أعمال مزدحم مثل هؤلاء؟ هل لدينا هذه الأعداد الهائلة من الأصدقاء؟ هل لدينا من الشهرة والأضواء نظيرهم؟ لماذا لا تتسم مغامراتنا بهذه الروعة ولا تتسم إلا بالبساطة؟ وحينها يعود إلينا سؤال دوستويفسكي: "آه.. لماذا لا أمتلك السر"؟

أن تعيش عاريا تحت هالة من الضوء تسلّطها عليك تصوراتك غير السوية، إنما سيبعثُ فيك المزيد من الألم ويمنح الاضطراب كل القوة كي يستشري فيك أكثر فأكثر. فها أنت تحتقر ذاتك لأجل تلك الخطايا التي ارتكبتها على الملأ "الافتراضي" ولكل اخفاقاتك الكبرى على هذه الشبكات: "لماذا قمتُ بنشر مثل هذه الكتابات الشخصية والمحرجة؟". ولأنك تفتقر إلى نجاحات مكافئة لتلك الإخفاقات، فإنك لن تفتأ تنهك نفسك بالتساؤلات: لماذا لم يقم أي أحد بالإعجاب بالحالة التي قمت بنشرها ومشاركتها؟ وتتمنى لو أنك تقوم بحذف ومحو كل ما يخصك في صفحاتك الشخصية إلا أنك ستشعر بالغربة لأنك ستكون حينها في عِداد المتخلفين عن الركب، مما يصعب عليك توثيق كل ما يخصك، وستبقى أخطاؤك وإخفاقاتك ماثلة في أذهان الآخرين، عاجزا عن أن تمنح الثبات لكل خصالك الجيدة والطيبة.

ثمة نوع من الهروب يغدو ضروريا، لكن ليس هناك أي مأوى تلتجئ إليه. وقد تكون مثل جوليادكين الذي غرق في صغاره وهام على وجهه دون أن يعرف إلى أين سيذهب وكل هذا العار يجلله بعد إهانته في الحفل.

 

"كان يبدو كمن يريد الاختباء حتى من نفسه، وكمن يريد الهرب بعيدا عن ذاته إلى أن يندثر، وأن يعود ترابا"

 

حاول أن تبحث عبر غوغل عن ذاتك وانظر كيف تحاصرك نتائج البحث وتاريخ التصفح الذي يضعك فعليا في زاوية افتراضية لا يمكن الهرب منها

مواقع التواصل


أدخِل المثل: الملف الشخصي المنظّم والمعتنى به، النسخة المطابقة لك والتي تحمل كل معلوماتك الشخصية التي تعرف بك: الاسم والملابس، الوظيفة والمظهر ومكان الميلاد. لكن لمن هذه الفضيلة الاجتماعية المعصومة؟ لمن هذه الاهتمامات النبيلة والسامية، لمن هذه السيرة الذاتية المشوقة والمعروضة بتواضع في هذا الفضاء؟، لمن كل هذا التعديل على التعليقات، والذي يشي بإفراط المفهومية والذكاء؟

حاول أن تبحث عبر غوغل عن ذاتك وانظر كيف تحاصرك نتائج البحث وتاريخ التصفح الذي يضعك فعليا في زاوية افتراضية لا يمكن الهرب منها، ولن يكون في وسعك محو هويتك على العكس أنت في حاجة إلى تحسينها وتعديلها على الدوام. إن الصور الشخصية على الشبكات الاجتماعية، الأفاتار، وما شابهها إنما تمتزج مع تلك الكتلة الضخمة والمرهقة من البيانات التي يبدأ الناس بالبناء على أساسها لتكون تلك النسخة المطابقة لك، وإن لم تكن تلك الصورة المطابقة لك فإنها بالتأكيد ستكون تلك المتضخمة عن ذاتك.

 

إن "مثل" جوليادكين، الذي كان يظهر كظله في كل مرة يحاول فيها الهروب وتجاوز حرجه واضطرابه، هو ذلك المنفصل عنه جسديا وذاتيا إلا أنه أكثر ثقة، وأكثر جاذبية وقبل كل شيء أكثر شعبية. خذ كل هذه الصفات على أنها اقتصاص لبق للشخصية وانعكاس تم التعديل عليه فلنقل بواسطة "الفوتوشوب"، إنها الصورة التي سترغب بها دائما عن نفسك، إذ تملك الوجه ذاته ولكنها مثالية من جميع الزوايا.

وحريٌ بهذا "المثل" الاجتماعي الخاص بك أن يطمئنك ويهدئ قلقك الاجتماعي ويحثك على التفكير في أكثر خصالك روعة وجاذبية ويختال في عرضها وإعلانها على الملأ. بالنسبة إلى جوليادكين، فقد حدث هذا مع شبيهه ليلة واحدة فقط؛ إذ تملق إلى جوليادكين "الأصل" وعامله على أنه العراب الاجتماعي، واستمع إليه بإنصات وهو يستعرض نوادره وقصصه حول بطرسبرغ والإسلام وما بينهما. هي ذاتها الأحاديث الافتراضية عديمة الأهمية التي تقوم على سلسلة من النقرات والروابط والكتابات في فيسبوك وأحدث الأخبار في تمبلر.

 

ذهان الشك أو جنون العظمة أو البارانويا تأتي من إدراك وجود ذات أخرى مثيلة بينما تأتي النرجسية من التفكير المتعمق في الشكل الذي سوف تؤول إليه هذه الذات.

رويترز

إن المثل لم يشكل بالنسبة إلى جوليادكين أي تحدٍ؛ دوره يتمثل ببساطة في الاحتواء والدعم: دعم الأصل منه واستيعاب نرجسيته الطافحة والتي لن يتقبلها الآخرون في حال تحدثوا معه وجها لوجه، إنه يمنحك المتنفس ولا ينتقد ولا يرفض أو يتجاهل.

ومثلما أن جوليادكين مُطارد بفكرة "أن الرجل الصالح هو الذي يبذل جهده لكي يحيا صادقا، وليس من الممكن أن يكون له صورة مثل، فهذا أنت ليس في وسعك إلا أن تشعر بأدنى قدر من الذنب والغيرة في كل مرة يحصل فيها مثلك الرقمي على صديق، وأنت تعي بصورة مزعجة في أن الحقيقة هي أن ذاتك المصنوعة والمرتبة هي ليست حقيقتك التي أنت عليها طالما أنك تختلق أمورا وتظهرها وتخفي البعض الآخر، وتضع قناعا يراه أصدقاؤك الافتراضيون، وعمّا سيعتقده الآخرون لو أنهم اكتشفوا هذه الحقيقة؟ هذا القلق الرقمي الاجتماعي يعود يقوم المِثل بالتفاعل مع أصدقاء تتمنى لو كانوا أصدقاءك حقا. وهكذا فإنك ستعايش هذا الخوف من أن تكون في عِدَاد المتخلفين عن الرَكب في الحال التي يكون فيها "شبيهك التقني" أكثر شعبية من ذاتك الحقيقية على الواقع.

وإذ إن من المفترض لهذا "المثل" أن يساعد جوليادكين في كسب الأصدقاء، وخطب ود رئيسه في العمل، إلا أنه بدلا من ذلك جعل من جوليادكين أضحوكة وإنسانا غير كفؤ لأن يستمر في العمل، وكان من المفترض أن يضع جوليادكين تحت بقعة الضوء إلا أنه وبدلا من ذلك سرق الأضواء منه وسلطها على نفسه. وربما تعتقد أنك ومع خمسمائة صديق ستكون مشغولا كل الوقت ولديك الكثير للقيام به إلا أنك وبدلا من ذلك، تمضي وقتك في التحديق إلى الشاشة في مساء الجمعة لتعيد تحديث الصفحة بينما يبتسم "مثلك الرقمي" بسعادة كبيرة.

وليس من عجب أننا ومع القلق الذي يثيره الوعي بالذات الذي نعيشه، أن نشعر بالشلل بين صفحاتنا الشخصية العديدة ولا عجب أن نشعر بالوحدة على الرغم من امتلاكنا العديد من الأصدقاء. وربما تتجلى أقوى ميول عزلة الشبيه في منام جوليادكين بعد إرساله الرسالة إلى مثله، إذ إن جوليادكين كلّما حاول الهرب من مثله، بدا أن "أمثاله" يلاحقونه. وكما أن أمثال جوليادكين ملؤوا المدينة في منامه وأغلقوا عليه كل طريق للخروج، كذلك فإن الشبكات الاجتماعية تُجرّد من التجربة بل وتغدو عائقا لها. إن النرجسية وجنون العظمة أو البارانويا إنما تطاردنا في تفاعلاتنا الإلكترونية وتغذي وتنمي قلقنا الاجتماعي، وعندما نحاول إصلاح المشكلة عبر تغيير صورنا الشخصية أو تحديث تطبيق الأيفون الخاص بنا، أو إنشاء حساب آخر من أجل كسب المزيد من الأصدقاء كل هذا إنما يجعل الأمور أسوأ. فذواتنا التقنية ستتكاثر وستحاصرنا وستقف في طريق علاقاتنا.



دوستويفسكي الذي كتب هذه الرواية في 1846 لم يكن بالطبع يفكر في الإنترنت، ومع ذلك فقد استشعر وحدة الناس والبارانويا والتفاهة والفراغ التي يعانون منها، منعزلين ومحاصرين بذواتهم التي اختلقوها، وقد تساءل إن كان البشر يملكون فرصة للتواصل. وفي ذلك الوقت، كانت المجتمعات في أوروبا قد بدأت بالتمدن بشكل متزايد وتغيرت طبيعة الحياة لتغدو مكتظة خصوصا في المدينة التي جعلت مواجهات البشر تتزايد تماما كما يفعل الإنترنت اليوم. وكما اليوم، فإن التضخم المفاجئ للعوالم الاجتماعية، إنما يجلب المخاوف المصاحبة بطبيعة الحال، من العيش تحت أنظار الآخرين. ولنفترض أن كل لقاء مع شخص آخر استحضر مثلا، وكان هذا المثل هو الانطباع الذي تتركه في عقل الشخص الآخر. إنه النسخة التي انفصلت عنك والذاتُ التي لن تستطيع معرفتها بصورة كاملة.

إن ذهان الشك أو جنون العظمة أو البارانويا تأتي من إدراك وجود ذات أخرى مثيلة بينما تأتي النرجسية من التفكير المتعمق في الشكل الذي سوف تؤول إليه هذه الذات. وفي الوقت ذاته، فإن التواصل يعمل على التحكم بها وتشكيل الانطباع الذي ستتركه في لقاءاتها مع الآخرين لدرجة أن كل واحد منا الآن ربما يتحدث عبر أمثاله الرقميين إلى غرباء على مدى العالم في محاولة لأن نقول لهم: من نحن؟

ويبقى هناك دافع لأن نبقى منعزلين وهذا هو ما أعلن جوليادكين عن نيته القيام به. وفي كل مرة نحاول فيها تجنب اللقاءات المباشرة، أو إرسال واستقبال المكالمات والرسائل الصوتية ونقوم بتعطيل بريدنا الإلكتروني ينادينا مثلنا الإلكتروني للعودة إلى ما كنا عليه. ولا نستطيع فعل أي شيء إلا أن نعود لتصفح الشبكات الاجتماعية متسائلين وباحثين عما يفعله الآخرون، فضلا عن اعتقادنا بأننا الأشخاص الذين يستحقون الاهتمام وتزداد رغبتنا في أن يفهمنا الآخرون.

في نهاية الرواية التي اقترب فيها جوليادين من الجنون والإنهاك بعد مطاردة مثله في المدينة، خطط أخيرا لأن يستجدي حماية مستشاره الخاص، ولم يكن على المستشار الكثير ليفعله، فكل ما أراده جوليادكين حقا هو أن يوضح ذاته ويشرح نفسه وكان بحاجة إلى من يستمع إليه، إلا أن جوليادكين لم يجد الكلمات التي تنتشله من اضطرابه الكبير والمستشار منشغل مع الزوار وليس لديه أي وقت للاستماع، وهو الأمر الذي جعله يشيح بوجهه عنه.

الحقيقة هي أنه في أثناء سعيه لتحقيق التواصل الواقعي والبشري من أجل الوصول إلى نقطة معينة رغم كل قلقه وتقززه، فإن جوليادكين وجد نفسه أخيرا في مخاطرة كبيرة، وكذلك الحال بالنسبة لكل من يكشف للآخرين ذاته الناقصة. ولقد حاولنا وعلينا أن نحاول في أن نكون أنفسنا دون أي زيادة، أنفسنا التي نريد تعريف الآخرين بها، ومنذ أن أرسل دوستويفسكي بطله مجللا بالعار في شوارع بطرسبرغ، ما زال الحال على ما هو عليه بعد قرون من الفشل وما زلنا نحاول. ولكن وعلى الرغم من ذلك، كما قال جوليادكين: "أن تبذل جهدك في أن يفهمك الآخرون، إن الأمر لينطوي على جسارة وشجاعة كبرى". 

______________________________________________

مترجم عن: (ذا أمريكا ريدر)
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار