اغلاق
آخر تحديث: 2017/9/6 الساعة 17:05 (مكة المكرمة) الموافق 1438/12/15 هـ

انضم إلينا
النسوية الإسلامية.. تقليد للغرب أم ثقافة أصيلة؟

النسوية الإسلامية.. تقليد للغرب أم ثقافة أصيلة؟

د. أمينة ودود تؤم المصلين في صلاة مختلطة بين الرجال والنساء في نيويورك عام 2005
  • ض
  • ض
في الثامن من أكتوبر عام 2008م، قامت الأستاذة الجامعية الأميركية أمينة ودود بإمامة مجموعة مختلطة من المصلين في أوكسفورد بوسط بريطانيا[1]،الأمر الذي أثار عليها الآراء والفقهاء من مختلف فضاءات العالم الإسلامي، لتردّ هي أن للمرأة الحق في الإمامة كما للذكر حسب اجتهادها الذي انقطعت به عن المجموع الفقهي في التراث، مطبقةً على الواقع أحد تعريفات النسوية القائلة بأنها "تبنّي موقف مختلف من الموروث التاريخي -الديني، السياسي، الاجتماعي، الثقافي...- عن طريق إحداث قطيعة كلية معه، بكل مفاهيمه التي أنتجت الاستحقاقات المعرفيّة والتي بُنيت على أسس (بطريركيّة/أبوية ذكورية)".[2]

 

وكما هو معتاد، فدائمًا ما تتفاوت دلالات المفهوم بين البيئة التي نشأ فيها والبيئات المُشابهة -ظاهريًا- في الظروف والتداعيات التي أدّت إلى استيراده. وفي حالة "الأسلمة" الطارئة على مفهوم النسوية سنجد أنه مهما بدا التقارب الخارجي بين الظروف، فإن المعايير التي يحويها كل نموذج ستبقى مُحتفظةً بموقفها وملاحظاتها تجاه المفهوم بالقبول أو الرفض، وهو ما عبّرت عنه عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري[3] بأن النسوية الإسلامية قد "ورثت كل مفاعيل اندفاعة النسوية الغربية لكنها تنكّرت لها، وقالت: إنه الإسلام".

 

المرأة في الفكر الغربي.. شيء عن البدايات

يعرّف قاموس كامبريدج الفلسفة النسوية على أنها "الفلسفة الرافضة لربط الخبرة الإنسانية بخبرة الرجل دون خبرة المرأة"[4]. وهي الفلسفة التي تعكس، بهذه الصورة، خبرة المرأة الفكرية والثقافية تجاه الموضوعات والمشكلات للتحرر من الهيمنة الذكورية على المسار الفكري واستعادة الدور النسوي المُتَجاهَل داخل التاريخ الحضاري للغرب.

 

وتعتبر التفسيرات البطريركية لقضية الخلق -وقضايا أخرى- في التصور المسيحي الغربي أحد أبرز المُحفّزات النسوية ضد الدين، فالمرأة -حسب هذه القراءة- هي الغواية التي أخرجت آدم من جنته وأورثت البشرية كلها نسلًا يحمل الخطيئة، فكان لزامًا عليها الخضوع المُطلق لسلطة الرجل وتهميشها التام عن أي دور محوري في هذا العالم[5]، الأمر الذي انعكس بدوره على الرؤية الفكرية تجاه الأنثى؛  حيث تموضعت الأنثى في ثنائية ديكارت بين العقل والمادة في موقع المادة ككائن جسدي غير عقلاني بالمرة[6]، وهو ما لم يبتعد عنه جان جاك روسو كثيرًا حين ميّز الطبيعة الأنثوية عن الطبيعة الذكورية بأن الأولى تنحصر في غرضي الجنس والإنجاب، وأن الأخيرة تتحدد في القدرة العقلية اللامحدودة[7].

 

الفيلسوفة والمفكرة النسوية الفرنسية سيمون دي بوفوار (1908-1986)

مواقع التواصل
 

وقد ذهب البعض لأسبقية الفلسفة اليونانية على الكنيسة وفلاسفة عصر التنوير الأوروبي، مما أسهم في تأثيرها على فلسفة الأنثى في أوروبا، فالصورة التي رسمها أرسطو للمرأة" على أنها ذكرٌ مشوّه لم يرق بعد لأن يكون إنسانًا"[8]  كانت بالغة الأهمية، وذات أثر هائل في أعماق الثقافة الغربية، وهو في ذلك لم يخالف كثيرًا أستاذه أفلاطون في "محاورة طيماوس"[9]  الذي رأى أن البشرية تنقسم إلى جنسين: "الجنس الأعلى، أو الرجال الذين تألّف منهم الخلق الأصلي الذين استطاعوا قهر شهواتهم وأصبحوا فضلاءً على الأرض"، وجنسٌ آخر وهم "الجبناء والأشرار الذين فشلوا على الأرض، وهم الذين سيعاقبون بأن يولدوا نساءً من جديد".

 

هذه الآراء وغيرها كانت حجر الزاوية الذي اعتمدته الكنيسة كآراء مقدسة يُعد الخروج عليها خروجًا على المسيحية نفسها[10]. الأمر الذي نحا بالمرأة الأوروبية -وكنتيجة حتمية لتبعات الحداثة- للاعتقاد بضرورة تجاوز الميتافيزيقا المعادية لها، والمتمثلة في الدين المناهض لها على الدوام، ولكونه العائق الأكبر في سبيل تحررها.

 

لكن -وكما يقول نيوتن- لكل الأفعال ردودا معاكسة تتناسب معها في حدتها، وهو ما أثبتته سيمون دي بوفوار في كتابها "الجنس الآخر"؛ حيث أعلنت أن "على المرأة التخلي عن الأساطير والخرافات والعقائد التي تتخذ شكل المقدس والتي مكنت الرجل الأبيض من اضطهاد المرأة والسيطرة عليها، فالمرأة إذا أرادت أن يكون لها وجود حقيقي كامرأة، فإن عليها أن تتخلى عن الأنوثة؛ لأنها مصدر ضعف المرأة، والزواج؛ لأنه يمثل أكبر قيد للمرأة، وكذلك التخلي عن الأمومة"[11].

 

ومن هنا تبدّل كل شيء، فخرجت المرأة من الخاص إلى العام، وبدأت الحركة النسوية في صراعها الأحادي ضد الرجل المهيمن على الأشياء تحت تيارين رئيسيين، أولهما ليبرالي يشدد على ضرورة المساواة في فرص العمل وحقوق الأفراد، والآخر راديكالي يرى أن البنيات الاجتماعية -كالعلم واللغة والتاريخ- هي بنيات متحيزة للذكر، ويجب إعادة النظر في هذه البنيات وفقًا لرأي المرأة[12]، حتى طالب البعض بتحييد اللغة أو تأنيثها في المقابل[13]، ليقابل (history) في الجهة الأخرى (her story)، وهلمّ جرّا.

 

التمركز حول الذات وصراع الجندر

"لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك"

(سيمون دي بوفوار)

 

حين رفض المسيري قبول مصطلح "فمينزم" (Feminism) بوصفه تعبيرًا عن النسوية، كان يرى أن المصطلح لا يُعبر عن تحرير المرأة، وإنما عن حالة الصراع مع الرجل، وتمركزها حول ذاتها، كنتاجٍ تاريخي لتحولات الإنسان الغربي، فيقول[14] "ومنظومة التحديث والعلمنة الغربية تدور في إطار ما نسميه "الحلولية الكمونية المادية" أو "المرجعية الكمونية الذاتية"، وهي المنظومة التي يميزها، على مستوى البنية العامة، أن المبدأ الواحد المُنظم للكون ليس مفارقًا له أو مُنزهًا عنه، متجاوزًا له، وإنما كامن "حالٌ" فيه، ولذا فالكون -الإنسان والطبيعة- يصبح مرجعية ذاته، ومكتفٍ بها".

 

عبدالوهاب المسيري مفكر إسلامي وعالم اجتماع مصري (1938-2008)

الجزيرة

 

ففي هذه المنظومة ينتقل الإنسان من تمركزه حول الحقائق المتجاوزة "الأديان"، إلى الواحدية الإنسانية -في مرحلة الحداثة[*]- بتمركزه حول الإنسانية جمعاء وجعلِها الغاية النهائية التي يستمد منها الكون حقيقته، ثم إلى الواحدية الإمبريالية التي يكون مركزه فيها ذاته الفردية أو جماعته الخاصة، أي أن ما يعبر عن الحقيقة لديه هي ذاته -الفردية أو الجماعية- وفقط، فيظهر العداء للإنسان، "ويظهر عالم صراعي ثنائي ينقسم فيه البشر إلى: جزار وضحية، وقاتل ومقتول، وأقوياء وضعفاء، وباطشون ومُتكيّفون مرنون"[15].

 

وفي عالم كهذا تظهر المرأة التي لا تشير لشيء إلا لذاتها، مكتفيةً بها خارج أي إطار اجتماعي، وفي حالة صراع كوني أزلي مع الرجل الذي ثارت على مفاهيمه المُحقّرة من شأنها، ليتحول التحرر إلى تمركز حول الذات وعداءً للآخر، على حد وصف المسيري. وقد فصلت الباحثة، والمحاضرة في شؤون الثقافة الإسلامية، ملاك الجهني بين سؤالين أساسيين يحكمان هذه القضية، وهما: السؤال النسوي الحداثي الذي انطلق لإثبات النظرة الدونية للمرأة في عالم الذكور الأبوي، والسؤال ما بعد الحداثي الخاص بالجندر[16]، أو النوع المحايد (Unisex) الذي أشار إليه المسيري كنتيجة حتمية للصراع الأنثوي مع الذكر حين يتفكك الإنسان.

 

والجندر بحسب المعاجم المختصة[16]مفردة تعود إلى أصل لاتيني يعني: النوع، أو الأصل (genus)، ثم تحدرت سلاليًا عبر اللغة الفرنسية في مفردة (gendre) التي تعني: النوع أو الجنس. والجنوسة هي الترجمة العربية للجندر، الذي شاعت ترجمته بالنوع الاجتماعي أيضًا.

 

ويشير المصطلح -الذي سكّه عالم النفس روبرت ستولر- عند معتنقيه إلى أن الاختلافات بين الجنسين، والتمييز الجندري يرجعان للتركيبة الاجتماعية الثقافية، لا إلى الطبيعة البيولوجية القائمة على الجنس (ذكر أو أنثى)[16]، فمفاهيم الذكورة والأنوثة نفسها صناعة اجتماعية ثقافية، وهي الفكرة التي تتعارض مع المعتقدات الشائعة سابقًا، والتي تحيل الفروق بين الجنسين إلى أساس بيولوجي بالضرورة.

 

بهذه القراءة الجديدة للمجتمع البشري حاولت الأنثى سحب البساط، أو الانتقال إليه بنفسها، عن طريق التحرر من العائق البيولوجي "الجنس" بالمخرج الاجتماعي "الجندر" الذي أعلنت سيمون دي بوفوار فيه عن ضرورة التخلي عن الأصل البيولوجي للأنثى وتعريف دورها الاجتماعي بشكل جديد، فترى إحدى باحثات الجندر[16] أنه "من الأفضل ألا نقول لأطفالنا أن هناك جنسين: ذكرًا وأنثى، بل أن نقول لهم: الإنسان في أي مكان يولد فيكون أنثى أو ذكرًا أو غير ذلك".

 

النسوية الإسلامية والقراءة الجندرية للنصوص

ترى الباحثة المغربية إكرام عدناني[17] أن ثورة الحداثة قد شكلت أساسًا وبداية لتبلور خطاب نسوي يتماشى ومبادئ حقوق الإنسان. ثم تضيف أن "ظهور مفهوم النسوية الإسلامية استعان بالمناخ السائد وبالعديد من العوامل والاعتبارات السياسية والأيديولوجية والثقافية داخل المجتمعات العربية، والتي أصبحت تربط بين كل المفاهيم والأيديولوجيات والدين".

 

 

وفي دراسته النقدية-التحليلية، يفصّل المفكر الأردني فهمي جدعان في صور الانتقال النسوي للعالم المسلم في الشرق، عارضًا لمجموعة من النماذج النسوية اللاتي اضطررن إلى الرحيل عن الفضاءات الإسلامية الأصلية والذهاب إلى عالم العولمة الغربية الأوروبي والأميركي، فينطلق في دراسته من النسوية ذات الاتجاه الإصلاحي، وهو الاتجاه الذي يرى أنه محاولة لتلبيس النسوية بلباس إسلامي[18]، حيث لم يدرك المعنى الدقيق للنسوية، لأنه لا يحاول أن يخرق النصوص الدينية أو يتجاوزها أو يعلقها أو يستبدل بها غيرها على سبيل الرفض والهجر أو تعديل الفهم -وهو ما تقوم به النسوية الرافضة- فقصارى همّه أن يسوّغ أو أن يبرز أحكام الإسلام المُشكّلة على الضمير الحديث والحساسية الحديثة. فجدعان لا يرى أن هذا الاتجاه يمكن تصنيفه كحركة نسوية، وهو ما يوافق رؤية المسيري عن الفيمنيزم كحركة تتمركز حول ذاتها وتدور حولها منهجيتها.

 

على الجانب الآخر، تقف النسوية الرافضة، التي تواجه إغراءات الحرية في فضاءات الغرب غير الإسلامية، وإن كن من أصولٍ إسلامية، إلا أنهن ذوات "صوتٍ ينشز بالرفض المطلق والمغالي في تطرفه، وجميعهن محكوماتٍ بعُقد نفسية منذ الطفولة"[18]. وقد استعان المفكر الأردني في كتابه بأربعة نماذج للنسوية الرافضة من بلدان متفرقة في العالم الإسلامي، وهن البنغالية السويدية تسليمة نسرين، والصومالية الهولندية أيان حرسي، والأوغندية المهاجرة لكندا إرشاد منجي، وأخيرًا التركية الألمانية فيما بعد نجلاء كيليك.

 

التحليلات الجندرية انعكست على الرؤية النسوية للأديان قاطبة وهو ما يسمى في الحالة الإسلامية بعملية "البحث عن العفريت"

وقد أورد في كتابه سِيرَهن مختصرة ومتضمنةً لأبرز أفكارهن التي تعجّ بالرفض الشديد للمقدسات النصّية، فتسليمة نسرين مثلًا ترى أن "الدين والدولة في العالم المسلم قد جعل من المرأة عبدة جنس لزوجها". بينما طالبت أيان حرسي "بالانقلاب على التأويل والتفسير ورفضه باعتبار أن القرآن -عندها- "وثيقة تاريخية" كما يراه سلمان رشدي". ولم يختلف الأمر كثيرًا عند إرشاد منجي التي رأت أن "التأويل الإسلامي وضعه فكر قبلي ولا بد من تغييره"، وكذلك نجلاء كيليك التي عارضت الحجاب[19] ورأت أن "الدين هو ما يعيق المرأة وليس القانون الأوروبي". وعلى الرغم من تطرف هذا الاتجاه في رفض المقدس، إلا أن جدعان رأى وجاهة تصنيفه ضمن النسوية الإسلامية تنبع من تمحور هذا الرفض النسوي لما هو إسلامي.

 

وفي المسافة البينية بين الاتجاهين: الإصلاحي والرافض، تأتي النسوية التأويلية كضلع ثالث في مثلث جدعان، وقد كان "الأساس الذي أنتجت عليه النسوية التأويلية مبدأها هو عدم تدخل رؤية ذكورية وتفسيرية للنّص الشرعي الخاص بقضاياها"[20]. وهو المنهج الذي ظهر رافضًا للخطاب العلماني في تحليل وضع المرأة، لأن الإسلام وحده هو من حقق للمرأة الحرية والمساواة، على حسب ما قالته رائداته، "لذا رأين وجوب الرجوع للمصادر الشرعية لاستخراج الحق المغيّب للمرأة على أيدي الفقهاء الذكور، من خلال آرائهم وشروحهم على مصادر التَّشريع"[20] على حد وصفهن.

 

وبالعودة إلى الجندر، تقول ملاك الجهني إن التحليلات الجندرية قد انعكست على الرؤية النسوية للأديان قاطبة وهو ما أسمته في الحالة الإسلامية بعملية "البحث عن العفريت" الذي تقوم به نسويات التأويل الجندري للنصوص داخل الإسلام، وعلى رأسهن من المعاصرات أمينة ودود في واقعتها المذكورة، ناكرةً للمجموع الفقهي -بتعبير جدعان- أو التراث الذي لم يأتِ بما قررت هي أن تفعله، وطالبت كذلك بحق المرأة في مناصفة الذكور لمثل هذه الأدوار زاعمةً أن "الأنوثة والذكورة ليستا خصائصًا خلقية مطبوعة في الفطرة الأساسية للذكور والإناث، كما أنها ليست مفاهيمًا تناولها القرآن أو أشار إليها. إنما هي خصائص محددة تنطبق على الإناث والذكور على التوالي على أساس الأدوار المحددة ثقافيًا"[21].

 

أما عن المرجعية التي اتبعتها نسويات التأويل في دعواهم فهي "مختزلة في القرآن الكريم، إذ تستبعد عامتهن السنة النبوية، وقد تستحضر بعضهن السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وتتعاطى معهما وفقًا للمنهجية التفكيكية النسوية الهادفة لإبراز تأثيرات السلطة الأبوية والتحيزات الذكورية تجاه المرأة"[21]؛ حيث إن الكثير منهن يتجاهل النصوص النبوية في شؤون المرأة، فلا يقبلنها حتى على افتراض إعادة التأويل، كأحاديث خلق المرأة من ضلع الرجل وغيرها، بينما ذهب البعض منهن في تأويلات النص القرآني لمسافاتٍ أبعد من تأويل الأحكام[21]، فأخذن في قراءة النماذج النسائية الواردة في القرآن والسنة، والتي تؤثر في تشكيل التصورات الاجتماعية عن المرأة، كامرأة العزيز ومريم العذراء التي ناقش البعض فكرة نبوتها من عدمها، وأن كونها كذلك سيساعد على تبني التسوية المطلقة كرسالة كونية.

 

المساواة في الجانب الآخر من النهر

في محاضرة بعنوان "الخطاب النسوي وتأنيث التأويل" تُعلّق ملاك الجهني[22] عن التعامل النسوي الإسلامي مع الجندر بأن استخدام المفاهيم التحليلية الغربية بطريقة انتقائية، بحيث ننتقي منها ما يناسبنا من الدلالات وننفي أخرى، لا يفصم المفهوم عن جذوره ولا يفرغه من حمولته الثقافية بحال.

 

وقعت القراءة الجندرية للتراث الإسلامي في عدة مزالق منهجية كشفت عن أساسها الأيديولوجي، القائم على التفسير المنحاز للنسوية للنصوص الدينية

رويترز
 

فالقراءة الجندرية للتراث، والقرآن خاصةً -وفقًا للباحثة- وقعت في عدة مزالق منهجية تفضح أساسها الإيديولوجي وتؤكد عدم حيادها، كإرادة التسوية بين جميع النماذج النسائية الواردة في القرآن وجعلها نماذج مثالية، وهو الأمر المخالف للواقع، وغير المتحقق حتى في النماذج الذكورية المذكورة في النص القرآني كقارون وفرعون، وغيرهما. وكذلك وشم كل شكل من أشكال التفرقة بين الجنسين بالسلبية، وهو ما تُعلِّق عليه "بالمفارقة التي يقع فيها دعاة الحداثة والتجريب العلمي بسبب إنكارهم للفروقات البيولوجية بين الجنسين"، والتي تؤكد عدم إمكانية التسوية المطلقة بينهما، وأن "هذه التسوية تنعكس سلبًا على المرأة قبل الرجل"[23].

 

في الضفة المقابلة من النهر تقف الدكتورة هبة رؤوف عزت بقراءة تأمّلية للنص القرآني المعالج لقضايا الجنسين والمساواة، لتشرح رؤيتها في قضية الأبوية الذكورية في قراءة النصوص، قائلة إن "الإسلام ضد هذه الأبوية، وأن استخلاف الإنسان يشمل الرجال والنساء؛ إذ إن من الأمور الجديرة بالتأمل في لغة القرآن أن لفظ "إنسان"، وهو الواحد من بني آدم، يُذكّر ويؤنّث، فيُقال هو إنسان، وهي إنسان"[24]. فالنساء اللاواتي هن شقائق الرجال في الأثر النبوي الشهير[**]، تتمثل المساواة بينهن وبين الرجل في القرآن في "القيمة الإنسانية والمساواة في الحقوق الاجتماعية والمسؤولية والجزاء، وهي المساواة التي تتأسس في جوانبها المختلفة على وحدة الأصل والمآل والحساب يوم القيامة"[24].

 

الرؤية الإسلامية للأسرة تكفل من خلال الشورى وامتداد الأسرة ضمانة أكبر في عدم تجاوز أي من الزوجين حدوده"

فالمساواة بين الجنسين مُطلقة في أمور ونسبية في شؤون أخرى بطبيعة تباين الخلق والقدرات، وهي النسبية التي تخدم في تحقيق الاستخلاف المطلق بشكل متكامل بين الجنسين، وقد تطرق الإمام ابن حزم الأندلسي لتلك القضية[25] قائلًا إن البعث النبوي للبشر كان بعثًا مستويًا للجنسين، "وكان خطاب الله تعالى، وخطاب نبيه للرجال والنساء خطابًا واحدًا، فلم يجز أن يخص بشيء من ذلك الرجال دون النساء إلا بنص جليّ أو إجماع لأن ذلك تخصيص الظاهر، وهذا غير جائز".

 

وفي رؤيتها لمفهوم القوامة تقول "القوامة إحدى صفات المؤمنين -رجالًا ونساءً- وترتبط بالشهادة على الناس، وتعني القيام على أمر الدين وفق الشرع، والالتزام بالعدل والقسط"، أما بخصوص القوامة الخاصة، فهي ترى أن القوامة إذا كانت سمة عامة على مستوى الأمة، فإنها مسؤولية تكليفية على الرجل في أسرته في إطار عقد الزواج، وهي في كلا المستويين قرينة العدل، فقوامة الرجل على المرأة تعني قيامه على شؤونها وشؤون أسرته والقسط فيها، وهذا بخلاف ما إذا كان التعبير عنها بكلمة سلطة أو نحوها. وهي تنطوي على أمرين، أحدهما بتوفير الحاجات المادية والمعنوية للأسرة بما يكفل لها الإشباع، والآخر في توفير الحماية وسياستها بالعدل.

 

وفي سياق متقارب يرى المسيري أن التعامل الأمثل مع قضية التحرير النسوي يجب أن يكون بدراسة الأمر "وفق نموذجنا المعرفي ومنظومتنا القيمية" [26] التي يسبق فيها المجتمع والأسرة، الفرد والمادة. فالطريقة الأنسب لمحاربة (الطغيان/الإهمال) الذكوري ضد الأنثى يتجلى -حسب كلامه- في سحب الرجل نحو الأسرة وواجبه المجتمعي، وليس بإخراج الأنثى من سياقها ووضعها في مقابلة تنافسية معه؛ لأن في هذه الحال ستتفكك الأسرة التي رأت هبة رؤوف محوريتها بالنسبة للأمة وأثر تفكيكها على تفكيك الدور المنوطة به هذه الأمة؛ لأنها الحلقة الوسيطة بين الفرد والمجتمع التي يتحول بدونها لمجموعة من العناصر المتنافرة.

 

فبين الصراع العلماني الجنوسي، والصراع التأويلي التوفيقي للفيمنيزم مع الإسلام، يظهر طريق ثالث يدافع عن المرأة بالدفاع عن الاجتماع (الإنساني/الأسرة)، متضمنًا إياها -والرجل كذلك- في سياقهما المجتمعي قبل الفردي، وكما رأى المسيري خطورة الطريق الأول على الإنسانية، تصف ملاك الجهني خطورة التأويلية النسوية، أو دعوة التغريب في الظل على حد وصفها، بأنها تكمن "في عدم مصادمتها للوجدان الإسلامي الرافض للعلمانية، بدعوى انطلاق هذه التوفيقية من الإسلام، واستعمالها لمصطلحاته مع تفريغها من محتواها، أي قطع العلاقة بين الدال والمدلول"[27]، بالإضافة لقابلية الاستلاب النسوي لدى المخاطبات، وتحيز المرأة العاطفي لهذا الخطاب نظرًا لما تلاقيه أحيانًا من الظلم.

 

فالأمر في النهاية قائم بين رجل وامرأة داخل أسرة تشكل المجتمع، ولعل ما اختتمت به الدكتورة هبة رؤوف تعليقها على القوامة الذكورية يلخص الفارق المحوري بين طبيعة الجنسين في رؤيتها عن الرؤيتين الأُخرتين، إذ تقول "ويُلاحظ أن بعض الكتابات العلمانية لم تفطن إلى بُعد الشورى في الأسرة الإسلامية، فجعلت المقابلة بين الأسرة الممتدة الأبوية الاستبدادية، والأسرة الديموقراطية الصغيرة، على الرغم من أن الرؤية الإسلامية للأسرة تكفل من خلال الشورى وامتداد الأسرة ضمانة أكبر في عدم تجاوز أي من الزوجين حدوده"[28].

 

وعليه فإن العلاقة الأسرية هي علاقة تراحمية قبل أن تمثل حالة من النزاع، فلو كانت الأمور تُحلّ والحقوق تُسترد بإعادة التأويل خارج المجموع الفقهي وإنكار التراث بدعوى ذكورية تأويله بصورة عاطفية غير موضوعية -كما وصف جدعان خطاب بعض هذه الحركات- أو عن طريق الصراع بين الجنسين على طول الطريق، فهل نكون حينها بصدد استبدال طغيان أبوي قديم بهجومٍ نسوي يفصل الأسرة ويحطم البنيان لأجل التمرد لا لأجل الدفاع الحقيقي واسترداد الحقوق بالعدل لاستقامة الحياة؟

 

==========================================

 

الهوامش:
[*]: يعرف المسيري الحداثة في هذا السياق بعصر سيادة الأشياء وإنكار المركز والمقدرة على تجاوز المادة وسقوط كل الثوابت والكليات في قبضة الصيرورة التاريخية للتحول الغربي.
[**]: الحديث: "النساء شقائق الرجال" -[رواه أحمد].

المصادر

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك