انضم إلينا
اغلاق
كيف يساهم التغير المناخي في انتشار ظواهر العنف؟

كيف يساهم التغير المناخي في انتشار ظواهر العنف؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"لا علاقة لي بتلك القضايا"، غالبا ما يكون هذا هو تعليق المواطن العادي، هنا في الوطن العربي، أو حتى في الولايات المتحدة، حول قضايا التغير المناخي والتي يظن، أولا، أنها لا تمسه في شيء، ثانيا، لاعتبارها أمورا سياسية أو علمية ما زالت محط جدل، ثم أن هذا الشيء المدعو "التغير المناخي"، يأخذ الكثير من الوقت لكي يحدث -بحسب ما يتصور صديقنا- وعليه فلا حاجة لنا الآن أن نشغل أنفسنا بقضايا كتلك، لدينا ما يكفي من الهموم، يكفينا ضغط العمل، وازدحام الأسواق، وتصاعد العنف من كل جانب، حتّى أن الناس في الشوارع قد أصبحت أكثر تحفزا، لا وقت إلا لبعض الراحة إن أمكن، أليس كذلك؟

      

لا، في الحقيقة، هو ليس كذلك أبدا، إن أول الأخطاء في الفهم حول قضايا التغير المناخي هي الظن أن التغير الذي احتاج إلى 50 سنة، مثلا، كي يحدث، يتطلب 50 إضافية لكي يتضاعف، لكن المشكلة هنا هي أن تغيرات المناخ تحدث ضمن أنظمة معقدة (Complex Systems) تتخذ أنماط تطور لاخطّية(1) تتسارع مع الزمن بشكل يظهر فيه الفارق واضحا خلال سنوات عدة، أضف أنه -رغم ذلك- يحدث، في كل مرة، أسرع مما نتوقع، حيث لا يمكن لنا اعتبار جميع العوامل في أثناء بحثنا خلف أسباب التغير المناخي، والذي قد يرتبط بعلاقات مع كل شيء تقريبا.

      

خذ الارتباط بين التغير المناخي والعنف كنموذج، من الطبيعي أن نتصور أن هناك علاقة بين التغير المناخي وكثرة الحوادث، فمع تصاعد وتيرة التغيرات المناخية تتصاعد في المقابل وتيرة حالات الشذوذ كالأعاصير الشديدة أو موجات الحر والبرد القاسية. كمثال بسيط، يمكن القول إن فرص حدوث حالات الإجهاد الحراري، حوادث الطرق أثناء تلك الظروف القاسية، حالات الإصابة بأنواع معينة من البكتيريا لم تكن فعّالة قبل ذلك بهذا الشكل، تتصاعد هي الأخرى مع تصاعد التغير المناخي، وبالطبع يتسبب ذلك في ارتفاع درجات توتر المجتمعات، لكن هل يمكن أن يتغلغل الأمر إلى أكثر من ذلك؟

       

تأججت نار الغضب

إن أي شيء متعلق بمفهوم الحرارة نفسه، كعرض صور للنار، أو الجليد، قد يسبب ارتفاع درجة العدائية، فمجرد تغذية عقول البعض بأفكار عن الحرارة قد يتسبب في دفعهم لتأمل أفكار غاضبة

أن سبلاش
       
يبدأ البحث العلمي حول تلك النقطة من تقصّي العلاقة بين ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع العدائية لدى البشر، في الحقيقة نجد في لغتنا العامة إشارة لتلك العلاقة حينما نقول مثلا "تأججت نار الغضب"، أو "اشتعلت الحرب" وغيرها من التعابير اليومية الدارجة، لكن بحث وجود تلك العلاقة يتطرق بالأساس لثلاثة نطاقات متداخلة، فبينما لا يمكن للتجارب المتعلقة بهذا الأمر أن تعطينا نتائج مؤكده بسهولة، يمكن كذلك أن يتداخل معها بحث الخلفية الفيسيولوجية لوجود الإنسان في طقس حار، مع محاولات لعمل رصد إحصائي لتطور حالات العنف في عدة مجتمعات مع ارتفاع معدلات درجات الحرارة بها.

       

فمثلا، تشير التجارب(2) التي قسّمت الخاضعين لها في غرفتين، إحداهما ذات درجة حرارة أعلى من الأخرى، إلى تصاعد درجات العدائية، في الأفكار، المشاعر، والسلوك، لدى الجالسين في الغرف الحارة مع تناسب بين مدد الإقامة بتلك الغرفة ودرجات العدائية، أضف إلى ذلك أن هناك تصاعدا في تصورات هؤلاء الجالسين في غرف حارة عن درجة عدائية الجالسين معهم، أو حتّى قائمة أفلام عرضت عليهم في الغرفتين، وبالطبع ليس أخلاقيا بالمرة أن يُسمح لدرجات العدائية تلك بالظهور والدخول في حيز الممارسة، لكن هناك تجربة واحدة ممكنة ذات علاقة بتلك الفكرة.

         

إنها تمارين ضباط البوليس، حيث أخضع ألدرت فريدج(3) ورفاقه، من جامعة بورتسموث بأمستردام، مجموعة مكونة من 38 ضابط بوليس، لتجارب تتعلق بدفعهم للتمرن في غرفة درجة حرارتها 21 مائوية وأخرى 27 مائوية، ثم مقارنة نتائج الغرفتين، وتضمنت آلية التمرين محاكاة على شاشة عرض لحالة إنذار بالسرقة، ثم يتدخل الضابط ليواجه مشتبها به. في الغرفة الحارة أشارت النتائج إلى أن الضباط كانوا أكثر ميلا للإشتباه في هذا الشخص، وفي درجة عدائيته، وأكثر ميلا لسحب المسدس الخاص بهم بقيمة 85% مقابل 45% في الغرفة الباردة، علما بأننا هنا نتحدث عن فروق في درجات الحرارة، بين 21 و27، قد لا يلاحظها الضابط نفسه بوضوح، أعني أنها لا تعيقه عن العمل كأن نضعه في درجة مائوية 39 مثلا.

      

في الحقيقة قد يمتد الأمر لما هو أعقد من ذلك، حيث إن أي شيء متعلق بمفهوم الحرارة نفسه(4)، كعرض صور للنار، أو الجليد في المقابل، أو التعرض لأية أشياء متعلقة، قد تسبب ارتفاع درجة العدائية في أفكار الخاضعين للتجارب، ويصل الأمر إلى أن مجرد تغذية عقول البعض بأفكار عن الحرارة قد يتسبب في دفعهم لتأمل أفكار غاضبة، المشكلة إذن ليست فقط، كما يبدو، في درجة الحرارة، وإنما في ارتباط ذهني يسكن بداخلنا كبشر عن علاقة المفهوم نفسه (الحرارة) بتوترنا وتصاعد درجات تأهبنا.

                 

أظهرت نتائج الدراسات وجود ارتباط بين ارتفاع درجات الحرارة ودرجات التوتر، والمتمثل في نطاق واسع من الظواهر الاجتماعية، وانتشار الجرائم (أن سبلاش)

            

من جهة أخرى تشير استجابات أجسامنا الفيسيولوجية(5) لارتفاع درجات الحرارة إلى ارتباط مشابه، حيث يؤثر هذا الارتفاع على الأجزاء المسؤولة في الدماغ عن التنظيم الحراري وتلك المسؤولة عن تكوين العواطف، بينما، في المقابل، يتسبب ارتفاع درجات الحرارة في دفع الجسم لإفراز كمّيات أكبر من الأدرينالين، لكن في النهاية فإن تلك الإشارات البيولوجية لا تعطي تفسيرا مباشرا ذا علاقة بالاستجابات السلوكية، لكنها فقط توضح أن هذا النمط من السلوك قد يكون مبنيا على آخر له علاقة بالفيسيولوجيا الخاصة بأجسامنا.

          

التغير المناخي والثورات
وبإضافة بعض النتائج الأخرى(6)، والتي تقارن بين مدن، أو دول، ذات درجات حرارة منخفضة في المتوسط وأخرى مرتفعة، ثم تدرس عدة أمور خاصة بكل مدينة، أو دولة، كنسب البطالة، متوسط الدخول السنوية، معدلات انتشار السرقة، والعنف في الشوارع، أو المستوى الاقتصادي(7) العام للدولة، أو التي تقارن بين ارتفاع معدلات الجرائم ضمن نفس المنطقة خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، أو تلك المرتبطة بدراسة تطور معدلات العنف في مناطق بعينها خلال تصاعد ارتفاع درجات الحرارة على مدى سنوات طويلة متتالية، فإنها تشير -جميعها- إلى وجود ارتباط بين ارتفاع درجات الحرارة ودرجات التوتر، والمتمثل في نطاق واسع من الظواهر الاجتماعية.

        

لكن في تلك النقطة، وقبل الاستمرار في التعرف على جوانب هذا النطاق البحثي الوليد، ورغم ما يحققه من نتائج، إلا أن المشكلة التي تواجهنا، هنا، تتمثل دائما في جملة شهيرة جدا تقول إنه قد يكون "الارتباط لا يعني السببية (Correlation doesn't imply Causality)، بمعنى أنه قد يكون هناك سبب آخر يقبع في خلفية المشهد ليربط بين الحالتين، خذ مثلا علاقة ارتفاع نسب ممارسة الأطفال لألعاب الفيديو بالعنف، للوهلة الأولى نظن أن السبب في العنف هو ألعاب الفيديو، لكننا قد نجد أن هناك سببا في آخر وراءه، حالة اضطراب مزاجي مثلا، هي ما يدفع الطفل للأمرين، كذلك فإن عددا من الدراسات(8) يشير أيضا إلى أن درجة وضوح تلك العلاقة بين العنف والحرارة، كذلك تناقص نسب الأمطار، ونقص الغذاء، ليست قوية.

         

لكن دعنا في تلك النقطة من حديثنا معا  نتفهم بعض الأساسات(9) التي يمكن أن نبني عليها أفكارنا المقبلة، لذلك سوف نبدأ بتوضيح بعض العلاقات المعقدة، وكيف، من خلالها، يمكن لكل شيء أن يؤثر في كل شيء آخر، خذ مثلا مواردنا الطبيعية، الماء، الأرض، النظام البيئي، التنوع الحيوي، المصادر البحرية، وتلك غير المتجددة، يرتبط ذلك كله، بشكل واضح لا جدل فيه، بالنمط المناخي القائم، المتمثل في درجات الحرارة، كمّيات الأمطار، الحالات الشديدة للطقس، كميات الثلوج، مستوى سطح البحر ارتفاعا أو انخفاضا، وحركة التيارات المحيطية العالمية، لكن هنا يظهر أول سؤال: ما علاقتنا بذلك كله؟

 


  

الأمان، للوصول إلى الأمان نحتاج إلى المصادر الطبيعية، والتي توفر لنا الماء، الطعام، الطاقة، الصحة بالطبع، والدخل أو العمل الجيد والمستمر، إذن فكل شيء يتأثر بكل شيء آخر في تلك النطاقات، لكن اضطرابا في تأمين مواردنا كالماء، الطاقة، الصحة، أو الغذاء ضمن دولة ما لا يعني سوى شيء واحد فقط، وهو الاضطراب الاجتماعي، كمثال بسيط يمكن لك تأمل نقص الغذاء على الأحوال الاقتصادية لبلد ما، حيث سوف ترتفع أسعار السلع، ما يسبب بدوره انخفاضا في المستويات المعيشية لعدد ضخم من الأفراد، وهو ما يرفع درجات التوتر.

       

كل شيء يرتبط بكل شيء
بالتالي فإن هناك ارتباطا، نظريا على الأقل، واضحا بين التغير المناخي، وحالات التغير السياسي، كان هذا التغير قاسيا كحالات انقلابات عسكرية، حروب أهلية، وتصاعد وتيرة الإرهاب، أو أقل قسوة، كذلك يظهر ذلك واضحا في حالات الهجرة، الدائمة أو المؤقتة، حتّى نصل إلى درجة تفعيل الفكر المؤسساتي في الدول كممثل للتعاون ما بين الأفراد في النطاق الاجتماعي، أو المؤسسات نفسها، بذلك نحصل على مربع يتفاعل بشكل مباشر، وتتكيف أضلاعه (الموارد الطبيعية، المناخ ومشكلاته، تحقيق الأمن، والاستقرار الاجتماعي) مع بعضها البعض، ويعد تحرك قاس ما ضمن أي من الأضلاع الأربعة له، هو أيضا تحرك قاس ضمن النطاقات الثلاثة الأخرى.

      

ولفهم مدى تعقد الأمر دعنا، مثلا، نتعرف إلى مجموعات الدراسات(10) التي بحثت العلاقة بين نقص التغذية في الرضع ودرجات تطرف سلوكياتهم عندما وصلوا إلى الثامنة من العمر، أو بحث العلاقة بين 100 ألف شخص ألماني ولدوا بين عامي 1944 و1945، في فترة انخفضت فيها معدلات الأمن الغذائي بشدة، وتطوير سلوكيات معادية للمجتمع بعد ذلك، إن ما يقدمه التغير المناخي من حالات قاسية تتزايد وتيرتها بشكل متسارع يقدم حالة شبيهة، خاصة مع ارتفاع معدلات التصحّر وانخفاض كمّيات المحاصيل بشكل كارثي في بعض الدول، لذلك نجد أن بعض الدراسات(11) تربط بين الحرب السورية وأزمات تصحّر تطورت شيئا فشيئا خلال السنوات السابقة لها، كذلك تطور حالات العنف في مصر، كينيا، أثيوبيا.

        

بالطبع لا يمكن لنا، دعنا نوضح، أن نقول إن التغير المناخي وحده كان سببا في ارتفاع معدلات العنف، لكنه ربما يكون أحد أهم الأسباب المساعدة، علما بأن هذه العلاقات المباشرة بين التغير المناخي والثورات لا تمتلك بعد درجات واسعة من التأكيد، لكن دعنا في تلك النقطة من حديثنا نتأمل كتاب "مدار الفوضى: تغير المناخ والجغرافيا الجديدة للعنف"، من تأليف كريستيان بارينتي، والذي يضع تصورا يربط من خلاله بين الأزمات السياسية والاجتماعية العنيفة والتي واجهت، أو تواجه، الدول الموجودة بين مداري السرطان والجدي، كالصومال، غينيا، ساحل العاج، أفغانستان.. إلخ، بالتغيرات المناخية، حيث في هذا الشريط بين المدارين، والذي تقع فيه(12) 46 دولة بتعداد سكّاني حوالي ثلاثة ملايير نسمة، بدأ التغير المناخي يضرب بقسوة وبشكل مفاجئ أكثر من أي منطقة أخرى في العالم، وتعتمد المجتمعات ضمن هذا الشريط بقوة على الزراعة وصيد الأسماك، وبالتالي فهي مهددة بشكل أكبر من غيرها بالتغيرات في أنماط الطقس، مما يتسبب في النهاية بتغيرات مجتمعية قاسية. 

               

       

من جهة أخرى، سوف نجد ارتباطا واضحا بين تصاعد درجات الحرارة المتوسطة في طقس الأرض ومشكلات تتعلق بقضايا الصحة العامة(13)، فمع تطور الأمور يجد المواطنون فرصا أقل للحصول على الهواء النقي، الغذاء الآمن، والملجأ كذلك، لذلك تتوقع منظمة الصحة العالمية أنه خلال الفترة بين عامي 2030 إلى 2050 سوف ترتفع معدلات الوفيات بمقدار 250 ألف حالة سنويا، بسبب ضعف التغذية، الملاريا، الإسهال، والإجهاد الحراري، في المقابل سوف ترتفع قيم الإنفاق على الصحة العامة، بسبب هذا الأثر، بمقدار مليارين إلى أربعة ملايير دولار سنويا، بحلول العام 2030، وبالطبع كلما كانت الدولة ضعيفة اقتصاديا كانت الآثار المدمرة للتغير المناخي أكثر قسوة(14).

        

في النهاية يمكن أن نتأمل كذلك علاقة أخرى بين الحرب والمصلحة، فنحن نعرف أن التاريخ يعطينا أربعة دوافع أساسية للحرب، وهي: الخوف، المصلحة، المكانة والإنتقام، وبالنظر إلى أزمات نقص الغذاء المتصاعدة وتيرتها يوما بعد يوم، ما يجعل مصالح بعض الدول تتصادم مع بعضها البعض ضمن نطاقات أكثر ضيقا عن ذي قبل، أو أزمات المهاجرين والتي بدورها تتسبب في ارتفاع درجات الخوف والقلق لدى المواطنين، مما يدفع باليمين المتطرف إلى سدة الحكم في العديد من الدول المؤثرة، وهو ما يرى البعض أنه كان بالأساس أحد أسباب الحرب العالمية الثانية.

          

في قضايا التغير المناخي، إذن، ليس هناك ما هو أطول وأكثر عمقا من جُحر آليس، قد يكون هناك جدل شديد بالفعل حول تأثير وتأثر مجموعة العوامل التي تحدثنا بها، وذلك طبيعي في نطاق بحثي عبر-منهجي (Interdisciplinary) غير مستقر سواء لأنه مازال وليدا أو لطبيعته التي تحتاج الكثير من البحث والاحتياط للعوامل الكثير المؤثرة في بعضها البعض والتي لا يمكن دوما حصرها، وبذلك فهو يخضع بشدة لمشكلات قصور التحديد(15) (Underdetermination)، لكن ما نحن متأكدون منه هو أن التغير المناخي ليس شيئا منفصلا عنّا كبشر، أو عن أي من تلك المنظومات التي تتواجد في محيطنا ونعيش بها أو من خلالها، وما يثير الإنتباه والخوف، على الأقل، هو أن كل شيء، كل شيء، معرض للخطر.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار