انضم إلينا
اغلاق
اكذب ثم اكذب حتى تصدق نفسك.. هكذا يعتاد دماغك على الكذب بمرور الوقت

اكذب ثم اكذب حتى تصدق نفسك.. هكذا يعتاد دماغك على الكذب بمرور الوقت

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

حاول أن تنعش ذاكرتك قليلا، وفكر معي كم عدد المرات التي كنت على وشك التصرف بعدم نزاهة؟ ربما أعطاك البائع قطعا نقدية أكثر مما تبقى لك، وفكرت للحظة ما إذا كنت سترجعها له أم تأخذها وترحل، أو ربما فكرت في الكذب على صديقك الذي يطلب منك أن تخرج معه في عطلة نهاية الأسبوع. لا شك أن الكذب إغراء شديد ولا أحد يفلت منه! جميعنا نواجه مثل هذه المعضلات الأخلاقية طوال الوقت؛ ولا نعني بذلك مواقف عدم نزاهة عظمى أو خيانة مثلا، بل نقصد تلك الخيارات الخفية التي تشكل الكثير من حياتنا اليومية. وبما أن إغواء الكذب حولنا دائماً، علينا أن نتخذ القرارات الأخلاقية الصغيرة باستمرار. وجزء من ما يرشد هذه القرارات هو الشعور بعدم الرضا وتأنيب الضمير الذي يعمنا بعدما نكذب.
  

أجريت مؤخراً دراسة في كلية جامعة لندن حول إغراء عدم النزاهة للتحقق مما إذا كان امتلاك الفرص للكذب أو الخداع بتكرار يمكن أن يؤثر على استعدادنا لاختيار الكذب وتفضيله عن الصدق. والفكرة هي أنه إذا قرر شخص ما في البداية أن يكذب، فسوف يغلب عليه شعور بالسوء حيال الأمر، وبالتالي فإنه يكذب لمرة واحد أو كذبة يراها بسيطة. في المرة التالية التي يكذب فيها، يشعر أيضا بالسوء ولكن ليس بالقدر نفسه. ونتيجة لذلك، يمكن للمرء أن يتصرف تصرفات غير نزيهة بكثرة قبل أن يصل للحد الذي يشعرون فيه بالسوء بما يكفي لردعهم وجعلهم يكفون.

    

وفهم السبب يتطلب ربط فكرتين مهمتين. الأولى تتعلق بالدور الذي تلعبه الإثارة العاطفية في صنع القرار الأخلاقي، والثانية تتعلق بكيفية عمل الدماغ عند تكرار المواقف المشابهة، والمعروفة باسم التكيف العصبي. فبعض المعضلات الأخلاقية تثير ردود فعل عاطفية تحد من استعدادنا للتصرف بشكل سيء، وتصاحبها استجابات جسدية مثل زيادة معدل ضربات القلب والتعرق. وعندما يحدث هذا، يقل استعدادنا للتصرفات غير النزيهة وربما نتراجع عن فعلها.

     

  

على سبيل المثال، في دراسة قام بها علماء النفس ستانلي ثاتشر وبيبت لاتاني في عام 964، تم منح الطلاب فرصة للغش في الامتحان ولكن قبل ذلك أُعطي نصفهم حبوب تقلل من ردود الفعل الفسيولوجية، والآخر حبوب وهمية لا تفعل شيئا. فقام الطلاب الذين قلت مستويات الإثارة العاطفية عندهم نتيجة الدواء بالغش أكثر في الامتحان مقارنة بالبقية. لذا نجد أن للجسد رد فعل فسيولوجي يعارض سلك المسار الذي يشعرنا بالذنب ولكن عندما يكون هذا التفاعل غير موجود، يصبح هذا المسار أكثر إغراءً.

  

وإذا نظرنا للتكيف العصبي، نجد أننا إذا ما دخلنا مطعم ما نلاحظ فورا روائح رائعة للطعام الطازج. ولكن بعد بعض الوقت نصبح أقل حساسية لهذه الروائح ونكف عن ملاحظتها. وهذا مثال على التكيف العصبي؛ حيث يصبح الدماغ أقل حساسية للمثيرات بعد التعرض المتكرر، والذي يحافظ على انتباهنا من أن يشتت بجوانب محيطة لا نحتاج إليها حقًا. وفي المطعم، بعد اعتيادك على الروائح، يمكنك التركيز على أشياء أكثر أهمية، مثل المحادثة مع من معك أو التفكير فيما ستطلب من طعام وما إلى ذلك.
  

ترتبط هاتان الفكرتان -دور الإثارة في رغبتنا في الكذب والتكيف العصبي- بالموضوع لأن الدماغ لا يتكيف فقط مع أشياء مثل الأصوات والروائح، فهو يتكيف مع العواطف كذلك. فمثلا، عندما تنظر إلى صور تكرهها أو تتعرض لتجربة غير مرغوبة فإن الدماغ سوف يولد في البداية استجابات قوية في المناطق المرتبطة بالمعالجة العاطفية. ولكن عندما تتكرر هذه التجارب مع مرور الوقت، فإن الاستجابات العاطفية تتضاءل.

  

لذا تساءلت الدراسة، هل يمكن للدماغ أيضًا أن يتكيف مع سلوك صنعناه بأنفسنا ولكننا نكرهه؟ وبعبارة أخرى، إذا انخرطنا في سلوك نشعر بالسوء تجاه فعله مراراً وتكراراً، فهل تتكيف استجابتنا العاطفية لهذا السلوك فنقبله مع الوقت؟ إذا كان الأمر كذلك، فذلك يعني أن الاستجابات العاطفية يمكن أن تقلل من ميلنا للكذب أو الخداع، وبالتالي إذا انخفضت هذه الاستجابات عبر التكيف، سيزيد الكذب نتيجة لذلك. ولاختبار ذلك، أجرى الباحثون تجربة تنظر في أمرين، الأولى هي مهمة تشجع الأفراد على الكذب تكرارا. والثانية قياس تغير مستويات الإثارة العاطفية لدى الأفراد كلما تكررت فرص الكذب.

             

في التجربة وضع المشاركون في ماسح ضوئي، وطلب منهم أن يرسلوا رسائل لشخص آخر بالخارج عبر لوحة المفاتيح دون في الماسح الضوئي الرنين المغناطيسي الوظيفي وإرسال رسائل إلى شخص آخر، الذين جلسوا خارج الماسح الضوئي، عن طريق إدخال استجابات لوحة المفاتيح. تم توجيه المشاركين إلى أن رسائلهم سترسل إلى أجهزة الكمبيوتر المتصلة. وفي بعض مراحل، أتيح للمشاركين فرصا متكررة للكذب في رسائلهم لكسب أموال إضافية، وكان الأمر متروكا لهم تماما. وسمح ذلك للباحثين برؤية ما إذا كانت الرسائل كاذبة في كل الأحوال، أم أن استعداد الناس للكذب تغير مع مرور الوقت.
  

وفي الوقت نفسه، سمحت بيانات الرنين المغناطيسي الوظيفي بفحص كيفية تغير مستويات الإثارة العاطفية كلما تم إرسال رسائل غير نزيهة، بفحص اللوزة اللمفاوية، المغروسة عميقًا في الدماغ وتستجيب للمشاعر السلبية مثل الخوف والتهديد. وفي البداية، كان المشاركون غالبًا يخادعون ويكذبون قليلاً، على الرغم من أن هذه التجاوزات الصغيرة كانت مصحوبة بردود قوية في شبكة معالجة العاطفة. ولكن مع مرور الوقت، بدا أن المشاركين اعتادوا على الأمر وتكيفوا مع الشعور السلبي مع كل مرة يكذبون فيها. فلم تعد تصدر استجابات عاطفية قوية، وفي نهاية الأمر تركوا لأنفسهم العنان تماما فأصبحوا يكذبون أكثر مما سبق وبحساسية محدودة تجاه الأمر، فلم يشعرهم كذبهم بأي تأنيب ضمير. 

     
 قد تشير هذه الدراسة إلى نظرة تشاؤمية للإنسانية، حيث يسلك الجميع تدريجا سلوكا سيئا، ويصبحون أكثر فساداً وأكثر ميلاً للأنانية. غير أن هذه ليست الطريقة الوحيدة لرؤية هذه النتائج؛ فإحدى الرسائل الإيجابية التي يجب أخذها هي أن العاطفة تلعب دوراً حاسماً في تقييد الصدق. ربما يعني ذلك أن حل الكذب متاح أمام أعيننا، يمكن استعادة الاستجابات العاطفية القوية في الحالات التي يكون فيها الكذب مغريا جدا وتقليله.

      
       

في الواقع، حققت دراسة حديثة هذا الأمر من خلال وجود مجموعة من المشاركين يعتقدون أن قلوبهم كانت تنبض بسرعة عندما يواجهون الإغراء بأن يكونوا غير أمناء. فقامت هذه المجموعة تحت هذا الاعتقاد بالكذب أقل من مجموعة بديلة من المشاركين الذين اعتقدوا أن نبضات قلوبهم كانت هادئة ومستقرة. كما كان هناك عدد من التدخلات السلوكية المقترحة للحد من السلوك غير الأخلاقي. وتشمل استخدام الإشارات التي تؤكد على قيمة الأخلاق وتشجعهم على الصدق.

      
إن الآليات العصبية الأساسية التي يمكن أن تفسر التغيرات السلوكية الإيجابية التي تدفعها هذه التدخلات غير معروفة حاليا، لكن الاحتمال المثير للاهتمام هو أنها تعمل جزئياً من خلال تحويل رد فعلنا العاطفي إلى مواقف يكون فيها الكذب خياراً، مما يساعدنا على مقاومة الإغراءات التي أصبحنا أقل مقاومة لها بمرور الوقت.

____________________________________________

ترجمة: الزهراء جمعة

هذا التقرير كترجم عن: Aeon  ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار