انضم إلينا
اغلاق
مهدد بالرفض والاعتداء.. كيف يشعر طفلك "التوحدي"؟ وكيف يمكنك إنقاذه؟

مهدد بالرفض والاعتداء.. كيف يشعر طفلك "التوحدي"؟ وكيف يمكنك إنقاذه؟

هالة أبو لبدة

محررة تعليم وجامعات
  • ض
  • ض

في يوم ممتلئ بالرتابة لم يجلب معه ما يزيح الغمة أو يسر القلب، كما وصفته مجموعة من النساء اللواتي ينتظرن دورهن في إحدى عيادات مدينة فلسطينية، دخلت إلى المكان امرأة بصحبة طفلها ذي أربع السنوات، التفت الجميع منتظرين منها الانضمام إلى حلقة صاخبة تتسع شيئا فشيئا وتتشارك فيما بينها أمور العالم بدءا من مؤامرات الأزواج وحتى مؤامرات الاحتلال، لكن المرأة اتخذت جانبا بعيدا عن الجمع، أما طفلها فما أن وصل حتى ازداد تشبثا بها وحاول مرتعشا أن يغطي عينيه بردائها، وكأنه وحيد في صراع ما، لا يسمعه ولا يدركه أحد، بدأت النسوة بالتهامس وتبادل جمل مثل: "مريض نفسي؟"، "غريب"، "لماذا يتصرف هكذا؟"، ثم أطلق أحد العاملين في المكان صوته: "مريض توحد"، عمّت الحيرة قليلا، فالبعض لم يسمع بهذا المرض، وآخر لم يصدق، لكن كيف يستقبل هذا الطفل ردود الأفعال من حوله؟ إذا كنتِ أمًّا لطفل أخبروك أنه مصاب بالتوحد، هل تقبلت الأمر وسعيت لعلاجه؟ أما أنك ما زلت مصرة أن طفلك لديه بعض الخجل أو كثير من الحركة وسيتغير عندما يكبر؟

  

صوت من عالم التوحد

يطل علينا من داخل عالم "طفل العيادة" شخص آخر هو "دانييل فيندلر" (Daniel Wendler) أكثر قدرة منه على مواجهة العالم ليروي لنا قصته: "أذكر أنني حاولت جاهدا أن أكون محبوبا لطيفا وأن أصنع صداقات لي ولم ينجح أي من هذا، لقد قوبلت بالرفض دائما"، لقد تكرر هذا حتى في مدرسته الابتدائية من قِبَل أطفال في مثل سنه، "أذكر ذات مرة أنني ذهبت إلى زميلي في الصف ودعوته لنلعب ألعاب الفيديو بعد المدرسة في منزلي، لكنه ضربني في بطني وقال لي لا تتحدث إلي مرة أخرى"، تصرفات كهذه تخلف أثرا سلبيا كبيرا في نفس أي طفل يمر بهذه المواقف، فهي تدفعه إلى الاعتقاد بأن الناس يبتعدون عنه ويرفضونه بسبب خطأ يمارسه أو لأنه شخص سيئ، وسيلازمه هذا الاعتقاد بأضراره النفسية طالما ظل متعرضا لهذه الممارسات نفسها(1).

 

لكن دانييل قرر الذهاب لرؤية أخصائي نفسي، وحصل على تشخيص منه بأنه مصاب بمتلازمة أسبرجر، أحد أنواع التوحد، يصف دانييل هذه اللحظة: "بعدها تغير كل شيء، لقد كانت نقطة محورية في حياتي"، فقد عرف من خلال طبيبه أن لديه بعض العراقيل، وأنه يفتقد إلى مهارات معينة تعيق انسجامه واندماجه مع الوسط المحيط، "لقد أدركت أنني لست شخصا سيئا، أنا فقط سيئ في المهارات الاجتماعية وبإمكاني أن أتحسن، إنها كغيرها من المهارات كالطبخ والرياضة، إذا كنت سيئا فيها يمكنك دراستها"، لقد قرر دانييل أن يتعلمها فعلا، وبدأ بمجموعة من الكتب عن لغة الجسد والمحادثات والإتيكيت، وأكمل تعليمه الثانوي، ومارس ما درسه في هذه الكتب مع زملائه وأساتذته ووالديه وغيرهم، وبدأت أموره بالتحسن وأصبح يشعر أن ما يحدث هو "شيء عظيم"، لأنه كان قد فقد الأمل وظن أنه سيظل مرفوضا إلى الأبد، لقد أدرك دانييل أن لديه تحديات لا تواجه كثيرين ممن حوله، لكنه تعلم من تجربته، وأراد أن يشارك ما تعلمه مع الآخرين فأنشأ موقع Improveyoursocialskills، وقدم نصيحته الأولى والأكثر أهمية لمن يعانون مثله: "لم أكن لأحقق أيا من هذا بدون تشخيص، التشخيص سيغير حياتك، سيمنحك اللغة لتعبر عن نفسك والآخرين، وسوف تحصل على الدعم أيضا"(2). لكن هل جميعهم يستطيعون الاعتماد على أنفسهم والبحث عن المساعدة؟ وما دور الأهل هنا؟

  

     

لا يوجد مرض اسمه "توحد"

قد تكونين إحدى الأمهات التي اكتشفت مؤخرا أن طفلها "لديه توحد" أو تشكّين في احتمال إصابته به، وتتساءلين ما إذا كنتِ كأمّ تستطيعين اكتشاف المشكلة والمساهمة في حلها، لكن دعينا في البداية نبحث في ماهية التوحد ونحاول فهم هذا المصطلح الشائع حولنا وما يرتبط به من علامات وسلوكيات، وسنسعى لنحصل على المعلومات الدقيقة من مصادرها المتخصصة، وهذه أول خطوة لكِ نحو مساعدة طفلك، وهنا سنطرح رؤية نفسية للموضوع قدمها د. إيهاب محمد عبد العزيز، أستاذ الصحة العامة والطب السلوكي، والتي تبدأ بمعلومة مفاجئة للكثيرين وهي أن "كلمة التوحد كلمة خطرة، لا يوجد شيء اسمه توحد، وفي علم النفس تترجم هذه الكلمة إلى "Identification"، وهي تعني أن أتوحد مع من أحبه".

  

هذا التوحد ناتج عن شدة حب الشخص لإنسان مقرب أو شخصية شهيرة لدرجة محاكاتها في أفعالها أو أقوالها، أما ما يقصده الناس عند استخدام كلمة "التوحد" للإشارة إلى "التكراريات، والسلوكيات الغريبة، والانعزال والانسحاب لدى الطفل، فهذا يسمى "الذاتوية"، وهي اضطراب بسيط جدا وأصبح تحت السيطرة"، فهي ببساطة درجة معينة من اندماج الطفل مع النشاط الذي يمارسه كقراءة الكتب أو اللعب بالألعاب أكثر من اندماجه مع الأفراد، وبحسب د. إيهاب فإن البشر بشكل عام يختلفون في رغبتهم في الاندماج مع الآخرين من حولهم كما "تتفاوت درجة هذا الاندماج بين البشر"، فهناك "من يفضل استخدام الحاسوب على الجلوس مع الأشخاص، وحتى الذاتوية لها درجات، فهناك الذاتوية البسيطة، والمتوسطة، والشديدة"، لذا فإن تداول كلمة "التوحد" بدون التوجيه أو الاستناد إلى أدوات علمية في التشخيص أو إطلاقها من قِبَل المحيطين سينتج عنه أن هذه الكلمة "ستثير بلبلة وتؤدي إلى اكتئاب الأم والأب"(3). فكيف يمكنك أن تحصلي على التشخيص الصحيح لابنك؟

  

هل يمر طفلك باضطراب الذاتوية؟

تحمل "الذاتوية" اسما علميا هو "اضطراب الطيف الذاتوي" (Autism spectrum disorder (ASD))، ويعرف المعهد الأميركي الوطني للأمراض النفسية (National Institute of Mental Health (NIMH))، أكبر منظمة بحثية في العالم متخصصة في فهم وعلاج الاضطرابات النفسية، الذاتوية بأنها "اضطراب نَمائِيّ يؤثر على التواصل والسلوك"، ويطلق عليها مصطلح "اضطراب نمائي" كون معظم أعراضها تظهر في السنتين الأولى والثانية من حياة الطفل، أما كلمة "طيف" فهي إشارة إلى وجود تفاوت كبير في نوع وشدة الأعراض التي يمر بها الأشخاص ذوو الاضطراب الذاتوي، وبحسب "الدليل التشخيصي والإحصائي للإعاقات العقلية" المصمم بواسطة الجمعية الأميركية للأطباء النفسيين لتشخيص الاضطرابات النفسية والأشخاص الذين لديهم اضطراب الطيف الذاتوي، فإن هؤلاء الأشخاص لديهم صعوبة في التواصل والتعامل مع المحيط، ويمارسون سلوكيات متكررة، ولديهم نقص في قدرتهم على التعامل بشكل فعال مع المدرسة والعمل وغيرهما من الأماكن، لكن ورغم أن هذا الاضطراب سيلازم الشخص طوال حياته، فإن العلاج سيُحسّن قدراته ومهاراته، وهنا يأتي دور التشخيص كعامل مهم في التعامل مع الحالة(4).

      

    

ليس من السهل إطلاق حكم بإصابة الطفل بالذاتوية إلا بعد أداء مجموعة من الاختبارات التشخيصية، حتى إن الأمر سابقا كان يتطلب عرض الطفل على مجموعة من المتخصصين في علم النفس والعلاج الوظيفي وطب الأطفال وغيرها، وينصح د. إيهاب والدي الطفل في هذه الحالة بالبحث عن المرجعية المتخصصة في تشخيص وفهم طبيعة سلوكيات الطفل وفق أسس علمية سليمة، فحتى هو كمختص لا يستطيع تشخيص أي من حالات الذاتوية أو فرط الحركة أو نقص التركيز إلا بعد أداء بعض الاختبارات، فطبيب الأطفال مثلا قد يشك في إصابة طفل بمرض الأنيميا من خلال الأعراض التي تظهر عليه، لكنه سيطلب إجراء بعض الفحوصات للتأكد(5)، لكن ماذا بعد التشخيص؟

  

هل الأمهات جزء من العلاج؟

أجرى فريق أميركي من عيادة الإعاقات النمائية والذاتوية (Autism and Development Disabilities Clinic ) في ستانفورد دراسة نشرت في مجلة "Journal of Child Psychology and Psychiatry"، واستمرت 12 أسبوعا على مجموعة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وست سنوات، تم تشخيصهم بالذاتوية، وشملت الدراسة تدريب أهالي الأطفال على التعامل معهم باستخدام نوع محدد من العلاجات المتاحة، وخلصت نتائجها إلى أن تدريب الأهالي أدى إلى تحسّن سريع لدى الطفل، وأشارت دراسة أخرى نفذها باحثون في جامعة ستانفورد إلى أن بإمكان والدي الطفل تعلم كيفية استخدام العلاج بطريقة علمية مع أطفالهم عبر الالتحاق بمساقات تدريبية، وهو ما يساعد في تطوير مهارات الأطفال اللغوية، وهي المنطقة التي يحدث فيها الخلل في حالة الذاتوية(6).

 

وهناك دراسة اشتركت فيها أكثر من جامعة وصممت للكشف عن إدراك أطفال الذاتوية للعاملين في مجال الصحة النفسية في برامج التدخل المبكر التي ينقصها مشاركة الوالدين بصورة قوية، وأوضحت أن من المهم جدا مشاركة الوالدين في تطور ونمو الطفل خلال مرحلة التدخل المبكرة للعلاج، وأن غياب هذه المشاركة سيتسبب في عدم تلبية ودعم احتياجات الطفل وقدرته على تطبيق المهارات المكتسبة خلال العلاج في البيئات المختلفة، وسيؤدي أيضا إلى نقص التطور النمائي لديه، وتتضمن عملية مشاركة الوالدين في هذه البرامج كل ما يحدث في غرفة العلاج، والتواصل مع أخصائيي الصحة النفسية بشكل منتظم، وحضور اللقاءات، والمشاركة في العلاج المنزلي، والعمل بفعالية مع أعضاء فريق الصحة النفسية، وتوفر أخصائي الصحة النفسية للإجابة عن استفسارات الوالدين، ورغبة الوالدين في تعلم التقنيات المستخدمة في غرفة العلاج لتطبيقها في المنزل، والتعرف على أهالي الأطفال الآخرين، ومعرفة وبناء علاقات مع الأشخاص العاملين مع أطفالهم، وهذا ينتج مشاركة فاعلة في إنجاح البرنامج وتعزيز التواصل ورفع قدرة الطفل على تطبيق المهارات التي اكتسبها خلال العلاج(7)، لكن ماذا إن لم تتوفر برامج الرعاية النفسية اللازمة في بلد إقامتك؟

  

     

ما زال أطفال الذاتوية بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والرعاية الصحية في دول عدة، خصوصا في دول العالم العربي، ورغم وجود عدد من مشروعات ومبادرات دعم الصحة النفسية لهؤلاء الأطفال، فإن هناك حاجة ماسة إلى توسيع دائرة هذه الأنشطة خصوصا مع الوضع المضطرب حاليا في كثير من الدول، لكن إذا أردنا أن نبحث في المصادر المعرفية التي يمكن أن تساعدك كأمّ في فهم الذاتوية وكيفية التعامل مع الطفل فهناك مصادر متميزة جدا قُدّمت بالإنجليزية وتُرجم بعضها إلى العربية، وهي تتنوع بين الكتيبات والمساقات الإلكترونية وبرامج التدريب.

  

لدينا كتيبات مثل: "الدليل المصور لمرض التوحد"، وهو كتاب مترجم بواسطة د. عاطف حلبية عن نسخة كندية (Autism Physician Handbook) يتميز ببساطة وكثافة المعلومات التي يقدمها للأمهات، ويعتمد بشكل رئيسي على الصور التوضيحية وبعض الاختبارات التشخيصية لحالات وفئات عمرية مختلفة لأطفال الذاتوية، وهناك كتيب آخر صادر عن المعهد الوطني للصحة "A Parent’s Guide to Autism Spectrum Disorder"، ويغطي أساسيات معرفية فيما يخص الذاتوية لدى الأطفال، كمفهوم الذاتوية وأعراضها، وطرق تشخيصها، وبعض المشكلات التي يمكن أن تظهر لدى بعض الأطفال إضافة إلى الأعراض الموجودة، وطرق العلاج، ونوع الجهود المبذولة لتحسين الكشف عن الذاتوية.

  

أما على صعيد المواقع الإلكترونية فيمكنك الاستفادة من المواقع المتخصصة في تعزيز جانب التعاون والمساعدة مع هؤلاء الأطفال كموقع autismspeaks، وتتوفر أيضا مساقات إلكترونية على منصات مثل: إدراك - مساق "مدخل إلى عالم التوحد"، يوديمي - مساق "Autism Understanding"، جامعة سوينبرن للتكنولوجيا - مساق "Autism"، كورسيرا - مساق "Autism Spectrum Disorder"، جامعة دربي - مساق "Understanding Autism".Top of Form

   

لست وحدك

  

أعلنت منظمة الصحة العالمية (8) أن هناك طفلا واحدا مصابا باضطراب الطيف الذاتوي من بين كل 160 طفلا حول العالم، وأن الاضطراب يبدأ في الطفولة ويستمر حتى المراهقة أو البلوغ، وأن بإمكان بعض الأشخاص المصابين به العيش باستقلالية، بينما يحتاج البعض الآخر ممن يعانون من درجة شديدة من هذا الاضطراب إلى علاج ودعم مستمر مدى الحياة، إلى جانب دور برامج التدريب التثقيفية المقدمة لأهالي الأطفال في تقليل الصعوبات التي يواجهها كل من الأطفال وذويهم، وأن التدخلات اللازمة في هذه الحالة يجب أن تغطي الجوانب الجسدية والاجتماعية والسلوكية وتكون متاحة وشاملة وداعمة، وأنه وعلى صعيد أنحاء العالم يعاني الأشخاص أصحاب اضطراب الطيف الذاتوي من التمييز، وانتهاك حقوق الإنسان، والوصمة أو الرفض الاجتماعي، كما أن وصولهم إلى الخدمات والدعم غير متاح بما فيه الكفاية. تعكس هذه الصورة مشهدا منتشرا عالميا، أي هناك الكثير من الأمهات اللواتي يحملن مخاوفك نفسها ويسعين نحو مساعدة أبنائهن، لكن سلوك الاتجاه الصحيح أمر ضروري ليس فقط لعلاج ابنك ودمجه في المجتمع، بل لحمايته من الإساءة أو الاعتداءات أيضا، فهناك قصص عديدة سُلّط عليها الضوء إعلاميا وقصص أخرى ظلت طي الكتمان لم نعرف عنها حتى الآن.

   

ففي تونس مثلا انتشر منذ عدة أشهر مقطع فيديو مسرب يؤكد تورط مديرة مركز توحد يقع قرب العاصمة تونس بتعذيب عدد من أطفال المركز، وقد أثارت المشاهد سخط المجتمع التونسي وكشفت عن أثر تهميش فئة أطفال التوحد في تعريضها للعنف الجسدي (9)، أما في الأردن فقد نشر موقع "بي بي سي" (BBC) (10) مقطع فيديو يظهر تعرض أطفال من ذوي الإعاقات داخل أحد مراكز رعاية المعاقين عقليا إلى اعتداءات مختلفة، وقد تنوعت هذه الاعتداءات بين الضرب، وتقييد الأطفال، وتعريضهم للحروق (التي يعتقد أنها لم تكن مجرد حادث) وحتى الاعتداءات الجنسية، وفي سياق منفصل عما كشفت عنه "بي بي سي" (BBC)، فقد نشرت إحدى العائلات السعودية التي أودعت ابنها المصاب باضطراب الطيف التوحدي أحد مراكز الرعاية في الأردن صورا تُظهر انتشار كدمات على وجه الطفل ورقبته، وانتشرت هذه القصة على منصة تويتر تحت وسم #حقك_حيرجعلك_ياعمر، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول ما يتعرض له أطفال الذاتوية هم وذووهم، ويفرض ضرورة تحرك الأهل من أجل مساعدة أطفالهم بأنفسهم.

      

  

من الطبيعي جدا أن تدفع مثل هذه القصص أمهات أطفال الذاتوية إلى تجنب زيارة مراكز الرعاية، أو حتى التأخر في عرض أبنائهن على المختصين، لكن وكما وضحنا في بداية هذا التقرير فإن سلوك الاتجاه الصحيح يبدأ بخطوة صحيحة أساسها التعليم والمعرفة الدقيقة التي يحصل عليها من مصادرها المتخصصة، سيتطلب الأمر كثيرا من الجهد والصبر لكنك لست وحدك في هذا الطريق، فهناك من سبقنك وبادرن بمساعدة أطفالهن ومد يد العون لأمثالهن من الأمهات، وهنا يأتي دور تواصلك وبناء علاقاتك مع هؤلاء الأمهات وهو كما أسلفنا أحد أجزاء تدخل الوالدين في العلاج، ونستعرض هنا قصة إحدى أمهات أطفال الذاتوية، التي تُعدّ مصدر إلهام لكثيرات غيرها، وهي السيدة فايزة الرويلي التي عملت في مجال الإعاقة لنحو عشرين عاما، لكن دورها في دعم أطفال الذاتوية بدأ منذ رُزقت بطفل ذاتوي.

  

لقد شكّل تشخيص طفلها بهذا الاضطراب مفاجأة لها، فرغم أنها تعمل في مجال الإعاقة فإن المجال حينها كان يفتقر إلى وسائل رعاية هؤلاء الأطفال، وتعبر عن شعورها حينها بقولها: "لم تتوفر لدينا التوعية، ولا الإرشاد، ولا حتى مراكز لتنير لي الطريق"، فقد ذهبت بابنها إلى أكثر من مركز صحي ولم تحصل إلا على الرفض، وهو ما دفعها إلى أخذ زمام المبادرة والبحث عن المعرفة بنفسها على الإنترنت وفي المواقع العربية والأجنبية المتخصصة، واستشارة متخصصين في التعامل مع حالته، بل وأسست مركزا متخصصا لعلاج أطفال الذاتوية (مركز براعم السمو التخصصي للتوحد) وذلك بهدف مساعدة ابنها وأبناء زميلاتها اللواتي يعانين من المشكلة نفسها، خصوصا مع قلة المراكز المتخصصة، وشح الموارد التثقيفية المتاحة، وحتى في وجود مراكز الرعاية النفسية والعقلية فإنها لم تكن مكانا مناسبا، فهي تمزج أطفالا ذوي إعاقات مختلفة مع بعضهم، بطبيعة الحال الأمر الذي لن يسهل حصول أي منهم على الرعاية اللازمة لتطوره وعلاجه، ومن منطلق تجربتها كأمّ تؤكد أنه "إذا كانت العائلة متعاونة ستكون النتائج باهرة، فكثير من الأمهات ليس لديهن الصبر، ويفضلن نقل أطفالهن أو إرسالهم إلى مراكز رعاية في دول أخرى"، ومن وجهة نظرها فإن علاج أطفال الذاتوية يعتمد على العائلة والمتخصصين كعنصرين رئيسيين لإنجاح العلاج، وإن "تأخر تشخيص هؤلاء الأطفال، خصوصا إذا كان الطفل هو الأول لأمه، سببه نقص الوعي، واعتبار حركته نوعا من الشقاوة"(11).

   

تختلف ردود فعل أفراد المجتمع تجاه أطفال اضطراب الطيف الذاتوي، إنهم يتعرضون لما يواجهه أصحاب الاضطرابات النفسية أو العقلية، لكن الأمر يتطلب وعيا كافيا بسمات هذا الاضطراب، واتخاذ خطوات صحيحة للتغلب عليه وتحويل مساره نحو أكثر الاتجاهات دعما للمصابين به، ليتمكنوا من مواصلة حياتهم في ظل جو يمدهم بما يحتاجون إليه من دعم ومساعدة وتعليم.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار