انضم إلينا
اغلاق
لماذا نسقط في فخ الإغراءات غير الأخلاقية؟

لماذا نسقط في فخ الإغراءات غير الأخلاقية؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

متى كانت آخر مرة تم إغواؤك -ولو لفترة وجيزة- لفعل أمرٍ غير أخلاقي؟ مثلاً: أن تكذب أو تخون ثقة أحد أصدقائك أو تقاطعه أو تأخذ أكثر من حصتك بقليل؟ أنا على استعدادٍ للمراهنة أن ذلك حصل اليوم، وربما خلال الساعة الماضية. تحيط بنا إغراءات أكبر أيضاً، لا سيما تلك التي تنطوي على الجنس أو المال. ومع ذلك -ربما إلى حدٍّ صادمٍ- غالباً ما نترفّع عن هذه الإغراءات والفتن ونتصرف أخلاقياً. ولكن كيف يؤثر الصراع الداخلي مع الإغراء على كيفية النظر إلى أعمالنا من قِبل الآخرين؟ من هو الشخص الأفضل، الشخص الذي يتصرف بأخلاقيةٍ بينما يتم إغواؤه أم الشخص الذي لا يتم إغوائه على الإطلاق؟

    

   

بشكلٍ عام، هناك جانبان من الفلسفة الأخلاقية التي تضع توقعات معاكسة حول أي نوعٍ من الأفعال ستُعتبَر أكثر أخلاقيةً. تتمثّل إحدى الادعاءات المرتبطة بأرسطو بأن الشخص الأخلاقي يريد بإخلاص أن يقوم بالفعل الصحيح ولن يُغوى أي جزءٍ منه للقيام بالتصرّف بشكل غير أخلاقي. أما الادعاء الآخر المرتبط بإيمانويل تمثّل في أن الفعل يكون أخلاقياً بحقٍ فقط إذا كان أمراً لا تريد القيام به. بطريقةٍ أخرى، إذا عمل المرء وفقاً لرغباته الخاصة فلا ينبغي اعتبار عمله أخلاقياً حتى ولو كانت النتيجة إيجابية. يتجادل هؤلاء الفلاسفة حول: أي الأعمال التي يجب أن نراها الأكثر أخلاقية؟ لكن أياً من هذه الآراء يجسد بشكل أفضل كيف يفكر الناس ويبررون الأخلاقية؟

 

للإجابة على هذا السؤال والكشف عن كيفية تفكير الناس في التغلّب على الإغراءات خلال حياتهم، قام فريقي - فريق كاتبة المقال؛ كريستينا ستارمانز وهي طالبة بحث ما بعد الدكتوراه في علم النفس في جامعة ييل - بحشد أكثر من 250 طفلاً تتراوح أعمارهم بين ثلاث وثماني سنوات، وحوالي 400 شخصاً بالغاً؛ طُلب من كل مشاركٍ أن ينظر في العديد من السيناريوهات الصديقة للطفل التي تصوّر شخصيتين كلاهما تصرفا أخلاقياً. على سبيل المثال، وصفت إحدى القصص طفلتين كسرت كلٌ منهما غرضاً من أغراض أمهاتهما، أخبرت كلتاهما والدتهما حقيقة ما فعلتاه. كانت إحداهما تميل إلى الكذب لتجنب العقاب - تم إغواؤها في داخلها لتكذب -  ولكنها قالت الصدق رغم أنها واجهت صعوبةً في ذلك. كان من السهل على الطفلة الأخرى قول الحقيقة فلم تكن تميل للكذب - لم تشعر بالإغواء داخلها - لأنها لم تكن قلقةً بشأن العقوبة. سألنا: أيّ من الاثنتين من رواة الحقيقة كانت أكثر إخلاصاً من الناحية الأخلاقية؟

 

لقد وجدنا اختلافاً تنموياً مذهلاً: فقد حكم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة وثمانية أعوامٍ أن الشخص الذي يقوم بالأمر الصائب دون أن يختبر رغبات غير أخلاقية؛ يتفوّق أخلاقياً على الشخص الذي يقوم بالفعل الصائب من خلال التغلّب على الرغبات المتضاربة؛ لكن البالغين كان لديهم إحساساً معاكساً. وجاءت هذه الأحكام عبر عدد من الإغراءات غير الأخلاقية المختلفة، بما في ذلك الكذب وعدم مساعدة الإخوة والإخلاف بالوعد. ظهروا سواء سألنا عن الشخصية التي يجب مكافأتها على تصرفاتها، أو أي شخصية كانت "جيدة أكثر"، أو أي شخصية من المرجح أن تتصرف أخلاقياً في المستقبل.

 

كان تفضيل البالغين للشخصية التي تعيش صراعاً داخلياً - مع الفتنة - مفاجئاً إلى حدٍ ما، لأن الكثير من الأبحاث السابقة وجدت أن البالغين يجدون أن النوايا والرغبات السلبية ملومة أخلاقياً. بالرغم من ذلك، فقد حددنا هنا الحالات التي يمنح فيها البالغون ائتماناً أخلاقياً للأشخاص الذين لديهم بعض الرغبات السلبية وليس فقط الرغبات الإيجابية. قد يكون السبب في ذلك أن البالغين يرون الرغبة في التصرف بشكل غير أخلاقي كمكوّن أساسي لما يجعل الفعل أخلاقياً حقاً بدلاً من مجرد عملٍ ممتعٍ صدف أن أحدث نتيجةً إيجابيةً -كما يفكّر إيمانويل كانت. من وجهة النظر هذه، فقط عندما نريد أن نكون سيئين، لدينا القدرة على اختيار الخير.

     

     

هناك بالطبع أنواع أخرى من الإغراءات غير الأخلاقية التي قد يحكم عليها البالغون بقسوةٍ بنفس قدر الأطفال. فمثلاً من غير المرجح أن يُنظَر إلى الشخص الذي يميل إلى التحرش بطفلٍ لكنه تغلّب على هذا الإغراء على أنه أخلاقي أكثر من الشخص الذي لم يمِل أبداً إلى الاعتداء على الطفل في المقام الأول. إن الكشف عن خصائص الإغراءات التي تؤدي إلى الثناء الأخلاقي وتلك التي تؤدي إلى الإدانة هو أمر ننظر إليه عن كثب في الدراسات المستمرة.

 

في الوقت نفسه، تشير نتائجنا حتى الآن إلى أن الأطفال يبدؤون بسيكولوجية أرسطو الأخلاقية حيث يحكمون على الأفراد الذين لا يتصارعون مع القرارات الأخلاقية -لا يوجد بداخلهم تناقض ناتج عن الميل إلى الفتن- أكثر أخلاقيةً من أولئك الذين يمتلكون صراعاً داخلياً مع الإغراءات. ولكن في وقت ما بعد سن الثامنة، ينتقلون إلى إطار يمثل نظرية إيمانويل كانت أكثر من أرسطو حيث يحكمون على قيمة الأعمال الأخلاقية وفقاً لمدى صعوبة الفعل بالنسبة للشخص الذي قام به.

إذاً… ما التغيّرات التي تحدث مع تقدمنا بالعمر؟

  

أحد الاحتمالات هو أن الأطفال يفتقرون إلى الخبرة المباشرة مع الصراع الداخلي. في البداية، يبدو هذا غريباً، فالأطفال بالتأكيد يسيئون التصرف بشكل متكرر، ولذلك قد يبدو أنهم يجب أن يختبروا إغراء التصرف بشكل غير أخلاقي طوال الوقت. ولكن قد لا يعاني الأطفال من الرغبة في أن يكونوا سيئين والرغبة في أن يكونوا جيدين في الوقت ذاته، وأن اكتساب الخبرة في هذا النوع من الداخلي الشخصي مع تقدمهم في العمر يساعدهم على تقديره، أو على الأقل على عدم إدانته في حالات أخرى. كما قد يعتبر تزايد تقدير قوة الإرادة نفسها عاملاّ ذا صلةٍ بهذا التغيّر.

   

   

في النهاية، من المثير للاهتمام أنه قد يكون الأطفال بطبيعتهم - وراثياً - يفضلون الأشخاص الذين لديهم نفس موحدة. ومع تقدمنا في السن نقدّر الفروق الدقيقة في الشخصية الأكثر تعقيداً والتي تسمح بدورها لكل من الإغواء والإرادة بالتغلب على هذه التعقيدات والتناقضات.

 

لذلك في المرة القادمة التي تجد نفسك فيها تعاني من الإغراءات غير الأخلاقية، استرخِ... قد يكسبك هذا الصراع الداخلي بعض المديح الإضافي من أصدقائك البالغين طالما أنك تفعل الأمر الصحيح في النهاية. على الجانب الآخر، سيحكم عليك أطفالك بقسوةٍ شديدةٍ!

------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار