انضم إلينا
اغلاق
العقلاني الأخير.. هل أسهمت أفكار فرويد في موت قداسة العقل؟

العقلاني الأخير.. هل أسهمت أفكار فرويد في موت قداسة العقل؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

  

كان القرنان السادس عشر والسابع عشر في أوروبا بمنزلة إعلان تاريخي عن بداية عصر جديد، عصر تم وصفه بأنه رحلة تخوضها الإنسانية تجاه الحرية المُطلقة، متسلحة بالعقل الإنساني الفلسفي والأخلاقي(1)، العقل الإنساني باعتباره نقطة النور التي أضاءت في أوروبا بعد القضاء على الهيمنة اللاهوتية التي سادت طوال القرون الوسطى، ولن تلبث إلا أن تضيء وتتسع حتى تقضي على كل الجهل والخرافات والفوضى التي سادت خلال العصور السابقة، ليتولى الإنسان لأول مرة مسؤولية عالمه الذي يعيش فيه بلورة أخلاقه وتنظيم المجتمع وخلق كافة معايير الحياة.

   

وبمثل هذا الاندفاع البطولي والتفاؤل التاريخي بدأت أوروبا جيلا بعد جيل تتخيّل تاريخها وصورتها، وهي تسير عبر مراحل طويلة؛ من ثورة إلى ثورة، ومن اكتشاف إلى اكتشاف، ومن توسع إلى توسع، فأوروبا الحديثة العقلانية هي مَسِيرة كبرى تخطو دائما إلى الأمام، في هذا المناخ الثقافي وُلد وعاش فرويد، حيث قضى غالبية حياته (1856-1939) في فيينا إحدى أهم عواصم الثقافة الأوروبية في العصر الحديث.

   

نشأ فرويد في عائلة فقيرة وكبيرة لأب مُتسلط وسط ثمانية أشقاء وإخوة آخرين غير أشقاء(2)، حيث كانت والدة فرويد هي الزوجة الثالثة لوالده جاكوب، ولذكائه الملحوظ مُنذ الصغر اهتمت عائلة فرويد به وتم تفضيله على بقية إخوته وضحى أبواه بالكثير في سبيل إتمام عملية تعليمه على الرغم من الفقر الذي عانت منه الأسرة فضلا عن كثرة عدد أفرادها، وبهذه الكيفية وعبر طريق مليء بالتضحيات استمر فرويد طالبا متفوقا ونابغا طوال حياته الدراسية، واحتل المرتبة الأولى عند التخرج في مرحلة التعليم الأساسي، وفي كلية الطب في جامعة فيينا، حيث تعرف إلى أحد أهم أساتذته كارل كلاوس ذي التوجهات التطورية الداروينية(3)، تخرج فرويد فيها -على عكس المُتوقع- بعد ثماني سنوات، رغم أن الدراسة تستغرق في الفترة الطبيعية أربع سنوات، وذلك لأن فرويد نفسه لم يكن مهتما في الحقيقة بالعلوم الطبية نفسها، بل انصب اهتمامه في مجال أكثر عمقا من مجرد كيفية العلاج الطبي البيولوجي للإنسان، كما سيكشف عنها في قابل سنين حياته.

         

فرويد (مواقع التواصل)

  

الذات الإنسانية العاقلة.. فخر الحداثة

فلسفيا، بدأت الحداثة الغربية مع رينييه ديكارت -الذي لُقب بأبي الفلسفة الحديثة- بالشك في كل شيء، في المعايير الدينية وفي النُظم الأخلاقية وفي وجود الإله وفي المادة وحتى في الوجود ذاته، إلا أن فعل الشك في حد ذاته أثبت وجود الأنا المفكرة أو الواعية التي قامت بالشك في كل شيء وطرحت سؤال الوجود، بالتالي أصبحت تلك القدرة على الشك وطرح الأسئلة هي إثبات وجود الأنا الواعية الأساسي، لتكون بذلك مصدر اليقين الأول في العالم العلماني العقلاني الحديث، وبالتبعية يسبق وجودها وجود أي معايير دينية أو أخلاقية أو طبيعية سابقة عليها مشكوكا في أمرها ومصدرها بالأساس تبعا للتقليد الفلسفي الديكارتي(4).

  

يُوضح الدكتور الطيب بو عزة(5) أنه في تأسيس أي فلسفة، أيًّا كان زمانها، كانت دائما تحتاج إلى تأسيس فلسفي للوجود، للدلالة على الوجود وتوليد برهان عقلي عليه ومن ثم الانتقال إلى تحديد واكتشاف طبيعة العلاقة مع هذا الوجود، مضيفا أن التأسيس الديكارتي للفلسفة الحديثة كان في جوهره إعلانا ثوريا بتشكيل رؤية جديدة كليا للعالم، اليقين الأول فيها هو الإنسان كذات واعية عقلانية ومُفكرة وسيدة هذا الوجود ودلالة حية ومستمرة عليه.

  

"أنا أشك.. إذًا أنا أفكر.. إذًا أنا موجود"

(رينييه ديكارت)

    

يضيف الدكتور محمد علي سبيلا(6) أن مفهوم الذات الإنسانية الواعية بدلالاته المختلفة "قد فرضته ومهّدت له الأحداث التاريخية الكبرى: الإصلاح الديني، والأنوار، والثورة الفرنسية. فمع الإصلاح البروتستاني لدى لوثر أصبح الإيمان الديني مرتبطا بالتفكير الشخصي، وكأن العالم القدسي قد أصبح واقعا مرتبطا بقرارنا الشخصي. فهذا الإصلاح قام على التأكيد على سيادة الذات العقلانية، وإبراز قدرتها على التمييز والاختيار باعتباره حقا من حقوقها، في حين كان الإيمان التقليدي قائما على ضرورة الاتباع والخضوع للقوة الآمرة للتراث والتقليد. كما أن الثورة الفرنسية وإعلان مبادئ حقوق الإنسان قد فرضت مبدأ حرية الاختيار، بمقابل الحق التاريخي المفروض، كقاعدة أساسية للدولة".

 

هكذا أصبح مبدأ الذات العاقلة أساسا فلسفيا ومصدر شرعية لكل أشكال المؤسسات والأنشطة الإنسانية، وسمة أساسية لكل أشكال الثقافة الحديثة .فالحق والأخلاق أصبحا قائمين على الإرادة الحالية الحاضرة للإنسان، في حين أنـها كانت من قبل مُدونة ومُملاة على الفرد. كما أصبحت الذات أساس المعرفة العلمية التي تكشف أسرار الطبيعة بقدر ما تحرر الذات العقلانية الواعية، فالطبيعة في تلك الرؤية الجديدة للعالم جُملة قوانين شفافة قابلة للفحص والمعرفة من طرف الذات. وعلى وجه العموم فإن الحياة الدينية، والدولة، والمجتمع، وصولا إلى العلم والأخلاق والفن والأيديولوجيات السياسية، بدت جميعا في تلك الفترة البطولية والثورية تجلٍّ للذات الإنسانية العاقلة وفاعليتها في التاريخ. هذا المبدأ الذي ظهر كمفهوم في الكوجيتو الديكارتي أو الوعي الذاتي المُطلق لدى كانط، أصبح هو الأساس لكل الثورات الحديثة وسيّد العالم الحديث.

 

ما الجوهري في الإنسان؟
كتاب  "دراسات في الهيستيريا" (مواقع التواصل)
   
في هذا المناخ الثقافي في كلية الطب جامعة فيينا كان فرويد الشاب يبحث عما يروي ظمأه المعرفي ويجيب عن الأسئلة التي تدور في رأسه في العلوم الطبية العضوية والعصبية، حيث اتجه فرويد في بادئ الأمر إلى دراسة علم الأعصاب بغرض فهم أكبر للسلوك الإنساني، بدأ فرويد خلال ذلك بمحاولة تحليل أمراض الجنون والهيستيريا ومحاولة الوقوف على أسبابها وطرق علاجها فقط ليكتشف عجز التشخيص العضوي لغالبية حالات المرضى، استمر فرويد يُدَوّن ملاحظاته ويسجل تجاربه مع المرضى ويُحللها، وفي الأخير تم تتويج تلك التجارب عام 1895 بنشر كتابه "دراسات في الهيستيريا"، الكتاب الذي مثّل ليس مجرد نقلة في علاج الأمراض العقلية والنفسية، أو حتى تأسيس لمجال التحليل النفسي كمجال معرفي وتحليلي جديد فحسب، بل يُعد بمنزلة اكتشاف تاريخي جذري لمساحة جديدة مُظلمة في تكوين الإنسان نفسه.

  

 "إن تقسيم الحياة البشرية إلى حياة نفسية واعية وحياة نفسية لا واعية يُشَكّل المُقدمة الكُبرى والأساسية في التحليل النفسي"

(سيغموند فرويد)

   

بدأ فرويد في ابتكار طرق جديدة غير عضوية في علاج الحالات والمرضى النفسيين، واحدة من أشهر الطرق التي ابتكرها كانت طريقة التداعِي الحُر(7)، حيث يضع فرويد المريض في وضعية خاصة ومريحة، تساعده في أن يسترسل في الأفكار والخواطر والكلام وكل ما يخطر بباله بشكل عفوي، ليدخل هنا فرويد كطبيب نفسي وعبر منهج علمي عقلاني في جَوْهره، لأول مرة داخل تلك المساحة النفسية الجديدة الخاصة داخل الإنسان، المساحة الخفية والإنسانية جدا التي غابت عن ديكارت وكانط وكل فلاسفة الأنوار والحداثة في القرون السابقة، وهي ما عرّفها فرويد بمفاهيم جديدة تحت تسميات اللاوعي أو اللاشعور(8)، ولتكتسب تلك المفاهيم أهمية متزايدة منذ ذلك التاريخ، ليُصبح مفهوم اللاوعي أو اللاشعور واحدا من أهم المفاهيم العلمية والفلسفية في العصر الحديث كله.

 

ما اكتشفه فرويد تحديدا خلال تجاربه وأبحاثه(9) أن لكل فرد هناك جزءا غير مُعلن وغير مُدرك في تكوين بناء شخصيته، يتم تشكيله بواسطة بعض الغرائز المكبوتة والعمليّات العقليّة والتصوّرات والأفكار والمشاعر والخبرات التي تنشأ لدى الفرد دون إدراك منه، ويختزنها عقله الباطن أو اللاوعي بالمصطلح العلمي الفرويدي، موضحا أن تلك المساحة تَخْتزن كل خبرات الطفولة وتجارب الحياة اليومية الهامشية والمُهمَلة والمَقموعة من قِبل الوعي نفسه أو من المجتمع الخارجي، بالإضافة إلى الغرائز التي أتى بها الإنسان إلى العالم، وتقبع فيها كل الصور البعيدة والذكريات المُؤلمة والمُخجلة والمَنسية عمدا من قِبل الوعي والذاكرة، وتكون هذه المساحة هي المسؤولة عن كل لحظات الإلهام والإبداع الفني والجمالي، وكذا لحظات العُنف غير المُبرر والهيستريا والغضب والانفعال الزائد عن الحد، فاللاوعي أو اللاشعور ليست مساحة ميّتة داخل الإنسان، بل هي في الأساس جمر على وشك الاشتعال بشكل دائم، ولا تلبث إلا أن تُعلن عن نفسها باستمرار مع انفعال أو مؤثر مفاجئ لتخترق وعي الإنسان وتحكمه الواعي في نفسه، بل تخترق وعيه حتى في المواقف العابرة اليومية وزلات اللسان العفوية.

  

مقدمة في التحليل النفسي (مواقع التواصل)

    

بعد فترة طويلة من حياته العلمية قضى فرويد أغلبها عاكفا على دراسة مساحات اللاوعي واللاشعور، أدرك حجم التحول الثوري التي ستُحدثه أبحاثه في المناخ الثقافي الأوروبي الحديث، لأنه إذا كانت الحداثة الغربية قد انطلقت من الشك في كل شيء إثباتا للأنا الواعية مع ديكارت، فإن فرويد وجّه ضربته للأنا الديكارتية الحداثية ذاتها، مصدر اليقين الوحيد في العالم العلماني الحديث، ففي كتابه "مقدمة في التحليل النفسي" يُعلن فرويد أنه قد وجّه الضربة القاضية للغرور والنرجسية العقلانية الإنسانية، قائلا: "خلال عدة قرون كبد العلم تكذيبين للأنانية الساذجة للوعي الإنساني، التكذيب الأول حين أظهر علم الفلك أن الأرض ليست مركز الكون.. التكذيب الثاني حين أظهر داروين وأتباعه أن الإنسان ينحدر من نفس المملكة الحيوانية وأنها سمة أصيلة في التكوين البيولوجي للإنسان.. وسيتم تكبيد تكذيب آخر نهائي وجذري إلى اعتداد الإنسان بذاته كمصدر للأخلاق والقيم بواسطة البحث السيكولوجي القائم في أيامنا هذه، الذي يُحاول أن يُظهر للأنا أنه ليس سيدا مطلقا في هذا العالم، وأنه المفروض عليه أن يكتفي، مسرورا، ببعض المعلومات النادرة والجزئية عما يجري خارج وَعيه".

 

العقلاني الأخير في المدينة

كما توقع فرويد فإن مفاهيم اللاشعور واللاوعي قلبت التصور الفلسفي للإنسان الذي بَنت عليه الحداثة سردياتها العلمية والسياسية والاجتماعية ومشروعها بالكامل من حيث هو كائن عاقل ذو وعي ذاتي مُطلق، فالوجدان واللاشعور واللاوعي والهوى كلها مكونات أصيلة في النفس البشرية تكتسح العقل والوعي، وتُعيد تشكيل الذاكرة والإدراك من دون تدخل واعٍ من الإنسان نفسه، وتوجه أفعاله وانحيازاته في الحياة من وراء حجاب. وهذا الجانب الوجداني يتخذ لنفسه قشرة رقيقة من الخطاب العقلاني، فالكثير من مواقف الإنسان في شتى مجالات الحياة من أكبرها إلى أتفه موقف فيها إن هي إلا مضامين لا شعورية غير واعية تتخذ لنفسها طلاء خطابيا من العقل، يُرضي بها الإنسان غروره وجهله الشديد بذاته.

 

"يكفي المثقف فخرا أن يقول: لقد عشت تمزقات عصري كُلها"

(برتولد بريخت، مسرحية حياة غاليليه)

  

على الرغم من الصرامة العلمية التي اتبعها فرويد كباحث، فإنه ظل طوال عمله النقدي للعقلانية الأوروبية مخلصا وابنا وفيا للتنوير الأوروبي، ففرويد -على حد تعبير إيريك فروم- الممثل العقلاني النقدي للتنوير، فهو حين يتعمق في الجوهر غير العقلاني في الإنسان، يُبشر ويُصر حتى أواخر حياته على أن الإنسان قادر بالمزيد من العلم وما توفر له من إمكانات عقلية على التقدم نحو مزيد من العقلنة والوضوح في السيطرة على ذاته وعلى العالم، معلنا(10) أن "الإنسان يستطيع أن يتجاوز لاعقلانيته ويضبطها، بقدر ما يستخدم عقله لاستشكاف غياهب عالمه الداخلي العميق الذي لا تسوده المعايير الاجتماعية، ولا المقاييس المنطقية، إن فهم اللاشعور وتسليط الضوء على محتوياته وأشكال ظهوره سيؤديان إلى مراقبته والتحكم فيه إلى حد كبير، وهو ما يشكل التحدي الرئيسي أمام العلم اليوم".

   

كانت حياة فرويد ومفارقاته النظرية انعكاسا لتمزقات عصره الأساسية، فقد رأى فرويد كيف أن العقلانية الأوروبية فقدت كل مكاسبها في النصف الأول من القرن العشرين

مواقع التواصل
   

هكذا نُلاحظ في مشروع فرويد امتزاج رؤيتين متنافرتين: العقلانية واللاعقلانية، تفاؤل الأنوار وكآبة الرومانسية، في كتابه "رسالة فرويد" يوضح إيريك فروم هذا الامتزاج بقوله: "إن فرويد يُعبِّر هُنا عن هدف ديني تبشيري تنويري هو الانتصار على الهوى بالعقل، وهذا الهدف له جذوره في البروتستانتية، وفي فلسفة التنوير وفي فلسفة ديكارت وسيبنوزا وكل الفلاسفة الإنسانيين الثوريين الكلاسيكيين الذين بشروا بسيادة العقل على العالم. أتت محاولة فرويد مختلفة، فهو هنا يحاول أن يسيطر على غير العقلاني داخل الإنسان نفسه، وبتحويله دفة حركة العقلنة إلى عقلنة وضبط للجوهر الإنساني مَثّل فرويد ذروة العقلانية الأوروبية، إلا أنه، وللمفارقة، في خضم أبحاثه وجّه ضربة قاتلة لتلك العقلانية لم تبرأ منها أبدا".

 

كانت حياة فرويد ومفارقاته النظرية انعكاسا لتمزقات عصره الأساسية، فقد رأى فرويد كيف أن العقلانية الأوروبية فقدت كل مكاسبها في النصف الأول من القرن العشرين، إن الحرب العالمية الأولى، وانتصار النازية والستالينية والفاشية التي التهمت أوروبا، والكساد الاقتصادي العالمي، وبداية الحرب العالمية الثانية، هي محطات تاريخية تشير إلى هزيمة العقل والعقلانية، لقد كان على فرويد كمثقف أوروبي أن يعيش تَمزقات عصره كاملة، وأن يكون مشروعة هو ذروة المفارقة للحداثة العقلانية الأوروبية، وكان مصيره المأساوي أن يُنهي حياته كزعيم أخير لحركة العقلانية الأوروبية التي حلمت بعالم يسوده العقل الإنساني، عندما كانت هذه الحركة تنال هزيمتها على يد أشد القوى معاداة للعقل والتنوير، ليشهد بنفسه على حقبة من الجنون الاجتماعي المتزايد وانتشار حروب ومذابح وجرائم إبادة لم يَشهد العالم لها مثيلا طوال تاريخه السحيق.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار