انضم إلينا
اغلاق
"حروب الكلمات".. هكذا تشعل وسائل الإعلام الأزمات وتحافظ على استمراريتها

"حروب الكلمات".. هكذا تشعل وسائل الإعلام الأزمات وتحافظ على استمراريتها

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض

شن الرئيس دونالد ترمب حربًا على الصحافة الأميركية منذ تنصيبه، وذلك من خلال رفض التقارير غير المواتية له باعتبارها "أخبارًا مزيفة"، ووصف وسائل الإعلام بأنها "عدوة الأميركيين". وكنوعٍ من التدبير المُضادّ، قامت صحيفة "واشنطن بوست" بالتحقق علانية من كل ادعاءٍ وصفه ترمب بأنه مزيف. كما قامت صحيفة "بوسطن غلوب" في أغسطس/آب، بتنسيق مقالاتٍ افتتاحية لصحف من كل أرجاء البلاد من أجل التصدي لهجمات ترمب على الصحافة. فيما وصفت وكالة الأنباء الأميركية "أسوشيتد برس" هذه الجهود بأنها بمثابة الإعلان عن "حرب كلامية" ضد ترمب.

       
قد تضع المؤسسات الإخبارية نفسها في خانة الطرف المُحاصَر في هذه "الحرب". لكن ماذا لو كانت تلك المؤسسات مُلامةً تمامًا مثلما يُلام الرئيس في هذا الصراع من الشد والجذب؟ وماذا لو كان القراء هم أيضًا مُلامون؟
  

وصف المُنظِّر الأدبي البلاغي والناقد الثقافي الراحل كينيث بورك -في مسودة غير منشورة بعنوان "حرب الكلمات"- وصف وسائل الإعلام بأنها وكيلة أو عميلة للحروب السياسية. وجدنا هذه المسودة ضمن أوراق بورك في عام 2012، وبعد تعاونٍ وثيقٍ مع عائلة بورك ودار نشر جامعة كاليفورنيا، سوف تُنشر في أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام 2018.

 
يحث بورك القراء في مقالته "حرب الكلمات" على الإقرار بالدور الذي يؤدونه هم أنفسهم في الحفاظ على استمرارية هذا الاستقطاب. ويشير إلى الكيفية التي تستطيع الجوانب عديمة الضَّرر ظاهريًا في قصة إخبارية أن تفضح وتهتك من خلالها فعليًا قيمًا قد يمتلكها بعض القراء، وهل ستناقش القضايا بمزيدٍ من التقصي، متوصلةً إلى نقاطِ توافقٍ في الأراء ومتجنبةً الحرب، في أفضل الأحوال؟.

      

  

كتابٌ ولد من رحم الحرب الباردة

في عام 1939 -قبل غزو أدولف هتلر لبولندا مباشرة- كتب بيرك مقالًا مؤثرًا بعنوان "الخطب الرنانة في حرب هتلر"، والتي عرض فيها بإيجاز الكيفية التي استخدم بها هتلر اللغة كسلاحٍ من أجل إثارة الكراهية، والتضحية باليهود وجعلهم كبش فداء، وتوحيد الشعب الألماني في مواجهة عدوٍّ مشترك.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد أن وجّه زعماء أميركا انتباههم نحو الاتحاد السوفيتي، رأى بورك بعض المطابقات بين الولايات المتحدة وهتلر من حيث الطريقة التي استخدمت بها اللغة كسلاح.
    
كان بورك قلقًا من أن الولايات المتحدة ربما ستظل في حالة الاستعداد لخوض الحرب دائمًا، ومن أن قرع طبول الخطب البلاغية الرنانة المعارضة والموجهة إلى الاتحاد السوفييتي؛ كان يجعل البلاد عرضة إلى الانزلاق في حرب أخرى. مُعذّبًا بهذه الاحتمالية، نشر بورك كتابين؛ الأول بعنوان "قواعد الدوافع اللغوية - A Grammar of Motives"، والثاني "خطاب الدوافع البلاغي - A Rhetoric of Motives"، اللذين سعى فيهما إلى تحصين الأميركيين من هذا النوع من الخطاب السياسي الذي -من وجهة نظره- يمكن أن يؤدي إلى كارثة نووية.

   
كان من المفترض أن تكون مقالة "حرب الكلمات" جزءًا من كتاب "خطاب الحوافز البلاغي" في الأصل. ولكن بورك قرر في اللحظة الأخيرة تنحيتها جانبًا ونشرها فيما بعد. لسوء الحظ، لم يتمكن أبدًا من نشرها قبل وفاته في عام 1993. فرضية "حرب الكلمات" بسيطة، ومن وجهة نظرنا، فهي مازالت قائمة اليوم: حربًا سياسيةً واسعة الانتشار، لا هوادة فيها وحتميّة. غالبًا ما تكون التغطية الإخبارية والتعقيبات عليها متحيزة، سواءً كان الصحفيون والقراء يدركون ذلك أم لا. لذلك فإن كل تغطية إعلامية تقتضي فحصًا دقيقًا.
    

بالنسبة إلى بورك، لا يتوجب عليك تدشين رسائل إعلامية اجتماعية رسمية حتى تُصبح مشاركًا في الحفاظ على استمرار بيئة سياسية مُستقطِبة. عوض ذلك، فإن الاستهلاك المعتدل المستقر من التقارير الإخبارية؛ سيكون كافيًا لتأدية الغرض.

    

كينيث بورك (مواقع التواصل )

  

اختر جانبًا

قد يظن معظم الناس أن محتوى التغطية الإعلامية هو العنصر الأكثر إقناعًا في العملية. فهم يفترضون أن "ما" يتم إعداد تقرير حولهُ يُعدّ أكثر أهميةً من "الكيفية" التي يتم إعداد التقرير بها. لكن وبحسب ما ذكره بورك في مقالته "حرب الكلمات"، فإن هذه الفرضية تؤدي دورها بشكلٍ عكسي: إذ غالبًا ما تكون صيغة الحجة أو الجدال هي العنصر الأكثر إقناعًا بها. يجاهد بورك من أجل توثيق الصيغ المتعددة التي يستخدمها كُتَّاب الأخبار في عملهم، ويسميها "أدوات الخطاب البلاغي الرنان".
     
يطلق على أحد هذه الأدوات اسم "استبصار العنوان الرئيسي"، والتي تشير إلى الكيفية التي يمكن من خلالها لعنوان مقال ما أن يشكل الجو العام، وأن يُؤطِّر ويصيغ القضية الجاري مناقشتها. لنأخذ ذلك على سبيل المثال، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالًا في 21 أغسطس/آب حول الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها لائحة اتهام مايكل كوهين على الانتخابات النصفية في عام 2018. كان نص العنوان الرئيسي كالآتي: "مع توريط كوهين لترمب، يقع مصير الرئاسة على كاهل الكونغرس".

  

في اليوم التالي، نشرت صحيفة التايمز مقالًا آخر حول نفس الموضوع مع العنوان التالي: "الجمهوريون يناشدون أصحاب المناصب المُحصّنين أن يعبروا علانية عن رأيهم حول ترمب". يسعى كلا العنوانين إلى مهاجمة الحزب الجمهوري. يعني العنوان الأول ضمنًا أن الحزب الجمهوري -لأنه صاحب الأغلبية في الكونغرس- هو المسؤول عن تطبيق العدالة؛ وأنهم إذا لم يوجهوا الاتهام إلى ترمب، فمن الواضح أنهم يقومون بحمايته من أجل صون سلطتهم السياسية.

     
مايكل كوهين (رويترز)
   
أما العنوان الثاني فربما يبدو أنَّه يحمل في طياته كيدًا أقل من الأول. ولكن فكِّر في الافتراض الذي يتضمنه: لا يحث الجمهوريون سوى المسؤولين المنتخبين "المتورطين في المشاكل" على انتقاد ترمب جهرًا. أي أنَّ توجيه أعضائه نحو انتقاد ترمب ليس نابعًا من مبدأ سياسي. لكنَّ الحزب يقوم بذلك لأنَّه يريد الحفاظ على الأغلبية التي يمتلكها، وحماية شاغلي المناصب المعرضين للخطر. يتمثَّل الادعاء الضمني في العنوان بأنَّ الحزب الجمهوري لا يُظهر الفضيلة السياسية إلا عندما تكون هناك حاجة إلى القضاء على التهديدات الموجهة نحو سلطته.
   

إذا كنت توافق صحيفة النيويورك تاميز الرأي، فلربما أثلجت جهودها في تصوير الحزب الجمهوري بالجبان الراغب في السلطة صدرك. أما إذا كنت تقف في صف الحزب الجمهوري، فإن الصحيفة قد أثارت على الأغلب اشمئزازك بسبب افتقاد صحفييها إلى النزاهة الأخلاقية. وفي كلتا الحالتين، نجد أنَّ هناك طرفين يقفان على النقيض من بعضهما البعض: تقف النيويورك تايمز على أحد الجانبين، في حين يقف الكونغرس ذو الأغلبية الجمهورية على الجانب الآخر.

 
"دعوة إلى حمل السلاح" كلاميًا

الحيلة الأخرى التي يستكشفها بورك هي حيلة تُسمى "الإذعان بعدوانية"، والتي تتضمن القبول بالنقد من أجل توظيفه لتحقيق المنفعة الخاصة. تظهر هذه الحيلة في مقالة رأي نشرها موقع فوكس نيوز في 22 أغسطس/آب 2018. يخلُص كاتب المقالة، جون فوند، إلى أنَّ اعتراف مايكل كوهين بأنَّه مذنب لن يؤدي "على الأرجح" إلى إدانة الرئيس ترمب.

    
     

ولدعم وجهة نظره، فقد استشهد الكاتب ببوب بور، وهو مستشار قانوني سابق للبيت الأبيض عمل لدى الرئيس باراك أوباما، وكان بور قد تحدث حول أنَّ الخروقات في تمويل الحملة الانتخابية ليست مهمة إلى هذا الحد، لكنها كانت تُستخدم على الرغم من ذلك كهراوة سياسية.

 

يقرُّ فوند بأنَّ اعتراف كوهين سوف يسيء إلى ترمب ويجعل الأمر أكثر صعوبة على مؤيديه، ما سيؤدي إلى مطالبتهم بـ "حمل الكثير من الأعباء الثقيلة عندما يحاولون الدفاع عنه". كما تعترف افتتاحية فوند بوجود هفوات بسيطة في قرارات ترمب - بالأخص فيما يتعلَّق بتوظيف كلٍّ من مايكل كوهين، وبول مانافورت، وأوماروسا مانيغولت نيومان. وبالتالي، أذعنت المقالة للانتقادات واسعة الانتشار التي تستهدف ترمب.

 

لكنَّ هذا الإقرار ليس دعوة لقبول المساءلة؛ بل هو دعوة إلى حمل السلاح. يقول فوند أخيرًا إنَّه إذا كان ترمب متهمًا، فلن يكون سبب توجيه الاتهام له هو كونه متورطًا في انتهاك قانون خطير، بل لأنَّ خصومه يسعون إلى النيل منه. وسواء وُجهت اتهامات لترمب أم لا، يبدو أنَّ فوند يقول إنَّه على مؤيدي ترمب أن يكونوا مستعدين للدخول في معركة سياسية ضارية عام 2020. ومرة أخرى، نجد طرفين يقفان على النقيض من بعضهما.

    
     
كيف ننجو من "الحرب الكلامية"

كتب بورك مرة حول كيف يُمكن للحيل الكلامية -مثل تلك التي نوقشت أعلاه- أن تُديم حالة الانقسام والاستقطاب. فقد كتب متحدثًا بهذا الشأن: "تخيَّل فقرة مبنية على مجموعة من التناقضات والمعارضات (نحن نقوم بهذا، لكنَّهم في المقابل يقومون بذاك - نحن نبقى هنا، لكنَّهم يذهبون إلى هناك - نحن ننظر نحو الأعلى، لكنَّهم ينظرون نحو الأسفل، إلخ)". وتابع: "حالما تفهم المنحى الذي تتخذه هذه الطريقة، سترى أنَّها تشجع على المشاركة بصرف النظر عن الموضوع محل النقاش… ستجد نفسك تتأرجح بين التناقضات المتتابعة، على الرغم من أنَّك قد لا تكون متفقًا مع المسألة المطروحة".

 

يسمي بورك هذه الظاهرة بـ "التوقع التعاوني" - تعاوني لأنه يشجعنا على تغيير اتجاهاتنا سويًا باستمرار، و"توقع" بسبب إمكانية التنبؤ بالحجة التي سيتخذها كلا الجانبين. تشجع هذه القابلية على التنبؤ القراء على تبني حجة ما دون مراعاة ما إذا كانوا يجدونها مقنعة. فهم ببساطة يتخذون مكانًا لهم في أحد الجانبين المتعارضين، ويوافقون على كلِّ شيء دون تفكير مطول. ووفقًا لبورك، إذا تلقيت الأخبار بإستكانة وإستسلام، وغيرت رأيك تبعًا للعناوين، في الوقت الذي ننتظر فيه الانتخابات النصفية، فإنَّ الانقسام السياسي سوف يصبح أشد.

 

ولكن إذا أصبحت واعيًا بكيفية نقل وسائل الإعلام للأخبار التي تتلقاها أنت، والتي تهدف إلى التأثير عليك وجعلك منحازًا إلى أحد الطرفين ببراعة، فمن المرجح أن تسعى للحصول على عدد أكبر من المصادر، وتصبح أكثر تأنيًا في تبني آرائك. وقد تلحظ ما تفتقده إحدى النقاشات، وتتنبه إلى الدافع الكامن وراء آراء وسائل الإعلام. ولكي يتجنب جميع القراء التورّط في النقاش المحتدم بين قوتين متعارضتين لا تتقدم أي منهما إلى الأمام، من المهم أن يجعلوا من وعيهم وإدراكهم لما يحدث أمرًا تمليه عليهم ضمائرهم.

  

------------------------

ترجمة:  فريق الترجمة

هذا التقرير مترجم عن The Conversation ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار