هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
متلازمة التعقيد.. أنا أعقد إذا أنا موجود

متلازمة التعقيد.. أنا أعقد إذا أنا موجود

Farnam Street

مدونة
  • ض
  • ض

الانحياز للتعقيد مغالطة منطقية تدفعنا إلى إعطاء مصداقية غير ضرورية للمفاهيم المعقدة. عند مواجهة فرضيتين متنافستين، من المرجح أن نختار الأكثر تعقيدا، وهو عادة الخيار الذي ينطوي على افتراضات وتحليلات أكثر. نتيجة لذلك، عندما نحتاج إلى حل مشكلة، قد نتجاهل الحلول البسيطة حيث نعتقد أن "ذلك لن ينجح أبدا"، ونُفضّل بدلا من ذلك الحلول المعقدة. لفهم الانحياز للتعقيد، نحتاج أولا إلى تحديد معنى ثلاثة مصطلحات رئيسية مرتبطة به: التعقيد، والبساطة، والفوضى.

  

من الصعب تحديد التعقيد عندما نُوضع أمامه فجأة، على الرغم من أن معظمنا يتعرف عليه عندما يراه. يعرّف قاموس كامبريدج التعقيد على أنه "حالة وجود العديد من الأجزاء وصعوبة فهمها أو العثور على إجابة لها". وهو تماما عكس تعريف البساطة والذي ينص على: "شيء يسهل فهمه أو فعله". أما الفوضى فتُعرَّف على أنها "حالة من الارتباك التام بدون نظام".

 

"الحياة بسيطة حقا، لكننا نُصِرُّ على جعلِها معقَّدة"

كونفوشيوس

 

تحتوي الأنظمة المعقدة على قطع مجزأة تتحد لتُشكّل مجموعة لا يمكن التنبؤ بها في كثير من الأحيان من خلال مكوناتها. لننظر إلى أنفسنا: البشر عبارة عن أنظمة معقدة. لقد خُلقنا من نحو مئة تريليون خلية، ومع ذلك نحن أكثر بكثير من مجرد خلايا مُجمَّعة. لن نتنبأ أبدا بما نحن عليه أو ماهيتنا بمجرد النظر في خلايانا.

   

   

إن الانحياز للتعقيد هو ميلنا إلى النظر في أمر سهل الفهم، أو النظر فيه عندما نكون في حالة من الارتباك، على أنه يشتمل على أجزاء كثيرة صعبة الفهم. وكثيرا ما نجد أن من الأسهل مواجهة مشكلة معقدة على مشكلة بسيطة.

 

قد يصرّ الشخص الذي يشعر بالتعب طيلة الوقت على أن يفحص طبيبه مستويات الحديد لديه، مع أنه يتجاهل حقيقة مفادها أنه يعاني حرمانا من النوم. قد يركّز شخص يعاني من صعوبات مالية على الجوانب التقنية لفاتورة هاتفه، بينما يتجاهل المبالغ الكبيرة التي يصرفها على السجائر. يُكثِر المسوِّقون من استخدام الانحياز للتعقيد، حيث يقومون بذلك عن طريق دمج لغة مُربِكة أو تفاصيل غير مهمة في تغليف المنتج أو النسخ المبيعة. معظم الأشخاص الذين يشترون صبغة شعر خالية من الأمونيا أو مرهم الوجه الذي "يحتوي على ببتيدات" لا يفهمون هذه المزاعم تماما. وغالبا ما تكون هذه المصطلحات غير ذات أهمية، ولكننا نراها ونتخيل أنها تعني منتجا أفضل من البدائل الأخرى. من منكم يعرف ما البروبيوتيك حقا وكيف تتفاعل مع الكائنات الحية الأخرى في الأمعاء؟

 

في الوقت نفسه، قد نرى التعقيد في الفوضى فقط. يظهر هذا الميل في أشكال عدة، مثل نظريات المؤامرة والخرافات والفولكلور والمغالطات المنطقية. التمييز بين التعقيد والفوضى ليس منطقيا؛ فعندما نتخيل أن شيئا ما فوضوي هو معقد، يبدو الأمر كما لو أنه يمتلك نظاما أو قابلية أعلى للتنبؤ عمّا يعدنا به. غير أنه في الواقع يفتقر إلى نظام حقيقي، والتنبؤ به في أحسن الأحوال صعب.

  

الانحياز للتعقيد مثير للاهتمام، لأن غالبية التحيّزات المعرفية تحدث من أجل توفير الطاقة العقلية. على سبيل المثال، يُمَكِّننا الانحياز التأكيدي [1] من تفادي الجهود المبذولة لتحديث معتقداتنا. نتمسك بآرائنا الحالية ونتجاهل المعلومات التي تتعارض معها. يُعَدّ انحياز التوافرية [2] وسيلة لتجنب الجهد المبذول بدراسة كل ما نعرفه عن موضوع ما [بحجة أننا نتوفر على معلومات حوله]. قد يبدو الأمر عكس ذلك، لكن الانحياز للتعقيد هو في الواقع اختزال معرفي آخر. باختيار الحلول المنيعة، فإننا نتفادى الحاجة إلى الفهم. في خياري المواجهة والفرار، يكون الانحياز للتعقيد هو الفرار. إنها وسيلة للابتعاد عن مشكلة أو مفهوم بوصفه أنه مربك للغاية. إذا كنت تعتقد أن شيئا ما أصعب مما هو عليه، فإنك تتنازل عن مسؤوليتك في فهمه.

   

   

"لا ينجح معظم العباقرة وخاصة القياديين من خلال تحليل التفاصيل المعقدة، بل باستغلال البساطة غير المعترف بها"

(آندي بينوا)

 

عند مواجهة الكثير من المعلومات حول موضوع أو مهمة معينة، نراها أكثر تعقيدا مما هي عليه. إن فهم الأساسيات في كثير من الأحيان سيوفر علينا جهدا ووقتا كبيرين. غالبا ما يجد مطورو البرامج أن 90% من تكويد المشروع يستغرق نحو نصف الوقت المخصص للتطوير، أما النسبة المئوية المتبقية (10%) تستغرق المرحلة الأخرى. لا تختلف الكتابة وأي نوع آخر من العمل الإبداعي عن هذا. عندما نستسلم للانحياز للتعقيد، فإننا نركز بشدة على العشرة في المئة الصعبة ونتجاهل التسعين في المئة السهلة.

 

ميولنا للتعقيد في الأبحاث

كشفت ورقة بحثية عام 1989 بعنوان "التفكير العقلاني في مهمتين: اكتشاف القواعد وتقييم الفرضيات" عن ميلنا المتأصل نحو التعقيد. وقام كل من هيلاري فاريس وراسل ريفلين بتقييم الموضوع. في إحدى الدراسات، طُلب من المبحوثين إنشاء قاعدة حسابية، استلموا مجموعة من ثلاثة أرقام (مثل 2، 4، 6) وحاولوا توليد فرضية عن طريق سؤال الشخص الذي يجري التجربة إذا ما كانت متواليات الأرقام الأخرى مطابقة للقاعدة. كتب فاريس وريفلين: "هذه المهمة مماثلة لتلك التي يواجهها العلماء، في عمل مادة التكوين الثلاثية كنقطة انطلاق، وفعل توليد هذه الثلاثية يعادل إجراء تجربة".

 

القاعدة الفعلية بسيطة: عدّد أي ثلاثة أرقام تصاعدية. كان يمكن للمشاركين ذِكْر أي أرقام مرتبة تصاعديا مثل: "1، 2، 3" أو "3، 7، 99" وكان ليكون الجواب صائبا. كان من السهل على المشاركين تخمين ذلك، لكن معظمهم لم يفعلوه، بل توصلوا إلى قواعد معقدة للتسلسلات في المقابل. هل يعني ذلك أن المشاركين كانوا أغبياء؟ على الإطلاق؛ كلنا نُظهِر السلوك الوهمي نفسه عندما نعتقد أنه يمكننا التأثير على الأنظمة الفوضوية أو البسيطة.

 

في بحث بورهوس سكينر المعروف حول تأثيرات المكافآت العشوائية على الحمام، وضع سكينر الحمام الجائع في أقفاص مجهزة بآلية تسليم عشوائية للأغذية. بمرور الوقت، اعتقد الحمام أن سلوكه يؤثر على توصيل الطعام. وصف سكينر هذا بأنه شكل من أشكال الوهم. طار أحد الطيور في دوائر عكس عقارب الساعة، ضرب آخر رأسه في زاوية القفص، وحرّكت طيور أخرى رؤوسها بطرق محددة. على الرغم من وجود بعض الجدل حول ما إذا كان مصطلح "الخرافة/الوهم" هو المصطلح المناسب لتطبيقه على الطيور، فإن أبحاث سكينر تلقي الضوء على ميل الإنسان إلى رؤية الأشياء على أنها أكثر تعقيدا مما هي عليه بالفعل.

   

 بورهوس سكينر (مواقع التواصل)

   

كتب سكينر في مقالة "الخرافة لدى الحمام" في مجلة علم النفس التجريبي: "يتصرف الطائر كما لو كان هناك علاقة سببية بين سلوكه وتقديم الطعام على الرغم من عدم وجود مثل هذه العلاقة. هناك العديد من المقارنات في السلوك البشري".

 

العالم من حولنا مكان فوضوي، لكن من النادر أن نراه بهذه الطريقة. في كتابه "العيش مع التعقيد"، يقدم دونالد نورمان وجهة نظر حول سبب حاجتنا إلى التعقيد: "نحن نسعى إلى حياة غنية ومرضية، ويسير الثراء والتعقيد جنبا إلى جنب. أغانينا وقصصنا وألعابنا وكتبنا المفضلة غنية ومرضية ومعقدة. نحن بحاجة إلى التعقيد حتى ونحن نتوق إلى البساطة، بعض التعقيد مرغوب. عندما تكون الأمور بسيطة للغاية، فإنها تعتبر أيضا مملة وهادئة. لقد أثبت علماء النفس أن الناس يفضلون مستوى معتدلا من التعقيد: البسيط للغاية يشعرنا بالملل، والمعقد للغاية يجعلنا في حيرة من أمرنا. علاوة على ذلك، المستوى المثالي للتعقيد كالهدف المتحرك، لأننا كلما أصبحنا خبيرين أكثر في أي موضوع، زاد تعقيدنا. هذا صحيح سواء كان الموضوع هو الموسيقى أو الفن أو القصص البوليسية أو الروايات التاريخية أو الهوايات أو الأفلام".

 

وكمثال على ذلك، يطلب نورمان من القراء أن يفكروا في التعقيد الذي نسقطه على الشاي والقهوة. يشرب معظم الناس في معظم الثقافات الشاي أو القهوة كل يوم، كلاهما مشروبان بسيطان مصنوعان من الماء وحبوب القهوة أو أوراق الشاي. ومع ذلك، فإننا نختار إحاطتهما بطقوس معقدة. حتى أولئك الذين لا يعتبرون أنفسهم خبراء في هذين المشروبين، تجد لديهم تفضيلات محددة. اعرض تقديم القهوة على غرفة مليئة بالناس، ويمكنك أن تكون على يقين من أن كل شخص يريدها بطريقة مختلفة.

 

تبدأ القهوة والشاي كبذور أو أوراق بسيطة يجب تجفيفها أو تحميصها وغليها بالماء لإنتاج النتيجة النهائية. من حيث المبدأ، يجب أن يكون من السهل صنع فنجان من القهوة أو الشاي. ببساطة دع حبوب القهوة المطحونة أو أوراق الشاي في الماء الساخن لفترة، ثم افصل القهوة وأوراق الشاي من المشروب. ولكن بالنسبة لخبراء القهوة أو الشاي، فإن البحث عن المذاق المثالي هو أمر قديم العهد. ما نوع حبوب القهوة؟ أي أوراق شاي؟ ما درجة حرارة الماء وكم من الوقت نضع القهوة أو الشاي في الماء؟ وما النسبة المناسبة من الماء للأوراق أو القهوة؟

 

كان البحث عن صانع القهوة أو الشاي المثالي موجودا مذ وُجِد المشروبَان نفسيهما. احتفالات الشاي معقدة بشكل خاص، مما يتطلب في بعض الأحيان سنوات من الدراسة لإتقان التعقيدات. كان لكل من الشاي والقهوة معركة مستمرة بين أولئك الذين يسعون للراحة وأولئك الذين يسعون إلى الكمال.

    

   

يمكن أن يعزز التعقيد بهذه الطريقة تمتّعنا بفنجان من الشاي أو القهوة. إن رمي بعض القهوة الفورية في الماء الساخن أمر يختلف عن اختيار حبوب القهوة المثالية وطحنها بأنفسنا وحساب كمية المياه المطلوبة واستخدام جهاز فاخر لصنعها. مسألة ما إذا كانت هذه الطقوس تجعل طعم القهوة أفضل أم لا غير متصل بالموضوع. المغزى هو الطقوس المحيطة المتقنة. مرة أخرى، نرى التعقيد على أنه أمر أفضل.

  

"البساطة فضيلة عظيمة ولكنها تتطلب عملا شاقا لتحقيقها والتعليم لتقديرها. أما التعقيد فهو الأمثل لزيادة الطين بلة"

إدسخر ديكسترا

  

مشكلة التعقيد

تخيل الشخص الذي يجلس في أحد الأيام يخطط لروتين صباح مفصّل بدافع من روتين الكتّاب المشهورين الذين قرأ عن تخطيطهم صباحهم المثالي. يقررون أنهم سوف يستيقظون في الساعة الخامسة صباحا، ويتأملون لمدة 15 دقيقة، ويشربون لترا من ماء الليمون أثناء الكتابة في المفكّرة، يقرأون خمسين صفحة، ثم يُعِدّون القهوة قبل التخطيط لبقية يومهم.

 

في اليوم التالي، بدأوا في هذا الروتين المعقد، يحاولون الالتزام به لفترة من الوقت. ربما ينجحون في البداية، لكن الإنتروبيا (العشوائية) سرعان ما تتوغل ويخرج الروتين عن مساره. في بعض الأحيان يستيقظون في وقت متأخر وليس لديهم الوقت الكافي للقراءة. لروتينهم المثالي المتصوَّر هناك العديد من الأجزاء المتحركة المختلفة، وينتهي سلوكهم الفعلي باختلاف اليوم، بناء على عوامل عشوائية.

 

الآن تخيل أن هذا الشخص هو في الواقع كاتب مشهور، يطلب طاقم الفيلم متابعته في "يوم عادي". في يوم التصوير، يستيقظ في السابعة صباحا ويدوّن بعض الأفكار ويصنع القهوة ويحضّر بيضا مقليا على الفطور ويقرأ بعض المقالات الإخبارية وما إلى ذلك. ذلك ليس روتينا، إنه مجرد فوضى الصباح على أساس السلوك التفاعلي. عندما يتم نشر الفيلم على الإنترنت، ينظر الناس إلى الصباح ويتخيلون أنهم يرون روتينا مخططا بشكل جيد بدلا من العشوائية في الحياة.

 

يوضح هذا السيناريو الافتراضي مشكلة التعقيد، فهو غير مستدام بدون جهد. كلما ازدادت الأجزاء المكونة للنظام، ازدادت فرصة انهياره. قال تشارلي منغر ذات مرة: "عندما يكون لديك تعقيد بطبيعتك يمكن أن تمتلك خدعا وأخطاء". يصعب إدارة أي نظام معقد سواء كان روتينا صباحيا أو عملا تجاريا أو حملة عسكرية. معالجة أحد الأجزاء المكونة يؤثر حتما على آخر، من المحتمل أن تحدث عواقب غير مقصودة وغير متوقعة.

   

تشارلي منغر (مواقع التواصل)

     

كما كتب دانيال كانيمان وأموس تفرسكي في عام 1974 في مقالتهما "الحكم في ظل عدم اليقين: الاستدلال والتحيز": "إن النظام المعقد مثل المفاعل النووي أو جسم الإنسان، سوف يتضرر إذا فشل أي من مكوناته الأساسية. وحتى عندما تكون احتمالية حدوث فشل في كل مكون طفيفة، فإن احتمال حدوث فشل شامل يمكن أن يكون مرتفعا إذا كان هناك العديد من العناصر المشاركة". هذا هو السبب في أن التعقيد أقل شيوعا مما نعتقد. لا يمكن استمراره بدون الصيانة المستمرة أو التنظيم الذاتي أو التكيّف، تميل الفوضى إلى إخفاء نفسها في ثياب التعقيد.

 

"البشر هم حيوانات تبحث عن الأنماط؛ إنه جزء من حمضنا النووي. ولهذا تحظى نظريات المؤامرة والآلهة بشعبية كبيرة، فنحن دائما نبحث عن التفسيرات الأوسع والأكبر للأشياء".

أدريان مكينتي

 

الانحياز للتعقيد ونظريات المؤامرة

يظهر موسيقي حافي القدمين بينما يعبر خط المشاة على غلاف ألبوم، ويقرر الناس أنه مات في حادث سيارة وتم استبداله بشبيه له (في إشارة إلى بول من فرقة البيتلز الغنائية). تبدو عيون سياسي غريبة بعض الشيء في صورة ضبابية، يستنتج الناس أنه حيوان زاحف متعطش للدماء يأخذ شكلا بشريا (نسبة إلى نظرية البرمائيات لديفيد آيك). تظهر الصورة شكلا غير واضح تحت مياه بحيرة اسكتلندية، المنطقة تفيض بسياح يحذوهم أمل مشاهدة مخلوق أسطوري على قيد الحياة (نسبة إلى وحش لوخ نيس). التكنولوجيا الجديدة تطغى على عقول الناس، فيذهبون للاستنتاج بأن الأمر محض برنامج حكومي للتحكم في العقل.

 

نظريات المؤامرة هي العرض النهائي لرغبتنا في العثور على التعقيد في العالم. نحن لا نريد أن نعترف بأن العالم إنتروبي، بأن حدوث الكوارث والفوضى هي حالتنا الطبيعية. فكرة أن القوى الخفية تحرّك حياتنا هي فكرة جذابة، تبدو عقلانية. لكن كما نعلم نحن أقل عقلانية ومنطقية بكثير مما نعتقد. وقد أظهرت الدراسات أن نسبة عالية من الناس يؤمنون بوجود نوع من المؤامرة؛ إنه ليس مفهوما هامشيا. ووفقا لأبحاث أجراها جوزيف أوسينسكي وجوزيف بارنت، فإن نحو ثلث الأميركيين يؤمنون بنظرية أن شهادة ميلاد باراك أوباما مزيفة. وهناك أعداد مماثلة مقتنعة بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كانت بمنزلة وظيفة داخلية نظمها جورج بوش. معتقدات كتلك موجودة لدى جميع أنواع الناس، بغض النظر عن الطبقة أو السن أو الجنس أو العرق أو الوضع الاجتماعي الاقتصادي أو المهنة أو المستوى التعليمي.

 

نظريات المؤامرة هي دائما أكثر تعقيدا بكثير من الواقع. على الرغم من أن التعليم يقلل من فرص إيمان شخص ما بنظريات المؤامرة، فإن واحدا من كل خمسة أميركيين حاصلين على درجات جامعية ما زالوا يؤمنون بمعتقدات تآمرية.

   

   

ووجد أوسينسكي وبارينت أنه مثلما أدّى عدم اليقين إلى جعل حمام سكينر يرى التعقيد حيثما كانت العشوائية موجودة فقط، فإن الشعور بفقدان السيطرة على العالم من حولنا يزيد من احتمال إيماننا بنظريات المؤامرة. في مواجهة الكوارث الطبيعية وعدم الاستقرار السياسي أو الاقتصادي، نحن أكثر عرضة لتلفيق التفسيرات المفصلة. في مواجهة الأحداث المروعة والفوضوية مثل إعصار كاترينا، يقرر الكثير من الناس أن منظمات سرية هي المسؤولة عن ذلك.

 

لنأخذ مثالا نظرية المؤامرة "بول مكارتني ميت". منذ ستينيات القرن الماضي، اعتقد عدد كبير من الناس أن مكارتني توفي في حادث سيارة وتم استبداله بشبيه له، وعادة ما يُقال إنه رجل اسكتلندي يُدعى وليام كامبل. بطبيعة الحال، أعلن مؤيدو نظرية المؤامرة بأن فرقة البيتلز أرادت أن يعرف معظم معجبيها المخلصين بذلك، فقاموا بدس تلميحات على ذلك في الأغاني وأغلفة الألبومات.

 

تبرز المعتقدات المحيطة بألبوم "Abbey Road" بشكل خاص الرغبة في تحديد التعقيد في العشوائية والفوضى. تقف سيارة الشرطة في الخلفية تحية للضباط الذين ساعدوا في تغطية الحادث. كُتِب على لوحة ترخيص السيارة "LMW 28IF" في إشارة إلى عمر مكارتني (28 عاما) لو كان حيًّا. وأصبحت الأمور أكثر تعقيدا عندما سمعت فرقة البيتلز عن النظرية وبدأت في وضع "الألغاز والدلائل" عن قصد في موسيقاهم. وتمتاز أغنية "I’m So Tired" بوجود تمتمة حول موت مكارتني المفترض فيما لو سُمعت الأغنيةُ بالمقلوب. من المؤكد أن الستينيات كانت فترة مضطربة، فهل من المستغرب أن يسحر العشرات من الناس بصورة الألبوم أو يشغّلوا الشريط الغنائي بالمقلوب بحثا عن أدلة مؤامرة معقدة خفية؟ كما كتب هنري لويس غيتس جونيور: "نظريات المؤامرة هي أداة شديدة الإغراء لتوفير الجهد في وجه التعقيد".

 

الانحياز للتعقيد واللغة

في مرحلة ما، نمتلك جميعا محادثة مع شخص يتحدث مثل الفيلسوف تيودور أدورنو الذي قال: أستخدم اللغة الاصطلاحية باستمرار والمصطلحات التقنية حتى عندما توجد مرادفات أبسط وأنسب كليا[1] . لقد سمعنا أناسا يقولون أشياء لا نفهمها، لكننا لا نشكّك فيها خوفا من أن نظهر أغبياء. تُعَدّ اللغة الاصطلاحية مثالا على مدى تأثير الانحياز للتعقيد على تواصلنا واستخدامنا للغة. عندما نستخدم المصطلحات -خاصة خارج السياق- فإننا نضع حواجز دلالية غير ضرورية تقلل من فرص تحدّي شخص ما لنا أو دحض كلامنا.

   

 الفيلسوف تيودور أدورنو (مواقع التواصل)

  

في مقال نشرته صحيفة الغارديان، يصف جيمس جينغل عمله في ترجمة المصطلحات العلمية إلى لغة إنجليزية بسيطة ومفهومة كالتالي: "الأمر بسيط للغاية؛ الخطوة الأولى هي التخلص من اللغة التقنية. عندما أبدأ العمل على تنقيح جزء من العلوم الخام إلى شيء ممتع أكثر، أستخدمُ مقولة دافيد دوبس كمبدأ إرشادي: ’تقفي أثر المصطلحات مثل المرتزق الذي تمتلكه ثم تقتله‘. أُصفّي الاختصارات بنزع أحشائها اللاتينية واليونانية وأمنحها امتياز القتل الرحيم، أُجري عملية جراحية كاملة على هذه المصطلحات حتى تبقى فقط العناصر الأكثر سهولة وفهما".

  

يمكن أن تكون اللغة الاصطلاحية مفيدة للناس كاختصار لتوصيل المفاهيم المعقدة، ولكنها محدودة للغاية، فهي لا تعمل إلا عندما يعرف جميع الأطراف المعنيين شفرة هذا المصطلح. لا يهم مدى إجادتك كتابة النثر بمخيّلة مثيرة للعواطف وتشبيهات محنّكة، يجب أن تتبنى مصطلحات بسيطة، قد يكون ذلك أمرا بديهيا، لكنه يستحق التأكيد عليه لتوصيل الفكرة إلى جمهور واسع غير متخصص.

 

ذكر جينغل أن أكثر العلماء ذكاء يناضلون من أجل التفريق بين التفكير والتحدث والكتابة كعلماء، والتفكير كشخص لديه أدنى قدر من المعرفة العلمية. إن اللغة المعقدة بلا داع ليست مصدر إزعاج فحسب، بل إنها ضارة تماما. استخدام اللغة الاصطلاحية في مجالات مثل السياسة والاقتصاد يُلحق ضررا حقيقيا؛ حيث يشعر الناس من دون المعرفة اللازمة لفهم أمر ما بالغربة وأنهم مستثنون من المحادثات المهمة. إن اللغة الاصطلاحية تقود الناس إلى الإيمان بأنهم ليسوا أذكياء بما يكفي لفهم السياسة، أو أنهم غير متعلمين بما فيه الكفاية لفهم الاقتصاد. عندما يتحدث أحد السياسيين عن المواثيق المالية أو قياسات النمو الاقتصادي الربع سنوية في بيان عام، فإنه يرسل رسالة واضحة إلى أعداد كبيرة من الناس الذين ستُشكَّل حياتهم من خلال قراراته: لا يتعلق الأمر بك.

 

الانحياز للتعقيد هو قضية خطيرة في السياسة؛ بالنسبة للجمهور، يمكن أن تكون اللغة المعقدة وسيلة لتقليل الانتقادات. يصعب في نهاية المطاف الخلاف على شيء لا تفهمه حقا. يعتبر جينغل أن اللغة الاصطلاحية تشكل تهديدا للديمقراطية: ما لم نتمكّن من فهم كامل للقرارات التي تتخذها الحكومة عنا ومن أجلنا، لن نتمكن من التمرد أو التصرف بطريقة فعالة. نعم، نتحمل مسؤولية تثقيف أنفسنا بشكل أكبر بشأن القضايا الكبرى، ولكنني أعتقد أيضا أنه من المهم أن يحاول السياسيون والصحفيون تقريب الفكرة لنا وتوضيحها.

   

   

يُعتبَر الاقتصاد والقرارات الاقتصادية أكثر أهمية من أي وقت مضى الآن. لذا ينبغي لنا أن نناشد صحافيينا وسياسيينا أن يكتبوا ويتحدثوا إلينا بوضوح، الديمقراطية تعتمد عليهم. كتب جورج أورويل في مقالته "السياسة واللغة الإنجليزية": "إن الخطاب والكتابة السياسيين في عصرنا هذا هما إلى حد كبير دفاع عمّا يتعذّر توضيح أسبابه. وهكذا، يجب أن تتكوّن اللغة السياسية إلى حد كبير من التعبيرات التلطيفيّة والتماس السؤال والغموض الشديد الضبابي. تقصف القرى التي لا حول لها من الجو، وينزح سكانها إلى الريف، وتطلق النار على الماشية، وتحترق الأكواخ، ويطلق على ذلك اسم ’التهدئة‘. يسلب ملايين الفلاحين مزارعهم ويتركون بلا دعم ولا مأوى: و يسمى نقل السكان (أحد أشكال التهجير القسري) أو تصحيح الحدود. يسجن الناس لسنوات دون محاكمة أو يرسلون للموت في معسكرات خشبية في القطب الشمالي: و يسمى هذا استئصال العناصر المشبوهة.

 

مثال على المشاكل مع اللغة الاصطلاحية هي قضية سوكال. في عام 1996، قدم آلان سوكال (أستاذ الفيزياء) ورقة علمية مفبركة بعنوان "تجاوز الحدود: نحو تأويل تحويلي للجاذبية الكمية". لم يكن للورقة أي علاقة على الإطلاق بالواقع، وجادل بأن الجاذبية الكمية هي بنية اجتماعية ولغوية. ومع ذلك، نُشِرت الورقة في مجلة محترمة. تألّفت ورقة سوكال من ادعاءات معقدة لا معنى لها جوهريا، كما في الفقرة التالية:

  

"ثانيا، تفكك علوم ما بعد الحداثة وتفرق الفروق الميتافيزيقية الديكارتية بين الجنس البشري والطبيعة والراصد والمرصود والفاعل والمفعول به. في وقت سابق من هذا القرن، حطّمت الميكانيكا الكمية بالفعل الإيمان النيوتني العبقري في عالم موضوعي ما قبل لغوي للأشياء المادية ’الموجودة‘. لم يعد بإمكاننا أن نسأل، كما قال هايزنبرغ، ما إذا كانت ’الجسيمات موجودة في الفضاء والزمن بموضوعية‘".

  

للغة الاصطلاحية مكانها، وهي في سياقات محددة مهمة للغاية. ولكنها تعدّ في التواصل اليومي علامة على أننا نرغب في أن نظهر معقدين وبالتالي أكثر ذكاء. أكد المفكّرون الكبار على مر العصور على أهمية استخدام لغة بسيطة لنقل الأفكار المعقدة. العديد من المفكرين القدماء الذين ما زلنا نشير إلى أعمالهم اليوم -أناس مثل أفلاطون وسينيكا وبوذا- كانوا معروفين بتواصلهم المباشر وقدرتهم على نقل حكمة عظيمة في بضع كلمات.

 

"أي أحمق ذكي يمكن أن يجعل الأشياء أكبر وأكثر تعقيدا وأكثر عنفا. يتطلّب الأمر لمسة من العبقرية والكثير من الشجاعة للمضي في الاتجاه المعاكس"

(إرنست شوماخر)

    

كيف يمكننا التغلب على الانحياز للتعقيد؟

الأداة الأكثر فاعلية لدينا للتغلب على الانحياز للتعقيد هي نصل أوكام، المعروف أيضا باسم مبدأ البخل، وهذا هو مبدأ حل المشكلة المستخدم للقضاء على الخيارات غير المحتملة في حالة معينة. يقترح نصل أوكام أن أبسط حل أو تفسير هو الحل الصحيح. عندما لا تتوفر لدينا أدلة تجريبية كافية لدحض فرضية، يجب أن نتجنب افتراض فرضيات غير صحيحة أو أن نضيف تعقيدات لا لزوم لها حتى نتمكّن من اتخاذ قرارات سريعة أو إثبات الحقائق.

    

   

من النقاط المهمة التي يجب ملاحظتها أن نصل أوكام لا يشير إلى أن أبسط فرضية هي الفرضية الصحيحة، ولكنه يشير إلى أنها الخيار الأفضل قبل تشييد الدليل التجريبي، كما أنه مفيد في الحالات التي يصعب أو يستحيل فيها جمع البيانات التجريبية. في حين أن الانحياز للتعقيد يقودنا نحو التفسيرات والمفاهيم المعقدة، فإن نصل أوكام يمكن أن يساعدنا على التخلّص من الافتراضات والبحث عن المفاهيم التأسيسية.

 

بالعودة إلى حمام سكينر، لو كانوا يعرفون نصل أوكام، لكانوا قد أدركوا أن هناك احتمالين رئيسيين:

1- يؤثر سلوكهم على توصيل الطعام.

2- سلوكهم غير ذي صلة لأن توصيل الطعام عشوائي أو حسب جدول زمني محدد.

  

باستخدام ماكينة نصل أوكام، فإن الحمام الذي كان يدور في حلقات، قد أدرك أن الفرضية الأولى تتضمن العديد من الافتراضات، بما في ذلك:

-  هناك سلوك معين ينبغي أن ينفذوه لتلَقّي الطعام.

-  يمكن لآلية التسليم استشعار شيء ما عندما تنفذ هذا السلوك.

-  يختلف السلوك المطلوب عن السلوكيات التي عادة ما تمنحهم إمكانية الوصول إلى الطعام.

-   آلية التسليم متّسقة.

 

وهلم جرا. سوف يُملي نصل أوكام ذلك لأن الفرضية الثانية هي الأبسط، لأنها تنطوي على أقل الافتراضات، فمن الأرجح أنها الصحيح. الكثير من العباقرة جيدون حقا في القضاء على التعقيد غير الضروري. على سبيل المثال، أينشتاين كان بارعا في غربلة الضروري من غير الضروري، وستيف جوبز كان كذلك أيضا.

---------------------------------------------------

هوامش:

[1] الانحياز التأكيدي: هو الميل للبحث عن المعلومات وتفسيرها وتذكُّرها بطريقة تتوافق مع معتقدات وافتراضات الفرد، بينما لا يولي انتباها مماثلا للمعلومات المناقضة لها. وهو نوع من الانحياز المعرفي والخطأ في الاستقراء. يُظهر الأشخاص هذا الانحياز عندما يجمعون أو يتذكّرون المعلومات بشكل انتقائي، أو عندما يفسّرونها بطريقة متحيّزة.

  

[2] الانحياز التوافري: يتبلور هذا الانحياز حينما نبالغ في تقدير المعلومات المتاحة لنا دون الاكتراث بمدى واقعيتها أو منطقيتها. فمثلا تجد المدخن يقول إن التدخين لا يضر بالصحة ويدافع بشدة لأنه يعرف أحدا كان يدخن ثلاث عبوات يوميا وعاش طويلا بصحة جيدة.

----------------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: Farnam Street ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار