انضم إلينا
اغلاق
السخاء الكاذب.. كيف دمرت الرأسمالية مفهوم الخير؟

السخاء الكاذب.. كيف دمرت الرأسمالية مفهوم الخير؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

من الشخص الأكثر سخاءً في عالمنا اليوم؟ اسأل الناس في الغرب، وربما يكون الجواب الأكثر شيوعاً هو بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت. وذلك لسبب وجيه، أيضاً. وفقاً للموقع الأمريكي الإخباري المتخصص بالقطاع المالي والاقتصادي "بيزنيس إنسايدر" Business Insider في تصنيف لأكثر عشرين شخصية سخية في العالم لعام 2015، يتربع غيتس على رأس القائمة مع تبرعات بقيمة 27 مليار دولار على مرّ حياته. لكن هل غيتس شخص كريم حقاً؟ يبدو هذا السؤال سخيفاً؛ ماذا يمكن أن يُطلَب منه أكثر من ذلك؟

 

ومع ذلك، فإن الفضائل -مثل السخاء- معقدة؛ إذ تنطوي على أكثر من مجرد سلوك خارجي موجّه نحو الآخرين، فالأفكار والمشاعر والدوافع الكامنة في الشخص مهمة أيضاً. إذا لم تكن تلك الأخيرة في حالة جيدة، فلا يمكن للمرء أن يكون مؤهلا لوصفه بالسخاء. وينطبق الشيء نفسه على فضائل أخرى مثل التعاطف والتواضع والمغفرة.

 

إذاً ماذا يتضمن إلى جانب التبرع المستمر بالمال والوقت والموارد حتى يكون المرء كريماً؟ لا بد أنه لدى الفلاسفة الكثير ليقولوه للإجابة على هذا السؤال لا سيما في ضوء انفجار العمل على الفضيلة والشخصية في العقود الأخيرة. ولكنهم في الواقع لم يفعلوا ذلك؛ فالسخاء فضيلة مهملة في البحث الأكاديمي بشكل عام، وفي الفلسفة بشكل خاص. كان هناك عدد قليل جداً من المقالات حول السخاء في مجلات الفلسفة الرئيسية منذ عام 1975.

      

    

لذلك، دعونا نسبر غور هذا الموضوع بمفردنا. أريد أن أقترح ثلاثة متطلبات علينا الوفاء بها للتأهل كأشخاص سخيّين. ولا داعي للقول أن هناك متطلبات أخرى لكني أجد هذه الثلاثة مثيرة للاهتمام ومثيرة للجدل بشكل خاص. يأتي ضمن أول هذه المتطلبات التبرع بشيء ذي قيمة بالنسبة لك. خذ بعين الاعتبار المثال التالي:

 فقد جونز اهتمامه بالأقراص المدمجة في سيارته، إذ تراكم الغبار عليها فهو لم يشغّلها منذ سنوات. في أحد الأيام، يصادف أن يمر بجانب مركز جمع النوايا الحسنة، فيقرر أنه سيكون من الرائع التخلص منها، لذا يضعهم في المركز.

  

لا أريد أن أنتقد ما فعله جونز، إنه أمر جدير بالثناء، ويمكن للنوايا الحسنة أن تضع هذا التبرع في صالح الاستخدام. لكن هل تبرّعه سخي؟ أميل إلى قول لا. إذا كان جونز لا يزال متعلقاً بالأقراص المدمجة ويعتقد أن التبرع بها يمكن أن يحقق بعض الخير في العالم، فإن ذلك سيكون سخاءً منه؛ لكنه خسر كل التعلق بها منذ سنوات. عند التصرف بسخاء، يعطي الشخص شيئًا ذا قيمة بالنسبة له أو شيئاً يهتم لأمره، حتى ولو كان بدرجة بسيطة. أما المتطلب التالي فهو عدم تركيز المرء على ذاته. هنا مثال آخر:

لطالما تبرعت أماندا لمختلف الجمعيات الخيرية لعدة سنوات، واليوم تتلقى جائزة للخدمات المقدمة للمجتمع من أجل أعمالها الخيرية. على الرغم من أنها أبقت هذا الأمر سراً عن الآخرين، إلا أن ما دفعها لتقديم هذه التبرعات كان دائماً بداعي الشهرة والتقدير.

 

مجدداً، يمكننا أن نتفق على أن العالم أصبح مكاناً أفضل لأن أماندا تبرعت مرات عديدة. الحمد لله أنها ساعدت الناس على مر السنين، بدلاً من عدمه. ومع ذلك، في هذا الموقف أيضاً لا نجد تعبيراً عن السخاء؛ وينطبق الشيء نفسه إذا كان دافعها هو الحصول على خصومات ضريبية أو الحصول على مكافآت في الحياة الآخرة أو استرضاء تأنيب الضمير. ما تشترك فيه كل هذه الأمور هو أنها تعبّر عن تركيز المرء على ذاته. إن الشخص الذي يتبرع بأمواله أو وقته لهذه الأسباب لا يهتم في النهاية إلا بنفسه وليس بأولئك الذين سيساعدهم هذا التبرع.

    

  

لذا فإن الشرط الثاني يتمثّل في أن دوافع الشخص السخي للتبرع يجب أن تكون في المقام الأول قائمة على الإيثار، أو الاهتمام بصالح وسعادة أولئك الذين سيتم مساعدتهم، بغض النظر عما إذا كان المتبرع سيستفيد في هذه العملية أم لا. إذا امتاز بذلك فإنه رائع! ولكن إذا لم يفعل ذلك فإنه جيد أيضاً. فاستفادة الشخص المتبرع ليست الهدف. لاحظ أنني قلت آنفاً أن الإيثار يجب ان يكون الدافع "في المقام الأول"؛ فقد يتواجد في نفس المرء بعض أسباب للمنفعة الذاتية أيضاً، لكن الأفضل أن تكون دوافع الإيثار أكثر قوة.

 

إذا كان هذا في الاتجاه الصحيح، فإنه يثير سؤالاً صعباً حول وجود السخاء بحد ذاته. لنفترض أنه لا يوجد شيء اسمه دافع الإيثار. ربما كل ما نقوم به يهدف فقط لمنفعتنا الذاتية، سوف يعني ذلك أنه لا يوجد سخاء. لحسن الحظ، فإن الأبحاث في علم النفس تشير إلى خلاف ذلك. يعود الشكر بشكل خاص إلى العمل الرائد الذي قام به سي دانيال باتسون من جامعة كنساس، فمن خلال عمله لدينا سبب وجيه للإيمان بوجود دافع الإيثار. من المثير للاهتمام أن هذا يحدث بطريقة واحدة فقط -على حد علمنا- من خلال التعاطف. لقد وجد باتسون أنه إذا كنت تتعاطف مع معاناة أشخاص آخرين، فستكون على الأرجح قادراً على مساعدتهم، وهناك فرصة جيدة لأن يكون دافعك إيثاريّ.

 

هكذا يبقى السخاء منتشراً بين البشرية، ولكن يبدو أنه يتطلب أولاً حالة ذهنية متعاطفة. هذا هو السبب في أن الشرط الثالث والأخير الذي أود ذكره هنا يتعدى ذلك. يمكن توضيح ذلك من خلال المثال التالي: أنهى البروفيسور سميث لتوه لقاء مع إحدى الطالبات حول ورقتها البحثية. عندما تغادر الطالبة، تقول: "شكراً لك على تخصيص وقت للاجتماع بي".

     

   

يرد سميث بنبرة جدية تماماً: "لا تقلقي بشأن ذلك، أنا فقط أقوم بعملي. يُطلب من الأساتذة مقابلة الطلاب إذا كانت ساعات العمل غير متوافقة مع جداولهم. أراكي غداً في الصف". ثم يغلق الباب. مرة أخرى، سوف أقول أنه مثيراً للإعجاب أن يجتمع بها، لكن لن أصف ذلك بالسخاء.

  

الأعمال السخية هي هدايا، والهدايا ليست إلزامية مطلقاًا. يتم إعطاء الهدايا بحرّية ، ولا يُلام المرء إذا لم يقدمها. ومن هنا نتصرف بجوهر السخاء، إذ نعطي عندما -وعندما فقط!- نعتقد أن لدينا الحرية الأخلاقية للقيام بذلك. نذهب إلى أبعد من أداء ما يقتضيه الواجب. إذاً هل غيتس سخي؟ لا أستطيع الإجابة عن ذلك. يبدو كذلك بالتأكيد، لكني لا أعرف قصته بشكل جيد بما فيه الكفاية. مع ذلك، بشكل عام عندما تحاول معرفة مدى سخاء أحد الأشخاص، إليك بعض الأدلة التي يمكنك البحث عنها:

   

  • هل هناك دليل على أن الهدية كانت مهمة للشخص الذي أهداها، حيث كانت تعني له شيئاً بطريقة ما؟
  • هل يميل الشخص إلى العطاء حتى عندما لا يتم أخذ المكافآت الخارجية -مثل الدعاية أو المزايا الضريبية- في الحسبان؟
  • هل يبدو أن تبرع الشخص نابع من شعور بالالتزام، أم أن هذه هدية مجانية -من المال أو الوقت- التي  كان يمكن أن تستخدمها بطرق أخرى؟

  

بالطبع، لا شيء من هذا يُعَد اختباراً مثالياً، لكن هذه الأدلة  تساعدنا على النظر في قلوب الآخرين وفي قلوبنا أيضاً.

  

--------------------------

ترجمة: آلاء أبو رميلة

هذا التقرير مترجم عن: Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار