هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كيف تؤثر معتقدات شخص في كهوف أفغانستان على آخر ينتظر في مترو باريس؟

كيف تؤثر معتقدات شخص في كهوف أفغانستان على آخر ينتظر في مترو باريس؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

ربما لم تسمع من قبل باسم وليام كينجدون كليفورد، فهو ليس في بانثيون عظماء الفلاسفة -ربما لأن حياته انتهت مبكرا عند 33 عاما-، لكنني لا أستطيع التفكير في شخص آخر كانت أفكاره بهذه الأهمية في عصرنا الرقمي المتداخل والمدفوع نحو الذكاء الاصطناعي. قد يبدو هذا غريبا بالنظر إلى كوننا نتحدث عن بريطاني من العصر الفيكتوري أكثر أعماله الفلسفية شهرة مقال نُشر منذ قرابة 150 عاما. لكن أفكار كلاود تلاقت بواقعنا. ربما بدا زعمه أن "من الخطأ دائما، في كل مكان، ولأيٍّ كان، أن يُصدّق أي شيء بلا أدلة كافية" مبالغا فيه آنذاك، إلا أنه أصبح واقعا ملموسا هذه الأيام.

 

المعتقدات والتصرفات

في كتاب "أخلاقيات القناعة" (1877)، يقدم كليفورد ثلاث حجج يعلل فيها سبب كوننا ملزمين أخلاقيا بالاعتقاد أن المسؤولية تقتضي تصديق ما لدينا أدلة كافية عنه، وما قمنا بالتحقيق فيه بجد. تبدأ حجته الأولى بملاحظة بسيطة مفادها أن معتقداتنا تؤثر على تصرفاتنا، حيث يتفق الجميع أن سلوكنا يتشكل من خلال ما نعتبره حقيقيا عن العالم، أي من خلال ما "نعتقده". فإذا كنت أعتقد أنها تمطر في الخارج، فسأحضر مظلة. وإذا كنت أعتقد أن سيارات الأجرة لا تقبل الدفع ببطاقات الائتمان، فسأتأكد من أنني أمتلك بعض النقود قبل أن أقفز في واحدة منها. وإذا اعتقدت أن السرقة خاطئة، فسوف أدفع ثمن بضاعتي قبل مغادرة المتجر.

   

الفيلسوف البريطاني وليام كينجدون كليفورد (مواقع التواصل)

     

إذن، هناك أهمية عملية هائلة للأشياء التي نعتقدها؛ فالمعتقدات الزائفة حول الحقائق المادية أو الاجتماعية تقودنا إلى عادات سيئة في التصرفات يمكن لها، في أقصى الحالات، أن تهدد وجودنا. إن كان المغني آر كيلي يؤمن حقا بكلمات أغنيته (I Believe I Can Fly) "أؤمن أن بإمكاني الطيران"، فيمكنني أن أضمن لك أنه لما كان بقي على قيد الحياة حتى يومنا هذا.

  

لكن ليست حياتنا وحدها على المحك هنا؛ فباعتبارنا حيوانات اجتماعية، تؤثر أفعالنا على من حولنا، الاعتقاد الخاطئ قد يعرّض الآخرين للخطر. كما يحذر كليفورد قائلا: "جميعنا نعاني بشدة من الاحتفاظ بالمعتقدات الخاطئة واستدامتها، والأفعال الخاطئة المميتة التي تؤدي إليها". باختصار، الممارسات الركيكة في تشكيل المعتقدات هي خاطئة أخلاقيا لأننا -بصفتنا كائنات اجتماعية- عندما نعتقد شيئا ما، نرفع مخاطره.

  

أشد الاعتراضات طبيعية على هذه الحجة الأولى هو أنه في حين قد يكون من الصحيح أن بعض معتقداتنا تؤدي إلى أفعال يمكن أن تكون مدمرة للآخرين، فإن معظم ما نعتقده في هذه الحالة هو ربما غير مهم وبلا عواقب على إخواننا البشر. ولذا فإن القول كما قال كليفورد إنه من الخطأ في جميع الحالات الاعتقاد في ظل عدم كفاية الأدلة يبدو وكأنه مبالغة. وأعتقد أنه كان لدى النقاد حق هنا -لاحظ كان- ولكن هذا لم يعد الواقع. ففي عالم يمكن من خلاله مشاركة معتقدات الجميع على الفور، وبأقل كلفة، إلى جمهور عالمي، فإن كل اعتقاد له القدرة على أن يُحدث نتيجة فعلية بالطريقة التي يتخيلها كليفورد. إذا كنت لا تزال تعتقد أن هذه مبالغة، ففكّر في كيفية تأثير معتقدات تكوّنت في كهف في أفغانستان على التصرفات التي أنهت حياة أشخاص في نيويورك وباريس ولندن. أو ضع في اعتبارك مدى تأثير الترهات التي تتدفق من خلال تغذيات الأخبار على سلوكك اليومي. في القرية العالمية الرقمية التي نعيش فيها الآن، تُلقي المعتقدات الخاطئة بشبكة اجتماعية أوسع علينا، وبالتالي ربما كانت حجة كليفورد غلوًّا عندما أعلنها لأول مرة، ولكنها لم تعد كذلك اليوم.

  

الخوف من اللامبالاة

الحجة الثانية التي يقدمها كليفورد لدعم ادعائه بأنه من الخطأ دائما الاعتقاد في ظل عدم كفاية الأدلة هو أن الممارسات الضعيفة لتكوين الاعتقاد تحولنا إلى لا مباليين. يقول كليفورد متلطفا: "لا يوجد أي اعتقاد حقيقي غير مهم، مهما بدا تافها أو مجزّأ فإنه يعدنا لتلقي المزيد مما يشبهه، ويؤكد ما ماثله في السابق، ويضعف البقية. ومن ثم، فإنه يُطلق قطارا خفيا في أفكارنا الأعمق، قد ينفجر في يوم ما إلى تصرف علني، ويترك طابعه على شخصيتنا". ولترجمة تحذير كليفورد إلى أوقاتنا المتداخلة، فما يخبرنا به هو أن الاعتقاد غير المسؤول يحولنا إلى فريسة سهلة لمروجي الأخبار الوهمية، ومنظّري المؤامرة والدجالين. والسماح لأنفسنا بأن نستقبل هذه المعتقدات الخاطئة أمر خاطئ من الناحية الأخلاقية لأن، كما رأينا، تكلفة الخطأ بالنسبة للمجتمع يمكن أن تكون مدمرة.

    

   

هذه الأيام، يعد الحذر الواعي فضيلة ذات قيمة أكثر بكثير من أي وقت مضى، حيث تعاظمت الحاجة إلى فحص وتدقيق المعلومات المتضاربة بشكل كبير، وخطر التحول إلى وعاء من السذاجة يحتضن كل ما يصب فيه ما هو إلا على بُعد بضع نقرات من الهاتف الذكي.

 

المساهمة في تزييف الواقع

حجة كليفورد الثالثة والأخيرة حول كيف أن الاعتقاد من دون دليل خطأ من الناحية الأخلاقية، هو أننا، بصفتنا محاورين وناقلين للاعتقادات، ملزمون أخلاقيا بعدم تلويث "بئر المعرفة الجماعية". في زمن كليفورد، كانت الطريقة التي تم بها احتواء معتقداتنا في "الودائع الثمينة" للمعرفة العامة في المقام الأول من خلال الكلام والكتابة. وبسبب هذه القدرة على التواصل، تصبح "كلماتنا وعباراتنا وأشكالنا وعمليات وأنماط تفكيرنا" كما يقول "ملكا مشاعا". وتخريب هذه "القيمة المتوارثة"، كما أسماها، بإضافة معتقدات خاطئة غير أخلاقي، لأن حياة كل فرد تعتمد في نهاية المطاف على هذا المورد الحيوي المشترك.

  

في حين أن حجة كليفورد الأخيرة حقا صحيحة، يبدو مرة أخرى مبالغا في الادعاء بأن كل اعتقاد خاطئ صغير نأخذه هو إهانة أخلاقية للمعرفة المشتركة. لكن الواقع مجددا يتماشى مع كليفورد، وكلماته تبدو نبوءة. فاليوم، أصبح لدينا في الواقع مخزون عالمي من المعتقدات يتم من خلاله إضافة جميع التزاماتنا بعناية: يطلق عليها "البيانات الضخمة". ولا تحتاج حتى إلى أن تكون مستخدما نشطا يغرد على تويتر أو ينشر على فيسبوك، فالمزيد مما نقوم به في العالم الحقيقي يتم تسجيله وحفظه رقميا، ومن هناك يمكن أن تستنتج الخوارزميات بسهولة ما نعتقده حتى قبل أن نعبر عن رأينا.

    

   

بالمقابل، يتم استخدام هذه المجموعة الهائلة من المعتقدات المخزنة من خلال الخوارزميات لاتخاذ قرارات بشأننا وعنا، وهو الخزان نفسه الذي تستخدمه محركات البحث عندما نسعى للحصول على إجابات لأسئلتنا واكتساب معتقدات جديدة.

 

إن أضفت المكونات الخاطئة إلى وصفة البيانات الضخمة، فما ستحصل عليه هو مخرجات لربما تكون سامّة. إن كان هناك وقت يعد فيه التفكير النقدي ضرورة أخلاقية، والسذاجة خطيئة كارثية، فهو وقتنا الحاضر.

--------------------------------------------------------

ترجمة (الزهراء جمعة)

هذا التقرير مترجم عن: Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار