هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
لغز المرض النفسي.. لماذا أنا المصاب دون الآخرين؟

لغز المرض النفسي.. لماذا أنا المصاب دون الآخرين؟

هنادي خالد

محررة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

في الوقت الذي يعاني فيه أفراد في شتى بقاع الأرض من أمراض نفسية معقدة، شديدة التأثير، تعيقهم عن ممارسة حياتهم بشكل طبيعي والتواصل مع المحيطين بهم بسهولة، نجد أن هناك عدة عوامل تقف أمام تعافيهم، فأصحاب تلك الأعراض عليهم أن يواجهوا فوق ما يعانونه أيضا وصمة عار تلحقهم في مجتمعاتهم، وأحكاما سابقة جارحة بسبب مفاهيم مغلوطة عن المرض النفسي. (1)

تتعامل شريحة كبيرة من المجتمع مع المريض النفسي بسلسلة من الأحكام السابقة السلبية، والتي يشوبها حذر واضح عبر تجنب الاحتكاك به، باعتباره شخصا خطرا أو فاقدا لعقله، أو بوصفه "ملبوسا من الجن". شريحة أخرى من المجتمع تصف المريض النفسي باعتباره ضعيف الإرادة، متشائم، كسول، لا فائدة منه، يعاقبه الله لبعده عن طريقه، إلخ.
 

تتضافر كل تلك العوامل ليزداد العبء النفسي لدى المريض، ويتجسّد ذلك العبء بسيطرة الأفكار السلبية التي يصعب التحكم بها، كزيادة شعوره بالذنب، واعتباره أن ما يقاسيه هو نتيجة محتومة للأخطاء التي قام بارتكابها، وأنه الآن ُيعاقب على ما قام به مدى الحياة! يميل هؤلاء الأفراد إلى العزلة حتى يتجنبوا وصمة العار التي تواجههم في تفاصيل الحياة المختلفة، ومنهم من لا يستطيع التعامل مع كل ذلك العبء ليقرر مع كل تلك الضغوطات إنهاء حياته بالانتحار.
 

وتفاديا لوصمة العار الاجتماعية، عادة ما توجد في مجتمعاتنا شريحة تعاني من أعراض واضطرابات نفسية وترفض الاعتراف بحاجتها إلى المساعدة. ومن هذه النقطة، فإن ما يمكننا تقديمه لدعم هؤلاء الأشخاص والقضاء على وصمة العار التي تلحقهم متمثل في نشر الوعي وتصحيح تلك المفاهيم المغلوطة، ودفع أولئك الذين يعانون للاعتراف، علّهم يخرجون من تلك الأزمات الخانقة.
 

لماذا تحدث الأمراض النفسية؟

     
هنا علينا أن نؤكد أنه لن تكون هناك إجابة بسيطة مباشرة لتطور الأمراض النفسية، الأسباب غالبا ما تكون مزيجا من عوامل مختلفة في حياة الفرد وتجاربه والتي تصنفها الأبحاث تحت ثلاثة تصنيفات رئيسية: "بيولوجية، ونفسية واجتماعية"، وهي كالتالي:
           
العوامل البيولوجية.. أن ترث المرض النفسي!
ارتبطت بعض الأمراض النفسية بالأداء غير الطبيعي لدوائر الخلايا العصبية أو المسارات التي تربط مناطق معينة من الدماغ، لذلك يوجد عدة أسباب بيولوجية تؤثر على الأداء الطبيعي لتلك الدوائر، وكمثال لذلك، فقد تم ربط وجود عيوب أو إصابات في مناطق محددة من المخ باعتبارها سبب حدوث بعض الأمراض النفسية، كذلك فإن تعاطي المخدرات على المدى الطويل مرتبط بتطور بعض الأمراض النفسية، على وجه الخصوص القلق والاكتئاب والبارانويا.
    

هناك أيضا عامل "الجين الوراثي"، حيث يعتقد الخبراء أن العديد من الأمراض النفسية ترتبط بالخلل في العديد من الجينات، وأن كيفية تفاعل هذه الجينات مع البيئة فريدة لكل شخص (حتى التوائم المتطابقة)، وهو الأمر الذي يُعد سببا في أن يرث الشخص قابلية مرتفعة للإصابة بمرض نفسي ما، وليس بالضرورة أن يُصاب بالمرض.

     
العوامل النفسية.. مرحلة الطفولة أهم مما تتخيل
تلعب مرحلة الطفولة دورا مهما وحرجا في خبرات الفرد، لذا قد تُشكّل بعض الخبرات السلبية عامل خطر لتطوير مرض نفسي مثل: التعرض لصدمة نفسية شديدة (Trauma) في مرحلة الطفولة مثل الانتهاك العاطفي أو الجسدي أو الجنسي، فقدان أحد الوالدين في مرحلة مبكرة من العمر أو إهمال الوالدين للطفل، وأيضا ضعف القدرة على التواصل مع الآخرين وتكوين علاقات صحية.

 

العوامل الاجتماعية.. البيئة ليست عاملا محايدا

كذلك بعض العوامل الاجتماعية الصعبة قد تحفّز بعض الأشخاص لتطوير مرض نفسي إن كان لديهم قابلية عالية للإصابة، مثل: المرور بتجارب قاسية كفقدان أحد المقربين أو الطلاق، الشعور بالوحدة أو القلق وانخفاض تقدير الذات، التغييرات الكبيرة في حياة الفرد مثل الانتقال لمدرسة جديدة أو وظيفة أو بلد جديد. كما تلعب التوقعات الاجتماعية أو الثقافية دورا أيضا، على سبيل المثال، المجتمع الذي يربط الجمال بالنحافة يمكن أن يكون عاملا في تطوّر اضطرابات الأكل.(5)
 

شخصان مرا بالتجربة القاسية نفسها، أحدهما تطور معه مرض نفسي والآخر لا، لماذا؟

من خلال نظرية "The Stress Vulnerability Model" أو "نموذج قياس تحمل الضغوط" فإن كل فرد له قابلية إصابة يمكنها أن تطور مرضا نفسيا عند التعرض لضغط شديد، ذلك الضغط الشديد هو أي عامل من عوامل الخطر التي يمر بها الفرد على مدار حياته كما توضح الصورة بالأعلى، اللون الأسود يمثل قابلية الإصابة والتي تختلف بطبيعة الحال من فرد إلى آخر، واللون الأزرق يمثل الضغط الذي يتعرض له الفرد والذي يشكل خطورة عند تجاوزه، فهنا يمتلئ الكوب وتتساقط منه قطرات، في تلك اللحظة يصبح الفرد في حالة نفسية حرجة تستدعي المساعدة.(2)
    


وبالطبع تختلف أعراض كل مرض أو اضطراب نفسي عن الآخر، ولكن هناك أعراض مشتركة تعد مؤشر خطر يستدعي المساعدة، فإن كان لديك صديق أو قريب يعاني من الأعراض التالية فبالتأكيد يحتاج إلى دعم ومساعدة، منها:
   

الشعور بالحزن الدائم، وانخفاض القدرة على التركيز، وفرط الشعور بالقلق أو الخوف أو الشعور الزائد بالذنب، وتقلب الحالة المزاجية بصورة زائدة ما بين الارتفاع والانخفاض، والانعزال عن الأصدقاء والأنشطة، والشعور بقدر كبير من التعب من أقل مجهود، وانخفاض الطاقة أو اضطرابات النوم، والانفصال عن الواقع، أو البارانويا أو الهلاوس، وعدم القدرة على التغلب على المشكلات والضغوط اليومية، وصعوبة في فهم المواقف والأفراد والتعامل معهم، وإدمان الكحول أو المخدرات، وتغيرات رئيسية في العادات الغذائية، شهية زائدة أو انعدام الشهية، وتغيرات في الرغبة الجنسية، والغضب الشديد، أو العدوانية أو العنف، والتفكير في الانتحار.(9)
 

وأحيانا تظهر أعراض الاضطراب في الصحة النفسية على هيئة مشاكل جسدية، مثل الشعور بألم في المعدة، أو ألم في الظهر، أو صداع، أو آلام وأوجاع أخرى غير مفسرة. مع التأكيد بأن دورنا ليس التشخيص ولكن مساعدة ودعم الأشخاص لطلب المساعدة أو مساعدتهم في تجاوز الضغوط اليومية وأداء مهامهم بأقل قدر من الضغط النفسي، فأنواع الاضطرابات النفسية مختلفة وأحيانا تتشابه وتتداخل أعراضها، حيث يوجد اضطرابات المزاج، اضطرابات الخوف، الاضطرابات الذهانية، وعليه فإن الطبيب فقط هو من يستطيع التشخيص والمساعدة.
 

الاكتئاب.. الوحش الأكثر شهرة
تحت اسم "دعونا نتحدث عن الاكتئاب" تقوم منظمة الصحة العالمية بالتوعية عن مرض الاكتئاب الذي يعد من أشهر الأمراض النفسية المنتشرة حول العالم، وتقدر منظمة الصحة العالمية (WHO) أن 350 مليون شخص حول العالم مصاب بالاكتئاب، 70% منهم مصابون باكتئاب خفيف (mild depression) و20% مصابون باكتئاب معتدل (moderate depression) و10% مصابون باكتئاب شديد (severe depression).
   


الاكتئاب مرض يميزه الشعور الدائم بالحزن، فمشاعر الحزن الطبيعية نمر بها جميعا من وقت إلى آخر، ولكن مع الاكتئاب يستمر الأمر أسابيع وقد يستمر لشهور، مع فقدان الاهتمام بالأنشطة التي يتمتع بها الشخص عادة، كما يقترن الاكتئاب أيضا بالعجز عن أداء الأنشطة اليومية البسيطة والتي تُشكّل هما كبيرا لمريض الاكتئاب، كذلك الشعور بالقلق، والشعور بعدم احترام الذات أو بالذنب أو باليأس، وأفكار سلبية غير منتهية تجاه النفس والآخرين والتفكير في إيذاء النفس أو الانتحار.
 

ولا ينجو الجسد من أعراض الاكتئاب، فغالبا يعاني مريض الاكتئاب من اضطرابات النوم بزيادة ساعات النوم أو النقصان، تغير الشهية بالزيادة أو النقصان، كذلك فقدان الطاقة، تدني مستوى التركيز، التردد، فقدان الرغبة الجنسية، وأحيانا الشكوى من آلام مختلفة بالجسد.(3)
 

كما أشرنا من قبل، لا يجدر بنا التشخيص من تلقاء أنفسنا، وعليه ينبغي أن نطلب مساعدة متخصصة، وذلك لتشابه أعراض الاكتئاب مع بعض الحالات الأخرى الصحية التي تؤثر على الحالة المزاجية بشدة والتي يقوم الطبيب بالتأكد منها أولا مثل المشاكل الهرمونية (خاصة الغدة الدرقية)، الدورة الشهرية، وسن انقطاع الطمث، والخرف، وانخفاض مستويات السكر في الدم، ومشاكل النوم، ونقص فيتامين د، وعند حدوث إصابات شديدة في الرأس. ولنتذكر أن الاكتئاب حالة يمكن أن تصيب أي فرد باختلاف الظروف والبيئات، وهو ليس علامة ضعف أو شيئا يستدعي الشعور بالخجل أو العار. وعندما تستمر الأعراض التي ذكرناها لأسبوعين على الأقل وتُشكّل معاناة داخلية لصاحبها، فلا بد حينها من طلب المساعدة.(4)
 

شعاع من النور في نهاية النفق المظلم.. كيف يعُالج الاكتئاب؟

العلاج ليس مستحيلا، لكنه أيضا ليس سهلا أبدا، ولكي يستطيع الفرد أن يطلب المساعدة أو يتقبل واقع مرضه يستغرق الأمر سنوات تصل أحيانا في المتوسط إلى خمس سنوات حتى يأخذ خطوة ويلجأ للمساعدة. وقد يصاب المرء باكتئاب بسيط في البداية ومع عدم توفر الدعم الكافي تزداد حدة المرض. وهناك عدة أنواع من العلاج النفسي، ولكن أشهرهم العلاج بالتحدث والعلاج بالأدوية، وعندما يحصل المرء على نوعي العلاج معا، فإنه عادة ما يحصل على أقصى استفادة تساعده في تجاوز نوبات الاكتئاب. ويختلف الوقت المطلوب للشفاء من الاكتئاب من فرد إلى آخر، فمثلا قد ينتاب المرء نوبة اكتئاب شديدة مرتبطة بحدث كبير ومفاجئ في حياته، فيستغرق من 6 أشهر إلى سنة عندما يعالج بالتحدث فقط.
 


وتعد مدرسة العلاج المعرفي السلوكي من أشهر مدارس العلاج النفسي التي تعتمد على توعية المريض بكيفية عمل الاكتئاب وكيف تؤثر الأفكار على مشاعرنا وسلوكنا، في العادة يقع مريض الاكتئاب في دائرة مغلقة من أفكار سلبية تجاه الماضي والحاضر والمستقبل، ومن ثم تؤثر على مشاعره وسلوكه. وهنا يتعلم المريض إستراتيجيات تساعده على الخروج من تلك الدائرة المغلقة، كما يتعلم أيضا كيفية مراقبة الأفكار السلبية وتحليلها وأن يميز مع الوقت الأفكار النابعة من الاكتئاب ويفصلها عن أفكاره هو.
 

تمتاز تلك المدرسة بالتركيز على مشاكل المريض الحالية ولا تعتمد على التحدث عن الماضي فقط، بل تساعد الفرد على تقبل بعض الأحداث التي لا يستطيع تغييرها والتركيز على الحاضر والنظرة الإيجابية للمستقبل، فهنا يصبح المريض هو من يملك زمام أفكاره ومشاعره.(7)
 

العلاج الدوائي.. هل يستحق السمعة السيئة؟!

لدى مضادات الاكتئاب سمعة سيئة في المجتمع بسبب تساهل بعض الأطباء في وصفها لأي مريض خاصة في مجتمعاتنا العربية، ولكن مع التشخيص الجيد يستفيد مريض الاكتئاب من العلاج بالأدوية، ففي حالات الاكتئاب الخفيفة لا تؤثر مضادات الاكتئاب على المريض بشكل إيجابي أو سلبي، ولكن في حالات الاكتئاب المتوسط والشديد تساعد مضادات الاكتئاب المريض على الوصول إلى حالة ثبات نفسي، تساعده بعد ذلك الاتجاه في مسار العلاج بالتحدث، ويُفضّل أن لا يعتمد المرء على الأدوية بمفردها وأن يحصل بالتوازي على علاج سلوكي كي يحصل على استفادة قصوى ويقلل فرص الانتكاس فيما بعد.
 

يظن البعض أن أدوية الاكتئاب قد تسبب الإدمان، ولكن تلك مفاهيم مغلوطة، ففي حالات الاكتئاب لا تتوازن الناقلات العصبية المسؤولة عن توازن المشاعر والأحاسيس "السيروتونين" والتي يجب أن تنتقل بين موصلات الدماغ، وهذا ما تقوم به مضادات الاكتئاب بحيث تزيد من إفراز الناقلات العصبية ما يؤدي إلى تقليل أعراض الاكتئاب. ولا يمكن إنهاء تعاطي الدواء مرة واحدة، ولكن بالرجوع إلى الطبيب يمكن توقيف الدواء تدريجيا حتى لا يحدث خلل مفاجئ بالهرمونات.(8)
 


بالطبع يوجد بعض الآثار الجانبية للدواء مثل أي دواء آخر لأي مرض جسدي، لذا يُنصح بالمتابعة المستمرة مع الطبيب في حال حدوث أي أعراض جانبية شديدة ويمكن للطبيب تغيير نوع الدواء لنوع آخر، فعادة مضاد اكتئاب واحد لا يناسب الجميع. وإن كنت تشعر ببوادر نوبة اكتئاب وليس لديك فرصة للذهاب إلى طبيب، فيمكنك الاستعانة بالقراءة عن الموضوع من مصادر موثوقة كي تحصل على التوعية التي تساعدك على فهم نفسك وكيف يعمل الاكتئاب. كما يقدم موقع علاج نفسي أيضا خدمة مجانية للعلاج بالكتابة باللغة العربية.
   

وأخيرا، بعد إنهاء البرامج العلاجية يُنصح بممارسة اليوغا أو التأمل أو الرياضة بوجه عام كي يحصل المرء على جانب يومي من الاسترخاء يقويه ضد الضغوط اليومية والأوقات الصعبة، وكذلك ممارسة الهوايات وتحديد بعض الأهداف التي تجدد من دوافعك وشغفك. باختصار، أعطِ نفسك وقتا كافيا واعتنِ بها كي تقلل من فرص هجوم نوبات الأمراض النفسية، خاصة إن كنت قد مررت بها مرة على الأقل.(6) 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار