انضم إلينا
اغلاق
الأطفال المشاهير.. كيف يشوه الآباء طفولة أبنائهم؟

الأطفال المشاهير.. كيف يشوه الآباء طفولة أبنائهم؟

  • ض
  • ض
في برنامج "سوار شعيب" وبضفيرتين وخمسة عشر ربيعا جلست المغنية البحرينية حلا الترك مع والدها الذي نشر لها مقطعا مصورا وهي تتكلم بطريقة فظّة عن جدتها، لتعلّق الترك أنها لم تعلم بتسجيل والدها للفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم وانهالت عليه التعليقات الشاتمة والناقدة لحلا وأهلها، الأمر الذي عاد سلبا على نفسيتها.

  

دفعت الشهرة التي سعى لها الوالد بما نشره وينشره عن ابنته إلى إخراج تقرير طبي يفيد بأن عائلته جميعا وليس حلا فقط، مرضى ويترددون إلى أطباء نفسيين، وبانفعال وبكاء يحمّل الأب الجمهور مسؤولية ما يجري، متناسيا نشره لفيديوهات خاصة لابنته من دون ضغط من الجمهور، ونحن إذ نتحدث عن جمهور الطفلة حلا فإننا نعني ما يزيد عن مليونين ونصف متابع على الإنستغرام، و15 مليون مشاهدة لحلقة شعيب.

  

ولعل شهرة الأطفال التي بُنيت على خصوصية الطفل اليومية تضع الآباء أمام سؤال أخلاقي عن مدى إدراكهم لما يجري لأطفالهم وعن تنبههم لتأثيره عليهم، فإن كان الآباء عاجزين عن إدراك هذا فهل ثمة إمكانية لإيجاد قانون يحمي الأطفال من تصرفات الآباء الساعية لشهرة أبنائهم عن طريق السوشيال ميديا دون إعطاء الأبناء حرية الاختيار؟ أم أن هذه الأسئلة تعد ضربا من المبالغة التي لا يجدر تضخيم تبعاتها وانعكاساتها؟

     

    
الأطفال المشاهير وعلم النفس
في حياتنا، تشكل التجارب التي مررنا بها جزءا رئيسا من شخصيتنا، حيث أثرنا وتأثرنا بها، لتعيد صياغة ما نحن عليه الآن، وانطلاقا من هذه الفكرة، عمدنا في "ميدان" إلى مقابلة الطبيب النفسي همام يحيى، وسؤاله عن الأثر الذي تتركه الشهرة على الأطفال المشاهير في السوشيال ميديا، لينطلق الدكتور همام من فكرة مفادها أن تشكل هوية الطفل في مراحلها الأولى هي عملية غاية في التعقيد، لذلك فإن تعريض الطفل للشهرة المبكرة يعد دخولا في مرحلة لم نعتد عليها، لا سيما أننا حديثو العهد بمواقع التواصل، وبالتالي بموضوع شهرة الأطفال وكشف حياتهم للجمهور، ورغم هذه التغيرات العديدة وقلة البحوث والدراسات الواردة عنها، إلا أننا لا نعدم القدرة على مقاربة الأمر من خلال التفكير في نتائج هذه الظاهرة عن طريق التفصيل فيها وتقسيمها بناء على مراحل عدة:

       

المرحلة الأولى:

لا يستطيع فيها الطفل عمريا فهم ومتابعة ما يدور حوله من تعليقات على السوشيال ميديا، ليقوم الأهل بذلك. وعن هذه الحالة يقول الدكتور همام: بطبيعة الحال في الفترة التي يرى فيها الأهل ما يُكتب عن ابنهم فإنهم إن رأوا مديحا فهذا يعزز رضاهم وقبولهم عما يفعلونهم، لكنه يضعهم بالتأكيد أمام عبء كبير وهو ظهور طفلهم بصورة مثالية.

   

والعبء يأتي من أن الطفولة تمر بأطوار من النمو العقلي والإدراكي والعاطفي والمزاجي؛ مما يعني أن الطفل قد يدخل في مرحلة مزاجية تخالف الصورة التي يراد أن يظهر الطفل بها، فما الذي سيفعله الأهل في هذه الحالة؟ هل سيقومون مثلا بإظهار هذا الجانب الجيد منه فقط؟ ومن ناحية أخرى كما يبين الدكتور همام فإن التعليقات التي ترد عن الطفل في هذه الحالة إما أن تكون:

 سلبية:فهي ستتسبب بتوتر علاقتهم مع ابنهم؛ فلنتخيل أن تتهافت عليهم الرسائل والتعليقات التي تفيد بأن ما تفعلونه تجاه ابنكم هو اختراق لخصوصية الطفل، أو أن هذا الطفل لا يملك حرية اختيار، أو أنه يجبر على شيء لا يريده، سيولد كل هذا توترا لدى الأهل، وستتوتر بالتالي علاقتهم معه.

  

 إيجابية:وهي تعليقات تعزز الصورة المثالية للطفل عند الأهل، مما يجعلهم غير متقبلين للأطوار الطبيعية لنموه؛ فما موقف الأهل أمام الجمهور لو أن ابنهم دخل في مرحلة عدم الرغبة بالتصوير والتجاوب معهم، أو حب العزلة؟

ويلخص الدكتور يحيى هذه المرحلة بوصفها أنها "ضاغطة" على الأهل؛ بحالتيها الإيجابية والسلبية، وقد تجد طريقها للضغط على الطفل.

  

الطفل الذي يرى نفسه في هذه المرحلة محط اهتمام شريحة واسعة ولو بشكل إيجابي يعد أمرا سلبيا؛ لأن عملية النمو والتربية قائمة على عملية "التغذية الراجعة/ردود الفعل"

مواقع التواصل 
    

 ثم يضيف الدكتور همام عاملا آخر وهو الأسرة المحيطة وأصدقاء الطفل في الروضة، إذ لا بد من التنبه إلى نظرتهم للطفل وإلى طبيعة تعاملهم معه؛ فمن المؤكد أن الأطفال يرون تميز صديقهم، وربما يدركون مفهوم شهرته، لكن كيف يتعاملون معه؟ الأمر غير معروف.

     

 ومن باب المقاربة، فإن شهرة الكبار مثلا تؤثر على طبيعة العلاقة مع أقرانهم ومحيطهم، ومن هنا يكون من المشروع طرح سؤال: إلى أي حد تستطيع شهرة الطفل أن تغير من طبيعة علاقته مع محيطه من الأطفال والأقران، وإلى أي حد يستطيعون فهم واستيعاب أن صديقهم أصبح مشهورا؟

    

أقل ما يمكن قوله إن هذا يخلق نوعا من الفضول عند أصدقاء الأهل والأقارب وأصدقاء الطفل وأمهاتهم، فضولا حول حياة الطفل مما يجعلها ليست ملكا له، وقد يترجَم هذا الفضول إلى أسئلة متكررة عن كيفية شهرته وحياته والتعامل معه، وهذا يزيد من اختلال فكرة خصوصية الطفل، ونموه بعيدا عن مؤثرات متنوعة ومتعددة صعب السيطرة عليها.

    

ولتوضيح الفكرة يضرب الدكتور همام مثالا عن الضغط الذي يشكله الأصحاب والأقرباء على الطفل العادي في الكلام واللعب والتعامل أثناء زياراتهم العادية، وهذا الضغط القليل قد يكون مزعجا ومؤثرا؛ فكيف بطفل تتسع دائرة فضول الناس القريبة والبعيدة تجاهه وتجاه تعامل أهله معه، وتزداد رغبتهم بمعرفة تفاصيل حياته أو رؤيته والتواصل معه، هذا كله لا بد وأن ينعكس سلبيا على الطفل.

      

المرحلة الثانية:

الطفل القادر على معرفة وقراءة وفهم ما ينشر أهله عنه بمواقع التواصل بشكل واضح: وهنا يبين الدكتور همام أن الأشخاص الكبار -أي ما فوق العشرين عاما- لا يتحملون أن يُتحدث عنهم بطريقة سلبية أو يُتعامل مع منشوراتهم بطريقة استخفاف أو تجاهل، وهؤلاء أشخاص كاملو النمو كما يفترض، فكيف بطفل لم يتعد مرحلة النضج الفكري؟

     

        

لذلك فإن غالب الظن أن الطفل الذي يرى نفسه في هذه المرحلة محط اهتمام شريحة واسعة ولو بشكل إيجابي يعد أمرا سلبيا؛ لأن عملية النمو والتربية قائمة على عملية "التغذية الراجعة/ردود الفعل"؛ يوضح ذلك الدكتور همام بأن الكيفية التي يدرك الطفل بها الحكم القيمي حول ما يقوم به من حيث هو سلوك صحيح أم خاطئ هي "رد الفعل" على تصرفه، وكيفية الاستجابة لها، وتتشكل من خلالها استجاباته للأشياء، ونموه العاطفي وكيفية تعبيره عن مشاعره، وبهذا أيضا يتعلم الطفل اللغة والمشاعر.

     

ويضيف الدكتور أن الطفل يمتلك مخزونا طبيعيا من الحزن، لكنه وعبر استجابة أهله للأمور المحزنة يتعلم معنى الحزن وكيفية الاستجابة له، وهذا ما يبنى عليه تعلم الطفل للاتزان العاطفي والشعوري والتفاعل أثناء العلاقات، فلنتخيل -حسب الدكتور همام- بعد معرفة هذا أننا نتحدث عن طفل يرى كمّا هائلا من التعليقات عنه مهما كانت أنواعها؛ فإن كانت كلها إيجابية فهي قد تشعره بعظمته وتفوقه العالي على أبناء جنسه، بينما يفترض أن يمر الطفل في هذه المرحلة بكثير من التجارب التي ينبغي عليه أن يمر بها ويتعلم خلالها، كما أنه بحاجة إلى ردود فعل متزنة.

  

فالأصل في هذا العمر أن يثنى على الطفل إن قام بالصواب بالقدر الذي يستحقه، دون إفراط أو تفريط، وكذلك إن قام بالخطأ، وهذا الانضباط بالثناء على الفعل لا يمكن تحصيله عبر السوشيال ميديا؛ فهذا الكم من المدخلات مهما كان اتجاهه، يعد سلبيا بالتأكيد حتى لو كانت التعليقات إيجابية، فكيف إن كانت التعليقات كلها سلبية تتهم الأهل بأنهم ينتهكون خصوصية الابن، أو تستخف بأفعال ينشرها الابن عنه، وهنا يؤكد الدكتور همام لميدان أن هذه الأفكار كلها أفكار منطقية لا إحصائية.

  

ثم يتابع أننا لو تجاوزنا فكرة التعليقات، وتحدثنا عن فكرة الرغبة بالإنجاز والإبداع التي ينبغي أن ترافق الإنسان طيلة حياته، فإن هذه الرغبة تقتلها مواقع التواصل الاجتماعي وتحولها إلى رغبة بجمع كم أكبر من الإعجابات والمتابعين على حساب الحياة الواقعية، ولو طبقنا هذا على مشهوري السوشيال ميديا الراشدين لوجدنا أن كثيرا منهم يعطلون الإنجاز في حياتهم الواقعية من أجل حيازة الصورة التي رسمت عنهم في الواقع الافتراضي.

       

       

هذا عند الكبار فكيف بطفل ما زال بحاجة إلى أن يعرف معنى "الانضباط" و"تأجيل المتعة"؛ بمعنى أن يصبر على التعب الطويل في سبيل إنجاز أو راحة قادمة، كالتعب خلال السنة من أجل النجاح، أو التعب في الكلية لحصد لذة التخرج؛ أي إن الأمور في الحياة لا تأتي سريعا وبسهولة، وهي فكرة من الصعب أن تتحقق تربويا فقط، بل تحتاج إلى التعلم الذاتي الذي يحوي ألما ومعاناة وتعبا لتترسخ عند الإنسان، فما بالنا بطفل عنده شعبية واسعة من المتابعين، فما هي طبيعة "الانضباط" و"تأجيل المتعة" عنده؟

     

من المنطقي والمتوقع أن فكرة التحصيل والتعب من أجل الحصد لن تكون راسخة عند الأطفال المشاهير بشكل سليم. ومن ناحية أخرى، فإننا لو أردنا الحديث عن أن هذا الطفل أراد العودة إلى حياته الطبيعية وإغلاق مواقع التواصل بعد انخراطه بها إلى هذا المدى؛ هل سيكون قادرا على ذلك؟

بنظرة بسيطة إلى عالم الكبار، نلاحظ صعوبة فكرة إغلاق مواقع التواصل شهرا لبالغ مثلا من أجل الامتحان، هو قرار في الحقيقة لا يعرف الكبار اتخاذه بشكل صارم بسبب إغراء هذا العالم؟ فكيف بطفل؟

    

وعند سؤالنا في ميدان للدكتور همام عن تأثير ظاهرة "الأطفال المشاهير" على جمهور المتلقين، وضح الدكتور أن جمهور المتلقين الكبار عادة لا يجيدون التعامل مع هذه القضايا، بل ينخدعون بالصورة المثالية التي تنشر على السوشيال ميديا عن "الحب الخرافي" مثلا أو الارتباط الاستثنائي، مع معرفة بعض المتلقين أن الخبرة البشرية الطويلة بالارتباط والحب تبين أن الأمر ليس خلابا كما يبدو بصورته المعروضة، مع ذلك فإن ما ينشر على السوشيال ميديا يحدث اختلالا ويدفع الناس إلى الشك بنفسها وبعلاقاتها، فما بالك بعالم الأطفال؟

  

يقول الدكتور همام إن انخداع المتلقي بالقدرات الخارقة للأطفال المشاهير يغدو أكثر خطورة من انخداعهم بالعلاقات العاطفية الخرافية؛ ذلك لأن الإنسان قد يستغني بزواجه عن فكرة السعادة المطلقة التي تشبه ما ينشر على السوشيال ميديا، لكنه بالطبع إذا تعلق الأمر بتربية الأطفال فلن يقبل بالاستغناء عن مقاربة الصورة المثالية التي يراها، مما قد يصيب الأهل بحالة من القلق المستمر، خصوصا مع موجة الهوس بتربية الأطفال والتعامل معهم، فالإنسان قد يستغني عما يخصه مهما كان مُهما، ولكنه لا يتنازل عما يخص أطفاله؛ فهو يسعى دائما لتحقيق المثالي والأفضل لهم، مهما كانت الظروف.

   

        

وهنا يشير الدكتور إلى أن الأطفال المتوسطين والعاديين لا يدفعون أهلَهم إلى تصويرهم والنشر عنهم، إنما يفعل ذلك الأطفال المبدعون المتميزون أو الذين يعانون من إعاقات ما ثم يتحدونها؛ كطفل يعاني من التوحد مثلا لكنه مبدع؛ فالذين يتصدرون واجهات السوشيال ميديا في غالبهم هم عينة منحازة جدا تمثل 1%، مما قد يوهم المتلقي بأن هذا الذي وصل إليه هؤلاء الأطفال شيء طبيعي، وهذا بدوره قد يدفع الآباء إلى كره أنفسهم وأبنائهم الذين لا يستطيعون بطبيعة الحال أن يجاروا نموذج المتصدرين.

     

ويؤكد الدكتور أن الحديث هنا عن أم وأب حديثين، لا تقليديين يعاتبان ابنهما مثلا على انخفاض علاماته بمقابل علامات أقرانه؛ فالأمر عند الأم والأب الحديثين يتجاوز فكرة الغيرة العادية، ذلك لأنهم مهووسون بأولادهم، ويريدون منهم أن يكونوا الأفضل، نظرا إلى سعي الآباء للاكتفاء بعدد قليل جدا من الأبناء والسعي الحثيث لإعطاء كل طفل حقه وما يحتاج، فعندما يرى الآباء العينة التي تمثل 1% ويقارنونها بأولادهم العاجزين غالبا بطبيعة الحال عن مجاراتهم قد يشككون بفكرة الأبوة، وبالتالي تقلق علاقتهم بأبنائهم وتتحول من علاقة احتواء إلى علاقة توتر.

    

ومن الجدير الإشارة إلى أن هذا ممكن أن يأخذ أبعادا أخرى كالإحجام عن الإنجاب عندما يظن الآباء أن ولدهم الأول غير مثالي مقارنة بالنموذج المشهور الذي يتابعونه. وبالتطرق لمتابعة نماذج الأطفال المشاهير كقدوات، يعلق الدكتور بأن هناك سؤالا مشروعا عن القيمة التربوية للأمور التي يقولها هؤلاء الأطفال؟

 

لا بد من الإشارة إلى أن تعلم التربية وتقنياتها مطلوب، ولكن متابعة هذه النماذج ليس الطريقة الحقيقية لتعلمها، لأنه من أجل تعلم تقنيات التربية لا بد من رؤية مجموعة متنوعة من الأطفال، لمعرفة ضمن أي مجموعة منها يندرج طفلنا، فيما لو لم يكن الطفل بالفصاحة المعروضة أو الاستيعاب أو الاستجابة، فنحن إذن بحاجة إلى تغطية معرفية لشريحة واسعة لتكون المتابعة ذات قيمة تربوية.   وإن قيل إن متابعة هؤلاء الأطفال هي من باب متابعة شكل من أشكال "القدوة"، فإنه مع الشك بقيمة هذا المفهوم، فنحن نتحدث عن أطفال لا عن أشخاص قادرين على تحفيز أنفسهم برؤية مثال مجتهد ناجح.  

    

 نظرة واقعية على شهرة الأطفال

بالانتقال من الإطار النظري إلى الواقع التجريبي في فكرة التعامل مع الطفل المشهور، فقد تحدثنا في ميدان إلى الأستاذة أروى الطويل بصفتها مجربة ظاهرة الشهرة من خلال ممارستها للتعليم المنزلي، حيث تقول الأستاذة أروى إنها على تماس مع تجربة الشهرة التي بدأت بممارستها التعليم المنزلي الذي تكتب عنه على صفحاتها على الإنترنت، مما أدى إلى معرفتها ومعرفة ابنها يحيى على نطاق واسع، الأمر الذي ساهم في زيادة عدد المتابعين.

    
     

بالانتقال من الإطار النظري إلى الواقع التجريبي في فكرة التعامل مع الطفل المشهور، فقد تحدثنا في ميدان إلى الأستاذة أروى الطويل بصفتها مجربة ظاهرة الشهرة من خلال ممارستها للتعليم المنزلي، حيث تقول الأستاذة أروى إنها على تماس مع تجربة الشهرة التي بدأت بممارستها التعليم المنزلي الذي تكتب عنه على صفحاتها على الإنترنت، مما أدى إلى معرفتها ومعرفة ابنها يحيى على نطاق واسع، الأمر الذي ساهم في زيادة عدد المتابعين.

 

وتضيف الأستاذة أروى أن النشر على الإنترنت بشكل عفوي وتلقائي؛ كالحديث عن الأنشطة المختلفة والزيارات المختلفة أدى لتكون صورة غير حقيقية عن التعليم المنزلي، باعتباره نزهة طريفة ولطيفة، بالإضافة لتكاثر الأسئلة حول التعليم المنزلي ومحاولة اختبار ابنها في مواقف اجتماعية مختلفة، من باب الفضول أو الاعجاب..

 

هذا الوضع غير الحقيقي ناتج عن رؤية الناس لجزء واحد من الرواية، وهو الجزء البسيط السعيد والذي يمكن مشاركة الناس به، وهو الجزء الذي لا يتعدى ساعات قليلة من اليوم، بينما الموضوع أكثر تعقيدًا وعمقًا مما يبدو عليه الأمر على السوشيال ميديا، ولأن العشب على الطرف الآخر أكثر اخضرارًا دائمًا، فقد توالت الأسئلة كيف أربي ابني مثل ابنك؟ أو كيف أجعل زوجي يساعدني مثل زوجك؟، صورة خيالية تكونت بسبب تراكم الصور المقتطعة من الحياة اليومية، مما أدى في النهاية لصورة كاملة غير حقيقية وغير صادقة..

         

تتابع أروى أن هذه الصورة، ليست المشكلة فقط في تكونها لدى عقل المتلقي بل في كونها غير حقيقية، وبالتالي الصورة المرسومة عن الطفل وأمه غير حقيقية، وبالتالي فحاسبهم عنها غير منطقي، ويصطدم الناس أن طفلي عادي جدًا مثل أطفالهم.

 

الصورة الجميلة المرسومة على الإنترنت والتي تشكلت ربما بغير تعمد، تشكل ضغطًا على الأم والطفل في المواقف الاجتماعية المختلفة، فدهشة الناس كبيرة عند اكتشافهم أن أطفال الانترنت يصرخون، ويبكون، ويضربون أطفال الآخرين، ويعبثون بأنوفهم كأي أطفال طبيعيين، فهل يجب أن يتوقف الأطفال عن ارتكاب الأخطاء من أجل الحفاظ على صورتهم على الإنترنت؟ هذا ليس عدلًا، هذا سلب لطفولتهم وضغط على الأم من أجل تحقيق أهداف عالية قد لا يتاح لها الوصول إليها بسبب محدودية قدرتها وطاقتها وقدرة طفلها حسب كلام أروى.

 

 

وأجابت الأستاذة أروى عند سؤالها عن تعامل المتلقي معها وأثر ما كانت تنشره عليه حسب خبرتها العملية، أجابت بأن الأمهات كن يشعرن بالإحباط؛ لأنهن غير قادرات على المواكبة، وربما غير قادرات على توفير كل الأدوات التي يرونها على الإنترنت، وقد لا يملكن نفس العلاقات التي توفر لهن هذه الأدوات بشكل مجاني مثل الأمهات المعروفات على الإنترنت - حيث تحصل الكثيرات من الأمهات المعروفات على هدايا وخصومات سواء من المحبين أو المشجعين للتجربة أو من الشركات التجارية المختلفة- ، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة والمهينة أحيانًا، ورغم أن قدرة أطفالهن على التعلم قد لا تكون رهنًا للأدوات والألعاب المستخدمة، فعلميًا تعلم الأطفال لأي شيء لا يقف حصرًا باستخدام ألعاب معينة، بل قدرتهم على تعليم أنفسهم بأنفسهم هي الأساس، إلا أن الإحساس بأني غير قادر على توفير شيء مادي لطفل يسبب في إحباط خصوصًا مع ظهور موضات تعليمية تعتمد على الأدوات غالية الثمن والتي قد يصل ثمن الواحدة منها لمرتب شهر كامل في بعض الدول العربية ..

 

وحسب الطويل فإنها بعد فترات طويلة من النشر ظهر أن طريقة النشر المعتادة "عرض صور للنشاط مع الطفل" لا يؤدي الغرض المطلوب في التثقيف أو التعليم لأنه أيضًا مقتطع من سياقه، وهذه الطريقة من النشر لا تعدو كونها طريقة للتوثيق أو الذكرى السعيدة أو الأرشفة، أما التعلم والتعليم فيتم بطرق أخرى ليس من ضمنها السوشيال ميديا، وتضيف أيضًا أنها بعد ملاحظة طويلة للمتلقين فإن الأفراد الذين يقومون بعمل تعليم منزلي فعلًا، لا يحتاجون لمتابعة حسابات السوشيال ميديا للأطفال الذي يقومون بتعليم منزلي، بل تصبح هذه الحسابات من أحد طرق التشتت وعدم القدرة على التركيز، بسبب التفات الأم لآخر الصيحات والطرق، وهو ما يتعارض مع تكوين روتين ثابت للطفل وطريقة تعليمية مستقرة تعينه على تكوين منهجية في التعلم ..

  

وتضيف أروى أن بعض الأمهات قد ينظرن للأطفال المشهورين على أنهم النموذج الذي يردن لأبنائهن أن يكونوا مثله، وهذا في واقعه غير حقيقي لأن التربية تجربة غير مضمونة النتائج كما تقول، بل هي شيء بين يدي الله مع الأخذ بالأسباب وبذل الجهد اللازم غير مضمون النتائج؛ فمن الممكن أن يتفرغ الأهل تماما لتربية طفلهم ثم يكون الطفل غير سوي أو يكون مدمنا، أو من المحتمل أن يكون لديه مشاكل نفسية وغيرها.

   

   

وتتحدث أروى بشكل شخصي أكثر عن تجربتها مع الشهرة عندما كانت بعمر ١٦ سنة، حيث كانت تستضاف ببرامج تلفزيونية وتعمل في الصحافة، وتضيف أنها كانت من أسوأ تجاربها التي خاضتها بحياتها، ومع مرور الوقت قررت التوقف تماما عن الكلام عن التعليم المنزلي بوصفه تجربة خاصة يتواجد فيها ابنها، وبدأت تتكلم عنه بشكل مجرد حسب ما قالت لميدان.

    

وختمت الأستاذة أروى الطويل حديثها بأنها تتردد بين فكرة التحريم المطلق لنشر صور الأطفال وبين جواز نشرها أحيانا بشكل منضبط لما فيه منفعة اجتماعية ربما. فهناك توجه جديد في المجتمع إلى السؤال عن جدوى إنجاب الأطفال، وهذا السؤال يتردد في المسلسلات المصرية بشكل كبير، إضافة إلى الحديث عن كون الأسرة مؤسسة فاشلة، فنشر اللحظات الجميلة للأطفال قد يشجع الناس على أن يخوضوا هذه التجربة، فالأمومة حسب أروى هي أحد أهم التجارب الإنسانية تأثيرًا في الإنسان وتغييرًا له، فلا يمكن المطالبة من الأمهات أن ينخلعن من أمومتهن عن الكتابة أو الظهور على الإنترنت، تواجد الأمهات وأطفالهن بشكل طبيعي على الإنترنت يجعلها تجربة مشجعة للآخرين، وليست فقط "أفشل مؤسسة اخترعها الإنسان" كما تقول المسلسلات المصرية.

 

وتقول أروى أنها ترى ما ينشر على المدونات الأجنبية من تجارب شخصية للأمهات والأطفال على حد سواء، ومدى الإفادة الحاصلة منها، وهي غير متحققة هنا ربما بسبب اختلاف طبيعة المنصات المستخدمة، فاستخدام خدمة تدوين مجانية تجعل الكتابة أكثر رصانة وأكثر تركيزا، بينما السوشيال ميديا لها طبيعة مختلفة متعلقة بالترافيك و"الشير" ، فربما إذا نشر نفس الكلام على مدونة يدخل لها الناس برغبتهم الخاصة، مختلف عن التعرض لها على السوشيال ميديا بشكل لا إرادي .

         

 نظرة تربوية   

في مقابلة لميدان مع المتخصص في علم النفس التربوي الدكتور عامر غضبان عن المقاربة التربوية لنماذج التي تسوق طرقا مثالية للتربية، أجاب بأنه يمكن القول بأن الأهل الذين يقدمون أطفالهم على وسائل الإعلام إنما يفعلون ذلك لإرضاء رغبتهم هم بالإنجاز، لا لإرضاء رغبات الطفل، وأن أسرة الطفل النجم تعيش حول محور هذا الطفل، وهي أسرة تختلف فيها الأدوار عن الأسرة العادية، والطفل النجم فيها أهم العناصر لما يسببه للعائلة من شهرة، لكنه في الوقت ذاته ليس المسؤول.

      

ويضيف أن من خصوصيات نجوم الإعلام الجديد أن المحافظة على الموقع تستلزم حضورا دائما، فالغياب ثمنه تراجع كبير، وهذا يدفع أحيانا إلى تقديم محتوى لا يهدف إلا لاستمرار الحضور واستمرار الإثارة، وهذا اعتداء على الطفولة باستغلالها لهذا الغرض فقط. كما أن من لوازم هذه الشهرة أنها على الأغلب ترافق صاحبها طيلة حياته. وبهذا المعنى، نحن نقرر للطفل معنى حياته حين نضعه بين الأضواء بوقت مبكر دون اختياره.

 

ويرى الدكتور عامر أيضا أن دفع الطفل ليكون نجما على وسائل الإعلام الجديدة لا يمكن أن يكون إجراءا تربويا متكاملا؛ فهذا الطفل إما أنه قد يتلقى بسبب هذا الدفع تربية قاصرة ناقصة تغيب عنه أساسيات يحتاجها، وإما أنه قد يتلقى تربية خاطئة توجهه باتجاهات ضارة، والتربية هي حق الطفل الأول من كل الحقوق.

     

وفي النهاية، تطالعنا في ميادين مواقع التواصل كل حين ظاهرة جديدة ممتدة بآثارها الاجتماعية والنفسية، وتحتاج وقتا طويلا للحكم عليها والتعامل مع مخرجاتها السلبية وتقييم مخرجاتها الإيجابية، وبين هذا وذاك ما زال المتلقي العادي في هذه العوالم هو الأكثر ضررا كما وكيفا.

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار