اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/22 الساعة 16:06 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/7 هـ

انضم إلينا
مواقع الأمراض الاجتماعية.. هل أصبحنا نعبد الجمهور؟

مواقع الأمراض الاجتماعية.. هل أصبحنا نعبد الجمهور؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة

 في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي في متناول الجميع، زادت نسبة الأمراض النفسية، وبدأ الجانب السيء من البشرية بالظهور على هذه المنصات، سعيا لإرضاء الذات من خلال الشهرة، ليتحول الجمهور هنا إلى موجه للسلوكيات التي نقوم بها لنيل رضاهم. فهل أعمت هذه الوسائل أعيننا أم أنها أظهرت الجانب السيء من البشرية لا أكثر؟

     

نص التقرير

أهلا بكم في عالم الشبكة غير الاجتماعية حيث تجذب التطبيقات والمنصات الجديدة الناس إليها، وأهلا بكم في عالم مليئ بالمشاركات بمختلف أشكالها، وتحديدا مقاطع الفيديو، التي قد تجدون الغريب منها في كل زاوية من منصات وسائل التواصل الاجتماعي. في وقت سابق من هذا العام، بدأ شابان من كولومبوس أوهايو بثا مباشرا باستخدام تطبيق بيريسكوب "Periscope" -وهو أحد تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي الذي يسمح للمستخدمين بتصوير لقطات فيديو وبثها مباشرة من هواتفهم- حيث قاما بتصرفات غريبة في هذا البث. يتم بث المشاركات على الأجهزة التي تم تحميل التطبيق عليها، ويمكن للمستخدمين الاستماع إلى رجال يقدمون خطبا وهم في منازلهم، أو بعض المراهقات اللاتي يصورن أنفسهن في الصف خلسة، أو إلى أناس يلقون خطابات تحفيزية عاطفية.

       

ولكن في إحدى الليالي، تطلّع الشابان من كولومبوس إلى بث فيديو أكثر من مجرد تصوير شخصي "سيلفي" عن مواضيع شخصية أو جلسات شواء.  قام يوسف كونته مع صديقه ديمون روزموند بتصوير نفسه ملوحا بالمسدس في يده وهاتفه الذكي في اليد الأخرى وبثه عبر تطبيق بيريسكوب. وقف الرجلان أمام مرآة الحمام، لوّح كونته بالمسدس وروزموند برزمة من مئات الدولارات في يده، ثم قام  كونته بتصويب السلاح متظاهرا بإطلاق النار ومقلدا صوت إطلاق النار من المسدس دوم دوم دوم، كطفل يلعب بمسدسه البلاستيكي.
       

  

الأمر الذي جعل هذا البث المباشر مثيرا للقلق، إنه أصبح أكثر من مجرد عنف خيالي، حيث تسارع الحدث ليتحول إلى مشهد واقعي؛ أعلن كونته وروزموند أنه إذا ما وصل عدد المشاهدات إلى مائة مشاهد فسيخرجان إلى الحي ويطلقان النار عشوائيا. وعند وصولهم لمائة مشاهد، خرجا من مكان سكنهما في شمال ليندن في كولومبوس واستقلا سيارتهما وهما يحملان السلاح.

      

التطبيق القاتل

تألق كونته وروزموند البالغان 20 سنة من عمرهما في فريق ثانوية ويستون لكرة القدم في كولومبوس، والتحق كل منهما بكلية مختلفة، حيث التحق روزموند بجامعة توليدو وكونته بكلية موريس براون. نشرا مقاطع فيديو لهما وهما يغنيان الراب بأسلوب حر، تصرفا كأي طالبي ثانوية في جيلهما، ربما باستثناء بصمتهما على وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث كان لدى كونته وروزموند ما يزيد على 4000 صديق على الفيسبوك، وامتلأت صفحتهما بصور ملتقطة وهما عاريا الصدر، إضافة إلى منشورات وتحديثات حالة مليئة بالوجوه التعبيرية "emojis".

      

في تلك الليلة، أدرك أحد مشاهدي بث كونته وروزموند المباشر خطورة الوضع، قام رجل كان يتابع بثهما من ولاية كارولينا الجنوبية ببعث رسالة إلى موقع "No Thiefs Allowed" وهو موقع إلكتروني مقره الأساسي في كاليفورنيا ويقدم نصائح عن التعامل مع الجرائم. اتصل الموقع بالسلطات المحلية، وتمكنت شرطة كولومبوس من تعقب الشابين فاستدلت على موقعهما عبر المعالم التي ظهرت على الفيديو وتفاصيل حصلوا عليها من تطبيق "بيريسكوب". من يدري ما كان سيحصل جراء هذا العنف المسرحي الجديد لولا موقع النصائح. أشار المدعي العام في المقاطعة رون أوبراين إلى أنه اعتقد لأول وهلة أن الشابين ينويان إطلاق النار في الهواء، ولكن "يمكنك أيضا الظن بأنهما سيطلقان النار على المنازل والسيارات والناس".

   

في العاشر من مايو- أيار، أعلن أوبراين أن هيئة المحلفين الكبرى قامت بإصدار لوائح الاتهام ضد الشابين، حيث وجهت لهما خمس تهم ناتجة عن مغامرتهما تلك الليلة بما في ذلك التعامل بشكل غير لائق مع الأسلحة النارية في السيارة، ودبّ الذعر بين المشاهدين، والتعامل غير السليم مع الأسلحة النارية من خلال تقديمها لقاصر خلال بث مباشر-حيث سلموا المسدس لطفل يبلغ السنتين من عمره-. ووفقا لبيان صحفي أصدره مكتب أوبراين، أنه إذا ما تمت إدانتهما فإن كلا منهما قد يقضي أكثر من خمس سنوات فى السجن. تم إطلاق سراح كونته وروزموند -اللذين لم يتسن لنا الوصول إليهما للتعليق على هذه القصة- بكفالة تبلغ قيمتها 75,000 دولار لكل منهما.

    

يوسف كونته وصديقه ديمون روزموند

مواقع التواصل
   

عند ابتكار "بيريسكوب"، كان تصور مبتكر التطبيق أن يكون وسيلة لتوثيق العالم في الوقت الفعلي من خلال بث حي ومباشر، للعب دور مراسل عالمي لإرساء الديمقراطية بين الناس عبر استخدام وسائل الإعلام الاجتماعية. استلهم مبتكر التطبيق - كايفون بيكبور- فكرته بينما كان في اسطنبول خلال احتجاجات عام 2013 في ساحة تقسيم. لمعت الفكرة في ذهنه عند دخوله على صفحة "تويتر" ومواجهته لبعض القيود التي يفرضها توتير على مستخدميه؛ بما في ذلك أنه كان بإمكان الناس إطلاعك على ما كان يحدث من خلال كتابة 140 حرفا، ولكن لم يتم توفير مساحة لهم ليعرضوا ما يحدث على أرض الواقع من خلال تصوير فيديو يتم بثه مباشرة. في تلك اللحظة، عندما شعر بوجود فجوة معينة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولدت فكرة تطبيق "بيريسكوب". في مقابلة مع الموقع الإخباري بيزنيس إنسايدر "Business Insider" في عام 2015، وصفت جيسيكا فيريلي -المديرة الاستراتيجية لتويتر التي ساعدت شركتها في الحصول على تطبيق "بيريسكوب"- كيف أذهلتها إمكانيات التطبيق "عندما شاهدت حريقا كبيرا في سان فرانسيسكو، وأولى خطوات طفل ما، ورحلة شخص في علاجه من السرطان".

      

إن تسجيل الدخول إلى تطبيق "بيريسكوب" وتطبيق ميركات "Meerkat" مختلف قليلا، حيث ستجد المئات من الناس يحاولون تحويل حياتهم إلى مراحل وعرضها بهذا النمط. يمكن للبث المباشر أن يشعرك بالإثارة والإطلاع، فعلى سبيل المثال احتوت إحدى المشاركات على المراحل الأولى لتطويق الشرطة لمكان تم إطلاق النار فيه قبل وصول محطات الأخبار المحلية لهذا الموقع بوقت طويل. يتم توجيه معظم المشاركات من قبل المشاركين الذين يقومون ببث فيديوهاتهم. لا يعرض الناس عالمهم بقدر ما يصورون أنفسهم؛ سواء أكانت الفتيات الصغيرات اللواتي يبحثن عن نظرة ذكورية مجهولة، أو لمستثمر يقوم ببناء علامته التجارية على وسائل التواصل الاجتماعي، أو أشخاصا يقومون ببرنامجهم الحواري الخاص كبرنامج ترومان، فتطبيق "بيريسكوب" عبارة عن منصة للذات.

    

انظر إلي

بدأت الأبحاث تشير إلى وجود علاقة بين الاستخدام الكثيف لمنصات وسائل التواصل الاجتماعي وثالوث الظلام - مجموعة من السمات الشخصية التي تشمل الاعتلال النفسي والمكيافيلية والنرجسية-. هذه الصفات موجودة في الصور المأخوذة شخصيا وتحديثات الحالة، إلا أن إثبات أي نوع من العلاقة السببية لا يزال بعيد المنال، ولكن يبدو أن هناك رابطا بين الأمرين.

   

من الجدير بالأهمية أنه في الوقت الذي ربطت الدراسات فيه بين طول المدة التي يتم قضاؤها على مواقع الشبكات الاجتماعية وبين السمات المظلمة، تم التوصل إلى أن اتصاف الشخصيات بهذه السمات لا يعتمد فقط على مؤشرات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة. فمن ناحية أخرى، وجدت دراسات أخرى أن الشخصيات المنبسطة والمنفتحة على التجربة مرتبطة أيضا بالوقت الذي يتم قضاؤه على منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

     

   

يلاحظ البروفيسور كيث كامبل -عالم النفس في جامعة جورجيا- أن وسائل التواصل الاجتماعي قد خلقت بيئة عظيمة لازدهار الهوس الذاتي. وعلى الرغم من أن المجتمع بشكل عام لا يغض الطرف عن الأشخاص الذين يصبون جل اهتمامهم على مظهرهم الخاص وآرائهم وإنجازاتهم، إلا أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي تعتبر بؤرا مثالية للأشخاص المهووسين بأنفسهم.

    

في إحدى الدراسات وجد الباحثون أنه كلما امتلك الشخص صفات غير مستقرة اجتماعيا كلما أمضى وقتا أطول على "فيسبوك" و"تويتر" و"إنستجرام". كما وجدت دراسة أخرى أجريت في عام 2013 من قبل باحثين في جامعة ميشيغان أن التغريد على موقع "تويتر" مرتبط ارتباطا معتدلا بشعور التفوق، في حين أن النشر على "الفيسبوك" يرتبط بحب الاستعراض. يظهر الأمر جليا في العناوين الرئيسية الأخيرة التي تظهر سعي الشباب للشهرة واكتساب جمهور.

       

في العاشر من سبتمبر- أيلول لعام 2015، كانت كريستال ماكغي البالغة من العمر 18 عاما تعرض صورا ومقاطع فيديو على تطبيق "سناب شات" أثناء قيادتها سيارتها مع العديد من زملاء العمل على الطريق السريع خارج أتلانتا. وقد فعّلت خاصية "فلتر" السرعة على سناب شات، الذي يسمح للمستخدمين تتبع مدى سرعة السيارة أثناء التقاط صورة على التطبيق. حوالي الساعة الحادية عشر والربع مساء، بدأت ماكغي بزيادة سرعة سيارتها المرسيدس بنز C230، حيث كان تطبيق "سناب شات" يعرض سرعتها التي تخطت ثمانين ميلاً في الساعة، ثم تسعين فمائة ميلاً.

      

   

تشتت انتباه ماكغي بين الطريق وهاتفها، فلم تر سيارة الميتسوبيشي آوتلاندر التي كانت تندمج أمامها في المسار على الطريق السريع. أدركت ماكغي الأمر متأخرا ولم تستطع التوقف، اصطدمت سيارتها في الميتسوبيشي بقوة كبيرة محلقة في الهواء فوق  المسارات الأربعة على طول الطريق السريع لتتوقف عند حاجز الطريق. في لحظة الاصطدام، كانت ماغي تسير بسرعة 107 ميلا في الساعة، ووفقا لأحد ركاب سيارتها فإن سرعة السيارة على فلتر "السناب شات" وصلت إلى 113 ميلا في الساعة. أصيب سائق الميتسوبيشي -وينتورث ماينارد- بجراح خطيرة وأمضى خمسة أسابيع في العناية المركزة، وأسفر الحادث عن معاناته من إصابة دائمة في الدماغ، كما أصبح يستخدم عكازين وكرسيا متحركا. قام برفع دعوى ضد كل من ماكغي و"سناب شات"، تتضمن فحوى الدعوى أن ماكغي كانت مسرعة بينما كان تستخدم "سناب شات" ساعية للحصول على إحدى ميزات التطبيق "كأس رقمي" . بعد وقوع الحادث، عندما كانت ماكغي مربوطة بالنقالة مع وجهها المضرج بالدماء في سيارة الإسعاف، قامت بالدخول للتطبيق من جديد لتلتقط صورة سيلفي، معلقة عليها: "محظوظة لكوني على قيد الحياة".

       

في عام 2011، نشر عالم النفس كريس كاربنتر من جامعة ويسترن إلينوي دراسة تبحث في وسائل الإعلام الاجتماعية والصفات مثل الاستعراض والاستحقاق والاستغلال. وكانت النتيجة الأكثر انتشارا للدراسة هي أن الاستعراض المتكلف يؤدي إلى سلوكيات تعزيز الذات في الفيسبوك بما في ذلك نشر صور ملتقطة شخصيا وتحديث الحالة وتنقيح المعلومات الشخصية بشكل دوري. وجدت دراسته أيضاً أن الاستعراض المتكلف يحدد نوعا ما عدد الأصدقاء على الفيسبوك والوتيرة التي يقبل بها أصحاب الحسابات الغرباء كأصدقاء. كلما زاد إحساس الفرد المتعالي بقيمة الذات، زادت رغبته في توسيع الشبكة الاجتماعية والجمهور المحتمل، حتى لو كان ذلك يعني قبول طلبات صداقة من أشخاص غرباء كليا.

       

على الرغم من النتائج، إلا أن كاربنتر متحفظ على ما إذا كانت زيادة شعبية وسائل التواصل الاجتماعي لديها القدرة على تغيير شخصيات الناس؛ حيث أشار إلى أن هذا النوع من التساؤل يندرج أسفل "أسئلة جوهرية حول كيفية تطور الشخصية والتعبير عنها". من جهة أخرى، أضاف أنه على الرغم من أن بعض السمات الشخصية وراثية أكثر من غيرها، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي "قد تعطي السمات الموجودة منفذا أكبر مما يؤدي إلى تعزيز البعض وإضعاف الآخرين من خلال مكافأتهم بالتعبير عنها".

 

قد تكون أحد أسباب تعزيز وتزايد بعض الصفات مثل الاستحقاق والغرور والاستغلال والاستعراض لنوع الشخصية الشاملة التي ترتبط بها -النرجسية ليست مزعجة أو غير مرغوب فيها لمن يمتلكها- بكل بساطة إنها تندرج ضمن "التناغم مع الذات". تتفق سلوكيات التناغم مع الذات مع شخصية الشخص وشعوره بالذات، خلافاً للسلوكيات المثيرة للاضطراب مثل مكافحة الاكتئاب. وبعبارة أخرى، السلوك المتناغم مع الذات يثلج صدر المهووس بنفسه. يرى كاربنتر الأمر على أنه: "مجرد أمر يزعج من حوله". لن يسعى الناس للحصول على علاج من الغرور المفرط أو الشعور بالتفوق أو العظمة: إنهم يحبون الشعور النابع من هذه الصفات.

      

  

أكدت الدراسات رأي الكثيرين، وهو أن هاجس الذات قد تمتع بازدياد مطرد على مدى السنوات العشر الماضية بواسطة الإنترنت. وقد أثار هذا الافتتان المتزايد موقفا جديدا تجاه هذه السمة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالشباب: فإن الهوس بالذات لم يعد أمرا يخجل منه الشباب في العشرينيات من عمرهم بعد الآن. فكما تصيغها جين تووين -عالمة النفس في جامعة ولاية سان دييغو- مؤلفة كتاب "Generation Me" "إنهم فخورون بذلك".

        

تعتقد كاثرين رامسلاند -وهي طبيبة نفسية شرعية وخبيرة في علم الأمراض المتطرفة- أن هناك تحولا ثقافيا مماثلا يجري حاليا مع الاعتلال النفسي. فكما أوضحت: "كان هناك تضاؤلا تدريجيا لفكرة أن المريض النفسي أو الميكافيلي وحش، فيتم اعتباره الآن الشخص المتكيف بشكل جيد والذي يمكنه النجاح والمضي قدما". وعند مقابلة المرضى النفسيين بالازدراء قاموا بتطوير بصمة هدامة على الآخرين التي انتقلت إلى التلفاز ضمن برنامج "ذا جينكس" ومسلسلي "دكستر" و"هانيبال"، إضافة إلى نشر كتاب "حكمة المرضى النفسيين" (The Wisdom of Psychopaths) وكتاب "تقريبا مريض نفسي"  (Almost a Psychopath). ومن خلال وسائط الإعلام على الإنترنت، قام جزء من أهل الفكر بتشخيص السياسيين واندفاعاتهم غير المتوقعة من خلال تمجيد الرذائل وكأنها فضيلة. فترى رامسلاند أنه: "يتم الإشادة ببعض السلوكيات المعادية للمجتمع أو غير الاجتماعية".

   

ثالوث الظلام

بعد أقل من أسبوع من تهديد كونته وروزموند بإطلاق الرصاص من سيارتهما، استخدمت مارينا لونينا البالغة من العمر 18 عاما تطبيق "بيريسكوب" في بثها المروع. في 26 من فبراير- شباط، التقت لونينا وصديقتها بشاب اسمه ريموند غيتس والذي يبلغ  من العمر 29 عاما في مركز تجاري في كولومبوس. وفي المساء التالي، التقوا جميعا في منزل غيتس حيث فتح زجاجة فودكا وبدأ ثلاثتهم بالشرب. في تلك الليلة، ثبّت غيتس صديقة لونينا البالغة من العمر 17 عاماً وبدأ بالاعتداء عليها جنسيا. حين ذلك قامت لونينا ببث الاعتداء مباشرة على تطبيق "بيريسكوب" بدلا من محاولة مساعدة صديقتها أو استدعاء الشرطة، متجاهلة مناشدات صديقتها التي تعرضت للاغتصاب، ضحكت لونينا بابتهاج حين امتلأت شاشة هاتفها بالقلوب المشيرة إلى إعجاب المشاهدين. تم إخطار السلطات فقط عند رؤية أحد أصدقاء لونينا لمقطع الفيديو المروع. في الوقت الراهن، يواجه كل من لونينا وغيتس تهما بالاختطاف والاغتصاب والاعتداء الجنسي -من بين جرائم أخرى- وإذا ما أدينت فإنها يمكن أن تقضي أكثر من أربعين عاما في السجن.

    

بدت لونينا غير قادرة أو غير راغبة في فهم خطورة الفظائع التي تحدث أمامها. فأعمى عدد المشاهدين -الذين شاهدوا الجريمة مباشرة من خلال التطبيق- عينيها عن حالة الاغتصاب والواقع نفسه الجاثم أمامها. لكن لماذا؟ ما التغيرات الجديدة السامة على سلوك السعي وراء الشهرة التي دفعت بكونتيه وروزموند وماكغي ولونينا لارتكاب مثل هذه الأعمال المعادية للمجتمع؟

    

  

"ثالوث الظلام" هو مفهوم قام بصياغته كل من ديلروي بولهوس وكيفن ويليامز من جامعة كولومبيا البريطانية في عام 2002. يجمع هذا المفهوم  بين الصفات المظلمة الثلاث المترابطة والمتميزة في الوقت ذاته. في بداية عملهما، عمل ويليامز وبولهوس على إظهار الاختلافات الحاسمة بين السمات الثلاث وتصنيفها. وفقا لبولهوس، أرادا إثبات نقيض الفكرة السائدة بأن: "هناك نوع واحد من الأشخاص السيئين، حيث يمتلك الشخص السيء جميع الصفات السيئة". ويا ليت الأمر بهذه البساطة؛ فالكائن البشري هو كائن معقد التركيب، حيث تتباين حدة ونوع السلوكيات الأنانية وأوجه التكيف.

       

يتميز الاعتلال النفسي بالاندفاعية العالية وانخفاض التعاطف؛ فتعتبر النرجسية سمة شخصية لأفراد يمتلكون شعورا مبالغا فيه لقيمة ذاتهم. أما أصحاب الشخصيات المتسمة بالميكافيلية فيتميزون بالتلاعب والاستغلال. فيرى الطبيب النفسي الجنائي مايكل ويلنر أن الميكافيلية تعكس "قدرة أكثر تقدما للفكر ... حيث يتم استخدام الفوارق البسيطة كأداة فنية مدمرة". (أنظر مقال "حقيقة النرجسيين").

      

اكتسب مفهوم "ثالوث الظلام" منذ نشأته زخما كبيرا، وهنالك سبب منطقي لذلك؛ فقد وفر وسيلة جديدة لفهم "الشر" في إطارٍ أو سعي شمل حياة الأفراد اليومية. لا يركز ثالوث الظلام على الأشخاص الذين يرتكبون جرائم شنيعة ويقضون أحكاما طويلة بالسجن؛ بدلا من ذلك يركز على الأشخاص الذين يقومون بالكذب والغش والاستغلال بشكل لا مبالغة فيه والذين يعيشون بيننا. يذكر بولهوس أنه: "يمكن لهذه الشخصيات الطفيلية أن تخرق جميع القواعد للبقاء على قيد الحياة والنجاة في مجتمعاتهم من خلال الاستفادة من الآخرين".

    

في يناير- كانون الأول من عام 2014، نشرت جيسي فوكس من جامعة ولاية أوهايو دراسة تبحث في ما إذا كان ثالوث الظلام مؤشراً على مقدار الوقت الذي يقضيه الرجال على مواقع الشبكات الاجتماعية وعدد الصور الملتقطة شخصياً "سيلفي" التي يقومون بنشرها، ومن المعروف أن مقالتها هي أول دراسة أكاديمية عن الصور الملتقطة شخصيا ولكن استنتاجاتها لها آثار واسعة النطاق. وجدت فوكس أن كلا من الاعتلال النفسي والنرجسية توقعا عدد الصورالملتقطة شخصيا التي تم نشرها، كما أثبتت أن جميع صفات ثالوث الظلام لها علاقة بمقدار الوقت الذي يتم قضاؤه على مواقع الشبكات الاجتماعية. وأكدت فوكس أن: "وسائل التواصل الاجتماعي ... ترسم بيئة فريدة من نوعها، حيث يمكنك التلاعب أكثر في كيفية التواصل مع الآخرين".

     

   

أوضحت فوكس أن وسائل التواصل الاجتماعي تفضي بشكل فريد إلى سمات الثالوث المظلم، لأنها تتيح للمستخدمين التحكم بدقة في كيفية تقديم أنفسهم، مما يتيح لهم التواصل مع الآخرين بطرق انتقائية ومتعمدة. ويمكن النظر في الأمر بطريقة مختلفة، فإن التفاعل على المواقع والتطبيقات يفتقر إلى العفوية والبساطة التي تشعر بها عند لقائك صدفة بشخص ما في صالة الألعاب الرياضية أو في محل بقالة، كما يمكن للدوافع الذاتية أن تسيّر كل قرار على وسائل التواصل الاجتماعي. هناك أمر ميكافيلي في سلوك التعاطف الظاهري على الإنترنت: عندما نصادق ونتابع أشخاصا آخرين، أو نضغط على أيقونة الإعجاب بمنشوراتهم على "الفيسبوك" و"إنستجرام"، قد تكون استراتيجية نتبعها في حشد متابعينا وتطوير المعاملة المتبادلة بالمثل، مما يعزز عدد متابعينا وعدد الإعجابات بمنشوراتنا.
         

إغراء العقل

يمكن وصف الاعتلال النفسي والميكافيلية بالتناغم مع الذات -مما يعني السلوكيات التي تكون محل قبول وتناغم مع احتياجات ومبادئ الأنا- بسبب المزايا الاجتماعية التي تمنحها والشعور بالرضى الذي يشعر به الأفراد. لا يتكبد الأشخاص الذين يتسمون بسمات ثالوث الظلام أي معاناة ذهنية لتكيفاتهم الاجتماعية المؤذية؛ ففي ظل جميع أشكالها المؤذية إلا أنها مجزية لهم. عبرت فوكس عن ذلك قائلة: "نحن بافلوفيون جدا" وقصدت بالبافلوفي نظرية الإشراط الكلاسيكي التي وضعها عالم النفس إيفان بافلوف، والتي توضح كيف يكتسب منبه خارجي معين القدرة على استحضار استجابة الفرد الخاصة بمنبه آخر. وأضافت: "[في علم النفس] يعود الأمر إلى الإشراط والتكيف وهذا أحد أكثر أشكال الإشراط المزعجة. يشعر الأشخاص بالغبطة أو بحالة تحقيق حالة مرجوة بشكل حاد أو مفاجئ في كل مرة يحصلون بها على إعجاب أو مشاهدة، ولا يمكنهم إيقاف هذا الشعور بالمكافأة".

       

في عام 2013، أكدت دراسة قام بها باحثون ألمانيون الإحساس البافلوفي؛ حيث وجد الباحثون أن الأفراد الذين قضوا المزيد من الوقت في تصفح الفيسبوك كان لديهم مستويات أعلى من النشاط في النواة المتكئة من الدماغ، وهي المسؤولة عن مركز المكافآت بالدماغ البشري. ربما تعمل وسائل التواصل الاجتماعي على تفعيل مركز المكافأة في الدماغ، كما تقوم بتدريبه على الاستجابة بشكل مكثف للثناء الاجتماعي مع مرور الوقت.

     

  

أولئك الذين يمتلكون سمات ثالوث الظلام يتمتعون بالطرق المختصرة لتحقيق أهدافهم والإنجاز. أما المتصفين بالميكافيلية فيتلاعبون بمن حولهم للوصول إلى السلطة، ويدوس المرضى النفسيون على الآخرين للحصول على ما يريدون. الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الصفات وما شابه ذلك ينصب تركيزهم على أنفسهم قبل كل شيء، فليس من المستغرب أنهم يلتقطون صوراً شخصية بنسبٍ عاليةٍ جدا. ولكن ما زال قيام الأشخاص القساة مرضيا -إذا كان مثل هذا المصطلح الشامل يمكن أن يستخدم لوصف الأفراد الذين يركزون على الذات، وأكثر تلاعبا وأقل تعاطفا- بقضاء مزيد من الوقت على مواقع الشبكات الاجتماعية أمرا غير واضح على العموم.

      

قد تساعد دراسة عام 2013 على توضيح الصلة؛ فإن الأفراد الذين يمتلكون الصفات المظلمة يتمركزون على أنفسهم، ويسعون للمكافآت الاجتماعية الخاصة بهم. من ناحية أخرى، أثبتت عمليات المسح الدماغي أن مواقع الشبكات الاجتماعية قد أصبحت إحدى أنجع الطرق لجني تلك المكافآت. كما أشار كونته وروزموند اللذان وعدا بإطلاق النار في الحي إذا ما حصلوا على عدد مشاهدين كثر؛ أو كما حدث مع ماكغي التي خاطرت بحياة عدة أشخاص وأصابت سائقا آخر بجروح خطيرة لأنها أرادت توثيق قيادتها المفعمة بالإثارة والحصول على كأس رقميٍ. أو كما حدث مع  لونينا التي كانت مخمورة جدا بنيل الرضى الاجتماعي فوقفت مشاهدة صديقتها تُغتصَب أمامها دون فعل شيء. إننا نتجه صوب الإشباع الفوري والإرضاء اللحظي -من خلال ردود الفعل والإعجاب بمنشوراتنا- الأمر الذي توفره وسائل التواصل الاجتماعي على حساب كل شيء آخر من حولنا. ومن المنطقي أن تزدهر هذه السمات على وسائل التواصل الاجتماعي لأن هؤلاء الناس سعداء بالسعي للحصول على مكافأة شخصية ورضا من خلال هذه المنصات.

     

لا تزال الأبحاث التي تجرى لاستكشاف العلاقة بين مواقع الشبكات الاجتماعية وثالوث الظلام في مهدها، وكما تصفها فوكس: إنها حلقة مفرغة بسبب سرعة ظهور منصات جديدة وتطور القديمة منها. ولكن دراسة العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي وثالوث الظلام واعدة لأنها تخلق نقاشا أبعد من حدود النرجسية.

       

  

في يونيو- حزيران، وبعد أشهر من التغطية الإعلامية التي تربط قيادة ماكغي لسيارتها بسرعة من أجل "سناب شات"، اتهمت الشرطة المراهقة بالتسبب بحادث سيارة أسفر عنه إصابة خطيرة، وهي جناية يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى خمسة عشر عاما. إضافة إلى ذلك، يواجه كونته وروزموند ولونينا -الذين لا يتعدون الـ 21  من عمرهم مثل ماكغي- اتهامات ذات أحكامٍ تتراوح بين خمس سنوات وأربعين سنة في السجن.

        

في الوقت نفسه، تجاوز "سناب شات" مؤخراً "تويتر" في عدد المستخدمين النشطين يوميا، ويضم التطبيق أكثر من 150 مليون نسمة. أما "بيريسكوب" الذي تم إطلاقه قبل عام تقريبا، أعلن في ربيع هذا العام أنه تجاوز 200 مليون بث.

 ____________________________

  

المقال مترجم عن "سايكولوجي توداي"

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار