اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/24 الساعة 14:22 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/9 هـ

انضم إلينا
سلوك طفلك يزداد سوءا؟.. تصرفات الوالدين مسؤولة عن ذلك

سلوك طفلك يزداد سوءا؟.. تصرفات الوالدين مسؤولة عن ذلك

  • ض
  • ض
في أحد المستشفيات الجامعية، كان الطفل "غسان"[*] يتردد مع أسرته على العيادة الخارجية بقسم الطب النفسي؛ بحثا عن علاج لحركته المفرطة ومعاناته من التبول اللاإرادي، بالإضافة إلى معاناة أسرته من سلوكه الحاد والتعدي على أمه بالضرب، وعدم الاستجابة للتعليمات أو التهديدات.

    

بعد سؤال والديه وإخوته عن حالته، تبيّن أن سلوكيات الصبي المذكورة كانت تُقابل من أهله إما بالضرب وإما بالاعتزال عنه، وهو ما فاقم الأمر إلى فشل دراسي، اقترحت بسببه المدرسة تحويله إلى إحدى المدارس الفكرية، وتفاعلت معه الأسرة بعرضه على الطب النفسي الذي عالج الطفل بالعقاقير للتحجيم من فرط الحركة، لكن في الحقيقة، وحسب الدكتور "عبد الستار إبراهيم" وآخرين[1]، فإن أسبابا أكبر من الاضطرابات العضوية كانت تقف خلف معاناة الصبي.

  

ففي الوقت الذي كانت الأسرة تشتكي من سلوك ولدهم وتأخره الدراسي، كانت اختبارات الذكاء، التي لجأ إليها المعالجون، تخبرهم أن "معايير التخلف العقلي لا تنطبق عليه، وأن مشكلاته الانفعالية والسلوكية  والعقلية -بما فيها التخلف الدراسي- كانت عرضا من أعراض الاضطراب وليست بسبب التخلف العقلي"[1]، الأمر الذي وضعهم أمام التساؤل الهام: لماذا يفعل الولد ذلك؟

    

   
قبل البدء: أجِب عن "لماذا؟"
في بحث حول التقويم السلوكي للطفل، يضع الباحث "خالد رُوشه"[2] عددا من القواعد المنظِّمة لخطوات العلاج، فهو يرى -قبل البدء في أي شيء- أن تشخيص حالة الطفل بصورة صحيحة سيختصر كثيرا من المحاولات المتبعة في تقويم اضطراباته وسلوكه الحاد.

     

فالإجابة عن سؤال "لماذا؟"، الذي يشرح دوافع الطفل، ستكون محورية قبل البدء في أي شيء، كما هو الأمر في حالة الطفل "غسان"؛ إذ أن الجلسات التشخيصية أثبتت -فيما يختص بسلوك الصبي- أن ما يقف خلف سلوكياته المضطربة هو الإهمال النفسي الذي يعانيه من أسرته، إذ إنه يلاقي -بدلًا من احتواء أزمته- انزعاجًا واسعًا مما يفعله دون محاولة للعلاج.

      

فحسب "جابارينو" و"كوتر"[3] فإن حرمان الطفل من السلوك الإيجابي -كالعناق والمودة- يقف بقوة خلف التحطيم المعنوي الذي يحدث له، كما يؤدي الفشل في إمداده بالعاطفة والمساندة النفسية إلى الأمر ذاته. فإذا أضفنا إلى ذلك ما فعلته أسرة "غسان" حين سمحت لهذا السلوك السلبي بإحداث الخلل في العلاقة بين الطفل وأبيه/أمه، وإنقاص ثقته في نفسه، فإن شروط "جابارينو" و"كوتر"، الخاصة بتدمير نفسية الطفل، ستكون قد تحققت بالكامل. 

     

   

وهي الشروط التي يُضاف إليها عامل خامس، يؤذي نفسية الابن متى حضر، وهو اليأس من تقويم سلوك الطفل السلبي، الأمر الذي يدفع الطفل لمحاولة تعويض الانتباه المفقود -من والديه- بسلوكيات ملفتة لا تكون حميدة في كل حال. لذا فإن دراسة الأسباب الكامنة خلف السلوك هي الخطوة الأولى في تقويم الأبناء، وهي الأسباب التي ينصح "رُوشه" الآباء -والمربين عموما- بالوقوف على حقيقتها قبل محاولة العلاج.

    

ثم تأتي بعد ذلك بعض الأسئلة المعاونة، كالسؤال حول تاريخ السلوك السلبي وتطوره ومثيراته المباشرة: متى بدأ عند الطفل؟ وكيف تطور؟ وفي أي المواقف تحديدا ينشط هذا السلوك؟ فإذا أجبنا على ذلك، انتقلنا بعدها إلى تحديد الحالة المزاجية لدى الطفل عند ممارسة سلوكه السيئ: هل يقوم بسلوكه هذا مستمتعا أم يفعله بضيق واكتئاب؟ ثم، وقبل الشروع في العلاج، ننتقل للإجابة الأخيرة عن هذا السؤال: هل مارس الوالدان الضرب والزجر تجاه الطفل لينهيانه عن ذلك السلوك؟ متى كان ذلك وكيف كان الأثر؟ فإذا حُصِرت هذه الإجابات كانت السبيل ميسرة للعلاج، وهو ما يساعد فيه المختصون إذا قصرت قدرة الآباء عن ذلك.

    

التدعيم والعقاب

في مواجهة السلوك السلبي للطفل، فإن ثمة طريقين يلوحان للمُربِّي من أجل تحييد هذا السلوك، ومن ثم استبداله في ما بعد بآخر قويم، وأول هذين الطريقين يتمثل في الدعم النفسي، بينما يبدو الآخر عن طريق العقاب. والتدعيم في هذا السياق هو "أي فعل يؤدى إلى زيادة في حدوث سلوك معين أو إلى تكرار حدوثه"[1]. وهو ما ينقسم بدوره إلى نوعين: تدعيم إيجابي، وآخر سلبي يقابله.

     

فالأول هو "أي فعل أو نشاط يرتبط تقديمها للفرد بزيادة في السلوك المرغوب فيه"[1]، بينما يتمثّل الثاني في إزاحة بعض المثيرات السلبية حتى يظهر السلوك الإيجابي[4]، وفي ذلك يُفضّل المعالجون أن يتبع الأب/الأم استراتيجية التدعيم الإيجابي لما لها من سهولة وسرعة في إحداث النتيجة المتوقعة[1].

    

  

أما عن السبل التي يمكن للوالدين اتباعها في الدعم، فإنها تنقسم إلى محاور ثلاثة أولها هو الدعم المادي وإشباع حاجات الطفل الحيوية، وثانيها يحدث بالدعم الاجتماعي عن طريق الاهتمام والابتسام والعناق، أو باستخدام ألفاظ الاستحسان والمدح، في حين أن المحور الثالث من محاور الدعم يقوم على الدعم النشاطي "المرتبط بأداء نشاطات محببة مثل الخروج للنزهة والذهاب للملاهي ومشاهدة برنامج محبب للطفل"[1]، أو حتى بإسداء خدمة له، كإصلاح لعبته أو أي من أغراضه[**].

 

وبمبدأي الترغيب والترهيب، يقف العقاب على الجانب الآخر في مقابل الدعم. فلو كان التدعيم يقف على ضوابط تمنعه من الانجراف إلى التدليل الزائد، فإن العقاب -كذلك- سيحتاج ما يضبطه لأداء الغرض المطلوب، بانتهاء الطفل عن السلوك السلبي، دون إلحاق الضرر والأذى البدني أو النفسي بالطفل المُعاقَب. وتعليقا على هذا، يقول أستاذ علم النفس التربوي الدكتور راشد السهلي إن "العقاب التربوي هو العقاب الناجح، فأحيانا يقوم الأهل بمعاقبة الطفل ويكرر نفس الفعل مرة أخرى، وهذا دليل على أن العقاب كان خاطئا"[5]، مؤكدا أن العقاب الذي لا يضبط السلوك يزيده انحرافا وقد يؤدي إلى التمرد والكذب والعناد؛ لذا فإنه يحذر الأهل من تكرار العقاب الذي يعرفون -من البدء- عدم فاعليته مع ابنهم.

   

ورى السهلي أن العقاب حين يفشل، فإن ذلك يتم بسبب إغفال الأهل لعدد من الأمور، مثل عدم إقناعهم للطفل بخطئه، أو اتخاذ عقاب غير مناسب لحجم الخطأ أو لمرحلته العمرية، ومن ثم تعوّد الابن على العقاب بلا فائدة. كما يُرجع "السهلي" هذا الفشل إلى بعض المفاهيم الخاطئة عند الأهل تجاه أبنائهم، كأن يظن الوالد أن ابنه يتحداه ويتعمّد تكرار الخطأ، أو أنه يعاني من عدم الفهم الذي لا تصلحه إلا الشدة.

     

الطفل عادة لا يميز بين فكرة (رفض) السلوك من قِبل الأهل، وفكرة (حجب) الحب بسبب هذا السلوك؛ إذ لا تصله -حينها- سوى رسالة واحدة: "أبي لم يعد يحبني"، أو "لم تعد أمي تهتم بي"

مواقع التواصل 
    

كما حدد أستاذ علم النفس التربوي عددا من الأخطاء لا ينبغي للأهل التعرّض لها عند ممارسة العقاب، فهو ينصح الوالد -مثلا- بعدم الانفعال أثناء ممارسة العقاب، إما بالعنف والصراخ أو بالضحك، وكذا ينهاه عن استعمال التهديد بالعقاب، أو تأجيله لما بعد الواقعة، كما ينبه على عدم المبالغة والإسراف في تنفيذ العقوبة المقررة تجاه الطفل. فلكي يكون العقاب ناجحا، فإن السهلي يرى ضرورة الاتفاق بين الوالدين على صيغة المعاقبة، واستشارة المختصين في اختيار ما يتناسب مع عمر الطفل وحجم فعلته، وأن يكون العقاب محددا من قبل ويعرفه الطفل،"كما يمكن للطفل أن يختار نوع العقاب كذلك، لأن الهدف من العقاب هو التأديب، كأن نقول للطفل هل أحرمك من التلفاز أم من الذهاب لنزهة"[**]، ويتم بعد الفعل مباشرة، على أن يميّز الطفل -نفسه- ماهية العقاب، فيفهم أن عقابه هنا بسبب الفعل لا بسبب شخصي، وأن هذا العقاب لا يؤثر على محبة والديه له ولا يحمل أي موقف تجاه ذاته.

     

فالطفل عادة لا يميز بين فكرة (رفض) السلوك من قِبل الأهل، وفكرة (حجب) الحب بسبب هذا السلوك؛ إذ لا تصله -حينها- سوى رسالة واحدة: "أبي لم يعد يحبني"، أو "لم تعد أمي تهتم بي"[6]؛ لذا فإن خبراء التربية ينصحون الأهل، بعد كل سلوك خاطئ من الابن، أن يعبروا عن حبهم له. فوجود عواقب للأفعال هو شيء جيد بطبيعة الحال، لكن امتداد هذه العواقب إلى حجب الحب هو ما يجب الحذر منه؛ لأن الأطفال يتغيرون بلا شروط ولا اشتراطات[6].

      

ما وراء السلوك

ماذا لو كان السلوك مجرد قشرة على الوجه؟ من هذا السؤال ينطلق البحث السيكولوجي "العلاج السلوكي للطفل"[1] لبناء الجسور التحليلية بين ما يظهره الطفل من سلوك سلبي/منحرف، وما يرسخ في أفكاره وقناعاته -عن نفسه وعن العالم- من مسببات حقيقية لهذا السلوك.

    

     

لذا، ووفقا للبحث المذكور، فإن أهم ما ينبغي الاهتمام به أثناء العلاج السلوكي هو علاج أساليب إدراك الطفل واتجاهه نحو المواقف أكثر من التركيز على تحليل المواقف الخارجية[7]، وقد أمكن، في هذا الشأن، تحديد عدد من مصادر القصور المعرفي، التي يرتبط ظهورها عند الطفل باضطرابات غير مرغوبة في السلوك[1]فيعتبر الأخصائيون[1] أن نقص المعلومات وقلة الخبرة يقفان خلف الكثير من السلوك السلبي للأبناء؛ إذ إن جزءا كبيرا من الأخطاء التي يرتكبها الطفل قد تكون نتيجة لجهله الطريقة الصحيحة في التصرف أو التفكير؛ لذا فإن العلاج السلوكي للطفل يبدأ من إعطاء معلومات دقيقة حول السلوك السليم الذي ينبغي ممارسته في المواقف التي يتعرض لها، وكيفية التغلب على الأخطاء بدلا من الحكم على مخاوف الطفل بأنها خاطئة وحمقاء، "وبدلا من معاملته كما لو أنه رجل ناضج أو امرأة ناضجة وهذا ما يدفعنا في كثير من الأحيان لمعاقبة أطفالنا بقسوة وتحميلهم ما لا يطيقون نتيجة سلوكياتهم التي تحمل وجه الطفولة"[**].

       

بينما يظهر المصدر الثاني للقصور المعرفي في المعتقدات والأفكار الخاطئة للطفل، عن نفسه وعن الآخرين، وتخيله أمورا وأوهاما -مخالفة للحقيقة- تدفعه للتصرف على نحو مضطرب. فالسلوك العدواني لدى الطفل لا يُشترط حدوثه بسبب اضطراب عضوي أو مواقف بيئية، وإنما يمكن إرجاعه، وفقا لـ"كازدين[1]، لتفسير الطفل للمواقف الخارجية على أنها مُهدِّدة له ومحبطة لآماله، ومن ثم سيكون التصرف العلاجي هنا هو "إعطاء الطفل معلومات دقيقة عن موضوعات الخوف والتهديد" من أجل أن يكتشف بنفسه "أن مخاوفه غير موضوعية"[1]، "ومساعدة الطفل على الإدارة الحقيقية لمشاعره، من خلال التعبير عنها وتعريفه بها، وإقرارنا نحن كأهل بها، ليكون قادرا على التعامل معها وإدراتها بشكل سهل"[**]

     

وفي سياق الأخطاء المعرفية عند الأطفال، تأتي متلازمة التوقعات السلبية، عند الطفل تجاه محيطه، كمصدر ثالث من مصادر اضطراب السلوك، فيكون الاكتئاب -مثلًا- نتيجة لخيبة أمل وسلسلة من الأخطاء الاجتماعية الممارسة في حق هذا الطفل، والمعني بالاكتئاب هنا هو "الذي يحرم الطفل من أداء الدور الاجتماعي، والاختلاط بالآخرين، ويحرمه من التحصيل الأكاديمي، ويدفعه إلى العزلة والانطواء، فلا يُفسّر كل حزن على إنه اكتئاب"[**].

   

واحد من أنجح الوسائل للتغلب على المعتقدات الخاطئة لدى الطفل يكمن في تنمية قدرته على الحوار الذاتي مع نفسه

مواقع التواصل 

    

 لذا فإن الحل يكمن أحيانا -ووفقا لـ"سيليجمان"[1]- في زرع "الأمل المكتسب"، الذي تتبدل به المعطيات المحبطة إلى معطيات إيجابية تدعيمية، يوضع من خلالها الطفل في تجارب ناجحة ومواقف مضمونة الفوز، إلى أن تتشكل لديه توقعات إيجابية وأمل جديد.

    

الأسلوب المعرفي واستراتيجيات التصحيح

مما سبق، يبدو أن كثيرا من الاضطرابات النفسية -كالقلق والاكتئاب- لدى الأطفال، وما يتبعها من انحرافات سلوكية، كالعند والعدوان والكذب في بعض الأحيان، قد يكون نتيجة مباشرة لعدد من التصورات الخاطئة والخبرات الناقصة في إدراك الطفل، وهو ما يرتبط بتأسيس أنماط وأساليب معرفية في وعي الطفل تؤثر على سلوكه بشكل عميق[e1] ، بالإضافة للسلوكيات التي ينتهجها الأهل، والتي تكون سببا في كثير من الأحيان في نشوء اضطرابات سلوكية، ككثرة توجيه الطفل ومحاسبته الشديدة -مثلًا- مما يؤدي إلى انتهاج الكذب، أو عدم الاهتمام به وإهماله مما يخلق منه طفلا عنيدا[**].

    

فالاضطراب السلوكي والعدوان، والانحراف أحيانا، يرتبطون في بعض الأوقات بخصائص فكرية عند الطفل، كالتعميم السلبي الذي يشعره بأن كل أفعاله خاطئة، أو التوقعات الكارثية والخوف من ردود الأفعال السلبية والوقوع تحت سخرية الآخرين، بالإضافة إلى التطرف في طريقة التفكير التي تصور له أن تصرفاته، ما لم تكن (كلها) على الوجه الصحيح، فإنها ستعني كونه فاشلا بشكل مطلق على الدوام.

  

وتؤدّي هذه الخصائص -بالتبعية- إلى تقليل الطفل من ذاته، فيبدأ في مقارنتها بالآخرين وتجريد مميزاتها عن عيوبها، فلا يرى أنه مُستحِق للمدح أو الإطراء بسبب بعض العيوب -المنطقية- لديه، وهو ما يرجعه الأخصائيون إلى التفكير (الكمالي) من عينة "يجب ألا يكون في عملي ثغرة خطأ"، أو "يجب ألا أترك أي شيء للصدفة"، "ولو نقصت درجة واحدة فستكون علامة على فشل كل ما فعلت"[1]وهو ما يختلف عن التفكير (الإكمالي)، إذ "لا بأس بالطبع أن يكمل الإنسان عمله بأحسن صورة ممكنة، وفي أوقات ملائمة، إلا أن المشكلة التي تثير قلق الأخصائيين النفسيين تكمن في أن يتحول هذا الاتجاه في التفكير إلى مصدر للاضطراب والجزع بسبب جوانب نقص غير معلومة، ومخاوف من العجز عن الوصول إلى كمال ليس له وجود فعلي"[1].

   

   

وفي السياق نفسه، يظهر عامل آخر من عوامل زعزعة الاستقرار النفسي، متمثلا في ربط الطفل احترامه لشخصه بعوامل خارجية، فيرى أن ما يناله من التقدير الخارجي ينبغي أن يكون -وحده- المحدد الحقيقي لقيمة ذاته، كأن يحدث نفسه قائلًا: "إذا لم يتصل بي أحد أو لم يدعني زملائي لهذا الحفل فأنا شخص باهت"، وهو ما يمكن علاجه بالتقليل من أهميته (كهدف) لدى الطفل؛ حتى يتمكن من تطوير قدرته على تحمل الرفض، وإثبات الذات دون الحاجة لحب (الجميع) وتقديرهم لها[1].

    

وفي هذا الصدد يبيّن "مايكنباوم"[8]، أن واحدا من أنجح الوسائل للتغلب على المعتقدات الخاطئة لدى الطفل يكمن في تنمية قدرته على الحوار الذاتي مع نفسه، فيرى "هربرت"[9] أن الحوار مع النفس، عند أداء نشاط معين، من شأنه أن ينبه الطفل إلى تأثير أفكاره السلبية في سلوكه، ومن ثم يتحاشى التفكير بها. فتنمية الخيال التحليلي لدى الطفل يساعد المُربي/المعالج في فهم توقعاته تجاه الأمور وتحليله لها، ومن ثم يحدد ما إذا كانت أفكار الطفل تجاه الأمر/الموقف الفلاني ناقصة أو خاطئة تحتاج إلى تدخله وتعديله، أم هي أفكار وتنبؤات صحيحة وعقلانية وملائمة لتحليل الموقف، فيلجأ المعالج حينها لأساليب علاجية أخرى[1] ويمكن تنمية الخيال لدى الطفل من خلال اختلاق موقف افتراضي ومعرفة توقعاته تجاه الأمور وطريقة تحليلة لها، أو من خلال القصة بسؤاله عن رأيه في تصرفات الشخصيات وتحليله لها[**].

     

فالبحث خلف الأبعاد النفسية للسلوك قد يساعد في علاج الكثير من الأعراض السلوكية، التي قد ترتبط جميعها بمشكلة نفسية واحدة، كما في حالة الطفل "غسان" الذي أثبت الاهتمام بمشكلته النفسية تقدما ملحوظا في علاج مشكلته الطبية، وتقويم سلوكه العدواني تجاه أسرته، بل وتعديل مستواه الدراسي أيضا إلى درجة مقبولة. لذا، فإن أمورا أخرى ينبغي للوالدين الانتباه إليها قبل الانتقال للعقاب، وهو ما يتحقق بالتثقيف التربوي أو سؤال المختصين؛ لمعرفة البدائل المناسبة عند تقويم الحالة السلوكية للطفل، فإذا ما اُضطروا إلى معاقبة الابن على سلوك ما، راعوا أن يكون العقاب فعّالا وإنسانيا حتى لا يتحول التقويم إلى عمل مؤذ يضاعف الأزمة، أو يفاقمها في أفضل الأحوال.

____________________________

 الهوامش

[*]: الاسم الوارد في القصة غير حقيقي حفاظا على خصوصية الحالة.

[**]: من حوار مع الكاتبة في المجال الاجتماعي إباء أبو طه.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار