انضم إلينا
اغلاق
لاهثون وراء الموضة.. هل نحن أحرار حقا؟

لاهثون وراء الموضة.. هل نحن أحرار حقا؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
كانت "نورهان"، 21 عاما، خريجة الجامعة الألمانية، وخبيرة الأزياء وصاحبة مدونة عن الأزياء والموضة، التي وصل عدد متابعيها على «إنستجرام» إلى 154 ألف متابع "تواجه أياما صعبة"، فبعد استيقاظها مبكرا وتناول وجبة الإفطار الخفيفة التي لا تتجاوز ثمرة فاكهة أو كوبا من الشاي، "تفتح حسابها على «إنستجرام» لتتابع آخر الأحداث، ثم تُفكر في الزي الذي سترتديه وتنشر صوره على حسابها. وقت طويل تستغرقه وهي تختار الحذاء والأكسسوار المناسب للقميص الذي ارتدته، إلى جانب تسريحة شعرها بالطريقة المناسبة لوجهها وزيها، لتنتهي بالتقاط صورة لنفسها وهي تحمل حقيبة جلدية ذات رسومات غير تقليدية".(1)

          

لكن نورهان عيسى نفت خلال حديثها هذه الصورة المختزلة عنها قائلة "البعض يعتقد أن هذا ما تفعله "الفاشون بلوجر"، أو ما يطلق عليها "الفاشونيستا"، لكن في الحقيقة الأمر يتجاوز ذلك، فنحن لدينا حياة كاملة بجانب عرض الأزياء"(1). ومع انتشار ظاهرة "الفاشونيستا" وظهور عدد كبير من تلك الفتيات اللاتي يتابعهن الآلاف من المتابعين والمتابعات على منصات التواصل الاجتماعي، أضافت نورهان متذمرة "كل من هب ودب بقى يدخل المجال، وفيه ناس لا فاهمة ولا عارفة أي شيء، وممكن يلبسوا أي حاجة على أي حاجة، ويقولوا إحنا فاهمين في الموضة".

         

بيد أن الأمر لا يتوقف فقط على مجموعة من الفتيات اللواتي قررن أن يصبحن عارضات أزياء على منصات التواصل الاجتماعي، ولم تعد مواكبة الموضة والولع بها وكذلك الاهتمام بالتجميل حكرا على النساء والفتيات، لكنها ظاهرة وموجة أغرقت العالم كله والبلاد العربية في القلب منه، فأصبح الشباب العربي اليوم يهتم بشكل مفرط بتقليعات الموضة وآخر صيحات التجميل.(2)

        

يرتدي الشباب اليوم السراويل الضيقة والأقمشة الملونة والمزينة بالورود والنقوش، ويقتنون الأكسسوارات، ويقبل عدد كبير منهم على قاعات التجميل

أن سبلاش
       

نرى اليوم في الفضاءات العامة وفي شوارع المدن العربية شبابا يرتدون ملابس بألوان زاهية، ومن بينها الألوان التي يقال إنها مرتبطة بالأنوثة مثل الوردي والأحمر والبرتقالي وغيرها، كما يرتدي الشباب اليوم السراويل الضيقة والأقمشة الملونة والمزينة بالورود والنقوش، ويقتنون الأكسسوارات سواء القلائد أو الخواتم وغيرها، ويقبل عدد كبير منهم على قاعات التجميل ويصففون شعورهم أو يصبغونها، وكذلك يستعملون مستحضرات تجميلية للعناية بالبشرة. فكيف تشكل هذا العالم الغريب والساحر من التقليعات المتجددة وما الأسباب الحقيقية وراءه؟

         

أسبوع جديد للموضة وقرون من التقليد
"موسيقى مدوية، أضواء ساطعة، ملابس زاهية، موديلات رشيقة ووجوه براقة!"،(3) أهلا بكم في عالم جديد من المسارح والمهرجانات والحفلات الصاخبة. عالم جديد كأنه مائدة شاسعة لعدد غير متناه من المأكولات الشهية، أما سكان هذا العالم فيهرعون خلف الروائح الزكية وقلوبهم شتى، كأنهم مسحورون، فاقدو القدرة تماما على التحكم في غرائزهم أمام هذا السيل العظيم من الغوايات المعروضة.

      

يقف هؤلاء البشر في حفلات الأزياء خلال أسبوع الموضة العالمي الذي يتابعه العالم بمزيد من الاهتمام كأنهم سكارى وما هم بسكارى، لا تتوقف أيديهم عن التصفيق، حيث تذهب "جنيفر بومغارتنر" وهي حاصلة على الدكتوراه في علم سيكولوجيا الأزياء، إلى أن أكبر ما يجذب هؤلاء الناس في حفلات موضة الأزياء هو ما تسميه "الاتجاهات"، فتقول إن "الدماغ يحب الاتجاهات لأنها سريعة الحدوث والتفاعل خلال وقت قصير، كأنه تغير شامل مفاجئ أو انفجار يجذب الانتباه بشكل عفوي.. وأدمغتنا تحب الأشياء الجديدة".(3)

          

              

وضح الدكتور "نيكسو بونزيك" في دراسة عام 2006 (3) أن المادة العصبية الخاصة بمنطقة المكافأة في الدماغ، يتم تحفيزها حين تعرض عليها أشياء جديدة، وأظهرت الدراسة أيضا أننا نسعى للحصول على مكافأة، والأشياء الجديدة تعطينا المكافأة بالنسبة للدماغ. لكن الأمر ليس بتلك البساطة، فكثرة الأشياء الجديدة واعتياد المرء على الجديد قد يثبط من دائرة التحفيز بالدماغ، لذا يجب أن يكون الانفجار في عالم الأزياء أكثر صدامية في كل مرة.

            

على الجانب الآخر من نظرة علم الأعصاب ووظائف الدماغ، قدم فيلسوف مغمور مقاربة ستكون المقاربة الفلسفية الأولى لفهم عالم متجدد بموضة دائمة الزوال، حين اختار عالم الاجتماع الألماني "جورج سيميل" (1858-1918) مقاربة تخالف التقاليد الفكرية الألمانية التي اعتادت أن تقرن علاقات العلوم الاقتصادية والسياسية والأخلاقية بعضها ببعض، "وقدم تصورا سوسيولوجيا منذورا، ليس لدراسة المجتمع بوصفه قاعدة أساسية يكون الأفراد نتاجها، بل لدراسة أشكال الفعل المتبادل بين الأفراد داخل المجتمع"(4). ويعدّ مبدأ التفاعل نقطة أساسية في فكر سيمل، ويفسره بقوله: "لا بد أن ننطلق من فكرة أن كل شيء في علاقة ما بكل شيء، وأن بين أي نقطة في العالم وكل نقطة أخرى قوى وعلاقات متبادلة، وأن تحليل الواقع لا بد أن يتم انطلاقا من أية نقطة في العالم نشاهدها من آفاق متعددة. فالحقيقة تكمن في العلاقات بين تلك الآفاق، من خلال ربط الصلة بين حقيقة كل واحد، وليست في مبدأ أوّلي يؤسس الفكر".(4)

             

بيد أن المقاربة التي قدمها سيميل لم تعجب سادة الفكر الألماني في ذلك الوقت، فظل سيميل مغمورا في بلاده، ففي كتابه "فلسفة الموضة" الذي صدر في برلين عام 1903 وأعيد نشره مؤخرا في باريس عن دار "آليا"، يشرح سيميل كيف أمكن للموضة أن تقوم بمزج مذهل بين حركات وأفعال متضادة.

         

      

           

"فارتداء الملابس والتحلي بأدوات العصر والصبغة وصيحات الموسم، أو اتخاذ قناعات جديدة وأحكام معيارية مبتكرة، وحتى التلفظ ببعض التعابير التي لم تكن معهودة، هي في الوقت نفسه مجاراة للآخرين باتباع التيار، والتميز عمن تخلفوا عن الركب، إما لأنهم لا يملكون الإمكانات المادية أو بعد النظر المزعوم للخروج من الزحام. فالموضة تجمع بين الامتثالية الجمعية والتظاهر بالقرار الفردي، بين الخضوع لإملاءات تعسفية والمطالبة بالجدة الفردية".(4) وعلى عتبة السجال الدائر حول إمكانية الموضة لتمثيل قدر من الحرية والتفرد ومقاومة السائد، وبين كونها شكلا آخر للخضوع والشمولية الرأسمالية، يقف السؤال: كيف ظهرت الموضة؟

          

مملكة فوق التاريخ
على عكس ما تذهب إليه بعض الآراء (5) أن الموضة ظاهرة قديمة صاحبت جميع المجتمعات منذ الأزل، يؤكد "جيل ليبوفتسكي" أنه "طوال الجزء الأكبر من تاريخ الإنسانية، عاشت المجتمعات دون أن تعرف الألعاب المتقلبة للأهواء الطائشة، فمجتمعات الأسلاف قد فرضت قاعدة الثبات في كل مكان، وتكرارية النماذج الموروثة من الماضي والمحافظة المتزمتة في الكيفية التي يكون عليها الأفراد وكيف يكون مظهرهم".(5)

         

فالمجتمعات القديمة قامت على احترام الماضي الجماعي وإعادة إنتاجه بعناية، "فالمجتمع قديما لم يكن يسمح بتقديس الابتكارات ولا بالولع بالتفردات ولا الاستقلالية الجمالية للموضة"، ولم يكن يسمح بتدمير الأزياء التراثية والتقليدية للجماعة، لأنها ببساطة تعد تجريفا للهوية.

              

       

وظل الأمر كما هو حتى بعد ظهور الدولة والتقسيم الطبقي والتراتبيات الاجتماعية، "فقد ظل الكيمونو الياباني دون تغيير لقرون، وفي الصين بقي الزي النسائي على حاله بين القرن السابع عشر والتاسع عشر دون أي تغيير حقيقي"، لكن وجد التغير طريقه إلى المجتمعات مع ظهور الدولة الاستعمارية والغزوات، "فكانت تيارات الاستيراد والانتشار تزعزع من وقت لآخر الاستخدامات والأزياء، كما فرض الغزاة على الشعوب المهزومة أزياءهم الخاصة، فأصبح زي المغول هو القاعدة في بلاد الهند التي احتلوها"، لكن ظل الأمر خارج دائرة الموضة، فلم يتحول لذوق سائد أو شكل دائم من الابتكارات في الأزياء.

          

لكن الأمر سيختلف اعتبارا من منتصف القرن الرابع عشر داخل أوروبا، حيث سيظهر نمط جديد من الزي يفرض نفسه بشكل مفاجئ على الطبقة الأرستقراطية الثرية في أوروبا، فبدلا من الرداء الطويل الواسع الذي ارتداه الرجال والنساء لقرون عدة، ستظهر أزياء قصيرة ومعتدلة للرجال، وطويلة ضيقة للنساء، وسيكون الزي الذكوري مكونا من بزة قصيرة ضيقة تسمى "pourpoint" متصلة ببنطال مثل جوارب طويلة ضيقة ترسم تفاصيل السيقان، وكان الزي النسائي يعد امتدادا للزي الطويل التقليدي، لكنه أكثر اعتدالا وأكثر كشفا للصدر.

               

هكذا بدأت ظاهرة تغيير الأزياء والابتكار المتسارع فيها داخل الطبقات الأرستقراطية في أوروبا، حيث ستنزلق الأسر الثرية على منحدر التعديلات المتلاحقة على زينة الأزياء، وستنهمر شلالات من "أشياء صغيرة بلا معنى" ومن اختلافات بسيطة هي التي ستشكل الموضة بأكملها، وعلى أساسها سيتم تصنيف جديد لأعضاء تلك المملكة الوليدة، حين بدأت مع ظاهرة الموضة "السلطة الاجتماعية للعلامات التافهة، والوضعية المدهشة للتميز الاجتماعي القائم على الصيحات المتبعة"،(5) فكل من يتبع صيحات التغيرات الدقيقة في الأزياء، يستحق شرف الانتماء لهذا المجتمع الوليد، أما الآخرون فيتم استبعادهم واحتكارهم بدعوى التخلف وعدم مواكبة الركب.

             

كانت الموضة شكلا من أشكال الحضارة الغربية الحديثة في أوج صعودها، لهذا لم تتوقف عن إثارة النقد والاصطدام بالمعايير الجمالية والأخلاقية والدينية حين خلقت أشكال من الأزياء غير المحتشمة والمثيرة للسخرية (رويترز)

           

ومع تدفق صناعة الأزياء الجديدة والأجدّ فالأجد، بدأت تلك الأزياء في تنحية الأشكال القديمة للزي المميز للجماعات، حيث مثلت ظاهرة الموضة ومملكتها الوليدة "عدم استمرارية تاريخية، ومملكة فوق التاريخ، وقطيعة كبرى وإن كانت محدودة النطاق" داخل الدوائر الثرية. وكما مثلت الحداثة داخل أوروبا قطيعة كبرى مع الماضي وتراثه، فإن الاستعمال الزمني القصير لتلك الأزياء تم التخلي عنه مثل "انفصال عن الترابط الجمعي الذي يؤكد الاستمرارية المعتادة"؛ بمعنى أنه أحدث تمزيقا وشروخا في الهوية للجماعات التقليدية، ووسع الفارق بين الطبقات والمجموعات داخل الأمة الواحدة، بل وأعاد ترسيم أشكال جديدة من الترابط الاجتماعي على أسس حديثة ومختلفة تماما ومتغيرة بشكل دائم.

            

ويوضح  الفيلسوف "غابرييل تارد" تلك الظاهرة فيقول "نعرف أنه عادة ما يسود نفوذ الأسلاف ومحاكاة القديم في عصور التقاليد، فيما يسود تقديس الصيحات ومحاكاة النماذج المعاصرة والأجنبية في عصور الموضة، إذ يرغب الناس أكثر في التشبه بالمجددين المعاصرين، فيما ينصرفون عن التشبه بالسلف. ويحكم مبدآن أساسيان في أزمنة الموضة وهما: حب التغير، والتأثر بالمعاصرين، حتى انتشر الازدراء للموروث السلفي، فالراديكالية التاريخية للموضة تتضمن فيما تؤسسه نظاما اجتماعيا ذا أصل حديث منعتق من سيطرة الماضي، فلم يعد القديم جديرا بالتقدير".

          

وفي سبيل مواكبة العصر واللحاق بموكب التحديث، خلعت المجتمعات رداءها القديم والتقليدي، وارتدت آخر الصيحات، فكانت الطبقات الثرية هي أول من أصيب بحمى الصيحات، وكانت تصاب بلهيب آخر صيحة تظهر. لكن لو كانت مملكة الموضة قد شكلت تلك القطيعة مع الماضي، فإن القطيعة لم تكن فقط في الأزياء، بل في أكثر المعايير والقيم تجذرا في التصور البشري، حيث كانت الموضة شكلا من أشكال الحضارة الغربية الحديثة في أوج صعودها، "لهذا لم تتوقف الموضة عن إثارة النقد، وعن الاصطدام المباشر بالمعايير الجمالية والأخلاقية والدينية حين خلقت أشكل من الأزياء غير المحتشمة والفضائحية والمثيرة للسخرية".(5) وسرعان ما انتقل الأمر من دوائر الأسر الأرستقراطية الثرية إلى الطبقات الوسطى والأثرياء الجدد من المجتمع والطبقة البرجوازية التي قامت الحضارة الغربية على أكتافها.

         

موضة محدثي النعمة

الملابس لها تأثير نفسي عميق على سلوك البشر، بل قد يمتد هذا الأثر إلى تشكيل رؤية الإنسان للعالم وتشكيل صورة الشخص لنفسه أمام العالم

أن سبلاش
      
في دراسة أجراها باحثون بجامعة "Northwestern University"، أُعطي المشاركون معطف مختبر أبيض، وأُخبروا أنه تم استعماله من قبل أطباء مختبر من قبل، ثم كلفوهم ببعض المهام، وحينها لاحظ الباحثون أن أداء المجموعة التي ارتدت المعطف ارتفع عن أدائها قبل ارتدائها للمعطف، كما ارتفع عندهم مستوى الاهتمام والكفاءة(6).

       

وانتهى الباحثون في الدراسة إلى أن الملابس لها تأثير نفسي عميق على سلوك البشر، بل قد يمتد هذا الأثر على تشكيل رؤية الإنسان للعالم وتشكيل صورة الشخص لنفسه أمام العالم، فعندما سُئلت إحدى مرتديات أزياء الموضة في أميركا عن سبب ارتدائها لتلك الملابس أجابت بـ"هذا يعتمد على كيف تريد أن تقدم نفسك للعالم".(7)

         

على الجانب الآخر، قدم الفيلسوف "جيل ليبوفيتسكي" تحليلا اجتماعيا عن صعود الموضة في كل طبقات المجتمع، فتحت عنوان "فيما وراء تنافس الطبقات" يذهب ليبوفيتسكي إلى أن المنطق الاجتماعي أكثر قدرة على التفسير من المنطق الاقتصادي، فرغم أن النمو الاقتصادي في أوروبا والتطور التجاري، وانطلاق المدن، وتفكيك السلطة الملكية، له أثر في ظهور طبقة التجار والسماسرة الجدد الذين يمكن تسميتهم بالطبقة البرجوازية التي قامت بتقليد نمط حياة النبلاء والأثرياء وأذواقهم، فإن ليبوفيتسكي يوضح أن انطلاق الموضة كان في لحظة عرف الغرب فيها عودة المجاعات والتراجع الاقتصادي والحروب والغزوات العسكرية، وانخفاض القسط السنوي للمتلكات وانتشار الأوبئة وترك المزارعين للأراضي والأعمال الزراعية وظهور "العمال".

        

"فأشكال الارتقاء التي وقعت نهاية القرون الوسطى، لم تكن نتائجها واحدة في كل مكان أو بالنسبة للجميع، فعلى النقيض من الركود العام، كان هناك تركيز للثروات الكبرى وتكاثر للبرجوازية الثرية، والميل إلى الرفاهية والصرف الباذخ لتأكيد النفوذ، وبخاصة من ناحية الأزياء".(8)

           

           

هكذا يفسر ليبوفيتسكي أن الصعود الاقتصادي لطبقة التجار الجدد والسماسرة (البرجوازية) هو الذي حبذ انطلاقة أذواقهم ودفعهم لتقليد حياة الأثرياء وأزيائهم، "فهذا التنافس بين الطبقات هو ما سمح لتلك الظاهرة الشاذة في الانتشار"، وهو الأمر نفسه الذي يفسر الآن الاهتمام المتزايد للأفراد من الطبقات الوسطى في مجتمعاتنا بآخر صيحات الموضة والأزياء المتصنعة، حيث يذهب عالم الاجتماع هربرت سبنسر إلى "أن الطبقات الفقيرة تقلد الطبقة الراقية في ماذا يلبسون وكيف يبدون، بحثا عن التقدير الاجتماعي، وكي تحافظ الطبقات الراقية على الفرق والدرجة الاجتماعية كانوا مجبرين على القبول بالابتكارات، وتغيير مظهرهم حالما يقلده الآخرون. وهكذا استمرت صيحات الموضة".(8)

         

كذلك، كان انتشار الأزياء الجديدة يقوم على قيام صناعة الملابس الجاهزة، حين بدأت مهنة الخياطة التقليدية في الانزواء وظهور مصانع الأزياء والماركات العالمية، حيث توفرت لصناعة الملابس الجاهزة الإمكانية في إعادة إنتاج نماذج الأزياء الراقية بشكل قانوني وسريع، إلا أن انزواء المهنة التقليدية للخياطين سيسمح بظهور فناني الموضة ومصممي الأزياء، مما سيقلب موازين الحياة العامة التقليدية الرتيبة.

     

القطيعة مع القطيعة
كانت الثورة الحقيقية كما يذكر ليبوفتسكي والتي هدمت بشكل صدامي نظام الموضة الذي نمى خلال مائة عام هي ظهور ما يسمى بـ"الملابس الجاهزة"، ففي عام 1949 أطلق ويل (J.C. WEILL) في فرنسا مصطلح "جاهز للارتداء" المأخوذ من المصطلح الإنجليزي ذاته "READY TO WEAR"، وذلك لكي يخلصوا صناعة الملابس من صورتها السيئة المتعلقة بالعلامة التجارية.(8)

     

هكذا آخت الملابس الجاهزة بين الصناعة والموضة، وأرادت أن تصل الصيحات الجديدة والأسلوب والتجميل إلى الشارع. ومنذ خمسينيات القرن العشرين، انتشرت فروع للمحلات الكبرى في كل أنحاء العالم، ثم أدركت الشركات المصنعة للملابس الجاهزة حاجتها إلى خدمات المصممين لإنتاج ملابس تجمع بين الموضة والإبداع الجمالي، وهو ما عزز ظهور المصممين وفناني الأزياء.(8)

            

          

وبدلا من الأبطال العظماء والساسة والحكماء والشيوخ والوعاظ والعلماء، حل سادة ومشاهير جدد في مجتمعات عصور الموضة، فظهر الفنانون بكل أنواعهم من مصممي الأزياء و"الفاشونيستا" والممثلين والمغنين وحتى الراقصات، هذا ما حدث بداية مع أحد مصممي الأزياء "وورث"، حيث حظي بنفوذ كبير في المجتمع الأوروبي، "وسوف يتم الاعتراف به كشاعر، وسوف يحتفى باسمه في جرائد الموضة، ويظهر في الروايات تصاحبه ملامح السمو والأناقة، ويضع توقيعه على تصميماته مثل الرسامين"(8).

         

"هكذا فرض مصمم الأزياء نفسه بخطابه المثير بضرورة الإلهام، كفنان الرفاهية "بواريه" الذي يجمع الأعمال الفنية، ويعيش وسط ديكور راق محاطا بالشعراء والرسامين، ويبتكر ملابس المسرح وعروض الباليه والأفلام". وصاحب ظهور مشاهير المجتمع الجدد، صعود شفرة الأصالة والشخصية والمطالبة اللحوحة على الفردانية بالتنوع في ارتداء الأزياء الغريبة، "والطاعة العمياء والالتزام الجبري بمعايير مصممي الأزياء، رغم أن كل موسم يأتي بصيحة جديدة تلغي فورا ما قبله، حتى أصبح الأمر توحيدا للمظهر وتجانسا للشكل وخضوعا موحدا"، بدلا من أوهام التفرد.

         

ومع انتشار هذا النمط الذي يعتمد على الاستهلاك المتواصل للأزياء والصيحات الجديدة، شهدت المجتمعات تحولات عميقة في المجال العام، حيث يؤكد عالم الاجتماع "زيجمونت باومان" في كتابه "الحداثة السائلة" على اختفاء النمط القديم من المجال العام الذي كان يسمح  للناس بمناقشة مشاكلهم المشتركة وتحويلها إلى قضية، أما الآن أصبح المجال الخاص وحياة المشاهير وآخر صيحات الموضة وفضائح الفنانين هي ما تحتل المجال العام.

           

الموضة والاستثمار في الذات

إذا كانت الموضة لم تخلق النرجسية علنا، فإنها قد أعادت إنتاجها بطريقة جلية، وجعلت منها بنية تركيبية ومستمرة لسكان المدن

مواقع التواصل
         
 
يذهب باومان إلى أن "التحديث القهري الوسواسي المتواصل الذي لا يتوقف ولا يكتم أبدا، والتعطش الشديد المتأصل اللانهائي إلى التدمير الخلاق أو الإبداع التدميري بحسب الظروف، كل ذلك في سبيل تعزيز الإنتاجية أو القدرة التنافسية"،(9) وهذا الأمر كله لنيل رضا المستهلك وجذب انتباهه.

          

فقد جعلت الموضة المجتمعات عبارة عن حفلات للاستعراض الفردي، و"مسرحا للإعجاب بعروض الآخرين" بتعبير ليبوفتسكي، بل إنها في الوقت ذاته "استثمار للذات، وملاحظة جمالية دون أي سابقة، فللموضة جزء مكون يرتبط  بمتعة الرؤية، وأيضا بمتعة أن يكون المرء محطا للمشاهدة، بأن يعرض نفسه أمام نظرة الآخرين. وإذا كانت الموضة لم تخلق النرجسية علنا، فإنها قد أعادت إنتاجها بطريقة جلية، وجعلت منها بنية تركيبية ومستمرة لسكان المدن، وذلك بتشجيعهم على الاهتمام الزائد بعروضهم التمثيلية وعلى البحث عن الأناقة".(10)

          

فأدت هذه الفردانية لظهور ما سماه ليبوفيتسكي "الفردانية الجمالية"، حيث "سمحت الموضة باستقلالية فردانية نسبية فيما يتعلق بالمظهر، في مقابل قيود جماعية، فتكمن خصوصية الموضة في معيار مجمل ومعايير ثابتة يطلقها صناع الأزياء. في الوقت ذاته، تركت مساحة لظهور الذوق الشخصي؛ إذ ينبغي للفرد أن يشبه الآخرين دون أن يكون مثلهم تماما، ينبغي أن يتبع التيار".(10)

        

وما إن فتحت صيحات الموضة شهية الإغواء والغرائز البشرية، حتى تسابق البشر في عرض أجسادهم كسلع، والطلب المتواصل على التغيير والتجديد لجذب الانتباه، والانتماء لحياة الأناقة والشهرة والشخصيات العامة والمشهورة، وإمكانية الترقي الاجتماعي، وتغير الهوية المستمر، وتسكين القلق والهواجس والخوف الذي يملأ العالم هذه الأيام، "فأضحت الموضة تعبر عن رغبة شخصية وتوجه ثقافي وأسلوب حياة ووضع اجتماعي".

           

حرية الموضة
"مابحلمش أبقى موديل، والفاشون بيخرجني من ضغط الشغل"(11) كانت هذه كلمات آلاء، طبيبة الأسنان التي تحولت إلى "فاشونيستا" بعد خضوعها لنظام حمية غذائية، تحول وزنها على إثره من 78 كيلوغرام إلى 53 كيلوغرام، حيث تعبر آلاء عن ذلك الولع العربي الشديد عند الفتيات والفتيان بوزنهم وشكلهم ونمط حياتهم أمام المجتمع، ومدى شهرتهم وأناقتهم، وإلى أي مدى تصل روائح نرجسيتهم المعتقة لمواقع التواصل الاجتماعي العالمية.
   

أصبحت الموضة شكلا من أشكال هيمنة الحضارة الحديثة على حياتنا، وتحويل سخط الأفراد وهمومهم وقلقهم إلى نزعة استهلاكية للأزياء ونظم الحمية الغذائية والصيحات الجديدة

رويترز
            
يذهب الدكتور مصطفى حجازي في كتابه "التخلف الاجتماعي: سيكولوجية الإنسان المقهور" إلى أن "الكثير من التصرفات الاستعراضية التي تشيع في البلدان النامية، تهدف بالتحديد إلى التستر على عقده العار خصوصا الاستعراض الاستهلاكي. تأتي بعده كل أشكال الادعاء والتبجّح وخداع الآخرين بجاه أو مال أو حظوة لا أساس لها من الواقع. إن إنسان العالم المتخلف هو أسير المظاهر مهما كانت سطحيتها، ما دامت تخدم غرض التستر على عاره الذاتي".(12)

         

على الجانب الآخر، ناقش ليبوفيتسكي مسألة "هل تمثل الموضة حرية للأفراد في مواجهة العالم؟"، حيث يقول "غالبا ما نلوم النزعة المادية التي سيطرت على مجتمعاتنا. لماذا لا نشير إلى أن الموضة المكتملة قد خلصت الإنسان من هذه الأشياء؟ وسط نفوذ قيمة الاستخدام، لم نعد مرتبطين بالأشياء، فنحن نغير بسهولة المنزل والسيارة والأثاث. إن العصر الذي كرس الأشياء اجتماعيا هو ذاته الذي نتخلى فيه عن الأشياء بسهولة"، لكن يعود ليجادل بشأن هذا الأمر مرة أخرى.

       

يقول "يصبح من الخطأ ألا نرى في مذهب السعادة الجديد سوى وسيلة للتحكم الاجتماعي والتلاعب المفرط فيما هو عامل لعدم التحديد والتأكد من الفردانية الخاصة"، ويستشهد ليبوفيتسكي بماركوس عندما كتب: "إن هيمنة المجتمع على الفرد أكبر من أي وقت مضى.. فلم يعد هناك تعارض بين الحياة الخاصة والحياة العامة، بين الاحتياجات الفردية والجماعية". (13)

      

هكذا، أصبحت الموضة شكلا من أشكال هيمنة الحضارة الحديثة على حياتنا، وتحويل سخط الأفراد وهمومهم وقلقهم إلى نزعة استهلاكية  للأطعمة والأزياء ونظم الحمية الغذائية والصيحات الجديدة من الأفكار والكلمات والملابس، وأعطتهم حرية مخادعة مشروطة بما يفرضه عليهم صناع الأزياء والشركات العالمية، بل تحولت الموضة إلى عملية إلهاء عن القضايا الحقيقية، حيث يقول باومان:

        

"إن المجتمعات الحديثة جعلت نقد الواقع والسخط على ما هو كائن والتعبير عن هذا السخط جزءا إجباريا وحتميا من الحياة اليومية لكل عضو من أعضائه، وكما يذكرنا أنتوني غيدنز دوما، فإننا جميعا منخرطون هذه الأيام في سياسة الحياة، فكلنا جميعا كائنات متدبرة، نفحص بدقة كل خطوة نأخذها، وقلما نرضى بالنتائج، ودوما نرغب في تصحيحها، لكن هذا التدبر، إلى حد ما، لا يتعدى الأخذ بالآليات التي تربط حركاتنا بنتائجها وتقرر محصلاتها، فربما نملك استعدادا نقديا، لكن نقدنا بلا أسنان، فهو عاجز عن تفعيل أي قضية، فحياتنا كما حذرنا ليو شتراوس يصاحبها عجز غير مسبوق".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار