اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/8 الساعة 16:10 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/23 هـ

انضم إلينا
كيف تتسبب المجتمعات النيوليبرالية في مرض مواطنيها جسديا وعقليا؟

كيف تتسبب المجتمعات النيوليبرالية في مرض مواطنيها جسديا وعقليا؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
هل تلحظ أن الاكتئاب تحول إلى ظاهرة عالمية مؤخرا؟ هناك سبب وجيه لذلك، إنها السياسات الاقتصادية والاجتماعية المقترنة بالنيوليبرالية. في الوقت الذي يُروَّج فيه لقيم فتحت المجال أمام التنافس لجميع الفئات، وحررت السوق، يتضح أن هذه المحاور ترافقت مع أمراض نفسية مزمنة. فهل التنافس وحرية الاختيار، أشياء جيدة دوما؟ وكيف تؤثر تلك السياسات على صحتنا النفسية وعلاقاتنا الاجتماعية؟ 
         
نص التقرير

 هناك تصور واسع الانتشار بأن الأمراض الصحية العقلية آخذة في الارتفاع في الغرب، جنبا إلى جنب مع الانخفاض الممتد في الرفاه الاجتماعي. كما أن الفكرة القائلة بأن هناك أسبابا اجتماعية واقتصادية وراء مشكلة الانخفاض الملحوظ، فكرة مقنعة على نحو متزايد، وسط ما سمي باقتصاديات الزومبي والتقشف الطاحن (اقتصاديات الزومبي،  مؤسسات مالية ذات قيمة اقتصادية أقل من الصفر ولكنها لا تزال تعمل لأن قدرتها على سداد ديونها يتم دعمها من خلال دعم ائتماني حكومي ضمني أو صريح)، الذي أعقب الأزمة الاقتصادية العالمية.

      

ونجد أنه على وجه الخصوص، هناك قلق متزايد من أن الظروف والآثار الناجمة عن النيوليبرالية - المتمثلة في الدوامة الحثيثة للخصخصة التي لا هوادة فيها، وانعدام المساواة، وسحب الدعم الحكومي الأساسي والفوائد، ومطالب العمل المتزايدة وغير المجدية، والأخبار المزيفة، والبطالة، والعمل الهش غير المستقر- تحمل جزءا أساسيا من ذلك اللوم.

     

ولعل أكثرها إرهاقا هي الأوامر الاجتياحية الصادرة عن بعد من وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة والإعلانات والأصدقاء أو أصحاب العمل لتحقيق أقصى قدر من تعظيم الذات، والمثابرة، والحصول على قطعة من تلك الكعكة المتناقصة، "لأنك تستحق ذلك"، على الرغم من أنك يجب أن تثبت تلك الأحقية باستمرار، كل يوم.

            

المجتمعات النيوليبرالية تسبب لمواطنيها مرضا جسديا وكذلك عقليا، إذ إن الآثار المترتبة على ذلك تتزايد كلما زاد الشعور بعدم التكافؤ بين المجتمع

أن سبلاش
       

نحاول على الدوام في فترات عملنا وراحتنا التظاهر بالحماس الدائم رغم كل التوقعات المنخفضة بشكلٍ جذري. ويتناول الحديث عن النيوليبرالية مصطلحات الإنجاز، ويستوجب التفاخر الشخصي بـ "التفوق" و"التفاني" ويعزو ذلك إلى تضاؤل الإمكانيات الفعلية للإنجاز، إذ يصبح العمل مجردا من المعنى. في مؤسستي، يتم زخرفة الزي الرسمي للمنظفات بنقوش تعلن أنها تقوم بعملها محملة بـ "الشغف والمهنية والفخر"، وكأنه من المعقول أن تحتاج إلى "الشغف" من عاملة نظافة تتقاضى الحد الأدنى للأجور في حين تضاعف عبء عملها منذ عام 2012.

    

حرية الاختيار
أبلغني أحد الزملاء، مؤخرا، أن الأطفال الصغار في برمودا يعاقبون على السلوك بالترديد، "أريد أن أخطو نحو خيارات جيدة". كما بين علماء الجريمة، ستيف هول وسيمون وينلو وكريج أنكروم، أصبحت "الخيارات" مسألة حياة أو موت لأن بإمكان خيار سيء أو اثنين تحويلك إلى "فاشل" لا يمكن تقويمه. لقد قيل لنا إن الحواجز الهيكلية أمام الطموح والإنجاز والرضا سوف تذوب في اقتصادنا الخيالي القائم على "الإختيار".

    

ولكن زيف "حرية الاختيار" هذه يثبط الهمم ويتسبب في فقدان الثقة في السياسة. في مثل هذا العالم، الذي يعتبر فيه الاكتئاب والقلق والنرجسية (اضطراب الشخصية الذي يتميز بالغرور، والتعالي، والشعور بالأهمية ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين) استجابات منطقية تماما. وقد ثبت أن المجتمعات النيوليبرالية تسبب لمواطنيها مرضا جسديا وكذلك عقليا، إذ إن الآثار المترتبة على ذلك تتزايد كلما زاد الشعور بعدم التكافؤ بين المجتمع وتضاءلت حمايته لمواطنيه من "تنافسية" في السوق الحرة. قد يظهر الاكتئاب في هذا السياق كما لو كان ضربا من الحماية الذاتية: كما لو كان يمثل الانسحاب

           

    

الفوري من مجموعة من المسابقات المستمرة التي لا يمكن للمرء الفوز بها. إن الارتفاع الأخير في تشخيص الأمراض العقلية و "الاضطرابات التنموية" التي تنطوي على حالات من الانفعال وفرط التحفيز هو أمر مثير للاهتمام. في حالة اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، على سبيل المثال، فإن الأشخاص المصابين بفرط النشاط والقابلية للتشتت يكونون "مختلين" فعليا أو حتى معاقين في بعض الأحيان، إلى الحد الذي يفترض أنهم غير قادرين على التعامل مع بيئة مفرطة الإثارة من الرأسمالية المتأخرة. ومع ذلك، فإنهم، بمعنى آخر، يتناغمون تماما مع اقتصاد لا يتوقف عن تشتيتهم، حيث يتم الاستحواذ على انتباههم مرارا وتكرارا واستغلالهم ماليا.

       

قياس الذات
تتطلب الرعاية الصحية النيوليبرالية من كل مريض (أو بالأحرى "عميل" لخدمات الرعاية الصحية) تحمل المسؤولية عن حالته أو سلوكه. ولذلك، يعاد النظر في الرعاية الصحية العقلية باعتبارها سلسلة من "النتائج" التي ترتكز على التحسن الذي يمكن قياسه والذي يجب على "المستفيد من الخدمة" أن يتدبر أمر قياسه بنفسه ما دام بإمكانه ذلك.

 

في بعض الأحيان يعتمد الحصول على التشخيص النفسي والدعم من خدمات الصحة العامة (وأيضا ضمن برامج الرعاية الصحية المهنية الخاصة أو التي يديرها صاحب العمل) على استكمال مذكرات للأعراض أو للحالة المزاجية باستخدام تقنيات تتبع الهاتف الذكي أو تقنيات "فيت بيت" للتتبع الذاتي Fitbit self-tracking techniques. وقد تكون هناك نتائج عقابية مستقبلية أكثر بسبب عدم اتباع المسار الذاتي، وهكذا يستفيد أصحاب العمل وربما الوكالات من خلال اكتساب قدر أكبر من القوة لقيادة هذا النوع من الأداء من العمال.

   

           

يظهر لنا هذا التطبيق المسمى "mHealth" الذي يمثل ثورة في هذا المجال كيف يُمكن تحويل الأمراض العقلية والقلق حول الصحة النفسية نفسها، إلى سلعة والاستفادة منه ماليا بشكل محترف (حاذق). كما يتم شراء تطبيقات القياس مثل مود جيم (MoodGym ) من قِبل الخدمة الصحية الوطنية في المملكة المتحدة للاستخدام مع المرضى. وباعتبارها مراقبا مستقلا للمريض، فإنها تشجع باستمرار على إظهار علامات "التعافي"، بغض النظر عن الأضرار التي تسببها على المدى الطويل. كما تقول أيضا إن التعافي يعتمد على "اللياقة البدنية من أجل العمل" لأن الشخص الجدير بالاهتمام يشارك في أنشطة العمل في جميع الأوقات. ويبين لنا هذا التركيز على الاستعداد والتأهب للعمل جزئيا سبب الندرة النسبية لخدمات الصحة العقلية للأطفال في المملكة المتحدة، والتي تعتبر منخفضة بشكل كبير في الأسرة، وكانت من بين أول ما تم خصخصته.

                            

الرعاية - أو إدارة المخاطر؟
وتقوم الدول النيوليبرالية بالتخلص من تكاليف الرعاية عن طريق تفريق وخصخصة مهام الرعاية. وينقسم الناس الذين يظهرون أعراضا مزعجة إلى "خطير"، الذين يُمكن استخدام أساليب الاحتواء العقابية أو الاستبدادية للتعامل معهم، وأولئك الذين تركوا للتأقلم من خلال الموارد التي يمتلكونها هم أو أسرهم.

    

وشهدت فترتا السبعينيات والثمانينيات إغلاق آخر المصحات في المملكة المتحدة والنهاية المرحب بها لاحتجاز الآلاف ممن وصفوا بالمجانين دون الحق في الحرية. كما وفرت الدولة أيضا الكثير من الأموال من خلال نقل المرضى مرة أخرى إلى "المجتمع"، وهو الوضع الذي بدا كما لو كان فوزا لجميع الأطراف. ولكن بعد نصف قرن من "الرعاية في المجتمع" أصبحت القاعدة بالنسبة لمعظم المرضى المصابين بأمراض مزمنة، أن العلاج المجتمعي الفعال يعوقه الميزانيات المنخفضة، وانخفاض مستويات التوظيف والروح المعنوية. في حين كافحت خدمات الصحة النفسية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية بالمملكة المتحدة، التي تم رفع التمويل عنها بصورة منهجية، من أجل الوفاء بالأعباء القانونية المفروضة عليهم لتوفير الرعاية الأساسية.

         

         

وعلى نحو متزايد، كانت الشرطة هي الجهة التي تعالج أزمات الصحة العقلية في المملكة المتحدة بصفتها "خط المواجهة". وأصبحت السجون "مستودع" المتعثرين عقليا. وفي الوقت نفسه، يوجد في سجون "الصحة العقلية" في الولايات المتحدة سجناء يرغبون في الانتحار أو غيرهم من السجناء غير المستقرين عقليا أو عاطفيا، حيث يرتدون ملابس  ويودعون في عنابر خاصة "مانعة للانتحار"، وأحيانا يوضعون في عزلة مطولة. وأي مطالب بالرعاية ستنحسر في نهاية المطاف لصالح الحماية من المقاضاة في نطاق السجن. ويكسى المرضى الذين يظهرون رغبة في الانتحار أو أعراض الإصابة بالذهان عند الدخول أو أثناء الاحتجاز في العديد من الولايات الأميريكة بـ "ثوب الانتحاري"، ويتم ارتداؤه حتى في المحكمة.

  

 إذن ما هي الطرق التي ينبغي اتباعها لمقاومة هذه الاتجاهات المقلقة؟ تُعد الكوميديا أو الفكاهة السوداء إحدى تلك الطرق للتعامل مع الأنظمة التي تدعي "الإيجابية" في حين أنها في الوقت نفسه تخبرك في كل مرحلة أنك "فاشل" بالفعل. ولكن المناهج والأفكار الجمعية "القائمة على الجماعة والتجمع" هي أفضل حام لنا. وكما تنبأ عالم النفس بول فيرينغي، فإن عصر "الفرد الأوحد" قد بلغ (على الأرجح) الحد الأقصى. ولكن ماذا ا يكمن خلف هذا الحد، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين تضرروا بالفعل أو وقعوا تحت قبضة عقاب "الرعاية" بالسجن. لا يزال الأمر غير واضح المعالم.

_______________________________________________________

      

 مترجم عن: ذا كونفرزيشن

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار