اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/13 الساعة 16:23 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/26 هـ

انضم إلينا
هل استعراض الصور الزوجية بكثرة دليل على فشل العلاقة؟

هل استعراض الصور الزوجية بكثرة دليل على فشل العلاقة؟

  • ض
  • ض
في إحدى عربات القطار ذي الرحلة الطويلة، يتخيل عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان[1] مجموعة من الركّاب المنعزلين في عوالمهم الافتراضية، التي تبدأ من أصابع المرء وتتمدد داخل هاتفه المحمول، ويخبرنا أنه بعد انقضاء الرحلة سيُسارع هؤلاء الركاب إلى منازلهم، لا ليستقطعوا الوقت لجلسات السمر الأسرية، ولكن ليختفي كل منهم في فضائه المنعزل مع هاتفه في عالمه الافتراضي المخصوص، فالمكان أصبح حين يوجد الهاتف لا البشر، ووحشة المكان تتمثل في افتقاد خاصية التواصل عبر الهاتف، لا افتقاد الأُنس بالآخرين.

     

ابتلاع الإنسان من قِبل وسائل التواصل الافتراضي -كفيس بوك وتويتر- قد ساهم -حسب باومان[1]- في تبديل المرجعية بين العالمين: الحقيقي والافتراضي؛ ليصبح الواقع الافتراضي هو المرجع الذي تُبنى وفقا لقواعده أفعال المرء في واقعه الحقيقي، فتكون الخصوصية غموضا يحاول المرء دفعه عن نفسه بعرض حياته على شبكات التواصل بتفاصيلها، ويصبح غياب المرء وحضوره يتحددان بعدد الساعات التي يكون متاحا فيها على تلك المواقع[2].  

   

هذا الحضور الذي ينتقل أحيانا إلى مساحة الحياة العاطفية والتفاصيل الخاصة بين الزوجين، بالصورة التي تصفها الباحثة خديجة جعفر بفتنة الحب العلني، إذ ترى أن الرومانسية في عصر العوالم الافتراضية تفتن أصحابها بضرورة التعبير عنها أكثر من ممارستها على أرض الواقع، فـ"في مستهلّ يوم عملٍ أو في منتصفه أو في نهايته، تفتح "فيس بوك" الذي يسألنا دائما "بمَ تفكّر؟"؛ ليجيب آخر: "اليوم ذكرى زواجي بـ... والتي هي الحبّ الذي غمر حياتي و... و...، وتحكي أخرى عن شمائل زوجها، وحبّها الكبير له..."[3].

    

   

الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول واقعية هذه الكلمات، ومدى مصداقيتها في التعبير عن الواقع من عدمها، وهل يعني انتشارها أن ضررا ما قد لحق بالعلاقات على حد وصف المنتقدين، أم أنه محض مسار طبيعي لعصر التكنولوجيا والتواصل الإلكتروني بلا خطر حقيقي على جوهر التواصل واستمرارية العاطفة والسعادة بين الأزواج؟

    

بين الواقع والخيال.. العلاقة على خشبة المسرح

في تعليقها على استعراض الحياة الزوجية عبر وسائل التواصل، تخبرنا الطبيبة النفسية مارجريت رزرفورد[4] عن مرضاها الذين اضطروا لمفارقة فيس بوك لما يسببه لهم من ضرر نفسي؛ إذ إنهم وجدوا حياة مثالية يصدّرها بعض الأزواج عليه بشكل يفوق الواقع، مما اضطرهم للهرب من هذا الوسط الذي يعرضهم للجنون، حسب تصريح أحدهم للطبيبة مارجريت.

      

لكن هل هذا الأمر حقيقي بالفعل؟ هذا ما ينكره الكاتب اللبناني طوني صغبيني؛ إذ يرى أن الاعتماد على الشبكات الاجتماعية يزداد "كلما خطت العلاقات الحميمية خطوة إلى الوراء"[5]، فالمرء قد يقوم بعرض جزء من ذاته لينال إعجاب وتفضيل الجمهور، فيما يصطلح عليه الباحث طارق عثمان بـ"عرض الذات"، فيُعرِّفه على إنه "سلوك يتوخى منه المرء توصيل بعض المعلومات حول الذات، أو بعض من صورة الذات، إلى الآخرين"[6].

       

يقوم المرء أحيانا باستعراض شيء من حياته الخاصة على "فيس بوك" ليقنع ذاته -والجمهور- بالصورة التي يحب أن يكون عليها

مواقع التواصل
    

ذلك السلوك الذي يدفع المرء أحيانا إلى استعراض شيء من حياته الخاصة على "فيس بوك" ليقنع ذاته -والجمهور- بالصورة التي يحب أن يكون عليها، كأن يكون عاطفيا أو رومانسيا يغبط المشاهدون شريكه عليه، وهو ما تساعد فيه المنصات الإلكترونية -حسب عثمان- بما تتيحه للمرء من اختيار وتحرير وتنقيح لكل ما يريد نشره قبل إذاعته على الملأ، الأمر الذي يتوافق كثيرا مع نظرية عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان[7] حول عرض الذات أمام الجماهير على خشبة المسرح.

    

فحسب غوفمان، فإن ثمة جدلية أساسية تكمن خلف تفاعلاتنا الاجتماعية، وهي أن الفرد عندما يكون في حضور الآخرين فإنه يسعى لاستكشاف واقعهم، ومن ثم يقوم بتصدير صورته إليهم بالشكل الذي يتسق مع مصلحته الذاتية، وهو ما يحققه له الاهتمام بالمظاهر في كثير من الأحيان على حساب الحياة الواقعية، فـ"الزوج قد يترك زوجته مريضة في فراشها بلا اهتمام يتناسب مع حالتها، ولكنها حين تتعافى وتذهب إلى عملها، "تفتح فيس بوك في منتصف اليوم، لترى "تاج" لها في منشور لزوجها يقول لها "سلامتك يا حبيبة قلبي" وبضع كلمات أخرى تثير الإعجاب"[3].

     

فـ"صديقاتها، اللاتي عرفت كثيرا منهن قبل زمن التواصل الاجتماعي، أضحين يغبطنها على هذا الزوج المساند الداعم، الرومانسي، حلو الكلام"، حتى وإن كانت "لم تسمع من زوجها كلمة مواساة أثناء مرضها، ولم ترَ الحبّ يحركه ليصنع لها كوبا من الليمون، أو يظلّ بجانبها عوضا عن أن يلتقي بصديق في مقهى. ولكنّها فوجئت مع من فوجئ حين رأت منشور الحبّ العلني"[3]. فما بين الواقع والخيال يُثار التساؤل حول حقيقة ما نراه من مدح الزوجين لبعضهما على وسائل التواصل، وهل يقتصر الأمر -فقط- على عرض مسرحي للذات وعلاقتها بالشريك، أم إن التعبير -فعلا- دليل على ما تُشعِر به العلاقة أصحابها؟

     

علاقة قوية أم صورة مهتزّة؟

ماذا ترى في الحب المُعلن؟ هكذا دار استطلاع لآراء زوار "فيس بوك" مؤخرا[8]، إذ شارك قرابة 400 زائر من روّاد موقع التواصل الأشهر في استبيان حول موقف الممارسين والمشاهدين على حد سواء. ففي مشاركة غلب عليها الطابع الأنثوي بواقع 74.8% للإناث و25.2% للذكور، رأى 62% من المشاركين أن مشاركة اللحظات السعيدة بين الزوجين على مواقع التواصل تُمثّل شيئا سلبيا، بخلاف 3.5% ممن رأوا في ذلك إشارة جيدة تستلزم التكرار، بينما اختار 34.3% كلمة "ربما" في الإجابة عن ذاك.

        

  

وبالرغم من الفارق الكبير في نسب الاختيار، فقد تباينت الآراء في الجانبين: الرافض والمرِّحب على حد سواء، فرأى عدد من الرافضين أن الامتناع عن تصدير الصورة المثالية بين الزوجين على "فيس بوك" من شأنه أن يحافظ على مشاعر الآخرين، والذين قد يرون في حياتهم بؤسا واضحا وعجزا عن الترفيه كما يفعل هؤلاء المبتسمون السعداء. وفي صف المعارضين أيضا وقف العديد، بتفسيرهم لهذه الظاهرة، على إنها تعبير عن ضعف العلاقة الحقيقية -بين الزوجين- بما يدفع أصحابها إلى تزيينها. وكذا لم تخل آراؤهم من ذكر الحسد، كخطر يحيط بالمعلنين عن علاقتهم، إلى آخر تلك الأسباب التي ترى الاحتفاظ بخصوصية هذه الأمور خيرا من عرضها على المشاع.

    

بينما -وفي الجانب الآخر- فريق المؤيدين، على الرغم من ضآلته، ، قد حمل من التبريرات ما يدفع أصحابه إلى الدفاع عن موقفهم، فانحصرت أغلب الآراء في الشعور الإيجابي الذي تبثه تلك المنشورات، للطرفين وللجمهور، بالإضافة إلى ما تمثله -حسب تعبيرهم- من ذكرى تُخلِّد للزوجين ما مرّا به من الأوقات الطيبة. لكن، وفي الوقت ذاته، فإن عددا من الموافقين رأوا أهمية الاعتدال في ممارسة هذا السلوك؛ حتى يبتعد الفعل عن الابتذال واستفزاز مشاعر الغير.

   

أما عن السؤال حول ما يعنيه الأمر، واعتبار ظاهرة كتلك تعبيرا عن اهتزاز العلاقة أم دعما لصلابتها، فقد وقف المشاركون في موقف متقارب بين الرأيين، ففي الوقت الذي ذهب فيه 62.8% من الرافضين إلى ضرورة منع الشريك من فعل كهذا، رأى كثير من المتقبلين أن التعبيرات الرقيقة بين الزوجين على مواقع التواصل تعزز من شعورهم الإيجابي داخل العلاقة، وتحفّز الآخرين على الزواج. لكن هل يعني ذلك -بالضرورة- القوة الفعلية لهذا الرباط المقدس؟

     

هل يمكن اعتبار الحب المُعلن بحثا عن الاطمئنان الذي تفتقده العلاقة في حقيقتها، أم إنه فيض شعوري يخرج منها إلى الجماهير؟

مواقع التواصل
    

ربما كان الأمر كذلك من وجهة نظرهم، لكن خديجة عوض لا ترى هذا متحققا بشكل كليّ، فالتعبير عن الحبّ في العلن -حسب رأيها- "أصبح موضة، أو توجّها"، ساعدتنا مواقع التواصل الاجتماعي على السعي إليه و"ممارسة هذا الانتحار العاطفي"، وساعدتنا كذلك "على التسابق: من يكتب في حبيبته ومن تكتب في حبيبها أفضل؟"[3].

    

فالزوجان اللذان ينشران صورة سعيدة، متبوعة بتعليق عاطفي، قد "يبيتان ليلة متكدرة، تاركان "اللايك" و"الشير" يأخذان مجراهما، لتصل هذه الصورة السعيدة إلى أوسع شبكة ممكنة" و"حين يصحوان من النوم، لن يكتبا أنّهما اختلفا وتكدّرا لأجل أمر يخصّ معيشتهما"، وإنما "سيتركان النّاس في ظنّ أنهما الزوجان اللذان لا يتشاجران، ولا يتكدران!"، فـمقولة التعبير عن الحب، حسب خديجة، مقولة خطأ بالأساس؛ لأن "الحبّ إمّا موجود وإمّا غير موجود، وإن وُجد، تجلّى في أدقّ الأفعال وأعظمها بين المحبوب ومحبوبته، والتجلّي عكس التعبير. والحب إن احتاج إلى تعبير في العلن، لم يكن حبًّا، بل كان حالةَ حبّ"[3].

     

هكذا يرى الفريقان بين التأييد والرفض، وما بينهما تنتشر مساحات التأييد المتحفظ الذي يدعو للاعتدال وعدم المبالغة، والرفض الناعم الذي يتصالح مع المدح العلني تحت وطأة السعادة اللحظية التي يُنشئها. فهل يمكن اعتبار الحب المُعلن بحثا عن الاطمئنان الذي تفتقده العلاقة في حقيقتها، أم إنه فيض شعوري يخرج منها إلى الجماهير؟ وبالنظر إلى الاحتمال الثاني يبرز تساؤل آخر، فنقول: هل يمكن لهذا التعبير التأثير على طبيعيّة العلاقة، فيدفعها إلى التكلّف من أجل الحفاظ على صورتها المعروضة أمام الأنظار؟ أم إن الزوجين يعتبرانه وقودا يحفظ وهج العلاقة لعمر ممتد؟

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار