اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/16 الساعة 00:47 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/7 هـ

انضم إلينا
"أقبح امرأة بالعالم".. من الذي يحدد معايير الجمال؟

"أقبح امرأة بالعالم".. من الذي يحدد معايير الجمال؟

الزهراء جمعة

صحفية ومترجمة
  • ض
  • ض

في القرن التاسع عشر وضعت صورة امرأة كثيفة الشعر (ولها لحية) من السكان الأصليين للمكسيك كانت تسمى جوليا باسترانا في إعلان عن عرض مسوخ ترفيهي تحت اسم "أقبح امرأة في العالم". وبعد جلبها لأوروبا كانت باسترانا تؤدي عروضا على المسرح وفقا لمعايير الفترة الفيكتورية، بالغناء والرقص والتحدث بلغات أجنبية، وكذلك الخضوع لفحوصات طبية علنية، وبعض الترفيهات الأخرى، وقد وسمت في حياتها وبعد وفاتها "بالقبيحة".
   

تمتد جذور كلمة قبيح (Ugly) من اللغة الإسكندنافية القديمة في العصور الوسطى وتعنى 'أن تُخشى أو يخاف الناس منك'. ولهذه الكلمة سلسلة تمتد من الرفاق المشابهين: وحشي، بشع، مشوه، مسخ، غريب، معاق. ومع تاريخه الطويل، يأتي مفهوم القبح من مصادر كثيرة: بداية من أرسطو الذي قال إن النساء هن رجال "مشوهين"، مرورا بحكايات القرون الوسطى عن تحول الجميلات لعفاريت ووحوش، ثم الرسوم الكاريكاتورية في القرن الثامن عشر، وعروض "المسوخ" في القرن التاسع عشر، وفن القبح في القرن العشرين بالإضافة إلى الهندسة المعمارية الوحشية (نمط معماري ازدهر في فترة الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وقد انبثق من الحركة المعمارية الحداثية. وبه تتكون المباني من الخرسانة الخام).
      

صورة للمفكر أرسطو

مواقع التواصل
   
الجمال في عدم الكمال

وطالما شكّل القبح تحديا للجماليات والذوق، وأضاف تعقيدا على معاني الجمال والقيمة. وغالبا ما تضع التقاليد الغربية القبح باعتباره ضدا للجمال ونقيضا له، إلا أن المفهوم يحمل معان إيجابية في سياقات ثقافية مختلفة. فالمصطلح الياباني "وابي سابي"، يرمز لفلسفة جمالية نشأت في اليابان وتركز على رؤية الجمال في كل شيئ ، وهي فلسفة ترمي لتقبل الأشياء كما هي على طبيعتها، بعيوبها وشوائبها وترهلاتها بتآكلاتها وحتى بفنائها وتعرّف بأنها : " إيجاد الجمال في عدم الكمال" وتقدير النقص والتغير، وهي صفات يمكن اعتبارها "قبيحة" في ثقافات أخرى. ويمكن أن يتشابه القبح والجمال مع النجوم الثنائية، التي تقع كل واحدة منها في مجال جاذبية الأخرى فتدور حول بعضهما إلى الأبد بين نجوم كثيرة.

   

وعادة ما يقصد بقولنا "قبيح" التذميم والقذف، ولكن في العقود الأخيرة، نُظر إلى التصنيفات الجمالية بعين متشككة. يقول الفيلسوف كاثلين ماري هيجينز: "لا نستطيع أن نرى الجمال بريئا" عندما يصاحب " جمال شكل دخان الانفجار النووي المتصاعد، شر أخلاقي".
     

وتكتسب النقاشات مزيدا من الجاذبية مع تغير العالم يوميا، بتقلب وتغير معنى" الجميل "و" القبيح". فمثلا في عام 2007، انتشر على الإنترنت فيديو يحمل اسم "أبشع امرأة في العالم". يعرض صورة ليزي فيلاسكيز، فتاة في سن السابعة عشر آنذاك، ولدت في ولاية تكساس مصابة بعمى في عين واحدة واضطراب نادر يمنعها من اكتساب الوزن. ووفي التعليقات على الفيديو أطلق عليها الناس اسم "الوحش" وقال أحدهم" اقتلي نفسك وارتاحي". ودفعت هذه التجربة فيلاسكيز إلى تقديم فيلم وثائقي ضد التنمر عبر الإنترنت صدر في عام 2015، ويطرح سؤالا عما إذا كان الأولى أن يوصف هؤلاء المتهِمين والواصمين بالقبح.
     

 
ولم يصبح "القبح" عزل وفصل نهائي فحسب، بل أصبح صيحة استنفار كذلك. حيث أنه يعني أن في مختلف الأماكن والاوقات، كان يمكن لأي واحد منا أن يعتبر قبيحا؛ أحمر الشعر وأزرق العينين والأعسر ومعقوف الأنف والأحدب والأبرص.ومن السهل تحويل أي ملمح أو شكل خارجي إلى علامة على القبح (و العكس صعب جدا)، وكذلك من السهل حصر مسيرة القبح في حالات بعينها دون النظر إلى تاريخه الأكبر والأوسع.

   

 في اليونان القديمة، كانت مرادفات القبح تحمل معنى الشر، والعار والإعاقة. بالطبع قد نجد استثناءات مثل الفيلسوف القبيح الحكيم سقراط والعبد ايسوب رواي الخرافات والحكايات، ولكن كان ينظر للملامح الخارجية في العادة باعتبارها انعكاس للقيمة الداخلية أو نذير شؤم. ونظر ما يعرف بعلم الفراسة للخير الأخلاقي والشر بالتناسب مع ملامح الجمال والقبح، ورغم أن حكايات القرون الوسطى أظهرت تحولات الجميلات والوحوش، استمرت الدلالات السلبية عبر القرون. وصعدت الوحوش على هوامش الفهم الخاطئ مع توسع الإمبراطوريات الاستعمارية. فعلى سبيل المثال، قام المستكشفون الأوروبيون بتفسير المنحوتات "القبيحة" للآلهة الهندية على أنها نذر شؤم مروعة تعني نهاية العالم.

    

واستمر القرنان الثامن عشر والتاسع عشر في تحدي الخط المتغير بين الجمال والقبح، فقد بالغت الرسوم الكاريكاتورية في رسم الملامح في وقت كان يعرّف فيه "القبح" و "التشوه" بمعان تبادلية تقريبا. وحاول عضو البرلمان البريطاني وليام هاي، الذي كان أحدب الظهر، فصل معنى "التشوه" عن القبح، قائلا إن جسده المشوه لم يعكس روحا قبيحة. وحتى مع تحدي المعاني التقليدية، أخذت عروض المسوخ القبح إلى آفاق جديدة، بجانب متاحف التشريحات البشرية والمعارض العالمية التي عرضت العينات البشرية، وكذلك العروض الإثنية.
    

وجوه مكسورة

فجرت الحرب العالمية الأولى المفاهيم المتوارثة عن القبح؛ فبينما حققت الحرب مستويات جديدة من الميكنة، أصبح الشبان الذين كانوا على قدر من الجمال يوما ما قبيحي الشكل جراء ويلات القنابل اليدوية وغاز الخردل والدبابات. وتجمع بعض الجنود مثل جماعة "لي غوليز كاسيس" ( 'وجوه مكسورة') معا لتصبح 'وجوههم البشعة' بمثابة "معلم أخلاقي" يعيد لهم كرامتهم. في حين توفي معظمهم أو اختفى من المشهد، عادت الصدمة البصرية للظهور عندما حاول الفنانون إعادة ترتيب النظام العالمي الجديد.

     

أحد الجنود الذين أصيبوا بالحرب العالمية الأولى

مواقع التواصل
   

بحلول الثلاثينيات، دعمت ألمانيا النازية الجمالية المؤمَمة لفرض رقابة على القبح بناء على معايير "العيوب"، واضعة من تنطبق عليه هذه المعايير كأهداف للاضطهاد والإبادة. وفي أوقات النزاع، كان يمكن لأي تهديد أو عدو أن يتم تقبيحه ومن ثم تعميمه كعدو أو تهديد. ويمكن للفرد أن يوضع ضمن مجموعة "قبيحة "من خلال وضع علامة تعسفية عليه - مثل شارة صفراء أو وشاح أسود - اعتمادا على عين الرائي. وفي حين أنه من الممكن إلصاق كلمة 'قبيح' على أي شيء تقريبا، فإن إرث الكلمة المتغير يختص بوس الأجساد، ويمكن أن توحي بدلالات عن الناظر أكثر مما توحي عن المنظور إليه. فكما غنى الموسيقار البارز فرانك زابا "إن أبشع جزء في جسدك" ليس أنفك أو أصابع قدميك ولكنه "عقلك".

   

عباءة القبح

 في أواخرالثلاثينيات، سافر كل من كينيث ومامي كلارك في الجنوب الأمريكي لدراسة الآثار النفسية للتمييز العنصري والفصل العنصري، وطلبا من الأطفال الاختيار بين الدمى البيضاء والسوداء. فوصفت الدمية البيضاء بأغلبية ساحقة بأنها "جميلة"، والدمية السوداء وصفت بأنها "قبيحة"، مع الصفات المصاحبة مثل "جيدة" و "سيئة"، "نظيفة" و "قذرة".

    

واتباعا لهما، في روايتها The Bluest Eye الصادرة عام 1970، كتبت توني موريسون عن تأثير العنصرية على عائلة بريدلوف قائلة: كان الأمر كما لو قام سيد يعرف كل شيء بإعطائك عباءة من القبح لارتدائها، وقال السيد: "أنتم أناس بشعون". فبحثوا ولم يروا شيئا يتناقض مع ما قال؛ ورأوا في الواقع، دعما لذلك يطل عليهم من كل لوحة إعلانية، وكل فيلم، وكل نظرة.

  

يحمل الفن مرآة لتحويل المواقف دائما، حيث تنسى الأوسام الأولية للقبح في بعض الأحيان عندما تصبح الموضوعات التي كانت مكروهة ذات مرة، قيّمة. فمدرسة الانطباعية التي ميزت القرن التاسع عشر - التي تعرض الآن في المعارض الرائجة - شبهت في بداية الأمر بالطعام المهروس واللحم المتعفن. وعندما عرضت أعمال هنري ماتيس في الولايات المتحدة في معرض أرموري (الرائد عالميا في مجال الفنون الحديثة والمعاصرة) في عام 1913، اعتبر النقاد فنه "قبيحا"، في حين أحرق طلاب الفن في شيكاغو دمية لوحة Blue nude لبيكاسو أمام معهد الفنون، وقامت المؤسسة نفسها بقيادة نظرة عكسية لعمله بعد قرن من الزمان. وكذلك اعتبرت موسيقى الجاز والروك أند رول في بداية ظهورها موسيقى بشعة، مهددة بإفساد أجيال بأكملها.

    

 الرسام بول غوغان (مواقع التواصل الإجتماعي)

     

في مواجهة عباءات "القبح"، احتضن بعض الفنانين الكلمة؛ حيث قال الرسام بول غوغان إن القبح هو "معيار فننا الحديث". وشجع الشاعر والمترجم عزرا باوند "عبادة القبح". وأشاد الملحن تشارلز إتش إتش باري بالقبح في الموسيقى، والذي بدونه "لن يكون هناك أي تقدم في أي من الأشياء الاجتماعية أو الفنية". وأشاد الناقد كليمنت جرينبرج التعبيرية التجريدية لجاكسون بولوك الرسام الأمريكي بأنه "لا يخشى أن يبدو قبيحا؛ فكل الفن الأصلي الخالص يبدو قبيحا في البداية". وقد ساعدت اعتمادات الكلمة على إخراج شحنتها السلبية، ويبدو أن الرسام الصيني شيتاو الذي يعود للقرن السابع عشر قد توقع ضربات فرشاة بولوك الحيوية عندما عنون لوحته بـ"عشرة آلاف بقعة حبر قبيحة".

  

تشويه الجمال

عمل تقليد سابق في الشعر العربي في العصور الوسطى على إعادة صياغة الحالات الإنسانية المتعلقة بالمرض والإعاقة بشكل إيجابي من خلال "تشويه الجمال وتجميل القبح". أما المصطلح الفرنسي jolie laide، أو "القبيح الجميل"، فيعود إلى القرن الثامن عشر عندما ظهرت "أندية القبح" في بريطانيا والولايات المتحدة كمنظمات أخوية تطوعية، قام أعضاؤها المرحون بالتفكه من عيوب أنوفهم وذقونهم وقسماتهم المختلفة. ورغم كون العديد من الأندية مهينة وقصيرة الأجل، إلا أن البعض الآخر تمكن من النجاة ويحاول مواجهة التمييز على أساس المظهر؛ مثل نادي festa dei brutti أو مهرجان القبح الذي لا يزال قائما في إيطاليا.

   

حتى بينما ترفع السياسة ووسائل التواصل الاجتماعي رايات القبح، احتضن الترفيه معناه وأحبه. حيث عرض المسلسل التلفزيوني Ugly Betty أو بيتي القبيحة حملة بعنوان "كن قبيحا"، وكان فيلم Shrek the Musical يحمل شعار "إعادة القبح مجددا!" وتحمل لعب الأطفال الشهيرة " أوغلي دول" شعار: "القبح هو الجمال الجديد!". وفي حين أن وبعض الكتب الترفيهية تقدر القبح الشكلي، فإن كتب مثل مذكرات روبرت هوغ التي حملت عنوان Ugly 2013، ورواية الخيال العلمي لكاتبها سكوت وسترفيلد (Uglies) تشجع الناس على النظر إلى أبعد من المظهر الخارجي المادي.
     

  

وقامت إحدى منظمات مكافحة التنمر عبر الإنترنت بإعادة صياغة حرف كلمة قبيح UGLY كعبارة مختصرة: تعني "فريد، موهوب، محبوب، أنت". وهكذا تحولت كلمة قبيح التي كانت بمثابة عازل اجتماعي ضد نفسها لتحدي المعاني الموروثة وحتى مواجهة الظلم.
 

من الأجدر بالقبح؟

عندما ندعو شيئا ما بأنه قبيح، فإن ذلك يخبرنا شيئا ما عن أنفسنا وما نخشاه أو نرهبه؛ ففي القرن التاسع عشر قام عمال ومشاهدو عرض المسوخ الذين قالوا أن باسترانا قبيحة، بوضع أنفسهم في عرض جانبي آخر يكونون هم فيه الوحوش. وقد أعيدت رفاتها إلى المكسيك في عام 2012 عندما قامت "اللجنة الوطنية النرويجية لأخلاقيات البحوث على بقايا الإنسان بعكس الوصمة من خلال تسمية هؤلاء العمال والمتفرجين بأنهم بشعون.

 

عرض فيكتور هوغو الكاتب الشهير نظرة شاملة على القبح عندما كتب أن "الجميل هو مجرد شكل في أبسط جوانبه، في حين أن القبيح تفصيل لكل كبير يستعصي علينا فهمه، لا يتناسب مع الإنسان وحده ولكن مع كل الخلق". وتماما مثل نجوم القبح والجمال الثنائية، التي تدور حول بعضها البعض في كوننا الفسيح، قد نتذكر جيدا كل النجوم الأخرى التي تتأرجح حولهم ككوكبات جديدة محتملة.

 ______________________

   

مترجم عن "أيون

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار