هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
حينما تكون كل الخيارات سيئة.. كيف نتصرف حينها؟

حينما تكون كل الخيارات سيئة.. كيف نتصرف حينها؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    
مقدمة الترجمة
في هذه الدُنيا، يسعى الإنسان لتوسيع دائرة اختياراته، حيث لا يُريد أن يقع يوما تحت وطأة الإجبار والاختيار بين بدائل لا يستطيع الانفكاك عنها، لكن، ماذا لو كانت جميع الخياراتُ المتاحة سيئة، لتُمثِّل هذه الخيارات حينها معضلة أخلاقية وتختبر منظومة القيم والمُثُل الخاصة بك. فكيف سنكون حينها، وهل يهدد ذلك منظومتنا الأخلاقية؟

 

نص المقال

ليس من الجيد دائما أن تُتاح لك فرصة اتخاذ خيار ما، وذلك عندما يُحتم علينا اتخاذ قرار القيام بفعل ما بدلا من آخر، فمن الطبيعي أن نتحمل مسؤولية اختيار ما نفعله ولو بشكل جزئي. عادة يكون ذلك أمرا جيدا، فهو ما يجعلنا ذلك النوع من المخلوقات التي يمكن انصياعها للمبادئ الأخلاقية.

   

من الممكن أن يكون اتخاذ خيار ما أمرا جيدا في بعض الأحيان، فعلى سبيل المثال، لنتخيل أنه أثناء مغادرتك لموقف سيارات أحد المتاجر، اصطدمت بسيارة أخرى في الخلف، ما تسبب في ضرر بشكل واضح، ولم يكن هناك أحد آخر في الجوار، كما أنك لا تظن أن هناك كاميرات مراقبة في المكان، حينها تواجه خيارين، إما أن تقود سيارتك مبتعدا عن المكان بقناعة تامة أنه لن يستطيع أي شخص أن يكتشف أنك تسببت في تلف ممتلكات شخص آخر، وإما أن تترك ملاحظة بما تسببت فيه من تلف على الزجاج الأمامي للسيارة، موضحا ما حدث، ومرفقا معلومات الاتصال الخاصة بك حتى يتسنى لك فرصة تعويض صاحب السيارة المتضررة عما تسببت فيه من تلف.

    

  

من الواضح أن التصرف الصحيح هو ترك ملاحظة. إذا لم تفعل ذلك فإنك تكون ارتكبت مخالفة كان يمكن تلافيها من خلال اتخاذ خيار مختلف. وعلى الرغم من أنك قد لا ترغب في تحمل هذه المسؤولية -ودفع تكاليف ما تسببت فيه من أضرار- فإنه من الجيد أن تكون في موقف القدرة على فعل الصواب.

  

بطبيعة الحال، أن يكون لك حق الاختيار يعني في بعض الأحيان اتخاذ قرار ارتكاب فعل سيئ بدلا من آخر أسوأ. تخيل إذا كنت طبيبا أو ممرضا عالقا في النسخة المتخيلة القادمة للأحداث الحقيقية التي وقعت في أحد مستشفيات نيو أورلينز في أعقاب إعصار كاترينا عام 2005. ونظرا للارتفاع الهائل في مستوى الفيضان بسبب الإعصار كان لا بد من إخلاء المستشفى. وفي غضون ذلك، أُمر الطاقم الطبي بإخراج الجميع بحلول نهاية اليوم، ولكن لم يتسن إخراج جميع المرضى.

   

ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح أنك يجب أن تختار، لكنك أمام أحد خيارين كلاهما مرعب، فإما أن تعطي ما تبقى من المرضى عقاقير الموت الرحيم دون تصريح رسمي بذلك (لأن كثيرا منهم في حالة لا يُرجى شفاؤها)، أو أن تتركهم يعانون ألم ورعب الموت البطيء وحدهم. حتى إن كنت خائفا من اتخاذ أي الخيارين، فلا بد أنك مقتنع أن أحد الخيارين - لنقل إعطاؤهم جرعة قاتلة من الدواء- أفضل من الآخر. وعلى الرغم من ذلك، ربما يخالجك شعور أنه بصرف النظر عن الخيار الذي اتخذته فإنك سوف تنتهك المعايير الأخلاقية.

     

  

هل هناك حالات -ربما يشمل ذلك الموقف السابق- يكون فيها كل ما يمكن فعله خاطئ من الناحية الأخلاقية؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن هناك بعض الحالات التي لا يمكن تجنب الإخفاق الأخلاقي فيها. ففي حالة المستشفى الغارقة بالمياه، إن ما يجب عليك فعله من الناحية الأخلاقية أمر مستحيل، إذ لا بد من تجنب قتل المرضى دون تصريح، كما يجب عدم تركهم يعانون ألم الموت. أي إنه مطلوب منك فعل المستحيل.

    

إن أمرا كهذا يخالف ما يعتقده كثير من الفلاسفة الأخلاقيين، لأن كثيرا من فلاسفة الأخلاق تبنّوا المبدأ -المنسوب إلى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت من القرن الثامن عشر- القائل بأنه حتى يُصبح الفعل ملزما أخلاقيا لا بد أن يكون ممكنا أيضا، وبالتالي، لا يمكن أن يكون المستحيل ضرورة أخلاقية. وعادة ما يعبر فلاسفة الأخلاق عن هذا المبدأ بهذه العبارة: "الواجب يعني ضمنيا الممكن". بعبارة أخرى، يمكن أن تكون مُلزما بفعل شيء ما عندما تكون قادرا على هذا الفعل فقط.

    

يبدو هذا الخط الفكري جذابا دون شك. أولا وقبل كل شيء، ربما يكون من غير الإنصاف الالتزام بفعل شيء أنت غير قادر على فعله. ثانيا، إذا كان لا بد للأخلاق أن تكون بمنزلة دليل يساعدنا على أن نقرر ما يجب فعله في أي موقف، وأننا لا يمكننا فعل المستحيل فعليا، فربما يبدو الحديث عن المتطلبات الأخلاقية المستحيلة بلا فائدة. ولكن إذا مررت بتجربة كان مطلوبا منك فيها فعل المستحيل ربما يجب أن تتبنى عبارة: الواجب لا يعني ضمنيا الممكن. إن الاعتراف بذلك ربما يساعدك في فهم تجربتك، حتى وإن لم يرشدك ذلك إلى معرفة ما يجب فعله.

     

الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت

مواقع التواصل
   

لا يمكننا لوم الآخرين على ارتكاب المخالفات الأخلاقية التي لا يمكن تجنبها، طالما أنهم اختاروا أفضل الخيارات الممكنة، بل يكون لوم الناس في محله فقط عندما يكون في متناولهم اختيار فعل شيء أفضل مما فعلوه بالفعل. وعلى الرغم من ذلك، عندما نقوم بأفضل ما لدينا من عمل في موقف ما -ولكن لا يزال هناك أمر ما نراه ممنوعا من الناحية الأخلاقية في اختيارنا، لكنه الخيار الأفضل-، عادة ما نميل إلى تحميل أنفسنا المسؤولية. وربما إذا ما اخترنا فعل شيء غير أخلاقي يستمر ضميرنا الأخلاقي في تذكيرنا بأنه "لم يكن من المفترض فعل ذلك"!، ومن ثم ربما نحكم على أنفسنا بأننا ساقطون أخلاقيا.

     

لا أعتقد أننا يجب أن نتجاهل هذه الأحكام بالضرورة، ولكن يجب أن نضعها نصب أعيننا. إذا فعلنا ذلك، واستمرت هذه الأحكام في أذهاننا، إذن لا بد أن نفهم من ذلك أنه يجب علينا فعل المستحيل بالفعل. إلا أن ذلك ينطوي على آثار مقلقة، فإذا أدت بعض المواقف إلى ارتكاب مخالفات أخلاقية عرضية، فلا بد لنا كمجتمع أن نكون حذرين من وضع الناس في هذه المواقف. قد يبدو دائما إعطاء الناس حق الاختيار شيئا جيدا، لكن منحهم الاختيار بين شكلين من الإخفاق الأخلاقي أمر قاسٍ جدا.

     

قد يكون سوء الحظ في بعض الأحيان هو ما يضع شخصا ما في موقف يضطره إلى الاختيار بين أمور جميعها خاطئ. وعلى الرغم من ذلك، لا تُتخذ الخيارات في سياقات تشكلت عن غير قصد في كثير من الأحيان، بل تأتي هذه الخيارات في سياق اجتماعي. فمن الممكن أن تُنتج الهياكل الاجتماعية، أو السياسات، أو المؤسسات مخرجات تأتي في صالح بعض الفئات على حساب فئات أخرى بشكل جزئي، وذلك من خلال تشكيل نوعية الخيارات التي يواجهها الناس أو يُضطروا لمواجهتها. قد يواجه أعضاء بعض الفئات الاجتماعية أكثر الخيارات سوءا، أي أن تنحصر خياراتهم بين عدد من البدائل التي تكون جميعها غير مناسبة لهم. ولكن هناك حالة أخرى ربما تكون الخيارات فيها سيئة أيضا، وهي أن تكون هذه الخيارات بين عدد من البدائل تؤدي جميعها بهم إلى الإخفاق في تحمل مسؤولياتهم تجاه الآخرين.

     

  

أدى قانون الرعاية الصحية الأميركي الذي بُحث في مجلسي النواب والشيوخ إلى خلق معضلة أخلاقية من خلال عرض عدد من الخيارات السيئة على أشخاص منخفضي الدخل -خاصة إذا كانوا من النساء أو المسنين أو المرضى-. وهو ما من شأنه أن يُجبر بعض الآباء على الاختيار بين بديلين مستحيلين متساويين، كأن يختار التضحية بالرعاية الصحية لأحد طفليه من أجل الآخر. هذا النوع من الاختيار الجبري سوف يكون متشابها في النوع مع الاختيار الذي عرضه ضابط وحدات إس إس لصوفي في فيلم "اختيار صوفي" من إنتاج عام 1982، عندما قال لصوفي: "يمكنك الاحتفاظ بأحد أطفالك". هذا هو نفس النوع الخاص -الذي يجعل السقوط الأخلاقي لا مفر منه- من القسوة.

    

لا يمكن إلقاء اللوم على أحد بسبب عدم تقديم الرعاية المناسبة لعائلته، إذا كان يستحيل على الأشخاص المعنيين فعل أي شيء لهم بالفعل. لكنهم قد يرون أنهم مُطالبون بفعل المستحيل، ومن ثم يحكمون على أنفسهم بأنهم أخفقوا في هذه المهمة. لا يجب أن يُرغم أحد على هذا الموقف. لا يمكن تلافي جميع هذه الحالات التي تواجه هذه النوعية من الخيارات - دائما هناك احتمالية تعثر الحظ -، ولكن على الأقل يجب ألا نضعهم في مواجهتها عن قصد.

    

وختاما، قد تكون يوما ما أنت الذي تتحكم في أمر ما أو سلوك ما ستفرضه على آخرين، فلتجعل مقصدك ألا تجعلهم يختارون ما بين سيئ وأسوأ، وجنّبهم هذه المحنة التي قد تفتنهم وتُغيرهم لشُخوص آخرين ليس كما كانوا عليه من ذي قبل، وإن كُنت أنت محلهم يوما وأصبحت في محل الاختيار بين بديلين كلاهما مُرّ، فتخيّر الأنسب حسب وضع الموقف، أنسب لا يكون هناك ما هو أنسب منه.

_______________

   

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار