هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
السخرية من القضايا العامة.. هل نحن أمام جيل مهزوم؟

السخرية من القضايا العامة.. هل نحن أمام جيل مهزوم؟

محمد فتوح

محرر رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       
فرانز، أحد شخصيات رواية "كائن لا تُحتمل خفته"(1)، مواطن سويسري يقطن أحياء باريس، جعله كونديرا تجسيدا للرجل الأوروبي المُحافظ والمُثقَل في آن واحد، أما حبيبته سابينا، فقد أُعجب فرانز  بها لأنها قادمة من بلدة روسية صغيرة تناضل ضد الشيوعية، ذلك النضال الذي حلم به أياما وليالي.

      

يرى فرانز دوما في نضال الشعوب عظمة البذل الإنساني بعكس الحياة التي يحياها الناس في أوروبا!

بيد أن سابينا كانت تنظر لأحلام فرانز على أنها أوهام بالية، فكل معنى للنضال العام أصبح غير ذي معنى لديها! فقد هربت سابينا إلى أوروبا لأنها كانت تحلم أن تعيش حياة الخِفة لا الثقل، حياة لا مبالية بشيء في الفردوس الجديد لها.
       

سئمت سابينا حياتها في الماضي، تلك الحياة المليئة بالثقل، فهي لم تستطع أن تنشئ معرضا واحدا فيه لوحات بيكاسو رغم أنها فنانة، فلا شيء مسموح به، إلا ما سمحت به الدولة في بلادها، أما في أوروبا فيمكنها أخيرا أن تأكل الهمبرغر بعد إنشائها لمعرضها الخاص لبيكاسو.

     

لم تكترث سابينا بشيء مما يذكره فرانز من النضال في بلادها، الدبابات والمنشورات وأعداد الناس التي يذكرها كلها لا قيمة لها بالنسبة إليها. وقد وصل الحال بينهما عدم فهمها للغته تلك عن النضال، وهو لم يفهم لغتها عن التفاهة، فقد يئست سابينا النضال بعد خيبات الأمل التي عاشتها، ولم تحب أن تسمح بفرصة للتعرف على نضال جديد( 2).

      

      عرض رواية: كونديرا والكائن الذي لا تحتمل خفته

  

هذه الصورة التي رسمها كونديرا من التفاعل والحيوية في شخص فرانز واللا اكتراث وعدم المبالاة البادية على سابينا أراد أن يصف بها حالة التنازع بين الخفة والثقل [أ] داخل النفس الإنسانية، بين الشغف والتتبع وخيبات الأمل والإحباط. فبعد خيبة الأمل التي عاشتها سابينا في بلادها المناضلة لم تعد ترى في معنى النضال أي قيمة يُعاش لأجلها أو يُحلم بها، وكان قرارها هو الانسحاب الكامل وللأبد. ترفعت سابينا عن الانخراط مرة أخرى في الشأن العام، وبعد فترة تركت فرانز وحيدا لنضاله وانصرفت هي لحياتها الشخصية!

      

وفي ظل موجات الإحباط التي أصابت الشباب بعد فشل الثورات العربية وما لحقها من قتل وأَسر ومذابح، أطلت ظاهرة الانسحاب من الشأن العام لدى الشباب العربي (3) وتفشي اتجاه العدمية [ب] والترفع عن الاهتمام والتفاعل مع قضايا الناس مثلما حدث لسابينا.

   

 هذه الظاهرة تطرق لها الدكتور مصطفى حجازي في كتابه "الإنسان المهدور" باعتبارها حالة تنشأ مع كل مجتمع مهزوم، وهو ما أسماه بـ "الهدر الوجودي!"، أي إن وجود الإنسان لا تأثير له في الحياة الاجتماعية، يقول حجازي: "يتجلى ذلك أن هدر الطاقات والكفاءات ليس مسألة اقتصادية محضة، بل هو أزمة تمس مشروع صناعة الوجود ذاته، وتعطل اندفاعه الحياة وتجددها وارتقائها" (4). هذه الظاهرة لا يمكننا فهم تفشيها، إلا بقراءة السياقات الاجتماعية والسياسية التي نشأت فيها، وهو ما شكلته الحداثة بتأثيراتها التي انعكست على التصور الإنساني للحياة وانسحابها على السلوك.

 

وعود الحداثة وحالة اللا مبالاة

"وقت فراغ طويل، مخدرات تحت الطلب، جنس متوفر، لكن الخواء في كل مكان"

(مفكر ألماني)

 

  

فرّق الدكتور عبد الوهاب المسيري بين الحداثة كتعريف وبين ما نتج عنها، فالحداثة كتعريف -بحسب المسيري-: "هي مقدرة الإنسان أن يعدل من قيمه بعد إشعار قصير للغاية، أي أن تخضع الطبيعة للعقل الإنساني" (5)، أما في التجليات الواقعية للحداثة فإنها على الضد من ذلك، فهي -بحسب المسيري- فككت الإنسان عن أي شأن له معنى وفصلته عن أي قيمة صادرة عن الإله، يقول المسيري: "إن الحداثة هي التفكيك، ورد الإنسان إلى ما دون الإنسان، أي إلى الطبيعة والمادة" (6)، وعلى هذا فإن المسيري يعتبر أن شيئا من اليأس الذي يحياه الناس في واقعه هو نتاج لفشل الحداثة في تحقيق نبوءتها، "نبوءة الحداثة كانت تحرير العقل وإخضاع الطبيعة، والسيطرة والهيمنة والتحكم" (7).

    

 في السياق ذاته يرصد عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في سلسلة السوائل الأضرار التي أفرزها فشل الحداثة على الأفراد، وما تسببت فيه من حالة اللا اكتراث والسيولة مع كل معنى عام أو خاص، مما دفع للترفع عن الشأن العام، فقد أصبح اللا يقين والخوف يكتنف الإنسان المعاصر في كل شؤونه، من الحياة إلى الحب إلى الأخلاق حتى الخوف والشر أصبحا سائلين لا معنى صلب فيهما، وهو ما عبرت عنه مقدمة السلسلة هبة رءوف: "بأن الحداثة استطاعت توزيع فشلها على تفاصيل الحياة اليومية" (8).

    

ونشأ عن هذا الفشل المتتابع في تحقيق الوعود حالة من الخوف من التعلق بالآمال والتهرب من أي إصلاح للواقع أو التفاعل الجاد معه، فأصبح العيش في اللحظة الراهنة والاستغراق فيها هو البديل لدى البعض عن التفاعل مع المعطيات الواقعية بما لها من ارتباطات مع الماضي ومتطلبات تدافعية بشأن التغيير المستقبلي، تقول هبة رءوف عزت: "الاستغراق في اللحظة الراهنة، والسلوك الاستهلاكي والتمحور حول اللذة اللحظية ما هو إلا لخوف حقيقي من فقدان كل شيء ومواجهة المجهول!" (9).

    

وهو ما جعل بعض المفكرين يعتبر أن الإنسان الحديث أصبح منفصلا عن كل قيمة جادة ومترفعا على واقعه وغير مكترث بالانخراط في قضاياه بصورة لم يحدث لها مثيل من قبل، يقول محمود رجب في كتابه "الاغتراب": "الإنسان في العصر الحديث أصبح منفصلا انفصالا حادا لم يسبق له مثيل، سواء عن الطبيعة أو المجتمع أو الدولة أو الله وحتى عن نفسه وأفعاله" (10)، ويواصل رجب في بحثه الفلسفي بأن إنسان العصر الحديث لم يعد يستطيع أخذ أحداث حياته بجدية أو أن يتفاعل معها (11)فالخواء المُفضي إلى العدمية وعدم الاكتراث بشيء أحد النتائج التي نتجت عن فشل الحداثة في تحقيق وعودها.

     

     

فشل الربيع العربي بين فشل السرديات والسخرية من الشأن العام

إن الإنسان لا يمكنه العيش باستمرار في عالم مرتعش بالمعنى. 

(ما بعد اللا منتمي - كولون ولسون)

   

مع ما شكلته وعود الحداثة من تشويه لتصورات الإنسان وما ترتب عليه من تفشي العدمية واللامبالاة، فقد زاد فشل الربيع العربي من حالات اليأس بين الشباب العربي والتي عبر عنها شريف قمر قبل انتحاره بقوله: "مفيش فايدة" (12)، إذ فشلت السرديات [ج] التي آمن بها الشباب العربي عن تحقيق أهدافها في الواقع.

        

وتتحدث هبة رؤوف عزت عن هذه الظاهرة الانسحابية والتي تغيب معها معالم المعنى الكبير ويكتفي الإنسان فيها بذاته وحسب فتقول: "لم تعد هناك ملحميات كبرى، بل قصص فردية عن البدء والنهايات المتتالية" (14)، وينتج عن ذلك شعور نفسي لموت المعنى العام والعيش في اللامبالاة واللا اكتراث، ومع كل مساحة جديدة من الفشل تتسع مساحات الخوف من محاولة الإصلاح العام، وقد أدى ذلك إلى حالة من فقدان الهوية والانسحاب للشباب العربي من الشأن العالم إلى دوائر تحقيق الذات الشخصية أو إلى متاهات العدمية بالكلية 13، فمع كل حدث جديد تظهر شريحة تعد التفاعل مع القضايا العامة دون التأثير المادي المباشر محض إضاعة للوقت.

              

  

ويتبع هذا حالة من السخرية على المواقف الأخلاقية، وهي في جوهرها سخرية من الجدية والحياة على حدٍّ سواء، مما يعطي شرعية للحياد واللامبالاة، كما عبر عن ذلك كونديرا في عدد من أعماله عن التفاهة والسخرية مثل روايته "المزحة" و"حفلة التفاهة" (15).

  

باتت السخرية من الحياة أسلوبا دفاعيا للهروب من التعامل معها، تقول هبة رءوف عزت: "وفي المقابل نجد أن رد فعل البراغماتيين تجاه عدم اليقين المتزايد هو الدعوة إلى عدم أخذ الحياة بجدية مفرطة، وإبعاد السياسة والحياة عن الدين والفلسفة معا، واتخاذ الاستخفاف بالحياة والسخرية منها وقبول التجريب المستمر بكل إحباطاته وسيلة للتعايش مع سيولتها المستمرة" (16).

        

الفضاء الإلكتروني وتكريس البلادة

"تعرض شبكة الإنترنت تيارا لا نهائيا من الحقائق، غير أن الأسئلة العميقة والمثيرة للاهتمام لا تزال أقل وضوحا"

(سوزان غرينفيليد)

                

  

يُعد الفيلسوف الفرنسي جان بوديار من أبرز المنظرين لوسائل التقنية وأثر الصورة في التغيرات التي حدثت في طبيعة حياتنا وإدراكنا وتفاعلنا مع الأشياء من حولنا (17). فبحسب بوديار فإن الأخبار والصور التي تتناقلها وسائل الإعلام لحظة بلحظة ليست صورة العالم وإنما هي صورة تُحدد وتعيد لنا تعريف العالم والأشياء (18). يقول عالم الاجتماع الإنجليزي أنتوني جيدنز: "إن نظرة سريعة إلى الوقائع التي ينقلها التلفاز للأفراد والمجتمعات في جميع أنحاء العالم مثل المجاعات والحروب والمحاكمات المطاردات ستؤكد لنا ما يسميه بوديار "عالم الواقع المفرط"، فالعالم الحقيقي لم يعد موجودا بالفعل بل اُستعيض عنه بما نشاهده على الشاشات!" (19). وتحت هذا التأثير المفرط للقوة الذي تصيغه وسائل الاتصال الحديثة -بحسب وصف بوديار- يصبح واقع الإنسان واقعا افتراضيا غير مكترث بما هو حقيقي أو واقعي، وإنما همه هو الصورة وما تمثله له، أي يتحول الواقع إلى صورة تُشاهد من بعيد دون محاولة تغييرها.

    

بيد أن البعض يعتبر أن مجرد التعبير عن آلام الشباب والمشاركة في النكبات التي تحل بالشعوب العربية هو وسيلة للحضور داخل المعارك التي هُمّشوا منها، حيث يقول صادق عبد الرحمن عن أهمية التفاعل مع الحرب السورية الأخيرة: "والأهم، إذا كنا خارج المعركة والحصار والموت فإننا لسنا خارج الحكاية، وإذا كنا نشعر بالذنب والعجز والتقصير، ونلوم أنفسنا على أشياء نعتقد اليوم أنه كان ينبغي لنا فعلها سابقا، فإن ما نستطيع القيام به، هو أن نفعل الآن ما ينبغي فعله في هذا الوقت، وهو ألّا نسمح بتجهيل الفاعلين والقتلة والتطبيع معهم، وألّا نقبل برواية «الحرب الأهلية التي يتحمل مسؤوليتها الجميع»" (20).

     

إلا أن هذا التفاعل بحسب ما وصف زيجمونت باومان يمكن أن يؤدي لحالة من "الصنمية التكنولوجية"، وهي التماهي حتى يشعر الإنسان أنه قد غَيّر الواقع من حوله بمجرد الصراخ والتفاعل في الحقل الإلكتروني، فـ "بعد معرفتنا بالجريمة ورؤيتنا لحدوثها (بالصوت والصورة) من قصف للمدنيين أو غرق للاجئين، يبدو لنا وكأن توقيع احتجاج إلكتروني، أو تغير واجهة الصفحة الشخصية على الفيس بوك، أو الترويج لـ "هاشتاج" هو الفعل الكافي لتحريرنا من العبء الأخلاقي والمسؤولية" (21).

       

وبين هاتين الرؤيتين، نتساءل إن كان الخلل في التفاعل يتمثل في سلوك التفاعل ذاته، أم بما ينتج عنه من إشباع يتجاوز الرغبة بالتأثير الفعلي. ولا شك أن النقاش الفلسفي والواقعي -على حدٍّ سواء- ما زال مفتوحا حول قضايا الشأن العام، وجدوى المشاركة فيها وإحداث التوازن بين اللامبالاة الانهزامية وبين التداخل المُفرط والتماهي المطلق مع القضايا العامة على مواقع التواصل باعتبارها ميدان التأثير المباشر ومحط الإشباع، دون إغفال أهمية الوعي بمتغيرات العالم الحداثي الذي نحياه وما فرضه علينا من تحديات ونجاحات وفشل.

________________

      

الهوامش

أ) الخفة والثقل: مصطلحان صكّهما كونديرا في روايته "كائن لا تُحتمل خفته" وأعاد كل أفعال الإنسان إليهما، فكل ملحمة ولو بسيطة تتطلب ثقلا عظيما، وكل تخفف وإن بدا هينا فهو هروب إلى حياة خالية من المعنى لا اكتراث فيها، وجعل الرواية ملاحم إنسانية، ماذا علينا أن نختار، الخفة أم الثقل!

ب) العدمية: موقف فلسفي يقول إن العالم كله، بما في ذلك وجود الإنسان، عديم القيمة وخال من أي مضمون أو معنى حقيقي، فالعدم هو الوجه الآخر للوجود.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار