هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
محاولاتك الدائمة لإظهار ذكائك قد تكون دليلا على الغباء

محاولاتك الدائمة لإظهار ذكائك قد تكون دليلا على الغباء

  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة
كثيرا ما تشكل تصوراتنا المسبقة عما يجب القيام به عائقا عن التعلم، كما تعمل افتراضاتنا المسبقة حول أنفسنا باعتبارها لا تخطئ سدا منيعا تجاه الاستفادة من التحديات التي نواجهها. هذا التقرير يتعمق في عرض عقليتين أساسيتين مصنفاً البشر ضمن فئتين: أصحاب العقول الثابتة وأصحاب العقول النامية، وكيف يمكن لكل نمط أن يؤثر في سلوك الإنسان وتفاعلاته تجاه المحيطين به.

        

نص التقرير

استهلت ديبي ميلمان إحدى خطاباتها قائلة: "إذا تخيلت القليل فأنت تستحق القليل بلا شك". وحثت فيه على التالي: "افعلوا ما تحبون، ولا تتوقفوا حتى تحصلوا على ما تحبون. افعلوا ما بوسعكم واعملوا بجد.. واطلقوا العنان لخيالكم..." . بعيداً عن البوليانية -مبدأ الانحياز الإيجابي وهو ميل الأشخاص لتَذَكُّر الأشياء الجيدة بِدقَّة أكبر مِن الأشياء المزعجة، تعكس هذه النصيحة في الواقع ما يعرفه علم النفس الحديث عن كيف تغذّي نظم "الإيمان بقدراتنا وإمكاناتنا" سلوكنا وتتوقع نجاحنا. ينبع جزءٌ كبيرٌ من هذا المفهوم من عمل كارول دويك -عالمة النفس من جامعة ستانفورد- الملخّص في كتابها المتعمّق بشكل لافتٍ للنظر"طريقة التفكير: السيكولوجية الجديدة للنجاح". يكتنف الكتاب تحقيقاً في قوة معتقداتنا في الوعي واللاوعي على حدٍ سواء، وكيف لتغيير أبسط معتقداتنا أن يكون له أثراً عميقاً على كل جانب من جوانب حياتنا تقريباً.

 

وجدت دويك في أبحاثها أن أحد أبسط المعتقدات التي نحملها بأنفسنا لها علاقة مع طريقة نظرنا إلى ما نعتبره شخصيتنا وكيف نعيش داخلها. تفترض "العقلية الثابتة" أن شخصيتنا وذكاءنا وقدراتنا الإبداعية هي هبات ثابتة لا يمكننا تغييرها على نحوٍ مجدٍ؛ وتعتبر النجاح تأكيداً على الذكاء الأصيل وتقييماً لكيفية قياس هذه الهبات على معيار ثابت؛ فيصبح السعي لتحقيق النجاح وتجنب الفشل بأي ثمنٍ ممكن وسيلةً للحفاظ على الإحساس بالذكاء والمهارة. في المقابل، تتغذى "العقلية النامية" على التحدي ولا ترى في الفشل دليلاً على عدم الذكاء ولكن تعتبره كنقطة انطلاق مشجعة للنمو والتطور ولصقل وتوسعة قدراتنا الموجودة. ومن بين هاتين العقليتين اللتين ننشأ عليهما في سن مبكرة جداً، ينبثق قدراً كبيراً من سلوكياتنا وعلاقتنا بالنجاح والفشل في السياقات المهنية والشخصية، وفي نهاية المطاف قدرتنا على تحقيق السعادة.

    

  

خلال العقدين الماضيين اللذين قضتهما دويك في دراستها مع الأطفال والبالغين، وجدت نتائج بارزة في موضوع الآثار المترتبة على الاعتقاد بأنه يمكن تطوير الذكاء والشخصية بدلاً من كونهما سمات مترسخة بشكل ثابت؛ حيث كتبت: على مدى عشرين عاماً، أظهرت أبحاثي أن وجهة النظر التي تتبناها لنفسك تؤثر تأثيراً عميقاً على الطريقة التي تعِيش بها حياتك؛ ويمكنها تحديد ما إذا كنت ستصبح الشخص الذي تريد وما إذا كنت ستحقق الأمورالتي تقدّرها. كيف يحدث هذا؟ كيف يمكن لاعتقاد بسيط أن يمتلك القدرة على تحويل نفسيتك ومن ثَمَّ حياتك؟

       

يخلق الاعتقاد بأن صفاتك منحوتة في الحجر -العقلية الثابتة- ضرورةً ملحةً لإثبات نفسك مراراً وتكراراً. إذا كنت تمتلك قدراً معيناً من الذكاء وشخصية معينة وطابعاً أخلاقياً محددا. عندها من الأفضل لك أن تثبت أن لديك الكثير منهم. ولكن من خلال هذه العقلية، لن تفعل ذلك لكي لا تبدو كمن يعاني من نقصٍ في هذه الخصائص الأساسية أو لتجنب الشعور بهذا النقص. قد قابلت الكثير من الأشخاص الذين يحملون هذا الهدف المستنزف لإثبات أنفسهم؛ في الفصول الدراسية وفي حياتهم المهنية  وفي علاقاتهم. إذ تدعوهم كل حالة وموقف إلى إثبات ذكائهم أو شخصيتهم أو شيمهم،  كما يقومون بتقييم أي حالة يوضعون فيها أو يواجهونها، حيث يتساءلون: "هل سأنجح أم أفشل؟ هل سأبدو ذكياً أم غبياً، هل سيتم قبولي أم رفضي؟ هل سأشعر بشعور الفائزين أم الخاسرين؟

    

هناك عقلية أخرى يتسم من يمتلكها بعدم اعتبار الظروف المتاحة غير قابلة للحل وإنما يتعامل معها ويتعايش معها. دوماً ما تحاول إقناع نفسك والآخرين أنك تمتل البطاقات الرابحة في الحياة -كمن يمتلك بطاقات تتكون من تسلسل ملكي في لعبة البوكر- بينما تكون قلقاً في سرك كمن يمتلك بطاقات تتكون من زوجٍ من العشرات في لعبة البوكر -دلالة على وقوع اللاعب تحت الضغط بسبب زيادة احتمالية فشله. في هذه العقلية، تعتبر الظروف التي تعاملت معها مجرد نقطة انطلاق للتنمية. وتستند "العقلية النامية" على الاعتقاد بأن صفاتك الأساسية هي الأشياء التي يمكن أن تنمو من خلال جهودك، رغم اختلاف فهم الناس لهذه العقلية باختلاف اتجاهاتهم -في مواهبهم الأولية ومؤهلاتهم واهتماماتهم وأطباعهم، يمكن للجميع التغيير والنمو من خلال التطبيق والخبرة.

      

  

هل يعتقد الناس الذين لديهم هذه العقلية أن أي شخص يمكنه أن يكون أياً ما يريده، حيث أن أي شخص لديه الدافع أو التعليم المناسب يمكنه أن يصبح أينشتاين أو بيتهوفن؟ كلا، لكنهم يعتقدون أن الإمكانات الحقيقية للشخص غير معروفة (ولا سبيل لمعرفتها)؛ وأنه يستحيل التنبؤ بما يمكن إنجازه خلال سنوات من الشغف والكدح والتدريب. وجدت دويك أنه في جوهر ما يجعل "العقلية النامية" أخّاذة جداً أنها تخلق شغفاً للتعلّم بدلاً من التعطش لاستحسان الآخرين. تكمن سمتها المميزة في الإيمان بأن الصفات الإنسانية مثل الذكاء والإبداع وحتى القدرات العلائقية مثل الحب والصداقة، يمكن تنميتها من خلال الجهد والممارسة المتأنية. 

    

لا يتسم أصحاب هذه العقلية فقط بالتصميم حيث لا يثبطهم الفشل، وإنما لا يعتبرون أنفسهم قد فشلوا في هذه الحالة أيضاً، إذ يرون أنهم يتعلمون وقد استفادوا من الوضع الذي مروا به. كتبت دويك عن ذلك: لماذا تضيّع الوقت في إثبات مدى روعتك وعظمتك مرةً تلو الأخرى، فمتى يمكنك أن تتحسن في هذه الحالة؟ لماذا تخفي أوجه القصور لديك بدلاً من التغلب عليها؟ لماذا تبحث عن الأصدقاء أو الشركاء الذين سوف يعززون احترامك لذاتك فقط بدلاً من أولئك الذين سوف يتحدونك لكي تنمو؟ ولماذا تسعى نحو الأمور الحقيقية والمجرّبة بدلاً من التجارب التي سوف تصقلك وتفسح لك مجالاً للنمو؟ يُعتبَر الشغف لصقل نفسك والالتزام به -حتى أو تحديداً عندما لا تسير الأمور على ما يرام- السمة التي تميز العقلية النامية. هذه هي العقلية التي تسمح للناس أن ينمو وينجحوا خلال بعض من الأوقات الأكثر تحدياً في حياتهم.

      

بالطبع إن هذه الفكرة ليست بالجديدة فإنها ثمرة كتب المساعدة الذاتية والأقوال المبتذلة مثل "يمكنك أن تفعل أي شيء!". من ناحية أخرى، ما يميّز عمل دويك هو أنه متجذر في البحث الدقيق حول كيفية عمل العقل -وخاصةً العقول النامية-  وتحديد المحركات الأساسية لهذه العقليات وكيف يمكن إعادة برمجتها أيضاً. 

       

وجدت دويك وفريقها أن الأشخاص ذوي العقلية الثابتة يرون المخاطر والجهد كهدايا محتملة من أوجه القصور، كاشفين عن أنهم يواجهون عجزاً أو يفتقرون لأمرٍ ما بصورةٍ أو بأخرى. لكن العلاقة بين العقلية والجهد هي طريق ذو اتجاهين: لا يقتصر الأمر على أن بعض الأشخاص يدركون قيمة تحدي أنفسهم وأهمية بذل الجهد بالصدفة؛ فقد أظهرت أبحاثنا أن هذا الإدراك يأتي مباشرة من العقلية النامية. عندما نُعلِّم الأشخاص العقلية النامية، نقوم بالتركيز على التنمية ويتبع ذلك أفكار التحدي وبذل الجهد... عندما تبدأ في فهم العقليات الثابتة والنامية، سوف ترى كيف يؤدي أمرٌ إلى آخرٍ؛ وكيف أن الإيمان بأن صفاتك منحوتة في الصخر يؤدي إلى مجموعة من الأفكار والتصرفات، ومقابل ذلك كيف يمكن للإيمان بإمكانية تنمية صفاتك أن يؤدي إلى مجموعة من الأفكار والأفعال المختلفة، ويأخذك إلى طريقٍ مختلفٍ تماماً. تُغيّر العقليات ما يسعى إليه الناس وما يرونه نجاحاً.. فإنها تغير تعريف وأهمية الفشل.. إنها تغير أعمق معنى للجهد والمثابرة.

     

استشهدت دويك باستطلاع لمئة وثلاث وأربعون باحثاً وباحثةً في مجال الإبداع الذين اتفقوا على أن السمة التي يقوم عليها الإنجاز الإبداعي -والتي تتربع على المرتبة الأولى- هي القدرة على الصمود والمثابرة في وجه الفشل، التي تُعزى إلى العقلية النامية. حيث كتبت دويك: عند دخولك إلى عقليةٍ ما فإنك تدخل عالماً جديداً؛ هناك عالمان: الأول عالم الصفات الثابتة والثاني عالم الصفات المتغيرة. في عالم الصفات الثابتة، يكمن النجاح في إثبات ذكائك وموهبتك والحصول على اعتراف الآخرين بذلك. أما العالم الآخر -عالم الصفات المتغيرة- فإنه يتمحور حول صقل نفسك لتعلم شيء جديد وتطوير ذاتك.

          

أصحاب العقلية "النامية"، اعتبروا أن خيار إعادة تركيب أحجية قد جربوها مسبقاً أمراً غريباً من الأساس، وشعروا بالحيرة وراء السبب الذي يدفع الأشخاص أن يعيدوا نفس اللغز مراراً وتكراراً

في أحد العالمين، يُعتبَر الفشل انتكاسةً، بما في ذلك الحصول على علامة سيئة، الخسارة في مسابقةٍ ما، الطرد من العمل، الحصول على الرفض؛ حيث تترجم العقلية الثابتة الأمر على أنه انخفاض الذكاء والموهبة. أما في العالم الآخر، فإن الفشل عبارة عن عدم النمو، وعدم الوصول إلى ما تقدّره وتعتبره قيّماً، ويعني أنك لم تحقق إمكاناتك بعد. يُترجَم الجهد في أحد العالمين على أنه أمرٌ سيءٌ، فهو كالفشل يرمز إلى افتقار الذكاء والموهبة؛ فلو أنك ذكي ولديك المهارة فلن تحتاج إلى بذل الجهد. أما في العالم الآخر، فإن الجهد هو ما يجعلك ذكياً وموهوباً. يستكشف أكثر أبحاثها تميزاً كيف تولد هذه العقليات وتتشكل وتتحول في وقت مبكر جداً من الحياة. احتوى بحثها على نظريات تفسر سبب أهمية الحضور أكثر من الثناء في تعليم الأطفال لتنمية علاقة صحية مع الإنجاز.

         

 في إحدى الدراسات الأساسية -الأولية، عرضت دويك وزملاؤها على أطفالٍ يبلغون من العمر أربع سنوات خيارين: إما أن يعيدوا تركيب أحجية الصور المقطعة Jigsaw puzzle، أو محاولة تركيب أحجية أكثر صعوبة. حتى هؤلاء الأطفال الصغار توافقوا مع خصائص أحد العقليتين - فذوي العقلية "الثابتة" بقوا على الجانب الآمن باختيارهم الأحجيات الأسهل والتي من شأنها أن تؤكّد قدرتهم الحالية، حيث أوضحوا للباحثين اعتقادهم بأن الأطفال الأذكياء لا يرتكبون الأخطاء. أما أصحاب العقلية  "النامية"،  اعتبروا أن خيار إعادة تركيب أحجية قد جربوها مسبقاً أمراً غريباً من الأساس، وشعروا بالحيرة وراء السبب الذي يدفع الأشخاص أن يعيدوا نفس اللغز مراراً وتكراراً إذا كانوا لا يتعلمون أي شيء جديد منه. وبعبارة أخرى، أراد الأطفال ذوي العقلية الثابتة الحرص على نجاحهم وضمانه ليبدوا أذكياء، في حين أن أصحاب العقلية النامية أرادوا توسعة نطاقهم حيث أن تعريفهم للنجاح تبلور في السعي نحو تنمية أنفسهم ليصبحوا أكثر ذكاءً.

       

تقتبس دويك استنتاج فتاةٍ في الصف السابع التي أوضحت الفرق بجمالية: أعتقد أن الذكاء شيء يجب أن تعمل لأجله.. فهو لا يُوهَب لك فقط.. لا يرفع معظم الأطفال أيديهم للإجابة على السؤال إذا كانوا غير متأكدين من إجابتهم؛ ولكن ما أقوم به عادة هو رفع يدي لأنه إذا كنت مخطئةً سيتم تصحيح خطئي. أو سأرفع يدي وأقول، 'كيف يمكن حل هذا؟‘ أو 'أنا لا أفهم هذا، هل يمكن أن تساعدني؟‘ فأنا أزيد من ذكائي فقط عن طريق القيام بذلك.

      

أصبحت الأمور أكثر إثارةً للاهتمام عندما أحضرت دويك أشخاصاً إلى مختبر الأمواج الدماغية في جامعة كولومبيا لدراسة كيفية تصرف أدمغتهم عند إجابتهم على الأسئلة الصعبة وتلقيهم تعقيبات عليها. وجدت أن أصحاب العقلية الثابتة كانوا مهتمين فقط في سماع تعقيبات -نتائج إجاباتهم- تنعكس مباشرة على قدرتهم الحالية، ولكن تجاهلوا المعلومات التي يمكن أن تساعدهم على التعلّم والتحسّن؛ حتى أنهم لم يبدوا أي اهتمامٍ في سماع الإجابة الصحيحة عندما أجابوا إجابةً خاطئةً، لأنهم كانوا قد صنّفوها بالفعل  في فئة الفشل. أما ذوي العقلية النامية، فقد اهتموا من ناحيةٍ أخرى بالمعلومات التي يمكن أن تساعدهم على توسيع مداركهم ومهاراتهم الحالية، بغض النظر عما إذا كانت إجابتهم صحيحة أم خاطئة؛ وبعبارة أخرى، فإن التعلّم كان أولويتهم ولم يقعوا في الفخ المحصور بالنجاح والفشل.

    

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في مجال التعليم، وكيف نقوم كثقافة بتقييم الذكاء. في دراسة أخرى استهدفت مئات الطلاب -معظمهم من المراهقين- أعطت دويك وزملاؤها كل عشرة طلاب مشاكل صعبةً إلى حدٍ ما من اختبار الذكاء غير اللفظي IQ test، ثم أشادت هي وفريقها بأداء الطالب أو الطالبة حيث أن معظهم أحسنوا الإجابة. لكن دويك وفريقها عرضوا نوعين من الثناء على الطلاب: قيل لبعض الطلاب: "نجاح باهر، لقد أجبت [عدداً] من الإجابات الصحيحة، هذه نتيجة جيدة حقاً؛ لا بد أنك  ذكياً في هذا". بينما قيل للطلاب الآخرين: "نجاح باهر، لقد أجبت [عدداً] من الإجابات الصحيحة، هذه نتيجة جيدة حقاً؛ لا بد أنك قد بذلت جهدك".

      


  

وبعبارة أخرى، تم الإشادة بالبعض على قدرتهم والآخرين على جهدهم. إن النتائج في هذه المرحلة ليست مثيرة للدهشة ولكنها متضاربة تماماً: أظهر جميع الطلاب الذين تم ثناءهم على قدرتهم دلالات على العقلية الثابتة، إذ أن الثناء على قدرتهم دفع بهم نحو هذه العقلية؛ فعندما أعطيناهم خياراً، رفضوا المشاركة في مهمة جديدة صعبة يمكن أن يتعلموا منها، لم يرغبوا في فعل أي شيء يمكن أن يُظهِرعيوبهم ويُشكِّك في مواهبهم. في المقابل، عندما تم الثناء على الطلاب لجهودهم، أراد تسعون في المئة منهم المشاركة في المهمة الجديدة الصعبة التي يمكن أن يتعلموا منها. لكن الجزء الأكثر إثارةً للاهتمام هو ما حدث بعد ذلك: عندما أعطت دويك وزملاؤها للطلاب مجموعة لاحقة من المشاكل الأكثر صعوبة، والتي لم يحلها الطلاب بشكل جيد. فجأة، اعتقد الأطفال الذين تم الإشادة بقدرتهم أنهم ليسوا أذكياء أو موهوبين بعد كل شيء. صاغت دويك ذلك بمرارةٍ، قائلةً: إذا كان النجاح يعني لهم أنهم أذكياء، فإن أقل من ذلك يعني لهم أنهم أشخاص ضعفاء عقلياً ويفتقرون للكثير.

     

ولكن بالنسبة للأطفال الذين تم الإشادة بجهودهم، كانت الصعوبة مجرد إشارة إلى أنهم يحتاجون إلى بذل المزيد من الجهد، وليس علامةً على الفشل أو انعكاساً لافتقارهم للذكاء. ولعل الأهم من ذلك أن العقليتين أثّرتا أيضاً على مستوى استمتاع الأطفال؛ فقد استمتع الجميع بالجولة الأولى من الأسئلة الأكثر سهولة، والتي أجاب عليها معظم الأطفال، ولكن بمجرد أن أصبحت الأسئلة أكثر تحدياً، لم يعد لدى الأطفال الذين تم الإشادة بقدرتهم أي متعة، في حين أن الذين تم الإشادة بجهودهم لم يستمتعوا فقط بحل المشاكل وإنما اعتبروا المشاكل الأكثر تحدياً ممتعةً أكثر. كما شهد الطلاب في الحالة الثانية تحسناً كبيراً في أدائهم بازدياد صعوبة المشاكل، في حين أن ذوي الحالة الأولى كان أداؤهم يزداد سوءاً ، حيث ثبّطتهم عقلية النجاح أو الفشل.

    

يتحسن الوضع أو يسوء، اعتماداً على المنظور الذي نراه فيه؛ جاءت النتيجة الأكثر إثارة للقلق بعد الانتهاء من أسئلة الذكاء، عندما طلب الباحثون من الأطفال كتابة رسائل خاصة إلى أقرانهم لنقل تجربتهم، بما في ذلك جزء مخصص لوضع علاماتهم التي حصلوا عليها عند حلهم للمشاكل. كانت النتائج مُدمِّرةً وتحديداً لدويك، إذ تَبيَّن أن المنتج الثانوي الأكثر سمية للعقلية الثابتة هو خيانة الأمانة -الكذب: أربعون في المئة من الأطفال الذين تم الإشادة بذكائهم كذبوا حول نتائجهم، فضخموها ليبدوا أكثر نجاحاً. وكتبت دويك بألمٍ وحسرةٍ: تُعتبَر أوجه القصور في العقلية الثابتة مخزيةً -وخاصةً إذا كنت موهوباً-  ونتيجةً لذلك كذبوا بشأنهم. ما يبعث على الانزعاج هو أننا أخذنا أطفالاً عاديين وجعلناهم كذّابين، ببساطة عن طريق إخبارهم أنهم كانوا ذكاءً.

     

يدل هذا الأمر على الفارق الرئيسي بين العقليتين؛ بالنسبة لذوي العقلية النامية  فإن "النجاح الشخصي هو بذل قصارى جهدك لتصبح أفضل ما بوسعك"، في حين أنه بالنسبة لأصحاب العقلية الثابتة يتمحور "النجاح حول تأسيس تفوقهم، بكل بساطة أن يكونوا الشخص الأكثر جدارة من لا أحد". لأصحاب العقلية الأخيرة، الانتكاسات -الفشل- عبارة عن عقوبة ووصمة. أما أصحاب العقول النامية، يرون في الفشل مدخلاتٍ تحفيزيةٍ وزاخرةٍ بالمعلومات، والتي تعمل كجرس تنبيه.

     

  

ولكن إحدى أكثر التطبيقات عمقاً لهذه النظرة المتعمقة في العقليتين لا شأن لها بالأعمال والمشاريع أو التعليم وإنما بالحب. وجدت دويك أن الناس عرضوا نفس الانقسام في تصرفاتهم في علاقاتهم الشخصية: أولئك الذين لديهم عقلية ثابتة يعتقدون أن شريكهم المثالي يضعهم على قاعدة تمثال ويجعلهم يشعرون بالكمال، مثل "آلهةٍ لدينٍ يعتنقه شخص واحد". في حين أن ذوي العقلية النامية فضّلوا شريكاً من شأنه أن يعرف أخطاءهم ويساعدهم بمحبة على تحسينها، شخص يشجعهم على تعلم أشياء جديدة مما يجعلهم أشخاصاً أفضل. واتّضح أن العقلية الثابتة متجذّرةً في العديد من أساطيرنا الثقافية الأكثر سُمِّيةً حول "الحب الحقيقي". كتبت دويك عن ذلك:

   

تؤمن العقلية النامية أن كل هذه الأمور يمكن تطويرها؛ الجميع بما فيهم أنت، شريك حياتك، وعلاقاتكما  قادرون على النمو والتغيّر. في العقلية الثابتة، المثالية آنية وكاملة وفي توافقٍ واتساقٍ دائم. كما لو أنه كان مقدراً لها أن تحدث، كما تنتهي القصص بالشركاء سائرين او ممتطين جواداً في الأفق، أو مثل "عاشوا بسعادةٍ أبديةٍ". أحد المشاكل التي يعاني منها ذوي العقلية الثابتة أنهم يتوقعون أن كل شيء جيد يحدث تلقائياً. وليس أن الشركاء سوف يعملون على مساعدة بعضهم البعض على حل مشاكلهم أو اكتساب المهارات، وإنما سوف تحدث بشكل سحري من خلال حبهم، نوعاً ما كما حدث في قصة الجميلة النائمة التي استيقظت من غيبوبتها من خلال قبلة الأمير، أو كقصة سندريلا التي تحولت حياتها البائسة إلى حياةٍ ملكيةٍ فجأة عن طريق زواجها من الأمير. كما ينطبق هذا الأمر على أسطورة قراءة العقل، حيث يعتقد ذوي العقلية الثابتة أن الزوجين المثاليين يجب أن يمتلكوا القدرة على قراءة عقول بعضهم البعض وإنهاء جمل بعضهم البعض.

   

وتستشهد دويك بدراسةٍ دعت الناس للحديث عن علاقاتهم: شعر ذوي العقلية الثابتة بالتهديد والعدائية بعد الحديث عن اختلافاتٍ ثانويةٍ بين نظرتهم ونظرة شركائهم لعلاقتهم. بل إن التفاوت الطفيف يهدد بإيمانهم بأنهم يتشاطرون كل وجهات نظر بعضهم البعض. الأكثر تدميراً من جميع الأساطير في العلاقات هو الاعتقاد بأنه إذا كانت العلاقة تتطلب العمل عليها، فهناك خطأً فادحاً وأن أي اختلاف في الآراء أو التفضيلات يدل على عيوب الشخصية نيابة عن أحد الشركاء.

   

فحص واقعي
بما أنه لا توجد إنجازات عظيمة دون انتكاسات، فلا توجد علاقات ناجحة دون نزاعات ومشاكل على طول الطريق. عندما يتحدث الأشخاص ذوو العقلية الثابتة عن صراعاتهم، فإنهم يوجهون اللوم؛ أحياناً يلومون أنفسهم، ولكن غالباً ما يلومون شريكهم، إذ يوجهون اللوم إلى سمةٍ -عيبٍ في الشخصية. لكن لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، عندما يلوم الأشخاص شخصية شريكهم لمشكلة ما بينهم، يشعرون بالغضب والاشمئزاز تجاههم نتيجةً لذلك.

   

وتتراكم المشكلة، إذ أنها تنبع من سمةٍ ثابتةٍ لا يمكن تغييرها؛ لذلك عندما يرى الأشخاص ذوو العقلية الثابتة عيباً في شريكهم، فإنهم يشعرون بالازدراء منهم ويصبحوا غير راضين عن العلاقة بأكملها. ومن ناحيةٍ أخرى، يستطيع ذوو العقلية النامية أن يعترفوا بعيوب شركائهم دون إلقاء اللوم ،ولا يتغير شعورهم بالرضا عن علاقتهم. ويرون أن النزاعات وأوجه التضارب بينهم عبارةً عن مشاكل في التواصل، وليس مشاكل في الشخصية أو الطبع. تنطبق هذه الدينامية على الشراكات الرومانسية والصداقة وحتى في علاقات الأشخاص مع والديهم.

    

تلّخيص النتائج

عندما يبدأ الناس في علاقة ما، يقابلون شريكاً مختلفاً عنهم، وفي هذه المرحلة لا يكونوا قد تعلموا كيفية التعامل مع الاختلافات. في العلاقة الجيدة يطوّر الأشخاص هذه المهارات، وبينما يفعلون ذلك تنمو العلاقة بينهما وتتعمق. ولكن لكي يحدث ذلك، يحتاج الناس إلى الشعور بأنهم على نفس الجانب... حيث ينشأ جو من الثقة ويتطور، فيصبحوا مهتمين في تطوير بعضهم البعض على نحوٍ مفعمٍ بالحيوية.

     

يتلخص كل ذلك إلى أن العقلية هي عملية تفسيرية تخبرنا بما يجري من حولنا. في العقلية الثابتة، يتم تسجيل هذه العملية من قبل مناجاة داخلية -مونولوج- من الحكم المستمر والتقييم، وذلك باستخدام كل قطعة من المعلومات كدليل إما مع أو ضد؛ عمّا إذا كنت شخصاً جيداً أم لا، سواء كان شريك حياتك أناني، أو ما إذا كنت أفضل من الشخص الجالس بجانبك. أما في العقلية النامية، لا تتمثل المناجاة الداخلية بإطلاق الأحكام على الأمور ولكن تتمثل بشهيةٍ كبيرةٍ للتعلم، إذ تسعى باستمرار نحو نوعٍ من المدخلات التي يمكنك تحويلها إلى تعلمٍ وعملٍ بناءٍ.

 

في بقية كتابها "طريقة التفكير: السيكولوجية الجديدة للنجاح"، تمضي دويك لاستكشاف كيف تتشكل هذه العقليات الأساسية، ما هي خصائصها المحددة في سياقات مختلفة من الحياة، وكيف يمكننا إعادة توجيه عاداتنا المعرفية لتبّني عقلية نامية أكثر فائدةً وإثماراً.

  ______________________

   

مترجم عن (براين بيكنچز)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار