اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/4 الساعة 18:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/19 هـ

انضم إلينا
دنيا المساطيل.. عالم المخدرات في مصر والمتاجرة بإحباطات الشباب

دنيا المساطيل.. عالم المخدرات في مصر والمتاجرة بإحباطات الشباب

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     

في الوقت القليل الذي يستيقظ فيه أنيس أفندي من تأثير المخدرات، وفي وقت الظهيرة يسير أنيس في الشارع، تلاحقه الفتاة الصحفية لكنه لا ينتبه لوجودها لأن داخل رأسه حالة أخرى من المطاردات والصراع، أسئلة تنفتق من رأسه وتسبب له ألما لا يستطيع تحمله فيهرب إلى مجالس السُطل وجلسات المخدرات، يرد أنيس على الصحفية مبررا تعاطيه الحشيش بالهروب من الواقع، وهو يعلم أنه يقولها عبثا؛ لأنه من الصعب عليه الهروب من واقع يحيطه يوميا ويعي هو به ويرى مشاكله وتناقضاته في كل وقت، فيدور بينهما الحوار التالي:

- إنت مدمن حشيش من مدة؟

- مممم يعني.

- ليه؟

- وإنتي ليه بتشربي لمون؟

- اللمون ما بيُفقدشي الإنسان وعيه!

- ده عيبه، اللي يعيش بوعيه في الزمان ده يموت من الغيظ".

 

جسدت شخصية أنيس، الموظف بوزارة الصحة، في فيلم "ثرثرة فوق النيل" المقتبس من رواية بالاسم نفسه لنجيب محفوظ صفة الإنسان المهدور والمقهور كما سماه دكتور مصطفى حجازي(1)، وكما يصف أنيس نفسه بـ "ولا حاجة، نص مجنون على نص ميت"، فهو يتمشى في شوارع القاهرة بمفرده، ودائم الحديث مع نفسه عما يجول بخاطره؛ من جنون وعبث وتناقض(2).

 

يحدث أنيس نفسه قائلا: "إزاي ده؟ سنية مع علي وليلى مع خالد وسناء مع رجب، يعملوا اللي على كيفهم ومحدش يكلمهم، دول بنات عائلات محترمات، والرجالة في مناصب حساسة فمفيش داعي للشوشرة، لكن لو بنت واقفة بالليل في شارع ضلمة يجي بوليس الآداب يمسكها، هو مش اللي بتعمِل دي زي اللي بيعملوه دول؟ ولا القانون ما يتطبقشي إلا على الناس الغلابة؟ الظاهر القانون اتجنن (...) الحشيش ممنوع والخمرة مش ممنوعة، طب ليه؟ ده يسطل المخ ودي تلطش المخ. ده حرام ودي حرام. ده مضر بالصحة ودي مضرة بالصحة. الحشيش غالي والخمرة أغلى منه، اشمعنى القانون متحيز للخمرة؟ القانون بيفوِّت للخمرة علشان بندفع عليها ضرائب، طيب خليه يفوت للحشيش وندفع عليه ضرايب".

    

   

تلاحظ الصحفية ذلك، فتوقفه عن الكلام وتسأله: "ما بتتكلمشي ليه؟"، فيرد: "أنا مش مجنون عشان أمشي أكلم نفسي"، فهذا الوعي الذي تعبر عنه تساؤلات أنيس يفجر في عقله ألما غير محتمل، لا يخفت أنينه إلا بالمخدرات. لكن كما تحدثت الدراما المصرية عن المخدرات لدرجة الترويج (3) فإن الدراما المصرية قدمت ملمحا عن ذلك الألم العقلي والنفسي والقلق الوجودي والخوف والعذاب النفسي والمجتمعي الذي يدفع الإنسان إلى تعاطي المخدرات، فبعد الأفلام المقتبسة من روايات نجيب محفوظ تظهر شخصية "الشيخ حسني" في فيلم "الكيت كات" المقتبس من رواية "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان.

    

تظهر ذروة معاناة الشيخ حسني في مشهد حديثه مع "عم مجاهد" والذي كان صديق والد الشيخ حسني والذي يعتبره الشيخ بمنزلة والده، فسبب غضب "عم مجاهد" من الشيخ حسني هو أنه باع بيت والده مقابل الحشيش، وفي مشهد عبقري من المأساة والمعاناة الروحية ينتهي بموت "عم مجاهد" , يشرح الشيخ حسني فيه  ويبرر بيعه للبيت قائلا:

"صباح الخير يا عم مجاهد.

ايه، انت لسه برضو زعلان مني؟

يا عم مجاهد انت ظالمني

ورحمة أبويا انت ظالمني

انت عارف المعلم عطية كان بيدفع كام إيجار للقهوة كل شهر

٥ جنيه و٦٠ قرش

وإيجار الشقة كان بيروح للميه

والمرتب، عملت توكيل لامي تقبضه كل اول شهر عشان مصروف البيت

وبعد ما ماتت أم يوسف مبقاش عندي حتى بني آدم أكلمه

أنا بكلم الناس حوالين الجوزه، وافضفض، واضحك، وأغني ف قعدة حلوة، لغاية ما أموت

بيت إيه اللي انت بنيته مع أبويا طوبة طوبة!

كنت فين انت يا عم مجاهد!

قدرت تعمل إيه لما مرات أبويا خدت الشقة وادتها لولادها

ها، عملت ايه؟

الحكايه مش حكاية البيت يا عم مجاهد

المشكلة، مشكلة الناس اللي عايشه، ولازم تعيش

متظلمنيش يا عم مجاهد

لا مؤاخذة يعني

مغرفة الفول اللي كانت بمليم، بقت دلوقتي بنص ريال

سلام عليكم"

  

بمنتهى الإيجاز يشرح الشيخ حسني أزمة وجوده ومعاناته: موت الزوجة، الوحدة، الفقر، مصاعب الحياة، ظلم المجتمع، وأخيرا القهر والعجز وقلة الحيلة. وما بين الهروب من الحياة كما فعل أنيس أفندي، والاستمرار فيها كما فعل الشيخ حسني، تظهر أزمة المخدرات في مصر والعالم العربي.

  

دنيا المساطيل.. الأرقام لا تكذب

تحدثت الدراما المصرية طويلا عن المخدرات، وتناولت أزمة المخدرات في مصر، تارة بالمآسي التي تسببها وتارة في صورة ترويج صريح، حيث قدّرت دراسة (3) أن عدد الساعات التي ظهر بها مدخنون، في المسلسلات التي عُرضت خلال السنوات الأربع الماضية، بـ 300 ساعة، في 124 مسلسلا.

 

ورصدت الدراسة ارتفاعا مطردا في عدد المشاهد التي تظهر التدخين والتعاطي للمخدرات في الفترة بين العامين 2010 و2013، حيث بلغت 2048 مشهدا، ثم ارتفعت في العام التالي ليصل إجمالي مدة عرضها إلى 102 ساعة و51 دقيقة.

    

  

بيد أن الواقع في الحقيقة ليس بعيدا عن تلك الصورة، ففي حوار مع وزيرة التضامن الاجتماعي في مصر "غادة والي" قالت غادة إن معدل تعاطي المخدرات في مصر هو ضعف المعدل العالمي، حيث بلغت نسبة تعاطي المخدرات في مصر 10% (4)، فيما كانت إحصائيات تعاطي المخدرات في مصر حسب وزيرة التضامن وحسب صندوق مكافحة المخدرات (5) كالتالي:

     

         

           


   

أما تامر حسني عضو صندوق مكافحة المخدرات بمصر فقال إن نحو 7.7% من طلاب المدارس الثانوية يتعاطون شكلا من أشكال المخدرات (6)، وأضاف حسني أثناء مقابلته مع برنامج "كل يوم" والذي يبث على قناة "on" الفضائية: "بشكل عام، تم إحالة 104000 مدمن مخدرات إلى عيادات العلاج لدينا، 3٪ منهم من مستخدمي الفودو وستروكس"، وأضاف أن معظم المدمنين الشباب ينجذبون إلى المخدرات بسبب الفضول الذي يجبرهم على اكتشاف "أشياء غريبة"، موضحا أن مستخدمي الفودو وستروكس معرضون للإصابة بأمراض عقلية شديدة، مثل الفصام والبارانويا. لكن هذا هو السبب الحقيقي وراء تعاطي المخدرات.

 

تعاطي المخدرات للتعاطي مع الحياة

"لم يعد هناك من نكات مذ أصبحت حياتنا نكتة سمجة"

(نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النيل)

  

يرجع صندوق مكافحة المخدرات تعاطي المخدرات في مصر إلى عدة أسباب، وهي حسب الإحصائيات:

      

لكن "شريف" الذي قرر الاعتراف باسم مستعار قال في حديثه عن إدمان المخدرات: "الجميع يفعل ذلك"، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 20 عاما ويسكن في مدينة الشيخ زايد في الجيزة، مصر. وأضاف شريف: "ليس هناك الكثير للقيام به هنا"، مضيفا أنه هو وأصدقاؤه "يتعاطون الكوكايين" أو (MDMA (عقارا عقليا)) في عطلات نهاية الأسبوع ونواصل حياتنا بشكل طبيعي خلال الأسبوع"(6).

 

أما عمرو عثمان رئيس المركز المصري للوقاية والعلاج من الإدمان، فقال لصحيفة أخبار العرب: "تشكل نسبة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة في مصر حوالي 40٪ من السكان. إذا كان هذا العدد الهائل من هؤلاء مدمنين، فإن هذا يعني أن مستقبل مصر في خطر" (6). ولا يتوقف انتشار المخدرات بالمناطق الفقيرة والعشوائيات فقط، بل "تنتشر فلسفة الإدمان بين قطاعات عريضة من الشعب المصري" (7)، ومثلما فعل أنيس أفندي بتعاطي المخدرات هربا من تناقضات الواقع، ومثلما قال الشيخ حسني "أنا بكلم الناس حوالين الجوزه، وافضفض، واضحك، وأغني ف قعدة حلوة، لغاية ما أموت" يفعل قطاع كبير من المصريين الذين يواجهون واقعا متناقضا يسبب لهم الألم والقلق والخوف.

 

"في أول مرة تناول فيها "كريم البكري" الترامادول، شعر بالغثيان ووصل إلى مرحلة القيء، "لقد كنت أفكر بأن هذا الشعور ليس جميلا، وظننت أن أصدقائي كانوا يكذبون عندما قالوا لي إنها ستشعرني بالمتعة"، قال البكري وهو يركن سيارة الأجرة ذات العجلات الثلاث (التوك توك) التي يعمل عليها على طول الأزقة الترابية غير المستوية في منطقة إمبابة الفقيرة ضمن العاصمة القاهرة" (8).

 

"أما في المرة الثانية، وبعد أن أقنعه زملاؤه السائقون بتجربة الترامادول للمرة الثانية، فقد كان إحساس البكري أفضل، حيث قال: "لقد أحسست ببعض النشوة"، وبعد المحاولة الثالثة، التي اتبع فيها توصيات زملائه مرة أخرى، شعر بأنه استطاع أخيرا التسامي فوق شعور التعب الناجم عن تمضيته لساعات طويلة ومملة خلف عجلة القيادة.

  

   

الآن، وبعد أن أصبح مدمن مخدرات حقيقي، يعيش على أربع أو خمس جرعات مخدر يوميا، يشعر البكري بالأسف البالغ، ولكن رغم تنقله في مزالق الإدمان، يقول البكري إن تعاطي المخدرات ما زال يبدو أحد الطرق القليلة المتبقية لتخدير الألم الناجم عن توقف العجلة الاقتصادية، وضعف الاقتصاد في البلاد، والظروف السياسية السيئة.

"الغذاء والغاز، كل شيء باهظ الثمن هنا، الناس مرهقون، ويدمنون على أشياء مثل الترامادول فقط ليقووا على الاستمرار" (8).

 

انكسار وقلق وإدمان.. دائرة الإنسان المفرغة

في فيلم "ثرثرة فوق النيل" دار الحوار موجها إلى أنيس أفندي:

"قال رجب:

- هو لا يفيق أبدا!

فقالت الصحفية:

- على الأقل فهو يجد نفسه مفيقا عقب الاستيقاظ صباحا؟

- دقائق معدودات يصرخ فيها طالبا القهوة السادة..

فألحت في توجيه الخطاب إليه قائلة:

أجبني بنفسك عما تفعل في تلك الدقائق؟

فقال دون أن يرفع عينيه إليها:

أتساءل لماذا أحيا!

- عال، وبماذا تجيب؟

- أنسطل عادة قبل أن أجد الإجابة!"

   

يرى مركز المصريين للدراسات (9) أن مصر شهدت عقب انقلاب الثالث من يوليو/تموز حالة غير مسبوقة من الانفلات الأمني "نجح خلالها تجار الممنوع في إغراق الشوارع المصرية بالسلاح والمخدرات"، حيث ركزت القوة الأمنية كلها على صد المعارضين واعتقالهم، بل وصل الحد إلى الاستعانة بتجار المخدرات ليكونوا عونا لهم في مناطقهم، وإرشاد الأمن عن المعارضين للنظام (9).

 

وأرجع المركز انتشار المخدرات في مصر إلى عدة أسباب منها الاضطهاد والظلم السياسي، حيث يلجأ المصريون إلى الهروب من الواقع الضاغط، ملمحا إلى علاقة بين المخدرات وارتفاع الدولار، حيث يوفر تجار العملة الصعبة في مصر الدولار لمستوردي المخدرات. وبسبب رخاوة القبضة الأمنية والتركيز على الأمن السياسي دون الجنائي، يسعى تجار السلاح والمخدرات لاستغلال الوضع الأمني المنفلت في إنعاش تجارتهم (9).

   

تؤدي الرغبة في تجنب مشاعرنا وتوترنا المستمر وذعرنا وخوفنا إلى الانتقال للمخدرات وإدمانها

غيتي
   

بيد أن الأمر يتعدى مجرد حالة سياسية، فالمجتمع العربي يعيش حالة من القلق والتساؤلات والحيرة والعجز والوحدة، هذه الحالة ظهرت نتيجة التقلبات السياسية والثقافية ومن الحروب والفوضى المتعددة وغياب الشعور بالاستقرار والأمن وانهيار الدولة واهتزاز واضح للقيم الاجتماعية والدينية (10)، "وما رافق كل ذلك من حضور يومي لمشاهد الموت (القتل) بطريقة عبثية لم تعرفها هذه المجتمعات في تاريخها الحديث والمعاصر وانعكاسات كل ذلك على سيكولوجية الأفراد، صغارا وكبارا، آباء وأمهات، زاد من هذه الصورة التراجيدية عبثية القتل (الموت) في عرض البحار حيث الهروب الكبير نحو الخارج بغية الأمان كقيمة وجودية للفرد وعائلته" (10) أو هروب من الواقع إلى المخدرات، أو تعاطي المخدرات من أجل القدرة على الاستمرار في هذا الواقع الكئيب.

 

يفسر عالم النفس الأميركي جو كولزر (Joe Koelzer) هذا الأمر حين يشرح أن "وراء كل شعور بالغضب، هناك أذى كامن. نشعر بالغضب عندما يكون هناك شيء لا يمكننا تحمله، أو شيء ما نحتاجه غائبا. في كلتا الحالتين، السبب الذي يجعلنا غاضبين هو أن جزءا منا يشعر بالألم. ومع ذلك، فالكثير مننا اجتماعيون لا يشعرون أو لا يعبرون عن غضبهم، لذلك نحن ندفعه إلى الأسفل وإلى الداخل. تمثل الخطوة الأولى في النموذج كيف نمنع أنفسنا من الشعور بالغضب، فيصبح الغضب نحو الداخل ويتحول إلى الاكتئاب" (11).

 

ويكمل كولزر أن "رفضنا للشعور بالغضب، وأننا لا نريد أن نشعر بآلامنا. (فمن يريد أن يشعر بالأذى؟ إنه مؤلم!) لذلك نحن نمنع أنفسنا عن تلك التجربة غير المريحة، وبالتالي الخطوة الثانية هي القلق. وهذا التسارع في القلق يتحول إلى ذعر، والذعر يصبح نمط حياة يسبب ألما غير محتمل، هذا الألم غير المحتمل الذي يقف وراءه الاكتئاب والحزن والقلق والذعر يستدعي من الإنسان طلبا للراحة والشعور بالرضا، وتؤدي الرغبة في تجنب مشاعرنا وتوترنا المستمر وذعرنا وخوفنا إلى الانتقال إلى المخدرات وإدمانها، فهي توفر ارتياحا لبعض الوقت، فالمدمن يتعاطى المخدرات لأنه يشعر بالسوء وليس لأنه سيئ" (11).

 

الإحباط والقهر والمخدرات

"فيا أي شيء افعل شيئا فقد طحننا اللاشيء"

(نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النيل)

   

   

في تجربة كلاسيكية على مجموعتين من الأطفال قام بها كل من باركر ديمبو ولوين (barker dembo and lewin)، دخل الأطفال في اليوم الأول للتجربة واحدا بعد الآخر غرفة مليئة بالألعاب ناقصة الأجزاء، كرسي دون منضدة، مكواة دون مسند للكيّ، قرص تليفون دون أجزاء التليفون الأخرى، زورق وألعاب مائية أخرى دون ماء، معظم الأطفال بدأوا يلعبون بها بحماس وسعادة، وحاولوا الاستعاضة عن الأجزاء المفقودة بحركات تخيلية، استخدموا الورق بدلا من الماء لكي يبحر عليها الزورق، واستخدموا أصابع اليد لتعويض أجزاء التليفون الناقصة.

 

وفي اليوم الثاني للتجربة دخلت مجموعة جديدة، لوحظ أن الأطفال يتصرفون بطريقة مغايرة، لقد بدأوا يلعبون بطريقة غير بناءة، وغير قادرين على إعطاء معنى للألعاب الناقصة أو القيام بأنشطة، كانوا يلعبون بطريقة عابثة، وأحيانا يقفزون على الألعاب لتهشيمها وكانوا يظهرون حالات من التذمر للمراقبين.

 

يشرح د. فجر جودة النعيمي (12) الفرق بين سلوك المجموعتين من الأطفال، فيقول إن المجموعتين متشابهتين تماما من حيث العمر والخلفية الاجتماعية-الاقتصادية ولكن المجموعة الثانية أزيحت لهم ستارة ليتمكنوا من مشاهدة غرفة مجاورة مليئة بالألعاب الكاملة مع مجموعة ألعاب إضافية لها جاذبية أكبر، ويعلق النعيمي أن الأطفال فهموا الأمر على أنه عدوان موجه إليهم فتصرفوا بشكل من العدوانية وشعروا بالغضب والإحباط بل شعروا بالإهمال والحرمان وقلة التقدير (12).

 

ويوضح الدكتور حليم بركات، عالم الاجتماع والروائي السوري، في كتابه "الاغتراب في الثقافة العربية: متاهات الإنسان بين الحلم والواقع"، أن "وعي الإنسان بوضعه الهامشي في المجتمع، وإحساسه بعدم الرضا، وسعيه للهرب عند أول فرصة تحرر من مشاعر القلق والغضب والخوف، والنفور من كل شيء، كل ذلك يحصل نتيجة الظلم الذي تعرض له في حياته اليومية، وربما يكون هذا أسوأ أنواع الاغتراب" (13).

  

      

يوما بعد يوم وعاما تلو الآخر، لا شيء يتغير، لا شيء يتقدم سوى العمر، العالم يسير نحو الانحطاط، والمشاكل والمصائب لا تُحَل إنما تكبر وتتناسل، الأحداث هي نفسها، نعيد الكلام ذاته دون أن نشعر لكن بأسلوب آخر، العبارات والشعارات ونشرات الأخبار تتكرر، حتى دائرة الحياة اليومية الضيقة نجد صعوبة في تخطيها، تدور حول نفسك، أو كما يقول غسان كنفاني: "أنت نفسك حبسٌ"(13). حالة من الاغتراب والوحدة يحيطها قهر مجتمعي ومن فوقه قهر عالمي ومن فوقه خوف وذعر وألم وإحباط، ظلمات فوقها فوق بعض، حتى إن الشيخ حسني نفسه في فيلم "الكيت كات" قد يكون فقد البصر عندما أبصر كل تلك الظلمات، فاختار تعاطي المخدرات.

 

أما الدكتور مصطفى حجازي فيقول في كتابه "سيكولوجية الإنسان المقهور": "إن طول معاناة الإنسان المقهور، ومدى القهر والتسلط الذي فُرض عليه، ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم آلام الماضي، وتأزم في معاناة الحاضر، وانسداد آفاق المستقبل. العجز أمام التسلط وما يستتبعه من عقدة نقص، والعجز أمام قوى الطبيعة وما يحمله من انعدام الشعور بالأمن، يجعلان الإنسان المتخلف فاقدا للثقة بنفسه وإمكاناتها، فاقدا الإحساس بالسيطرة على مصيره في يومه وغده، كذلك فانعدام الضمانات في الصحة والرزق يجعله نهبا للظروف، فهو لا يدري متى يعمل ويحصل قوته وقوت عياله، وإذا عمل لا يدري كم يستمر العمل وكم يدوم الرزق" (14).

 

فإذا كانت بلد مثل مصر يمثل الشباب أو الفئة العمرية أقل من 35 عاما نسبة 40% (15) تغرق في البطالة والفساد وعدم الاستقرار الأمني والسياسي وظروف عمل صعبة تتطلب مجهودا شاقا، وتمتلئ السجون بالمعارضين، وتمتلئ البيوت بالعاطلين، فتمتلئ الشوارع بالمتعاطين للمخدرات وبائعيها، حيث بلغت حجم تجارة المخدرات بمصر نحو 400 مليار جنيه (15)، وطالما بقيت أسباب تعاطي المصريين للمخدرات، فيبدو أن مصر تخسر المعركة ضد المخدرات رغم الجهود المبذولة لمكافحتها والحملات الإعلانية للتحذير منها، فالألم الوجودي والاكتئاب والقلق قد تفشى في مجتمع ينهار ويتفكك.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار