اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/15 الساعة 21:41 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/1 هـ

انضم إلينا
لغز المستديرة.. لماذا ينتمي الناس لفريق لن ينتفعوا بفوزه؟

لغز المستديرة.. لماذا ينتمي الناس لفريق لن ينتفعوا بفوزه؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
في مساء الثاني من مايو/آيار الماضي، أطلق السلوفيني "دامير سكومينا" صافرة النهاية لمباراة روما وليفربول على ستاد "الأوليمبيكو" مُعلنا عن الطرف الثاني في مقابلة نهائي البطولة الأوروبية ضد ريـال مدريد. ليفربول، أو "صلاحبول" كما يحلو للبعض تسميته، وجها لوجه في مقابلة النادي الإسباني ذي الشعبية الكاسحة.

  

تبدو الأمور طبيعية إلى هنا، ولا بأس بها، لكن ما إن انتهت المباراة حتى ازدحمت مواقع التواصل بالتنظيرات حول الموقف الجدي لمشجعي ريال مدريد العرب: صلاح أم مدريد؟ لتنتشر بعدها التحليلات -المكتوبة والمصورة- حول الانتماء الحقيقي: هل انتماؤك إلى ناديك أم إلى ابن أمّتك -أو بلدك- المتألِّق؟ وما أتبع ذلك من نزاعات ومناظرات، وربما اتهامات بالخيانة الكروية لمن سيفضّل هذا على ذاك أو العكس!

   

الأمر الذي يدفع إلى التساؤل حول ما يراه المتابع بتلك الكثرة، من الحديث حول تلك القضية وكأنه انتماء صلب، أو معركة حيّة تنعكس على خائضيها بوصمهم بالولاء أو الخيانة! فهل ما يمكن تسميته بـ "الانتماء الكروي" يعتبر انتماء فعليا بما يلحقه من صفات ومشاعر وتبعات تعبّر عن الانتماء؟ أم هي مبالغة تقف العديد من العوامل وراء تضخيمها؟ لكن قبل كل ذلك، لماذا يبحث الفرد عن الانتماء، وكيف أصبحت كرة القدم ميدانا تُشبع فيه حاجيات الأفراد الاجتماعية؟

 

مركز الثِقل.. أن تبحث عن المعنى

في هرم "ماسلو" الشهير لترتيب الاحتياجات البشرية، تأتي الحاجات الاجتماعية في منتصف الترتيب، بعد الاحتياجات الفسيولوجية والأمنية، وسابقة للاحتياجات التقديرية والذاتية، ومحتوية بداخلها على الحاجة الدائمة إلى الحب والانتماء. ورغم النقد الموجه إلى هرم ماسلو وما يحمله النموذج من نواقص، فإن الفكرة التي ترتكز عليها الحاجة الاجتماعية تُعدّ أساسية في حياة الإنسان، أيا كان ترتيبها. هكذا هو الإنسان إذن: كائن يبحث عن العلاقة التي تحقق وجوده الاجتماعي، وعن المعنى الذي يتمركز حوله من أجل الحياة.

    

  

ذلك المعنى الذي اهتدى إلى ضرورته "فيكتور فرنكل"[1]، الطبيب النفسي القابع في معتقلات النازية، حين أدرك أهمية العلاج النفسي بالمعنى، حيث وجد أن أقل المعتقلين معاناة من الاكتئاب والضياع هم أولئك الذين يمتلكون معنى ومغزى من حياتهم، لذا فإن حالة افتقاد المعنى، أو الحقيقة الصلبة التي يتمركز حولها الإنسان، قد يتم تعويضها أو تجاوزها عبر الانتماء إلى مجموعة تدافع عن كيان يربطها، وهو الدور الذي يمكن لكرة القدم أن تلعبه.

 

الأمر الذي يتفق معه الكاتب الفرنسي "سايمون كوبر"[2]، إذ يرى أن كرة القدم تمنح الناس شيئا لا يستطيعون الحصول عليه في أي مكان آخر، فالنتيجة الرئيسية التي نحصل عليها من دراستنا لظاهرة التشجيع الرياضي هي أن "مفهوم التشجيع بالنسبة لمعظم المشجعين لا يدور أساسا حول الفوز، أو بصورة خاصة حول لعبة كرة القدم بذاتها. إنما يدور، بدلا من ذلك، حول المجتمع"[2]، أو بكلمات أخرى: حول الانتماء إلى جماعة، والذي يقع في منتصف الاحتياج البشري.

 

في موضع آخر، يدعم "كوبر" مع رفيقه "ستيفان زيمانسكي"[3] تلك الفرضية، إذ وجدا أن معدلات الانتحار في الدول الأوروبية تنخفض في الوقت الذي يشارك فيه المنتخب الوطني في بطولة كبرى، "وهذا ربما لأن الإحساس بالانتماء للمجتمع -الثرثرة حول اللعبة في مواقف الحافلات، أو في المكتب- يجتذب حتى الأشخاص الذين يعتبرون أكثر ضعفا ووحدة"[2].

 

وربما تثبت أحداث ريو دي جانيرو، أثناء تنظيم البرازيل لكأس العالم 2014م، ذلك الأمر، إذ كانت الجماهير المتظاهرة صباحا ضد حكوماتهم -بسبب تنظيم بلادهم لكأس العالم وإنفاق المبالغ الطائلة في ذلك- تتوافد بكثرة إلى المدرجات لمشاهدة منتخب "السامبا" البرازيلي في المساء[4]، في ظاهرة تحمل في ملامحها تناقضا من نوع فريد!

   

   

بطولة زائفة أم هوية متحققة؟
لو أنّي أخبرتك أن رجلا أتى إلى الملعب، ثم أشعل قنبلة في المدرجات لإثارة حماس الجماهير، هل ستتفاعل معي بالتصديق أم ستتهمني بالمبالغة؟ حسنا، يمكنك توجيه ردّة الفعل تلك -أيا كانت- تجاه "أليكس بيلوس" الذي يروي في كتابه "كرة القدم: الحياة على الطريقة البرازيلية" قصة ذلك المشجع "خايمي دي كارفالو" المهووس بناديه فلامنجو البرازيلي في أربعينيات القرن الماضي.

 

ما الذي دفع "كارفالو" وآلاف كـ "كارفالو"، وربما ملايين، إلى هذا المنحى الخَطِر من الهوس والمجازفة لأجل مجموعة من اللاعبين تحرّكهم كرة في مستطيل من العشب؟ هل هي الفكرة؟ وأي فكرة؟ أم هو انتماء، وبطولة وهوية تتحققان من خلال هذا الأمر؟

 

ربما يجيبنا "إرنست بيكر" من زاوية أخرى من خلال نظريته حول اصطناع البطولة (Heroism)، إذ يرى الأنثروبولوجي الأميركي أن الإنسان مدفوع طوال حياته بالخوف من الموت، وليستطيع التغلّب على ذلك الخوف فإن عليه أن يُدرج نفسه داخل نظام البطولة[5]. ثم يشرح "بيكر" نظم اصطناع البطولة فيقسمها إلى ثلاثة أقسام: أولها البطولة الدينية (Religious Heroism) التي تعطي حياة الإنسان معنى، وتجعله كائنا مميزا وسط الكون. "ولكن، في عصر الحداثة الغربية انحسر دور الدين، وقلّ عدد المصدّقين به، وبالتالي خرج طلب البطولة عن نطاقه إلى نطاقات أخرى!"[5].

 

ثم ينتقل إلى البطولة الفردية (Personal Heroism)، وهو انفراد الإنسان بالإنجاز والبطولة والانتماء إلى ذاته بوصفه شخصا عصاميا لا يعتمد على أحد، وهو ما ينتهي عادة بالفشل لخروجه عن دائرة المجتمع، بالإضافة إلى افتقاد العديد من البشر لتلك المواهب التي قد تؤهلهم ليكونوا خارقين، ليتبقى في النهاية المسار الأخير من مسارات اصطناع البطولة الحديثة (cultural Heroism) أو الإطار الثقافي للبطولة.

   

  

ذلك النوع من البطولة يعرّفه "بيكر" على أنه الدور الذي يعطيه المجتمع دور البطولة ويخلع عليه قيمتها، فلا يلعب الفرد هنا دور البطل الاستثنائي، وإنما يلعب دور الفرد الثانوي داخل المجموع المنجذب بصورة بطولية، وهو ما أطلق عليه "بيكر" لقب "آلة إنتاج البطولة" أو (Heroic Machine).

 

وهذه الأُطر المجتمعية تمتلك ميزة الحياة طويلة الأمد، وهو الأمر الذي يفقده الإنسان بمفرده، ليشكّل خوفه من الموت دافعا نحو ارتباطه بتلك البطولة المجتمعية التي يشعر بالانتماء من خلالها، فيقول "بيكر": "يشعر الإنسان بقيمته في حالة اتبع الخطوات التي رسمتها له السلطة المجتمعية والقوة بشكّل مضمّن في نظام الأسرة والجماعة الاجتماعية والأمة"[5].

   

فكرة التحول في مفهوم البطولة، والقيمة الاجتماعية التي ترتبط بها، يلتقي في ذات المفهوم "بيكر" بالبولندي "زيجمونت باومان"[6] حول الشهيد والبطل، وتحوّل قيمة البطولة من الشهيد الذي يفنى في مقابل فكرته، إلى البطل الذي يدافع عن قيمة ما يلتف حولها المجتمع وتُوهب له في سبيلها النياشين. ربما من هنا تنطلق الصناعة المجتمعية لنجوم الرياضة والفن لأغراض مختلفة تتمثل في الإلهاء تارة، أو في تعويض الفراغ البطولي للأمة الفقيرة في جوانب أخرى متعددة.

 

ففي بحث أخرجه مركز الحضارة للدراسات، عدّد الباحثون أسبابا عدّة لترهّل مفهوم الانتماء من ضمنها "مناسبية الانتماء، وتفاهة مقاماته مثل الانتماء الكروي الذي يتقنع بالوطنية لضرب القومية.. وانفراط الخيط الناظم لمعنى الانتماء والهوية، وتسميم التراتب بينها"[7]. فهل يمكن اعتبار الانتماءات من هذا النوع تعبيرا فعليا عن البطولة؟ أم إنها شحن معنوي لفراغ آخر؟

   

  

انتصارات المحبطين

هل يحتاج المرء إلى الانتماء؟ معظم علماء النفس أجابوا بنعم. إذن، ماذا لو كان المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد ضعيفا أو غير فعّال، أو غير موجود أساسا؟ يبدو أنه سيبحث حينها عن مجتمع/هواية لإشباع هذا الفراغ في مساحات الانتماء، لتحقيق احتياجاته الاجتماعية، "ويتوفر بها الوجود والفعالية والقوة"[8]. لذا فإنه سيختار على الأغلب ناديا اجتماعيا ذا شعبية وتاريخ يعوّضان غياب المجتمع الذي يفتقده، أو ناديا حديثا له من القوة والسيطرة ما يحقق له الفعالية التي تمنّى أن تكون[8].

 

هذا هو حجر الزاوية الذي بنى عليه "إيريك هوفر" نظريته في تشكيل الحركات الجماهيرية: الإحباط[9]. أن تكون مُحبطا فتلجأ إلى ما يداوي هذا الشعور، فالإحباط، حسب "هوفر"، كفيل بتوليد المؤمن الصادق بالحركة الجماهيرية، وهو الأسلوب الفعّال في الاستقطاب؛ لأن المحبطين يجدون البديل في الحركة الجماهيرية المؤمنة؛ إذ تحقق لهم -بمجموعها- ما عجزوا هم عن تحقيقه أفرادا، فتقوم بديلا عن الأمل الفردي الخائب.

  

فانتصار فريقك قد لا ينفعك بشيء كما يستنكر البعض فرحتك، لكنّه -أبعد من ذلك- يحقق لك شيئا من الرضا اللحظي عن الذات المُحبطة، حيث تخاطب النفس ذاتها بالقول: لقد اخترت بصورة صحيحة، وها هو اختياري يفوز. في النهاية "يعتقد البعض أن الاختيارات تمثل ذواتهم دائما -وهذا ليس صوابا بشكل مُطلق- فتجده يدافع عن أي شيء اختاره بنفسه؛ لأنه يشعر بأنه يدافع عن ذاته، وأن هذا الأمر يجوز فيه الخروج عن الطور والآداب العامة والمُغالاة والفجور في الخصومة!"[8]، ولربما يشرح ذلك شيئا عن التعصّب بين صديقين يحتدّان بقسوة لاختلاف الميول الكروية وتضارب الانتماءات.

 

ومن خلال المثال أعلاه، فإن الدافع الحقيقي وراء النزاع الصلاحي-المدريدي يظهر جليا، فالأمر في الحقيقة ليس مقابلة بين فريق كبير ولاعب عربي متميز، وإنما هو لقاء بين كيان جماهيري يحقق الإشباع المفقود، ولاعب مختلف، يحمل شعلة متوهّجة في طريق المُظِلمِين، و"بطل يروّح عنهم هزائمهم، ويجدون فيه الموعود لإنقاذهم"[10].

  

  

لذا، فإن كرة القدم "تسمح لك بأن تكون في عمر ثماني سنوات مرة أخرى"؛ لأن ثمة "متعة أخرى لعالم التشجيع، فهو يقدم عالما مفهوما بشكل يبعث على الاطمئنان"[2]، هذا ما يقوله الفيلسوف الأسترالي "ديمون يونج" مؤلف كتاب "كيف تفكر في التمارين"، ويشرح "يونج" قائلا إن القواعد في عالم الكرة واضحة، "فأنت تعرف ما يعنيه تسجيل الهدف والطرد من الملعب والفوز أو الخسارة. فأنواع الرياضة تقلل من الغموض المؤلم للحياة وتمنحنا وضوحا وجوديا"[2]، كما أنها تحارب النمطية القاتلة التي تصبغ الحياة، وتمثل مصدرا هائلا للدراما والإثارة اللتين لا تنتهيان[4].

 

في النهاية، فإن التشجيع الكروي أضحى ظاهرة اجتماعية لا يمكن إغفالها، ومن ثم، فإن الحديث عنها وما تحمله من تبعات على المجتمع لم يعد رفاهية، ولكنّه ضرورة لفهم السحر الذي يجذب كل تلك المليارات. لكن، هل تكون الكرة عوضا فعليا عن الانتماء، أم أن ذلك مبالغة لشحن العجز المعنوي عن إيجاد المعنى؟ وهل ينتصر الريال لأنصاره فعلا، أم إن صلاح يداوي جراح المُحبطين؟

 

حسب "بورخا جارسيا"[2]، فإن تشجيع كرة القدم ليس مسألة حياة أو موت، وإنما هو عالم تستطيع التخلي عنه بسهولة. فهو جزء من وهم، يبعث في نفسك العزاء تجاه ما تفتقده من الانتماء، فتخلع عليه المصطلحات الكبرى من قبيل "فريقي هو حياتي.. أحرف اسمه تهزّ كياني.. إلخ" كما في أغاني الألتراس/روابط المشجعين، وكذا وصم الفاعلين في هذا العالم بصفات الوفاء والخيانة، وكأن الأمر معركة حقيقية، لا لعبة اخترعت للترفيه، ليتحكم بها السوق العالمي كتجارة يكثر فيها العرض والانتقال.

 

قد تكون الكرة عالما بديلا يحقق "اليوتوبيا" أو المدينة الفاضلة التي يحيّي فيها الخصمان بعضهما بعد النزال، ولكنها في النهاية لا تعبّر عن الواقع ولا تحلّ مشاكله أو تصنع المعجزات. فالفوز فيها -حسب "جارسيا"- مهم لكونه حالة من الفرح نتشاركها مع الآخرين، لكنه في النهاية -وحسب "جارسيا" أيضا- جزء من وهم يبعث في نفسك العزاء، فهذه ليست حياتك الحقيقية.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار