اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/25 الساعة 14:58 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/11 هـ

انضم إلينا
النوم في العسل.. لماذا تنتشر حبوب الفياغرا؟

النوم في العسل.. لماذا تنتشر حبوب الفياغرا؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

بعد أن انتشر وباء "العجز الجنسي" بين رجال القاهرة وضواحيها بفيلم "النوم في العسل" قرر العميد مجدي نور -الذي يقوم بدوره الممثل المصري عادل إمام- شراء "4 قراطيس" صنيعة الدجال الذي يوهم الناس أنها تشفي من الوباء، فرد أحد الواقفين في طابور الشراء: "كفاية عليك قرطاس تبوس بيه".

     

هكذا، وفي مزيج مخيف صنعه وحيد حامد وسكبه شريف عرفة في قالب سينمائي، وقدمه عادل إمام للجمهور، يحكي فيلم "النوم في العسل" الصادر عام 1996 عن "وباء غامض" يجتاح مصر ويصيب رجالها بعجز جنسي، وتظهر له علامات وأمارات، ويترتب على ذلك الوباء شجارات، وتحدث بسببه كوارث مجتمعية، بل يصاب المجتمع بحالة من الشلل، يتشكل على إثره أزمة بين الشعب والحكومة، وتكاد هذه الأزمة أن تعصف بمصالح الناس بل بالنظام نفسه.

    

وفي ضوء هذا الوباء يناقش الفيلم أزمات الواقع المصري والعربي: الحكومة التي تتكتم على الوباء وتبحث له عن حل سحري لتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، مجلس الشعب الذي يحظى فيه الحزب الحاكم بأغلبية بينما تحاول الأقلية المعارضة رفع صوتها وينتهي الأمر إلى عراك، الأمن الذي يريد السيطرة على الجموع، والصحافة التي لا تتحمل تقديم الحقيقة كاملة للناس.

       

   

أما لاحقا، وتحديدا في عام 1998، أي بعد صدور ذلك الفيلم بسنتين، سيظهر الحل الذي طالما بحثت عنه الحكومة، وهو الحبة الزرقاء، أو الفياغرا أو محسنات الانتصاب، التي دشنت بظهورها عهدا جديدا سيعاد خلاله تشكيل عالم العلاقات الجنسية، بل ستقدم هذه الحبوب تعريفا جديدا للسعادة الزوجية والعلاقة الجنسية المثالية، والتي كانت قبل ذلك تائهة في صحراء تنوع الخبرات وغارقة في بحر السرية والخصوصية، فما قصة تلك الحبوب، وكيف استخدمتها الحكومات العربية لإخضاع جسم الإنسان ومنحه سعادة مؤقتة ليتحمل وضعه البائس، وكيف تحكي قصة الفياغرا قصة تحكم الشركات الدولية والمصالح الاقتصادية في الشأن الداخلي المصري والعربي؟

      

قصة الفياغرا في مصر
في عام 2015، قدّم يوسف رامز طالب الماجستير بالجامعة الأميركية بالقاهرة أطروحة تخرجه في قسم العلوم الإنسانية بحثا بعنوان "حباية وسيجارة وكوباية شاي.. جسم الرجل المصري في عصر الفياغرا" يسرد فيها رامز بشكل تحليلي الدور الخفي لحبوب الفياغرا والمنشطات الجنسية داخل المجتمع المصري، وكيف غيرت تلك الحبوب نظرة المصريين إلى العلاقة الجنسية، فيسرد في البداية قصة ظهور تلك الحبة الزرقاء، ففي عام 1990 ظهر لأول مرة اكتشاف العلماء مادة فعالة لعلاج مشاكل القلب تسمى سيلدينافيل سترات، وأخذ مكتشفها جائزة نوبل. (1)

     

لكن، بعد مدة قصيرة من استخدام تلك المادة الكيميائية، ظهر أن لتلك المادة أعراضا جانبية تزيد من تدفق الدم وتسبب زيادة الانتصاب، من هنا تغير استخدام تلك المادة الكيميائية، ففي 28 مارس/آذار 1998 أقرت الجمعية الأميركية للصحة والغذاء أن مادة سيلدينافيل سترات تُعدّ دواء لتحسين الانتصاب، حينها سارعت شركة فايزر بشراء حق تصنيعه وبيعه، وحققت من مبيعات الحبوب الزرقاء أرباحا تقدر بمليار دولار في عام واحد. (1)

  

وعندما وصلت حبوب الفياغرا الجديدة إلى مصر، أصدرت الحكومة المصرية عام 1998 قرارا بمنعها من الأسواق، وظل هذا القرار حتى عام 2002، حيث صرح المتحدث باسم وزارة الصحة حينها قائلا: "الرجالة المصريين يختلفوا عن الأمريكان" (1)، أي إن الرجال المصريين لا يحتاجون إلى منشطات جنسية، وبدأ الإعلام المصري من صحف وجرائد وبرامج تلفزيونية يتحدثون عن مخاطر الحبوب الزرقاء والمنشطات الجنسية، وأثرها على الروابط الأسرية والقيم الاجتماعية. وظهر بين الآراء الرأي الأنثوي الذي يحذر النساء من أن المنشطات الجنسية ستجعل الرجال يتزوجون غيرهن (1)، بينما لم يظهر بشكل واضح رأي الرجال والنساء الحقيقي في تعاطي المنشطات الجنسية في ذلك الوقت.

      

   

وبرغم من منع استيراد تلك الحبة الزرقاء إلى الأسوق المصرية، يؤكد يوسف رامز على أن خلال السنوات الأربع من 1998 وحتى 2002 كانت الفياغرا المهربة متاحة في الأسواق المصرية بمتوسط أسعار من 50 إلى 100 جنيه للحبة الواحدة. كما يرصد رامز عددا من الأخبار في صفحات الحوادث بالجرائد تتحدث عن ضبط عدد من السيدات وهن عائدات من رحلات الحج والعمرة ويحملن معهن الحبوب الممنوعة (الفياغرا). (1)

       

في ذلك الوقت، وعندما أصبح هناك احتياج حقيقي في السوق المصري إلى تلك الحبوب من وجهة نظر الشركات، قامت عدة شركات كبيرة بتقديم طلب بتسجيل حق إنتاج الحبوب الزرقاء أو الفياغرا وأخواتها في مصر، منهم على سبيل المثال شركة فايزر وشركة أميركية أخرى تسمى إيلي ليلي (ELI LILLY)، وهاتان الشركتان من أكبر خمس شركات لإنتاج الأدوية في العالم، ومن أكبر مئة شركة اقتصادية في العالم، لكن موقف الحكومة المصرية ظل مبهما ومعلقا لا بالرفض ولا بالقبول. (1)

  

بيد أن هذا الموقف المبهم سينتهي في عام 2002، حيث ستكتشف الشركات الدولية والمحلية مصالحها الاقتصادية وسوقها المستقبلي داخل غرف نوم الشعوب العربية، فكيف حدث هذا التغير؟

       

    
استخدم المصريون منذ القدم وسائل عديدة كمحسنات للقدرة الجنسية، فاستخدموا على سبيل المثال "مرهم البواسير" الذي كان يُباع بسعر 175 قرشا، فكانوا يقومون بدهنه فوق القضيب كي يخدره فيؤخر القذف، كما استخدموا كذلك الحشيش للسبب نفسه وهو تأخير القذف، بجانب الوصفات الشعبية التي كان يبيعها العطارون، لكن لم يكن هناك شركات كبيرة وضخمة، دولية ومحلية، تقوم بالاستثمار في تلك المساحة. (1)

    

حيث كانت تلك الأمور شأنا خاصا ومساحات شديدة الخصوصية عند المصريين، وكان الحديث بشأنها لا يدور إلا خلال العلاقات الاجتماعية التي تسمح بذلك، والتي يسودها التراحمية، فكان الحديث وطلب المساعدة يدور بين الأصدقاء المقربين أو أفراد العائلة الواحدة، أو بين الرجل والعطار، ولم تكن العلاقة بينهما علاقة بين بائع عطور وتوابل وبين مشترٍ بل بين صديقين، حتى جاءت الشركات الدولية والمحلية فقامت بفسخ تلك العلاقات والاستثمار في المساحات الخاصة عند المصريين.

 

فبداية من عام 2002 ثم عام 2006 وحتى 2014، تضاعف حجم السوق المصرية الخاصة بحبوب المنشطات الجنسية، وفقا لهيئة البورصة وتقارير شركات دولية متخصصة، إلى حدود مليار جنيه وبمعدل نمو سنوي يبلغ 20%، وهذه الأرقام تعبر عن السوق الرسمية فقط بعيدا عن الحبوب المهربة والترامادول الذي يستخدم أيضا مقويا جنسيا. (1)

     

     

ويوضح الباحث يوسف رامز أن "متوسط سعر الحبة في مصر بالإضافة إلى الصيني والهندي في حدود جنيهين، وهذا يعني أن هناك نصف مليار حبة يتم تناولها رسميا بالسنة في مصر، وإذا عرفنا أن مصر بها 30 مليون ذكر فوق سن 14 عاما وفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في أغسطس/آب 2014، سنرى حجم الانتشار المدهش لحبوب الجنس في مصر، ومن خلال البحث الميداني، فأغلب المستخدمين للفياغرا أو فايركتا وأخواتهم، وهم من كل الأعمار، يستهلكون في المتوسط حبة إلى حبتين في الأسبوع، أي يمكن تقدير أن في المتوسط هناك واحد من بين كل 3 رجال في مصر فوق سن الـ 14 عاما يداومون على تناول الفياغرا، هذا غير المتداول كهدية وتحية في حفلات الزفاف والأعياد وزيارات السجون والرشاوى وغير ذلك". (2)

      

يحكي يوسف رامز في أطروحته أنه في نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول عام 1998 أقرت اللجنة الفنية للأدوية بوزارة الصحة المصرية عقار السيلدنافيل سترات (المادة الفعالة للفياغرا وأخواتها)، وقالت إن العقار "فعال وآمن بشرط عدم صرفه دون وصفة طبيب مختص"، لكن حسب رامز كانت المشكلة الأساسية التي عطلت وزير الصحة عن إعطاء أي شركة حق إنتاج الفياغرا في مصر هي عدم وجود قانون لحماية الملكية الفكرية في مجال إنتاج الدواء في مصر، فإذا وافق الوزير على إنتاج حبوب الفياغرا فيجب أن يوافق لكل شركة محلية أو دولية تقدم عروضا جيدة لإنتاج الفياغرا، مما سيجعل السوق مقسما على عدة شركات فتقل أرباح الشركات الكبرى مثل فايزر، لكن وزير الصحة المصري يقرر إعطاء حق إنتاج الفياغرا لشركة فايزر في شهر يوليو/تموز عام 2002. (2)

  

لكن يظهر هنا السؤال الذي حاول يوسف رامز الإجابة عنه، لماذا تأخر قرار وزير الصحة المصري حينذاك أربع سنوات؟ يحاول رامز الإجابة، فيعود إلى عام 1995 حيث وقعت مصر اتفاقية شهيرة تسمى التربس (TRIPS)، هذه الاتفاقية تضمن حقوق الملكية الفكرية في مجالات متعددة منها مجال صناعة الأدوية، ولم تدخل تلك الاتفاقية حيز التنفيذ إلا في شهر يناير/كانون الثاني سنة 2000 (2)، ويعود السؤال مرة أخرى: لماذا لم تعط الحكومة المصرية حق إنتاج الفياغرا منذ عام 2000، أي منذ أن دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ؟

  

يعود رامز للإجابة بأن الحكومة المصرية كانت ملتزمة بقانون الملكية الفكرية القديم الذي تم سنّه عام 1949، والذي لم يكن يتضمن مجال الدواء، أي ليس من حق أي شركة احتكار مجال صناعة الدواء في مصر، ومن ثم كان يجب سن قانون جديد للملكية الفكرية يسمح للشركات الدولية بأن تحتكر صناعة دواء معين في السوق المصري، وبالتالي تستطيع شركة فايزر أن تنتج الفياغرا وغيرها من الأدوية وتتمتع وحدها بالأرباح، وبالفعل هذا ما حدث، حيث قدمت الحكومة المصرية عام 2000 مشروع قانون جديد للملكية الفكرية. (3)

         

       

بيد أن هذا القانون الجديد استغرق مجلس الشعب حينها في منقاشته سنتين، حيث كان يهدد مصالح وأرباح شركات الأدوية في مصر، فيمنع أي شركة من تقليد صناعة أي دواء آخر، مما يهدد إنتاج الشركات بشكل مباشر، وكالعادة استخدمت الدولة كل أوراقها، فلجأت إلى مفتي الجمهورية الذي صرح بأن غش ونقل حقوق الملكية الفكرية حرام شرعا، حتى استطاع القانون أن يخرج للنور أخيرا في 2002، أما في مرسوم إعلانه الصادر من رئيس الجمهورية، حسني مبارك حينذاك، كتب الرئيس في التمهيد أن الملكية الفكرية للأدوية سيتم استثناؤها من القانون حتى 2005، كي يرضي كل الأطراف، وبذلك حصلت فايزر أخيرا على حق احتكار إنتاج الفياغرا في السوق المصرية بسعر 27 جنيها للحبة الواحدة من فئة 50 ملليجراما. (3)

  

واستمر الأمر حكرا على شركة فايزر حتى عام 2005، التي فتح فيها مجلس الشعب قضية إنتاج الفياغرا مرة أخرى، طمعا في أن يحصل الجميع على قطع من الكعكة التي تستحوذ عليها شركة فايزر وحدها، وبعد جلسات ومشادات، وربما ضغط من رجال الأعمال كما يذكر يوسف رامز، قبلت الحكومة في يوليو/تموز عام 2006 طلب الشركات المصرية، التي قدمت عروضا لإنتاج نظائر للفياغرا مثل فايركتا وغيرها منذ عام 1998 بسعر يبدأ من 3 إلى 5 جنيهات للحبة الواحدة بدلا من 50 جنيها لحبة فايزر، كما سمحت باستيراد المنشطات الصيني والهندي والسوري، التي كان متوسط سعرها جنيها وجنيها وربعا للحبة الواحدة، وبذلك بدأ عصر جديد انتشرت فيه حبوب المنشطات الجنسية وأصبحت في متناول الجميع. (4)

      

سوق المنشطات الجنسية.. ماذا حدث لرجال العرب؟

في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بمحافظة القليوبية بمصر، وبالتحديد في قرية أويش الحجر مركز المنصورة، قام عامل يبلغ من العمر 32 عاما بحرق عضوه الذكري بالجير الحي تنفيذا لنصيحة أحد أصدقائه رغبة في تحسين الأداء الجنسي (5)، وتعطي تلك الحادثة مؤشرا على مدى انشغال الناس بقضية الأداء الجنسي، الأمر الذي يشرحه الدكتور ياسر الخياط أستاذ الذكورة والتناسل بطب القصر العيني قائلا: "هناك العديد من الموروثات الخاطئة الموجودة في بعض الكتب التراثية التي تتناقلها الأجيال بدون علم، خصوصا في عدد من الأوساط الشعبية، وتتعلق بثلاث مشاكل مرضية، وهي ضعف الانتصاب، وسرعة القذف، وتكبير العضو الذكري". (5) فهل تشغل تلك القضية بالفعل بال عدد كبير من الشعوب العربية لهذه الدرجة؟

  

يمكن أن نستشف الإجابة من خلال عدد من الإحصائيات والأرقام والمؤشرات، ليس في مصر فقط بل في العالم العربي كله، حيث شهدت مبيعات المنشّطات الجنسية في مصر نموا كبيرا في الفترة الأخيرة، إذ بلغت المبيعات 800 مليون جنيه (112 مليون دولار) سنويا حسب تقرير صادر عن نقابة الصيادلة المصرية في يوليو/تموز الماضي. وبيّن التقرير أن إنتاج المنشّطات الجنسية خلال فترات الأعياد والمناسبات نما نموا كبيرا وصل إلى 20%. (6)

        

ويحتوي السوق المصري على 30 نوعا من المنشطات الجنسية من بينها الفياغرا وهي الأعلى سعرا، حيث يبلغ سعر العلبة 40 جنيها، ويأتي في المركز الثاني نابيفيت (Napifit) وسعره 20 جنيها للعلبة، وحلت مستحضرات فايركتا في المركز الثالث بسعر 18 جنيها للعلبة، ثم مستحضر ايرك في المركز الرابع بسعر 16 جنيها للعلبة، ثم كماجرا (Kamagra) وفيافاج (Viavag) وسيلدين (Silden) بسعر 6 جنيهات للعلبة. (6)




وهناك أصناف أخرى في متناول الطبقات الميسورة، منها ليفترا (Levitra) وسعر العلبة 160 جنيها، وسيالس (Cialis) بسعر 78 جنيها. وهذه المنشّطات مرخصة كلها، أما باقي المنشّطات غير المرخص لها، فلا رقابة عليها، وهي تُباع على الأرصفة في ميدان العتبة وسط القاهرة، أو بشكل سري في الصيدليات، بأسعار منخفضة. لذلك يُطلق عليها "المنشّطات الشعبية"، ودائما تسمّى بألفاظ غريبة مثل "تايجر كينج" (Tiger King) والفيل الأزرق وشمشون والحجر الأحمر. (6)

     

أما المنشّطات الجنسية الخاصة بالنساء فهي كلها، بحسب رئيس ملف الدواء في المركز المصري للحق في الدواء، مستحضرات غير مرخصة ويصل عددها إلى 7، وتُباع عن طريق التجار المتجولين ويتراوح سعرها بين جنيه واحد و10 جنيهات. منها المناديل المنشطة، التي تحتوي على هرمونات، ولبان سكس لاف (Sex Love Gum)، بالإضافة إلى سبانش فلاي (Spanish Fly) الذي يباع أقراصا أو علكة. (6)

     

لكن الأمر لا يتوقف عند المصريين، ففي تونس تشير دراسة إلى بلوغ نسبة العجز الجنسي لدى الرجال إلى 40% (7)، حيث يُقبل عدد كبير من الرجال على شراء حبوب الفياغرا والمنشطات الجنسية، أما الصحفية حسناء زوان فتنقل: "الأرقام تقول إن نسبة ممارسة المغاربة للجنس يوميا لا تتجاوز 8%. وتضيف الأرقام نفسها أن من يمارسون من أربع إلى ست مرات في الأسبوع تصل نسبتهم إلى 26%. وتصل النسبة إلى 45%، أي قرابة النصف، لمن يمارس الجنس مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع. ولا تتجاوز النسبة 1% بالنسبة إلى الذين يمارسون الجنس مرة في الشهر". (8)
        

     

وقد توصلت الجمعية المغربية لأمراض المسالك البولية في دراسة حول الضعف الجنسي لدى الرجال في المغرب، وشملت 202 شخص، إلى أن 45% منهم يعانون من ضعف الانتصاب، 13،29% حالات شديدة، 5% منهم فقط لجأوا إلى الاستشارة الطبية، و26% تعاطوا الأدوية دون استشارة المختص. (8)

   

وحسب تلك الدراسة تأتي عدم القدرة على الانتصاب في مقدمة المشاكل الجنسية التي يعاني منها الرجل المغربي، وتعود أسبابها حسب الدراسة ذاتها إلى أمراض عضوية، مثل السكري بنسبة 12%، وارتفاع الضغط الدموي بنسبة 9%، إلى جانب الإدمان على الكحول والمخدرات والتدخين. (8)

   

كما سلطت الدراسة الضوء أيضا على درجة الرضا الجنسي لدى الشريحة التي شملتها، مثل الرغبة الجنسية لدى النساء، واللجوء إلى الاستشارة الطبية والأدوية لعلاج ضعف الانتصاب، إضافة إلى موقف الرجال من الاضطرابات الجنسية التي يتعرضون لها، وكذلك موقف النساء في حالة كان أزواجهن معنيين بهذه المشاكل. (8)

  

وأشارت الدراسة إلى أن 42% من الشباب المغربي يتعاطى المنشطات الجنسية دون سن العشرين، ويؤكد الأخصائيون أن السبب في تنامي عدد الشباب المغربي الذي يتعاطى المنشطات الجنسية يجد تفسيره في ارتفاع مستويات القلق والتوتر وعدم الرضا والخوف، وفقدان الثقة في النفس، وغياب ثقافة جنسية سليمة لتأهيل الشباب لتدبير العلاقات الجنسية بشكل متوازن، هذه كلها تشكل عوامل رئيسية تدفع العديد من الشباب إلى استخدام كل أنواع المنشطات الجنسية المنتشرة في الصيدليات كحبات الفياغرا مثلا. (8)

  

أما الوضع في لبنان فلم يختلف كثيرا، حيث يوجد 12 دواء مسجّلا في لبنان لعلاج مشكلة عدم الانتصاب لدى الذكور، 3 منها تستحوذ على 81% من السوق النظامية، لكن السوق التي تسمى غير شرعية تحتوي على مئات الأصناف من العقاقير والمتمّمات الغذائية والمستحضرات والأدوات التي تروَّج من دون أي رقابة، وكل ذلك يجعل منها سوقا نشطة تقدّر بأكثر من 10 ملايين دولار. (9)

       

       

حيث ينفق اللبنانيون أكثر من 15 مليون دولار سنويا على المنشطات الجنسية، وبحسب التقديرات لدى شركات الاستيراد المجازة، يوجد في لبنان نحو 85 ألف مقيم يُعالجون من ضعف الانتصاب في العيادات المختصة، لكن إحصائيات أخرى تفيد بأن مستهلكي هذه الأدوية والعقاقير والمستحضرات والأدوات (المراقبة وغير المراقبة) يتجاوز كثيرا هذا الرقم، وقد يلامس 200 ألف مستهلك، ومنهم من لا يعاني مشكلات صحية عضوية بقدر ما هو ضحية عمليات الإغراء والترويج التي تجري أحيانا عبر وسائل الإعلام والنشرات الإعلانية. (9)

  

كما كشف الصيدلي اللبناني محمد بيضون أن "نسبة بيع المنشطات الجنسية تتراوح بين 40 و70% شهريا، أي نبيع هذه المنشطات تقريبا كل يوم. والأصناف الأكثر مبيعا هي: فياغرا وسيالس وليفترا"، لافتا إلى أن "المرضى يطلبون الدواء من دون وصفة طبية بناء على نصيحة الجيران أو الأصدقاء. ونحن كصيادلة نسألهم عما إذا كانوا يشكون من أمراض الضغط أو السكري فلا نبيعهم. أما إذا كانوا لا يعانون من مشاكل صحية فنعطيهم الدواء وننصحهم باتباع التعليمات، ولكن يبقى ذلك على مسؤوليتهم الخاصة". (10)

  

أما في المملكة السعودية فلم تتوفر أي إحصائيات عن سوق المنشطات الجنسية، لكن مؤخرا قامت بلدية الشوقية، التابعة لمكة المكرمة، بضبط سيدة تمتلك محل ملابس تحضر وتبيع من خلاله مواد محظورة "شرعا" تداولها، باعتبارها مقويات جنسية، وبحسب ما ذكرته صحيفة "سبق" السعودية، فإن رئيس بلدية الشوقية الفرعية قال: "بعض المواد والتركيبات المحظورة والمخالفة يتم بيعها كمقويات جنسية للرجال والنساء معا". (11) فإذا كان الأمر وصل إلى محلات بيع الملابس، ووصل إلى قيام السيدات بالبيع، فكيف سيكون شكل سوق المنشطات في المملكة السعودية؟

  

بيد أن الأمر لم يتوقف على الشباب أو الرجال من الطبقات الفقيرة أو الميسورة، بل امتد إلى أروقة السياسة، فقد نشرت صحيفة بغداد/سكاي برس خبرا عن إصابة رئيس إحدى الكتل السياسية بالعراق بذبحة صدرية إثر تناوله كميات كبيرة من المقويات الجنسية.

 

وقال المصدر في حديث لـ "سكاي برس" إن "رئيس إحدى الكتل السياسية أصيب بذبحة صدرية إثر تناوله كميات كبيرة من المقويات الجنسية"، مضيفا أنه "تم طلب الإسعاف وإجراء الإسعافات الأولية لمعالجة رئيس الكتلة بسبب رفضه الذهاب إلى المستشفى". (12)

  

أما في الأردن، فقد انتشرت مؤخرا صور لأعضاء ببرلمان الأردن يتداولون شريطا من حبوب الفياغرا خلال جلسة مسائية تشريعية للمجلس عقدت مساء أمس الأحد. وأثار غلاف طبي لحبتين من حبوب "فيجا" من الصناعة الهندية جدلا سياسيا في الأردن بعد ظهوره بين يدي أحد النواب تحت قبة البرلمان مع شائعة تقول بأن أحد النواب يوزع حبوب الفياغرا الهندية على الزملاء في السلطة التشريعية. (13) فهل كل تلك الإحصائيات والأخبار تشير إلى وباء من العجز الجنسي أم أن الرجال يتعاطون المنشطات لزيادة القدرة الجنسية، وهوسا بأحلام الفحولة التي يروج لها الإعلام؟!

          

صورة تداولها الناشطون لأعضاء ببرلمان الأردن يتداولون شريطا من حبوب الفياغرا

مواقع التواصل
      
لماذا تنتشر حبوب الفياغرا.. هل فقد العرب الثقة في أنفسهم؟

يبدو الحديث عن الجنس شيئا حميميا جدا وسريا جدا، حتى إن الإنسان لا يشير إلى رغبته في ممارسة الجنس إلا تلميحا، وهذا سلوك ملاحظ من خلال عملية شراء المنشطات والمقويات الجنسية، فتخضع عملية الشراء لشيء من السرية، ومظاهرها من التلميح وخفض الصوت أثناء الطلب (14)، وهذا نفسه ما لاحظه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، الذي يذهب إلى أن الأسئلة حول مسألة الرغبة الجنسية أسئلة لها من القيمة ما يجعل الحقيقة حول الجنس تبدو أكثر حميمية، وأشدّ سرّية عن أجسادنا وعن كياننا، التي نمرّ عبرها إلى حقيقتنا الشخصيّة، مع كونها تحدّد في آن علاقاتنا الاجتماعية. (15)

  

هكذا يراوغ بنا فوكو متحدثا عن أن التحرر من القيود الجنسية بتحرير رغباتنا الجنسية يستدعي سلطة أخرى وهي سلطتنا على أجسادنا، وهذه السلطة هي التي تدفع الفرد إلى أن يبني لنفسه حقيقة عن ذاته عبر الاعترافات التي يقوم بها أو التي تشغله، ومن خلال هذا أيضا تجعله يتشكّل باعتباره موضوعا بالمعنيين: باعتباره كائنا مفكّرا، وكذلك باعتباره "رعيّة" للسلطة، أي خاضعا لها خضوعا تامّا. (15)

    

فالإنسان حين تناوله المقويات الجنسية يستخدم وسيلة حديثة لتحسين صورته أمام نفسه ومن ثم صورته أمام شريكه. وهذا ما يذهب إليه علي شعبان (باحث في علم الاجتماع)، فقد وصف إدمان أبناء اليوم على المنشطات الجنسية بمأساة حقيقية، وأضاف في حواره مع صحيفة "المساء" بأن إقبال الشباب على تعاطي المنشطات الجنسية مرده بالأساس إلى طبيعة الحياة العصرية التي أصبح الكل يحياها، والتي يغلب عليها التوتر والقلق، وكذا إقبال الشباب على ممارسة الجنس بشكل عشوائي، حيث يشعر الشاب دوما أنه ليست لديه قدرة على إقامة العلاقة الجنسية، وعلى الرغم من كونه في مقتبل العمر ومؤهل لممارسة حياته الجنسية بشكلها الطبيعي مع زوجته، فإن الخوف من الفشل، وخاصة خلال ليلة العمر أمام الشريك، يُعدّ هو السبب الرئيس الذي جعله يفقد الثقة في نفسه، خاصة أن الحديث عن الجنس والمعلومات المغلوطة المصاحبة له والمروجة من قبل الشباب يزيد من خوفهم ويتسبب في إصابتهم بمشاكل جنسية مضاعفة. (16)

           

    

من هنا يشرح فوكو والباحث علي شعبان كيف يساهم موضوع الجنس والرغبة الجنسية والعلاقة الجنسية في تشكيل صورتنا وحقيقتنا أمام أنفسنا وأمام الشريك، ثم يساهم في تشكيل علاقتنا الاجتماعية داخل المجتمع، ففي حوار أجراه الباحث يوسف رامز مع أحد سائقي التاكسي في القاهرة يحكي:

"ـ سائق التاكسي (أحمد): كنت شغال مع واحد قريبي هو عدى الستين يعني، وبعدين مراته جت وقالت لعمي اللي شغال معانا برده، خلي مصطفى يرجع لطبيعته.

ـ رامز: مش فاهم.

ـ أحمد: يعني يبطل حبوب، هي كانت مستريحة من غير حبوب أكثر، بيقولوا الكلام ده قدامي

ـ رامز: يعني أنت مجربتش الفياغرا أو التايجر قبل كده.

ـ أحمد: لأ الحاجات دي ضررها أكثر، بيقولوا خطر على القلب.

ـ رامز: ما كل حاجه خطر.

ـ أحمد: أصل الست على ما تعودها، يعني لو عودتها على الأفيون تتعود، على الحبوب تتعود."

ويشرح رامز أن السائق يقصد أن المنشطات المسببة لزيادة الانتصاب وتأخر القذف هي من تحدد شكل العلاقة بين الرجل وزوجته، وبالتالي تحدد التعامل اليومي بينهما، ويكمل رامز فيحكي:

"طيب يا سيدي كل ده كلام عن إزاي "تبسط" الست اللي معاك، كويس، المهم أنت إزاي بتنبسط

ـ أحمد: لأ.. معرفش

ـ أحمد، بعد لحظات من السكوت: لأن حضرتك بالنسبة للراجل هو بيخلص كل حاجته مع القذف، لكن الستات تفرق منهم اللي زي الراجل ومنهم اللي بتأخر، عشان كده الطلاق اللي أنت شايفه في كل حتة (!)". (17)

   

ويستخلص رامز من الحوار الذي أجراه مع سائق التاكسي (أحمد) أن المنشطات الجنسية وحبوب الفياغرا ليس لها علاقة بالعجز الجنسي، لكنها مقويات جنسية كي يكون الرجل دائما في حالته الطبيعية، وهي الحالة العادية التي تضمن صورة جيدة له أمام شريكته، ويضيف رامز أن هذا الفهم المنتشر شعبيا، وهو أن وظيفة الحبوب أن يكون الرجل في حالته الطبيعية، يضمن لشركات تلك الحبوب جمهورا واسعا من المشترين، فأصبحت وظيفة تلك الحبوب ليست القدرة الجنسية الفائقة، لكن التغلب على الخوف، للمتزوجين الجدد والقدامى، وتجويد الحياة الجنسية للمتزوجين، بالإضافة إلى إقامة علاقة جنسية طبيعية بعد يوم شاق من العمل والإحباطات. (17)

 

فتصبح رغبة الرجل مهددة بعوامل القلق والإحباطات، بجانب العمل الشاق الذي يستغرق أغلب اليوم، يخضع فيه الإنسان نفسيا وجسديا لسلطة الآخرين وأوامرهم، مما يشعره أنه فاقد للسيطرة على جسده وحياته، وحين يعود إلى بيته ولا يمارس العلاقة الجنسية بشكل ناجح، يشعر أن حياته تفقد المعنى ويفقد ثقته أمام نفسه وتهتز صورته، فيرغب ذلك الإنسان الذي يخضع لسلطة الآخرين طوال اليوم أن يشعر أنه يمتلك شيئا واحدا على الأقل، وهو علاقته الجنسية بزوجته (18)، وأمام هذا الشعور بالإحباط والخوف يلجأ الإنسان إلى المنشطات الجنسية بشكل مستمر كي يحقق شعور الرضا عن نفسه.

     

   

ويذهب الدكتور مصطفى حجازي إلى أن "الحب كالإرضاء العاطفي والجنسي ليسا إشباع حاجات محضة، إنها تدخلنا في عالم الدلالة والمكانة. فالشخص الذي حصل على الإرضاء الجنسي، وذاك الذي ظفر بالحب، يشعران بالامتلاء والرضا، وصلوا إلى الوفاق مع الذات وتقديرها لأنها احتلت المكانة المرغوبة وسد النقص الخاص بطلبها الاعتراف. ذلك هو المقصود بكون الإنسان محكوما بجدلية الرغبة والقوانين الكبرى التي تؤسسه كإنسان وتجعل حياته مستقرة. فإذا هدرت الرغبة، أي ضاعت وحيل بينها وبين إرضائها وتحقيقها من خلال استفحال القانون وتعسفه أو إحباطات الظروف والمعيشة، لا نكون بصدد حرمان يظل قابلا للأخذ والرد، بل اختلال للوجود الإنساني وتعطيل له".

   

من هنا استغلت شركات الدواء تلك المساحة بعدم الشعور بالرضا عن الحياة الجنسية عبر تشويش صورة العلاقة الجنسية المثلى في عقله بالدعايات، وتثبيت صورة واحدة نمطية تتميز بطول المدة، وساعد في ذلك ظروف العيش وإحباطات الحياة اليومية، لكن يبدو أن لحبوب الفياغرا دورا أكبر من ذلك بكثير في واقعنا العربي، فكيف استخدمت الشركات والحكومة تلك الحبوب كحلول سحرية لأزمات المجتمع  

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار