اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/25 الساعة 15:12 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/11 هـ

انضم إلينا
خلع الحجاب.. حرية شخصية أم سلاح ثقافي؟

خلع الحجاب.. حرية شخصية أم سلاح ثقافي؟

إسماعيل عرفة

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
«إذا أردنا أن نحطم بنية المجتمع الجزائري وقدرته على المقاومة، فلا بد لنا أولًا من هزيمة النساء، ينبغي لنا أن نذهب إلى حيث يختبئن وراء الحجاب، وفي البيوت حيث يخفيهن الرجال عن الأنظار»(1).


هكذا وصف الفيلسوف الفرنسي فانون -الذي رفض سياسات بلاده الاستعمارية- فكر الاستعمار الفرنسي ناقدا إياه ومبينا الأساليب التي يتبعها في سبيل تحقيق هيمنته الثقافية الاستعمارية.

خلع الحجاب في العالم العربي
في مقال نشره الأستاذ الجامعي اللبناني ألبرت حوراني عام 1956م بعنوان: (الحجاب المتلاشي: تحدٍّ للنظام القديم) ذكر حوراني أن الحجاب سلوك يندثر في الدول العربية، متوقعا أن يكون الحجاب "ظاهرة من الماضي"(2). وأرجع حوراني سبب خلع الحجاب في العالم العربي والإسلامي إلى الدعوة "التقدّمية" التي نادى بها قاسم أمين في كتابه (تحرير المرأة) الذي نادى فيه بخلع الحجاب، وزعم فيه بأن "الدعوة إلى السفور ليس فيها خروج على الدين أو مخالفة لقواعده"(3).

 

كان قاسم أمين الذي نشر كتابه عام 1899م، كما تلاحظ ليلى أحمد أستاذة الدراسات النسوية بجامعة هارفارد، مثله مثل حوراني والكثير من الأكاديميين والمؤلفين، يعتنق رؤية تفترض أن طريق التقدم للمسلمين هو السير خلف الغرب وتقليدهم في قيمهم ونظرياتهم. كما اعتبروا أن المجتمعات المسلمة يمكن تصنيفها كمجتمعات متقدمة أو متأخرة  حسب درجة هجرها لثوابتها الأصيلة المتجذرة في ثقافتها -وعلى رأسها الحجاب- وتقليدها في المقابل للنمط الثقافي والاجتماعي الغربي(4).

 

ما يُطرح في هذا السياق، يتمثل حول التحليلات التي ترجع أفكار قاسم أمين للتصور الغربي الاستعماري تجاه الدين الإسلامي، لتثير تلك التحليلات علامات استفهام حول أصالة أفكار أمين.

 

كيف نظر الغرب إلى المسلمين؟
ترى الباحثة كاثرين بولوك، المحاضرة بقسم العلوم السياسية بجامعة تورونتو، أن أفكار أمين في الحقيقة لم تكن إلا "صدى لتشخيص الغرب لمرض الشرق المتخلف"(5) أي أنها مجرد ترديد لرؤية الغرب الاستعمارية.

 

ويمكننا الرجوع إلى الكتاب المهم للحاكم البريطاني السابق لمصر اللورد كرومر (وصف مصر) الذي صُدر في 1908م، حيث يشرح كرومر في هذا الكتاب الرؤية السائدة منذ القرن التاسع عشر لدى أغلب، إن لم يكن كل، الأوروبيين عن العالم الإسلامي. فوصف كرومر(6) الإسلام بأنه دين "يحتقر" المرأة ،حيث أن المرأة في الدين الإسلامي تُوصَمُ بتدني القيمة، وبخضوعها للرجل، وأبرز ما يوضح ذلك -في نظر كرومر- هو غطاء الرأس للمرأة، في مقابل كشف الرجل لجسمه.

قاسم أمين

 

كرومر ذاته، صرح بأن وضع المرأة المتدني في المجتمعات المسلمة هو عقبة قاتلة في طريق النهضة الأوروبية لهذه المجتمعات، لذ،ا جعل كرومر انسحاب الاحتلال البريطاني من مصر مشروطًا بتحرير المرأة من هذا الاستبداد الذكوري الشرقي، واعتبر أن أهم خطوة في سبيل تحرير المرأة الشرقية هو خلع حجابها(7).

 

ومن المثير، أن دعوة قاسم أمين لخلع الحجاب، ونظرا لمطابقتها للتصور البريطاني، لاقت استحساناً كبيرا من البريطانيين، لدرجة أنهم قاموا بترجمة كتابه (تحرير المرأة) وأذاعوا قضاياه في كافة مستعمراتهم في العالم الإسلامي(8). 

 

لم يكن البريطانيون وحيدين في دعواهم، وفي استخدام شتى الأدوات لتثبيت استعمارهم الثقافي قبل العسكري، فقد مثل الفرنسيون نموذجا لا يمكن إغفاله، فيما يرتبط بالسعي للهيمنة الثقافية على المُستعمرات التي يحتلونها.

 

خلع الحجاب في الجزائر: في البدء كان الاستعمار الفرنسي
"سيكون بمقدورِكم الانتِخابُ حين تخلعُ نساؤكم الحِجاب"

المستعمر الفرنسي مخاطبًا شعب الجزائر (9)

 

مثلما لم توجد ما يمكن تسميته بـ"الظاهرة"، فإن خلع الحجاب في مصر لم يظهر جليا قبل دعوة قاسم أمين المستقاة من الرؤية الاستعمارية، وكذلك الحال في الجزائر، حيث لم تعرف فكرة خلع الحجاب حتى أشعل فتيلها المستعمر الفرنسي. ففي الجزائر، ولأول مرة في تاريخها، قام الفرنسيون بطرح نقاشات علنية حول الحجاب كونه معبّرا عن "الاضطهاد الذكوري" الذي تعاني منه النساء المسلمات، للحد الذي دفع الجيش الفرنسي باعتبار أن خلع الحجاب "قضية استراتيجية"(10) بالنسبة له.

 

فرانز فانون، الفيلسوف الفرنسي، بين كذلك رؤية الاستعمار الفرنسي العنصرية التي أكدت تجاه مدى أهمية محاربة الفرنسيين للعنصر النسائي الملتزم بالحجاب لضمان سيطرتهم الاستعمارية، يقول فانون واصفا كيفية تفكير الاستعمار الفرنسي: "إذا أردنا أن نحطم بنية المجتمع الجزائري وقدرته على المقاومة، فلا بد لنا أولًا من هزيمة النساء، ينبغي لنا أن نذهب إلى حيث يختبئن وراء الحجاب، وفي البيوت حيث يخفيهن الرجال عن الأنظار"(11). 

 

الحايك الجزائري، الزي الشرعي التقليدي لدى أهل المغرب


في يوم الثلاثاء 20 مايو 1958 في مدينة وهران بمسرح الاخضرار، نظم الفرنسيون مسرحية بهدف التأثير الثقافي والإعلامي، تجمع أكثر من 50 ألف شخص وألقيت الكلمات من طرف السلطات المحلية يتقدمهم الجنرال الفرنسي ماسو، وعُلقت اللافتات ثلاثية اللون وقد كتب عليها: "الجزائر فرنسية"، "شعب واحد، قلب واحد"، "ديغول في السلطة". وبعد عرض مسرحي يسبّح بحمد الاحتلال الفرنسي، فُسح المجال للمشهد الأهم في المسرحية.

 

توالت على المنصة فتيات مسلمات في سن الزهور بلباس أوروبي؛ ليطلبن من أخواتهن الجزائريات التخلي عن أحجبتهن التي تمنعهن من تحرير شخصياتهن. وبدأت الفتيات تخلع حجابها الواحدة تلو الأخرى. وبعدما خلعن الحجاب قال المعلّق الصحفي في حماس فيّاض: "أيها السادة! تقوم الآن النساء الموجودات بين صفوف الجماهير وأغلبهن ربات بيوت بنـزع أحجبتهن ودوسها بالأقدام!". وفجأة ترتفع صيحات عديدة: "تحيا الجزائر الفرنسية!" ويتبعها دوي من التصفيق الحار. ثم يستمع الجميع ويرددون (لامارساييز) النشيد الوطني الفرنسي، وفي النهاية ينتشرون في شوارع وساحات المدينة، يلعبون ويمرحون(12).

 

تكرّر هذا العرض المسرحي كثيرًا في عدة قرى ومدن جزائرية. تتحدث الباحثة الفرنسي سوازنه كايزر عن هذا العرض وتقول: "كان هناك جنودٌ أُمروا بأنْ ينتشروا بين الجمهور ليصفقوا معلنين تأييدهم لمن يخلعن الحجاب وليحثُّوهنَّ على التجاوب مع الأمر وعلى دعم النساء اللاتي خلعن الحجاب على المسرح. كان كلُّ شيءٍ قد أُعد بدقَّةٍ متناهيةٍ ولم يُترك أيُّ تفصيلٍ للصدفة". ثمّ تتساءل كايزر: "لكنْ هل شعرت النساء بعد هذه الوقفة العلنيَّة بالفعل بالتحرُّر من الرجُل؟"(13).

 

سيدتان فرنسيتان تقومان بإجبار فتاة على خلع الحجاب في ميدان عام بالجزائر عام 1958م، تحت حماية الجيش الفرنسي

مواقع التواصل الاجتماعي
 

تروي كازيزر: "تتذكر إحدى النساء اللاتي شاركن في العرض لاحقًا كيف بكت عندما أُجبِرت على ارتداء ثوبٍ فرنسي لتظهر به في ذلك المشهد الجماعي على المسرح، حيث كان عليها أنْ تلعب دور "ماريان" الممثلة النسائيَّة للجمهوريَّة الفرنسيَّة".

 

وتستكمل: "كانت مونيك أميزيان قد بلغت آنذاك سن 18 عامًا للتو حينما اختيرت لتكون واجهة الحملة الدعائيَّة لقوى الاستعمار الفرنسيَّة في الجزائر. الحملة التي كان لها أنْ تؤثر دعائيًا في سياق مراسم خلع الحجاب في كافة المدن الكبرى، والتي وصلت إلى ذروتها في سنة 1958، ويمكن قراءة قصتها في الأرشيف العسكري الخاص بالجيش الفرنسي في باريس. هذه الشابة الجزائريَّة لم تخلع الحجاب بملءِ إرادتها إطلاقًا، إنما قبِلت بالظهور على المسرح بعدما هُدِّدت بتنفيذ حُكم الإعدام بحق شقيقها الذي كان معتقلاً يومئذٍ. أما النساء الأخريات ممن شاركن بتمثيل المشهد فكنَّ يخشين من تسريحهنَّ من العمل في بيوت الفرنسيين"(14).

 

بحسب كاتارزينا فاليكا، الباحثة في الشأن التاريخ الاستعماري للجزائر، فإن هذه المشاهد المسرحية التي تستعرض خلع الحجاب كانت جزءًا من حملة استعمارية، تهدف إلى إظهار أنَّ النساء المسلمات يعتنقن القيم الأوروبية ويبتعدن عن صراع الاستقلال(15). فقد أراد الضباط الفرنسيون أنْ يجعلوا تلكم النسوة مثالاً للانتصار الفرنسي على تلك الدول المتخلفة في إفريقيا المسلِمة، ومثل علامة انتصار المحتلّ: خلع الحجاب.

 

كانت المقاتلات الجزائريات تحمل المتفجرات تحت الحايك التقليدي الأبيض، وهو نوع من الأردية يرجع إلى الحقبة التي كانت الجزائر واقعة فيها تحت الحكم العثماني، لكن فور أن عرف الجيش الفرنسي هذا الأمر، خلعت المقاتلات الجزائريات حجابهن وارتدين الأزياء الأوروبية. كان يعني هذا قدرة أولئك المقاتلات على المرور من نقاط التفتيش الفرنسية دون ملاحظتهن؛ ما سمح لهن بتهريب القنابل، وهو المشهد الذي صوره جيلو بونتيكورفو في فيلمه الشهير معركة الجزائر عام 1966. بعد ذلك بحوالي أربعين سنة، عُرض الفيلم في البنتاغون بعد غزو العراق، من أجل التدقيق في إستراتيجيات «الإرهابيين» (16)

 

انتقلت الرؤية الأوروبية للحجاب وللمرأة، إلى العديد من العرب الذين تلقوا تعليمهم في البلاد الأوروبية أو مكثوا فترة كبيرة هناك، مثل قاسم أمين ورفاعة الطهطاوي وهدى شعراوي وغيرهم، وأمام التردي والانهزام الذي يعاني منه المسلمون في مقابل التفوق والريادة الحضارية للغرب، انسحب الإبهار الحضاري لمساحة الثقافة، وهو ما يذكرنا بما كتبه ابن خلدون في مؤلفه (المقدّمة) الذي بوّب فيه بابًا بعنوان: "في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده: والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه"(17).

 

من دعوة فردية إلى ظاهرة مجتمعية
أثارت دعوة قاسم أمين استجابة ملحوظة في المجتمع المصري (ولاحقاً العربي) ولاقت صدى عند الطبقة العليا من المجتمع على وجه الخصوص ثم الطبقة الوسطى لاحقاً، وكان من ضمن المستجيبات لدعوته هي هدى شعراوي، التي كانت من أوائل -إن لم تكن أول- من خلعن الحجاب في مصر، وشجعت الفتيات على السفر إلى أوروبا "كي تعود الطالبات حاملات إلى الوطن عناصر الثقافية الغربية ومثلها العليا في الحياة الاجتماعية"(18).

 

أمّا صفية زغلول زوجة الزعيم المصري سعد زغلول، فقد تزعمت مظاهرة نسائية ضد الاحتلال طالبن فيها بجلاء الإنجليز عن مصر، وفي نهاية المظاهرة خلعت النساء حجابهن ثم أحرقنه، مما دفع الكاتب رضوان الشيباني إلى التساؤل: "في الحقيقة لا أدري ما علاقة إحراق الحجاب بالتظاهر ضد الاحتلال؟"(19).

 

ولا يبدو هذا التصرّف غريبًا عن صفية، حيث أن زوجها سعد زغلول هو أول من شجع قاسم أمين على إصدار كتابه (تحرير المرأة) ووقف بجانبه ودعّم دعوته بكل ما أوتي من قوة. ولذلك ردّ أمين هذا المعروف لزغلول عندما كتب إهداء كتابه الثاني (المرأة الجديدة) إلى "رفيق المحنة" سعد زغلول.

 

وفي ذات السياق، قام الفنان محمود مختار بنحت تمثال وسمّاه (نهضة مصر) أظهر فيه فلاحة مصرية تخلع حجابها كرمز إلى تقدم مصر ونهضتها وسيرها في طريق التحديث والاستقلال(20).

تمثال نهضة مصر الذي تم تصوير فتاة ريفية فيه تخلع حجابها كدليل على تقدم مصر وتحديثها

 

خلع الحجاب: من المجتمع إلى السلطة
ظلت الدعوة إلى السفور منذ بداية القرن العشرين في حيّز الأصوات الفردية أو الحركات النسائية، لكنها بلغت ذروتها في خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث تبنت أغلب السلطات العربية الفكر القومي والاشتراكي، وطال القمع كافة التيارات الإسلامية جنبًا إلى جنب مع آلة الدعاية الكبيرة للفكر الاشتراكي والقومي، فشاع قسر المحجبات على خلع أحجبتهن بين العالم العربي.

 

فيشرح الكاتب الصحفي ياسر ثابت كيف كانت النساء في العراق يلبسن الحجاب التام مع ستر الوجه، وبمجيء عبد الكريم قاسم عام 1963م إلى الحُكم، شاعت شعارات الحرية وتحرير المرأة، فانتشرت مظاهر خلع الحجاب في أغلب المدن العراق، لتصبح هي الحالة الغالبة. ثم انتهج حزب البعث سياسات قمعية ضد الحجاب فكانت المحجبات يطردنّ من المدارس ويحبسن من أجل إجبارهن على خلع الحجاب(21).

 

وذات الأمر حدث في سوريا حيث مزق رجال حزب البعث الحجاب في شوارع دمشق في أول مجيئهم سنة 1960، ومنعوا المحجبات من دخول المدارس بحجابهن(22).أمّا في الجزائر فقد طلب الرئيس بن بيلا عام 1970م من المرأة الجزائرية خلع حجابها، وقال: "إن المرأة الجزائرية قد امتنعت عن خلع الحجاب في الماضي لأن فرنسا هي التي كانت تدعوها لذلك، أمّا اليوم فإني أطالب المرأة الجزائرية بخلع الحجاب من أجل الجزائر".ويتساءل رضوان الشيباني: "ولست أدري ما الفرق بين دعوة الرئيس الجزائري ودعوة فرنسا مادامت النتيجة واحدة؟!"(23).

 

حقوق المرأة في سياق الحرب ضد الإرهاب
وبالانتقال إلى الألفية الجديدة والسياق الحالي لظاهرة خلع الحجاب، ترى الباحثة فرنسية أميلي لورونار في كتابها (النساء والفضاءات العامة في السعودية)، أنه "في سياق الترويج لـ(التسامح) و(الانفتاح) و(الحوار) إثر أحداث 11 سبتمبر 2001م، مثّل دور المرأة السعودية في التنمية الاجتماعية أحد الموضوعات الرئيسية للخطاب المناهض ضد (الفئة الضالة والإرهاب). وهو ما يمثل تقاربًا مع المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير الذي يتضمن وصايا بخصوص مكانة المرأة فيما يتعلق بالتربية والعمل الوظيفي".

 

وفي نفس السياق صرّحت وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية تارا سونشتاين أن الولايات المتحدة تدعم بنشاط المساواة بين الرجل والمرأة في جميع أنحاء المنطقة، وأن السفارات الأمريكية في المنطقة العربية تدير عددًا لا يحصى من ورش العمل والبرامج لتزويد النساء بالمهارات القيادية(24). وقالت وزارة الخارجية من قبل أن الولايات المتحدة ملتزمة بشدة منذ حكومة جورج بوش بتمكين النساء ومنحهن القدرات كجزء لا يتجزأ من السياسة الخارجية الأمريكية(25).

نائبة الكونجرس الأمريكية كارولين مالوني، تلقي خطابًا داخل الكونجرس بالبرقع الأفغاني، لترويج بروباجندا الحرب على قهر طالبان للنساء

مواقع التواصل الإجتماعي
 

لماذا هذا الاهتمام الأمريكي بالمرأة تحديدا في سياق الحرب على الإرهاب؟

يذكر الدكتور عبدالله الوهيبي السبب قائلًا بأن ذلك يرجع إلى "شيوع صورة ذهنية بالغة السوء عن المرأة المسلمة باعتبارها كائناً مهمشاً وعاجزاً يعاني من سطوة الرجل، الأمر الذي يستثمره السياسي الغربي لتوفير المشروعية الكافية للتدخل المستمر في شئون المسلمين ليظهر بمظهر المنقذ والمحرر للمرأة العربية"(26).

 

ويضيف: "وقد تناولت العديد من الدراسات كيف ساهمت شعارات حقوق المرأة في تبرير مشاريع الهيمنة والسيطرة والاحتلال، لذا فقد كانت مسألة حقوق النساء في الجبهة الأمامية لغزو أفغانستان، ومكونًا رئيسًا في احتلال العراق"(27).

 

ومثال ذلك ما قامت به لورا بوش بدور بارز في الحملة الدعائية لاحتلال أفغانستان باسم (حقوق النساء الأفغانيات) وقالت في أول خطاب رئاسي: "إن القمع الوحشي للمرأة هو هدف مركزي للإرهابيين، وإن الحرب ضد الإرهاب هي أيضاً حرب من أجل كرامة وحقوق المرأة"(28). وفي نفس السياق قام جورج بوش بإلقاء خطاب بعد إنزال القوات الأمريكية في أفغانستان صرّح فيه قائلًا: "باتت نساء أفغانستان اليوم أحرارًا!" (29). وفي تعبير بليغ، اعتبر أحد الصحفيين البريطانيين البرقع، وهو الحجاب الأفغاني، "راية للحرب"(30).

 

وبذلك، فإن كثيرا مما يظهر في المجتمعات كسلوكيات فردية، إنما يقع في الخلفية منه، مشهد أكبر، يتجاوز المستوى الفردي نحو مستويات أكثر تنظيما، بل وتوجيها، لذلك يكون الرجوع دائما للسياقات التي أنتجت الأفكار، آلية هامة لفهم الواقع الذي يعاد تشكيله ورسم ملامحه، وكما شاهدنا في خلع الحجاب، فإنه كثيرا ما ارتبط بسياقات استعمارية تهدف للهيمنة الثقافية عبر إحلال ثقافاتها عوضا عن الثقافات المحلية، فلا أشد وطأة وأكثر قدرة على النفاذ، من الدخول في مساحات السيطرة الثقافية والفكرية، وهذا ما يطرح كثيرا من التساؤلات التي تتجاوز قطعة الحجاب ذاتها، كما يطرح تساؤلات عدة، عن المستويات التي يراد الوصول إليها سعيا لتغيير التركيبة الثقافية المحلية، نحو أخرى أكثر تماهيا مع الغرب.. وليعاد السؤال المركزي الذي انطلقنا منه بإسقاطه على كثير من المشاهد.. أهو حرية فكرية أم سلاح ثقافي؟

المصادر

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار