اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/7 الساعة 15:04 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/22 هـ

انضم إلينا
الشوكولا.. حلوى فاخرة ثمنها استعباد أطفال أفريقيا

الشوكولا.. حلوى فاخرة ثمنها استعباد أطفال أفريقيا

إسماعيل عرفة

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     
"خلال رحلتنا إلى غرب أفريقيا من أجل التحقيق في عمالة الأطفال في صناعة الشوكولا، وبينما نحن جالسون في الحافلة خارج مدينة أبنجورو جنوب ساحل العاج، لاحظت أن الولد يراقبنا ممسكا بالمنجل في يده. كان يبدو قلقا وحذرا كذلك. ذهب مترجمي الفرنسي ليسأله عن اسمه، أجابه: "إبراهيم تراور، 15 سنة". أخبرنا إبراهيم أنه وُلد في مالي، لكنه ذهب إلى ساحل العاج وهو صغير مع والده ليجني المال بالعمل في مزارع الكاكاو منذئذ. سألته: "ماذا عن المدرسة؟"، فقال لنا: "لا أذهب إلى المدرسة، أنا فقط أذهب إلى العمل الشاق، الشاق جدا"[1].

  

كانت هذه جزء من شهادة الصحفي الأميركي "بريان أوكيف" حول حقائق ارتفاع معدل عمالة الأطفال وتسخيرهم عبيدا في مزارع الكاكاو لصناعة الشوكولا، حيث قام أوكيف بنفسه برحلة إلى الدول المنتجة للكاكاو ليتأكد من صحة هذه الاتهامات، وكانت نتائجه مؤسفة ومذهلة في الوقت ذاته، فما قصة عمالة الأطفال في صناعة الشوكولا؟ وما علاقة الشركات العابرة للقارات والحكومات لتكريس هذه المنظومة الاستعبادية؟!

     

الشوكولا وإكسير السعادة

لم تعرف شعوب العالم الشوكولا بمذاقها الحلو قبل تصنيع الأوروبيين لها وإضافة السكر والحليب عليها، قبل ذلك كانت طعاما غير مرغوب فيه كما هو الحال الآن، أما في أوروبا فلم تكن الشوكولا معروفة على الإطلاق بسبب عدم نمو أشجار الكاكاو في البيئة الأوروبية.

  

وبعد غزو الأوروبيين للأميركيتين، وبحلول القرن السابع عشر، كانت الشوكولا طعاما للنخب الغنية الأوروبية حصرا بسبب ارتفاع سعر استيراد مواردها الخام، وفي عام 1847م تم اختراع أول شريط شوكولا حديث، ثم صارت الشوكولا حلوى شعبية عندما تبنّت الشركات الرأسمالية الكبرى مثل "كادبوري" (Cadbury) و"نستله" (Nestle) إنتاج الشوكولا[2]وبدأت صناعة الشوكولا في التضخم بسرعة شديدة، حتى بلغت مبيعات سوق الشوكولا دوليا في عام 2017م وفقا لتقدير موقع "Statista" نحو 100 مليار دولار سنويا[3].

  

       

تمر صناعة الشوكولا عبر عدة مراحل، تبدأ أولى هذه المراحل من أشجار الكاكاو، حيث يتم حصد ثمار الكاكاو وفصل الحبوب عن القرون واللب، ثم يلي ذلك تنظيف وتخمير الحبوب ثم إرسال الحبوب إلى المصانع لاستكمال عملية صنع الشوكولا، لكن بما أن بيئة أوروبا لا تصلح لزراعة الكاكاو، فمن أين تأتي مؤن حبوب الكاكاو للشركات الأوروبية العالمية؟!

      

وفقا لمؤسسة الكاكاو العالمية (World Cacao Foundation)، فإن مزارع الكاكاو في غانا وساحل العاج (كوت ديفوار) وحدهما تزودان الشركات والمصانع في العالم بأكثر من 70% من إجمالي موارد الشوكولا الخام في العالم[4]ورغم أن القارة الأفريقية هي المنتجة الأولى للكاكاو في العالم، فإنها القارة الأخيرة من حيث استهلاك الشوكولا، بينما تأتي أوروبا في المرتبة الأولى من حيث الاستهلاك[5]، مما يوضح مدى الاستغلال الرأسمالي للبيئة الأفريقية الفقيرة، حيث العمالة الرخيصة التي تعاني من ظروف عمل شديدة الاضطهاد في المزارع من أجل إنتاج الكاكاو وتصديره للأوروبيين بأثمان زهيدة.

     

محاولات كشف الأسرار

"كل دراسة بحثية أُجريت في غرب أفريقيا تُظهر أن هناك تجارة بالبشر تحدث في هذه الدول، خصوصا في ساحل العاج"

(آبي ميلز، منتدى حقوق العمال الدولي)[6]

      

منذ عام 2001م بدأ الصحفيون ومنظمات المجتمع المدني في التحقيق حول عمالة الأطفال والعبودية في مزارع الكاكاو في غرب أفريقيا، تصاعدت هذه الأصوات شيئا فشيئا لكن قابلتها مزيد من السرية والغموض حول صناعة الشوكولا في العالم والتكتيم حول أصولها وطبيعة العمل فيها، بالإضافة إلى مماطلة الشركات الكبرى وتهربها من المواجهة بالحقائق، وتحميل كل جهة مسؤولية الجريمة إلى جهة أخرى.

     

بلغت هذه الأصوات أوجها في عام 2004م عندما قام الصحفي الكندي أندري كيفر بإجراء تحقيق مصور في ساحل العاج عن تورط الحكومة في قضايا فساد تتعلق بزراعة الكاكاو، ولكن فجأة اُختُطف كيفر من قِبَل جهة غير معلومة أثناء عمله، وما زال كيفر مختفيا إلى اليوم دون أن يعلم أحد مصيره، رغم أن إحدى القنوات الفرنسية صرحت بأنه اُختُطف وقُتِل من قِبَل أحد الحراس الشخصيين للسيدة الأولى لساحل العاج[7]، لكن لم تنل هذه المزاعم حظها من التحقيق.

     

وتواصلت الجهود من أجل كشف أسرار صناعة الشوكولا وفتح أبوابها الخلفية، وفي عام 2006م قامت الصحفية بشبكة "سي إن إن" (CNN) كارول أوف بتحقيق ميداني في غرب أفريقيا، ونشرت نتائجها في كتابها "الشوكولا المرّة" (Bitter Chocolate) ووضحت فيه حجم المأساة المتعلقة بعمالة الأطفال، ومن اللافت أن أوف في بداية رحلتها إلى ساحل العاج دُعيت من قِبَل السفارة الكندية، وحذرتها السفارة من السؤال عن الصحفي الراحل أندري كيفر، وقالوا لها: "لا تسألي عن زراعة الكاكاو وصناعة الشوكولا، إنه أمر خطير جدا، فإذا كنتِ مُصمِّمة، فلا تذكري أبدا اسم الصحفي أندري كيفر ولا تسألي عنه، مهما فعلتِ"[8].

           

أحد الأطفال العاملين في مزارع إنتاج الكاكاو (مواقع التواصل)

  

تُوّجت هذه الجهود بعمل مميز للصحفي الدنماركي ميكي مستراتي في عام 2010 عندما قام بنشر فيلمه الوثائقي "الجانب المظلم من الشوكولا"، فماذا اكتشف مستراتي؟ وهل تلتزم الشركات العابرة للقارات بكلماتها بالفعل أم أن الكذب صار عندهم وسيلة معتادة لإخفاء الحقيقة عن الشعوب؟!

      

الجانب المظلم من الشوكولا

"أنا لا أعلم ما الشوكولا؟!"

(علي ديابيت، أحد الأطفال العبيد في مزارع الكاكاو)[9]

     

في عام 2010 قام الصحفي الدنماركي ميكي مستراتي بإنتاج فيلمه الوثائقي "الجانب المظلم من الشوكولا". بدأ مستراتي رحلته من ألمانيا في معرض الشوكولا السنوي وقام بسؤال عدة مديرين لشركات الشوكولا الكبرى فأنكروا جميعا معرفتهم بأي عمالة للأطفال في الصناعة.

     

قرر مستراتي استكشاف الأمر بنفسه فاتجه مسافرا إلى مالي التي يُختطف الكثير من الأطفال منها، وقابل مستراتي بالفعل طفلة ذات 10 سنوات كان يتم اختطافها وتهريبها عبر الحدود من قِبَل إحدى تاجرات الأطفال التي لاذت بالفرار ما إن علمت أن أمرها قد افتُضح.

              

ثم استكمل مستراتي رحلته إلى ساحل العاج مستخدما كاميرا مخفية في كثير من الأوقات، وطاف على عدة مزارع للكاكاو واستطاع بالفعل أن يصور الكثير من الأطفال العاملين كالعبيد في هذه المزارع، وبعدما استطاع تصوير ظروفهم المأساوية، رجع في النهاية إلى سويسرا حيث مقر شركة "نستله" (Nestle).

    

طلب مستراتي في نهاية رحلته مقابلة ممثلين من شركات "Nestle, Cargill, ADM, Mars, Kraft, Barry Callebaut" ليعرض عليهم ما توصل إليه، لكنهم رفضوا جميعا مقابلته ولو لمرة واحدة فقط، كما رفضوا كذلك مجرد التعليق على فيلمه، لينتهي الفيلم بتساؤل مهم: هل الشركات العابرة للقارات على علم بأوضاع عمالة الأطفال وترفض الإعلان عنها؟

      

     

ظروف الأطفال اللاآدمية

"إن ضرب الأطفال جزء من حياتي".

(مدير أحد مزارع الكاكاو)[10]

    

وفقا لمؤسسة "Corpwatch" الأميركية، يبلغ عدد الأطفال العبيد في مزارع الكاكاو بساحل العاج وحدها 300,000 طفل تقريبا[11]. أما البحث الذي أعدّته جامعة تولين الأميركية[12] فإنه يخبرنا عن 1.8 مليون طفل تقريبا يعملون في مزارع الكاكاو بغانا وساحل العاج.

   

وينقسم الأطفال في مزارع الكاكاو إلى قسمين: القسم الأول هم أطفال من أُسَر فقيرة جدا يدفعها ضيق المعيشة في النهاية إلى "بيع" أطفالها أحيانا مقابل 50-100 دولار للطفل الواحد على أمل أن يستطيع الأطفال أن يدبروا معيشتهم بأنفسهم، وفي أحيان أخرى يأمر الأهالي أطفالهم بالذهاب إلى مزارع الكاكاو من أجل جني المال، لكن هؤلاء عادة لا يرجعون إلى أهليهم إلا بعد سنوات وربما لا يعودون إليهم مرة ثانية طوال حياتهم أبدا[13].

         

      

أما القسم الثاني فهم الأطفال المختطفون من محطات الحافلات والشوارع والتجمعات السكنية والقرى، ويشمل هذا التهريب شبكة واسعة من تجار الأطفال، والمهربين عبر الحدود، وسائقي الحافلات والعربات الناقلة، والوسطاء، والمزارعين.

   

تتنوع أعمار الأطفال في المزارع كما تتنوع مهماتهم، فعمر الأطفال يتراوح من سن 9 سنوات إلى 16 سنة، من الجنسين، ولاحظ بعض الصحفيين أطفالا بعمر 5 سنوات يعملون في تلك المزارع[14]، وتشمل مهمات الأطفال في المزارع: حصد الكاكاو، وإزالة الأعشاب الضارة بأيديهم العارية، واستخدام المناشير والسكاكين الكبيرة لتنظيف الغابات دون أي سابق تدريب، ورش المبيدات الكيميائية على النباتات دون ارتداء زي وقائي، ونقل الحصاد والمياه من المزارع إلى المخازن والعكس.

   

كما يعاني الأطفال من ظروف عمل قاسية جدا، فمتوسط يوم العمل للطفل يبدأ من 6 صباحا وينتهي مع غروب الشمس، ليصبح عدد ساعات العمل أسبوعيا عند هؤلاء الأطفال من 80 إلى 100 ساعة أسبوعيا[15]. وبجانب الأشغال الشاقة، يتعرض الأطفال عادة إلى الضرب والجلد والإهانة والإذلال، كما أنهم في العادة لا يتلقون أموالا مقابل عملهم، فهم يسكنون في أحد أكواخ المزارع البالية وينامون على ألواح خشبية[16]، ويتغذون من طعام رديء يقدمه صاحب المزرعة لهم لا أكثر[17].

   

(فيديو يوضح بعض عبيد وعمال المزارع وهم يتذوقون الشوكولا لأول مرة في حياتهم)

    

وفوق كل ذلك، لا يعرف الأطفال فيمَ يعملون، ولا يدركون أن حصادهم لبذور الكاكاو يدخل ضمن صناعة الشوكولا في أوروبا، بل إنهم لا يعرفون معنى كلمة الشوكولا أساسا! هذا الأمر يذكرنا بنظرية ماركس للاغتراب، حيث طرح ماركس رؤيته حول المجتمعات الطبقية واغتراب العمال فيها بسبب انفصال العامل عن المنتج النهائي لعمله وتحوله إلى "ترس ميكانيكي" في النظام الرأسمالي، مما يعني فقدان العامل لقدرته على تحديد مصيره بسبب ارتباطه بالأجر الزهيد لصاحب العمل -تماما مثل العبيد- وحرمان العامل من حق التملك للسلع التي يشقى من أجل إنتاجها ابتداء.

    

هكذا تكشف صناعة الشوكولا جانبا مظلما وقبيحا من جوانب الحضارة الأوروبية، ففي سبيل إسعاد الرجل الأبيض وتوفير منتجات الرفاهية له دون تكلفة، يعاني الأطفال الأفارقة من عمليات استغلال وسخرية واسعة النطاق دون توفير أدنى عيش كريم أو ضمان أي حقوق إنسانية لهم، وكل هذا يتم بالرضا الضمني للحكومات والشركات الأوروبية العابرة للقارات، مما يوضح حجم التآمر على هذه المناطق الفقيرة، دون مراعاة لأي بُعد أخلاقي في الصناعة.

  

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار