اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/1 الساعة 14:29 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/18 هـ

انضم إلينا
العقلانية السياسية تتراجع.. هكذا تؤثر "العواطف" بالعلاقات الدولية

العقلانية السياسية تتراجع.. هكذا تؤثر "العواطف" بالعلاقات الدولية

E-International Relations

موقع أكاديمي سياسي
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

بالنظر إلى عالم السياسية في عصرنا الحالي يسهل على المرء ملاحظة أنه عالم مليء بالمشاعر. فالدول تتخذ مواقف تبين توترها الحاد تجاه دول الخارج المعادية وغير الموثوق بها. نفسها هذه الدول قد تكون منقسمة بسبب مشاعر تمت وراثتها عبر تاريخ مليء بالظلم والعدوان. الثورات العسكرية والمجموعات الإرهابية تعمل تحت أسس مبنية على التلاعب الاستراتيجي عن طريق تخويف الناس وإرهابهم. ولا زالت الدول تتحدث بحزم لإرهاب دول أخرى "محتالة" بنظرها عن طريق تهديدها بعقوبات وهجومات عسكرية.

 

هذه بعض الأمثلة الواضحة التي تبين كيفية تغلغل المشاعر في الممارسة اليومية للعلاقات الدولية. في هذه الأثناء تعتبر المشاعر جزء لا يتجزأ من عالم السياسة، وقد أشار المنظِّر البارز كريستين رويس-سميت على أن دراسة المشاعر هو أقصى ما توصل إليه العلم في الساحة السياسية. دراسة المشاعر سلطت الضوء على ظواهر قديمة في عالم السياسة مثل الدبلوماسية، والسياسية الداخلية، والتحالفات، والسيادة، والتدخل، والأخلاقيات الدولية، وبناء السلام، والمساعدات الإنسانية.

   

    

لم يتم أخذ المشاعر على محمل الجد في دراسة العلاقات الدولية إلا في السنين العشر أو العشرين الأخيرة. بينما كانت العواطف محورا أساسياً في إجراء العلاقات الدولية، إلا أنها كانت تؤخذ في سياق ضمني فقط. كان للنظريات الناشئة دور كبير ومهم في تأسيس نظرة الناس وطريقة ممارستهم لهذا المجال. فمنذ نشأة نظرية هوبز ومورغينثو الكلاسيكية إلى تأسيس فكرة كينيث وولتز البنيوية ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان مذهب الواقعية مبني على وجود العواطف المؤثرة، خاصة تلك المتعلقة بالخوف والقلق. ومن الناحية الأخرى فقد لعبت مشاعر الصداقة والثقة دورا مهما في تصور الليبراليين للنظام التعاوني الدولي. لكن قبل وصول العلماء إلى طور البحث الجديد في هذا المجال والمعروف باسم "دور المشاعر"، كان هناك قلة قليلة من الدراسات التي ركزت على آلية عمل العواطف وما إذا كانت أدوارها المُفترضة دقيقة أو هي الطريقة الوحيدة التي تعمل بها.

    

العواطف كقوى اجتماعية

التفكير الأول بالعواطف داخل عالم السياسة والعلاقات الدولية تم استيحاؤه من نظرية "التناقض التاريخية" التي استبدلت المنطق بالمشاعر والأحاسيس. في هذه النظرية كان يطلق على العواطف بـ"رغبات" جامحة يصعب التنبؤ بها بحيث تعوق التفكير المنطقي والحكم الفعال، ففي النهاية لم يكن يُنظر إلى العواطف على أن لها أي صلة بالسياسة. بل كانت تعتبر في بعض الأحيان بأنها عوامل مانعة لاتخاذ القرارات غير المتحيزة والمطلوبة لتطوير سياسات فعالة ونتائج سياسية إيجابية. في كلتى الحالتين تم تصوير المشاعر حينها على أنها ظاهرة خارجية يجب على كل صانع قرار عاقل أن يحذر منها، ويسيطر عليها، بل ويتجنبها إذا استطاع ذلك. كانت العواطف والأحاسيس بحسب نظر روبرت جيرفز (1976) مفهوما معروفا بسوء الفهم. بالرغم من أن الإقرار بأهمية المشاعر قد يتغلغل في صنع القرار السياسي، إلا أن جيرفز آمن بأنها العواطف عوارض خارجية أثرت في المنطق السياسي. فالمشاعر بالنسبة له عوامل مهدت الطريق لمفاهيم خاطئة اعترضت الطريق أمام إدراك العالم بدقة ووضوح.

  

روبرت جيرفز


باختصار، آمنت النظريات التقليدية القديمة بضرورة إبعاد المشاعر عن المشهد السياسي. إلا أن النظريات التي كتبت بخصوص المشاعر طرأت عليها عدة تغيرات في العقدين الماضيين.

   

أولاً، أصبح العالم ينظر إلى المشاعر على أنها جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان السياسية والاجتماعية. فالمشاعر لا يمكن إبعادها عن السياسة لأنها تكمن في جوهر وجود الإنسان. فكما قال الفيلسوف جون إلستر (1999) إن العواطف هي أشياء الحياة. فهي بنظره مهمة جداً، لأنها إن لم تتواجد في حياتنا فلا شيء آخر يهم. فبدون المشاعر سنصبح مثل الروبوتات حرفيا، ننتظر غيرنا ليبرمجنا كي نقوم بأفعال ميكانيكية.

   

ثانِ تغير، هو اختلاف فهم الناس للعلاقة ما بين المشاعر والمنطق. فقد أثبت أن النظرية الكلاسيكية التي تزعم وجود منطق بدون أحاسيس وعواطف على أنها نظرية وهمية لا غير. فلا يوجد منطق بلا مشاعر. حتى لو حاولنا تجنب عواطفنا، لوجدناها شكلت جميع أفكارنا وتصوراتنا الداخلية. مما يعني أن المشاعر تساعدنا على تشكيل ما نسميه بالمنطق في المقام الأول، فكما أن التفكير يولد المشاعر فإن المنطق حتما يحتوي على العواطف.

   

ثالثا، هي فكرة أن المشاعر مرتبطة بجوهرها بالخلافات والبنية الاجتماعية التي تدعم المجتمعات وسياساتهم. فبدلاً من النظر إلى العواطف على أنها غرائز فطرية وبيولوجية موجودة مسبقا في المرء، فإنها، حسب الأبحاث والدراسات، ظاهرة اجتماعية وثقافية.

  

فالمشاعر مبنية على أسس اجتماعية وثقافية وتتقاطع مع المصالح والقيم والطموحات المسيطرة على البيئات الاجتماعية والثقافية. مما يعني أن تشكيلة مشاعرنا مبنية على سياق معين في زمان ومكان محددين. فالأنظمة الاجتماعية والتي من خلالها تشكلت السياسية (سواءً المتعلقة بصنع القرار، ووضع السياسات، وممارسات التعاون أو المقاومة) عن طريق مشاعر سائدة تحدد ماذا وكيف تشعر الأفراد والمجتمعات المتفاعلة مع بعضها البعض.

    

    

ماذا تستطيع العواطف إخبارنا عن السياسة؟

للوهلة الأولى، تبدوا هذه النقاط الثلاث منفصلة عن دراسة العلاقات الدولية نظرياً وعملياً. لكن، كما ذكرت مسبقاً، فإن إمعان النظر في طبيعة الأحاسيس والعواطف بإمكانه تغيير نظرتنا كلياً حول السياسة. فتقدير الطبيعة الاجتماعية المنتشرة للمشاعر يساعدنا على تطوير وأيضاً تحدي دراستنا السابقة لنظريات العلاقات الدولية.

   

فلنأخذ بعين الاعتبار الدراسة المعتادة لتصور السياسة العالمية. فالسياسة العالمية لا زال ينظر إليها على أنها حلبة يسودها الدقة والمنطق الفني. مما جعل العلاقات الدولية مجالاً يلعب على وتر التقييم المتعمد للربح والخسارة سواءً كان ينظر إليه على أنه مقيد باعتبارات لقوى ناعمة أو خشنة في عالم مضطرب، أو بزيادة التعاون مع العولمة، أو حتى عالم يتضمن فاعلين مستحوذين على قوى يستطيعون من خلالها فرض السيطرة والنظام الذي من دونهما يصبح الفرد مهمشاً.  

    

لكن ما الذي سيحدث حينما نستدرك أن المشاعر تتغلغل ليس فقط في تقييمات لحظية قصيرة المدى، بل أيضاً للفهم التاريخي والمعاصر التي تشكل أفكارنا الأساسية حول كيفية عمل المجال السياسي العالمي وممارسة العلاقات الدولية.

   

فما إن بدأنا نؤمن أن المشاعر جزء مهم من جميع آرائنا السياسية، سندرك أن تصوراتنا العاطفية استطاعت على أن تساعدنا في تنظير طبيعة العلاقات الدولية. مع ذلك، فإنه إلا الآن لم تُجرى بحوث كافية حول قدرة المشاعر على تنظير نفسها في عالم العلاقات الدولية بحيث تكون ظاهرة تستطيع تشكيل وجهات النظر والقرارات السياسية. بدأت أنا وبعض الزملاء بالبحث حول هذا الموضوع عن طريق دراسة الطبيعة الاجتماعية للمشاعر وإظهار آلية عمل المشاعر مجتمعياً في مجال السياسية.

   

     

بإمكاننا فهم عالم السياسة بطريقة واسعة وشمولية عن طريق تقديرنا لأهمية المشاعر ليس فقط في تطوير مفاهيم ونظريات العلاقات الدولية بل أيضاً في تشكيل تصورات، ودوافع، ونوايا الفاعلين في الساحة السياسية. بعيداً عن معوقات العملية التطويرية للعلاقات الدولية، فإنه لولا المشاعر لما استطعنا إدراك ومعرفة العديد من الأمور المهمة. فالمشاعر يمتد وصولها إلى الأنظمة الاجتماعية المعقدة والمتداخلة التي تعزز صناعة القرارات والإجراءات الجماعية في عالم السياسية. على الرغم من أن المشاعر والعواطف غالباً ما تكون مخفية وغير مسموعة ودائماً ما يهملها السياسيون ويرفضونها إلا أنه إذا تم أخذها على محمل الجد ستزودنا برؤى وأفكار سياسية قيمة لا تقدر بثمن. إن اعتبار المشاعر على أنها أمر سياسي واجتماعي سيغير من نظرتنا تجاه العالم حيال المجتمع والسياسة. فالتطرق للعواطف يقدم أدلة مهمة حول الأسباب التي تجعل الجهات الفاعلة دولياً، سواءً كانت فردية أو جماعية، تفكر فيما تفكر به، وتستجيب بطرقها.

   

يمكننا معرفة العديد من الاستنتاجات بعيدة المدى حول دور المشاعر الاجتماعي المنتشر في السياسة والمجتمع بهدف دراسة العلاقات الدولية. فالعواطف تجبرنا على إعادة التفكير في المفاهيم السائدة في السياسة العالمية من الناحية النظرية والعملية. 

-----------------------------------------

ترجمة (أيمن الرشيد)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار