انضم إلينا
اغلاق
هل ستكون نهاية التنوير على يد الذكاء الاصطناعي؟

هل ستكون نهاية التنوير على يد الذكاء الاصطناعي؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

قبل ثلاث سنوات، في مؤتمر حول قضايا عبر الأطلسي، ظهر موضوع الذكاء الاصطناعي على برنامج المؤتمر. كنت على وشك تخطي تلك الجلسة فهي تكمن خارج اهتماماتي المعتادة، لكن بداية العرض التقديمي أبقتني في مقعدي.

   

وصف المتحدث طريقة عمل برنامج حاسوبي سيواجه قريباً أبطالاً دوليين في لعبة "غو"(Go). لقد دهشت من أن جهاز الكمبيوتر يمكن أن يتقن هذه اللعبة، وهي أكثر تعقيداً من لعبة الشطرنج. في لعبة "غو"، يقوم كل لاعب بنشر 180 أو 181 قطعة (حسب اللون الذي يتم اختياره: حجارة سوداء أو بيضاء)، يتم وضعها بالتناوب على لوحة فارغة مبدئياً. ويكون الفوز من نصيب من يتخذ قرارات استراتيجية أفضل، فيشل حركة خصمه من خلال السيطرة على الأرض بشكل أكثر فعالية.

     

      

أصر المتحدث على أنه لا يمكن برمجة هذه القدرة مسبقاً. وقال إن الآلة التي يعمل عليها تعلمت إتقان اللعبة من خلال تدريب نفسها من خلال الممارسة. نظراً لقواعد غو الأساسية، لعب الحاسوب ألعاباً لا تحصى ضد نفسه وتعلم من أخطائه وحسّن خوارزمياته وفقاً لذلك. في هذه العملية، تجاوز الحاسوب مهارات الموجهين البشريين المسؤولين عنه. وبالفعل، في الأشهر التي أعقبت الخطاب، سيقوم برنامج الذكاء الاصطناعي المسمى "ألفا غو" AlphaGo بهزيمة أفضل لاعبي غو في العالم.

   

عندما استمعت إلى المتحدث الذي يحتفل بهذا التقدم التقني، استوقفتني تجربتي كمؤرخ ورجل دولة من حين لآخر لأفكر فيما سيكون تأثير آلات التعلم الذاتي -الآلات التي اكتسبت المعرفة عن طريق العمليات الخاصة بها- على التاريخ وتطبيق تلك المعرفة للغايات التي قد لا تكون هناك فئة أو مجال للفهم الإنساني؟ هل ستتعلم هذه الأجهزة التواصل مع بعضها البعض؟ كيف يتم الاختيار بين الخيارات الناشئة؟ هل كان من الممكن أن يمضي تاريخ البشرية في طريق الإنكا -التي واجهت ثقافة إسبانية غير مفهومة- بل ومذهلة بالنسبة لهم؟ هل كنا على حافة مرحلة جديدة من تاريخ البشرية؟

   

وإدراكا مني لعدم كفاءتي التقنية في هذا المجال، قمت بتنظيم عدد من المناقشات غير الرسمية حول هذا الموضوع  مع مشورة وتعاون بعض المعارف في التكنولوجيا والعلوم الإنسانية؛ لقد تسببت هذه المناقشات في زيادة مخاوفي.

   

حتى الآن، كان التقدم التكنولوجي الذي غيّر مسار التاريخ الحديث هو اختراع آلة الطباعة في القرن الخامس عشر، والذي سمح بالبحث في المعرفة التجريبية لتحل محل العقائد الشعائرية*، كما سمح لعصر العقل (وهو نفسه عصر التنوير) أن يحل محل عصر الدين بشكل تدريجي. استبدلت البصيرة الفردية والمعرفة العلمية الإيمان كمعيار أساسي للوعي البشري، تم تخزين المعلومات وتنظيمها في توسيع المكتبات، وأنشأ عصر العقل الأفكار والإجراءات التي شكلت النظام العالمي المعاصر.

       

      

لكن  أصبح هذا النظام الآن في حالة من الاضطراب وسط ثورة تكنولوجية جديدة فشلنا في حساب عواقبها بالكامل، والتي قد تكون ثمرتها عالماً تتكبده البشرية حيث يعتمد على الآلات التي تدعمها البيانات والخوارزميات غير خاضعة لأحكام أخلاقية أو فلسفية.

    

إن عصر الإنترنت الذي نعيش فيه يجسد بالفعل  بعض الأسئلة والقضايا التي سوف يجعلها الذكاء الاصطناعي أشد وطأة. سعى التنوير إلى تقديم الحقائق التقليدية إلى منطق إنساني تحليلي وتحرري. الغرض من الإنترنت هو التصديق على المعرفة من خلال تجميع ومعالجة البيانات المتزايدة باستمرار؛ وبذلك يفقد الإدراك البشري طابعه الشخصي، يتحول الأفراد إلى بيانات وتصبح السيادة للبيانات.

    

يؤكد مستخدمو الإنترنت على استرجاع المعلومات والتلاعب بها من خلال تحديد سياقها أو مفهومها. نادراً ما يتساءل هؤلاء المستخدمون عن التاريخ أو الفلسفة. كقاعدة عامة، تجدهم يطالبون بالمعلومات ذات الصلة لاحتياجاتهم العملية بشكل فوري. في هذه العملية، تكتسب خوارزميات محرك البحث القدرة على التنبؤ بتفضيلات العملاء الأفراد، مما يمكّن الخوارزميات من تخصيص النتائج وإتاحتها لأطراف أخرى لأغراض سياسية أو تجارية؛ تصبح  الحقيقة نسبية، وتهدد المعلومات أن تطغى على الحكمة.

    

يتم غمر مستخدمي الإنترنت بآراء الجماهير على وسائل الإعلام الاجتماعية، وبذلك يحيد المستخدمين عن الاستبطان. في الحقيقة يستخدم العديد من خبراء التقنية الإنترنت لتجنب العزلة التي يخشونها. جميع هذه الضغوط تُضعِف قوة الإرادة والجَلَد المطلوب لتطوير وإدامة الأحكام التي لا يمكن تنفيذها إلا عن طريق المضي في طريق خاص بالشخص نفسه لوحده والذي يُعتبَر  جوهر الإبداع.

      

      

يظهر تأثير تكنولوجيا الإنترنت على السياسة جلياً؛ لقد أدت القدرة على استهداف المجموعات الصغيرة إلى تفكيك الإجماع السابق حول الأولويات بالسماح بالتركيز على الأغراض أو الشكاوي المتخصصة. يتم حرمان القادة السياسيين -الذين تغمرهم ضغوط كبيرة- من الوقت للتفكير أو التأمل في السياق والانكماش في المساحة المتاحة لهم لتطوير رؤية ما.

   

إن تركيز العالم الرقمي على السرعة يحول دون التفكير؛ يُمَكِّن حافزه الراديكالية على التفكير، ويتم تشكيل قيمه من خلال إجماع الفئات الفرعية، وليس عن طريق الاستبطان. فبالنسبة إلى جميع إنجازاته ، فإنه يخاطر بالانقلاب على نفسه حيث تطغى إملاءاته (فروضه) على تسهيلاته التي أتاحها.

    

كما سهلت الإنترنت وقدرة الحوسبة المتزايدة جمع وتحليل البيانات الضخمة، وظهرت بذلك آفاقا غير مسبوقة للفهم البشري. ولعل أبرز ذلك هو مشروع إنتاج الذكاء الاصطناعي، وهو عبارة عن تقنية قادرة على اختراع وحل المشكلات المعقدة المجردة من خلال عمليات تبدو وكأنها تكراراً لعمليات العقل البشري.

   

يتجاوز ذلك الأتمتة (أو التشغيل الآلي تحويل الشيء إلى أوتوماتيكي)** كما عرفناه. تتعامل الأتمتة مع الوسائل وتحقق الأهداف المحددة لها من خلال ترشيد الأدوات أو مكننتها (جعلها آلية) للوصول إليها. على النقيض من ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يتعامل مع الغايات، ويحدد أهدافه الخاصة بنفسه؛ إلى الحد الذي يشكل فيه إنجازاته جزئياً بحد ذاته، فإن الذكاء الاصطناعي غير مستقر بطبيعته. إن أنظمة الذكاء الاصطناعي -من خلال عملياتها ذاتها- في حالة تغير مستمر لأنها تحصل على بيانات جديدة وتحللها على الفور، ثم تسعى إلى تحسين نفسها على أساس هذا التحليل. من خلال هذه العملية، طور الذكاء الاصطناعي قدرةً كان يُعتقَد سابقاً أنها حكراً على  للبشر. إنه يصدر أحكاماً إستراتيجية حول المستقبل، يعتمد بعضها على البيانات التي يتم تلقيها على أنها تعليمات برمجية (مثل قواعد لعبة ما)، ويستند بعضها إلى البيانات التي يجمعها ( من خلال إعادة لعب لعبة ما مليون مرة مثلاً).

      

    

توضح السيارة التي تعمل بدون سائق الفرق بين تصرفات أجهزة الكمبيوتر التقليدية التي يسيطر عليها الإنسان والتي تعمل بالبرمجيات والكون الذي يسعى الذكاء الاصطناعي للإبحار فيه. يتطلب قيادة السيارة اتخاذ قرارات في حالات متعددة من المستحيل توقعها ومن ثم برمجتها مقدماً. لنستخدم مثالاً افتراضياً معروفاً، ماذا سيحدث إذا كانت هذه السيارة في ظرف ألزمها الاختيار بين قتل جد وقتل طفل؟ من الذي ستختاره؟ لماذا ا؟ ما هي العوامل التي من بين الخيارات المتاحة لها ستحاول تحسينها؟ وهل يمكن أن يفسر ذلك منطقها؟ من المحتمل أن تكون إجابتها الصادقة لو كانت قادرة على التواصل: "لا أعرف لأنني أتبع المبادئ الرياضية، وليس البشرية" أو "لن تفهم لأنني قد تدربت على التصرف بطريقة معينة ولكن ليس على شرحها". ومع ذلك ، فمن المرجح أن تصبح السيارات التي لا تعمل بدون سائق منتشرة على الطرق خلال عقد من الزمان.

    

لقد حرصت أبحاث الذكاء الاصطناعى -التي اقتصرت على مجالات نشاط محددة حتى الآن- على إيجاد ذكاء اصطناعى "ذكى بشكل عام" قادر على تنفيذ المهام فى مجالات متعددة. سيتم تحفيز نسبة متزايدة من النشاط البشري -في غضون فترة زمنية قابلة للقياس- بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي. لكن هذه الخوارزميات -كونها تفسيرات رياضية للبيانات المستمدة من الملاحظة- لا تشرح الحقيقة الكامنة التي تنتجها. من المفارقات، أنه عندما يصبح العالم أكثر شفافية، فإنه يصبح أيضاً غامضاً بشكل متزايد. ما الذي يميز هذا العالم الجديد عن الذي عرفناه؟ كيف سنعيش فيه؟ كيف سندير الذكاء الاصطناعي، أو نحسّنه، أو على الأقل نمنعه من التسبب بضرر. أما أكثر ما يثير القلق شؤماً هو أن الذكاء الاصطناعي يمكنه مع مرور الوقت أن يقلل من الكفاءة البشرية والحالة الإنسانية بحد ذاتها إذ يحولها إلى بيانات، وسيقوم بذلك عن طريق إتقان بعض الكفاءات بشكل أسرع وبشكل أكثر تحديداً من البشر.

   

سوف يجلب الذكاء الاصطناعي بمرور الوقت فوائد استثنائية للعلوم الطبية وتوفير الطاقة النظيفة والقضايا البيئية والعديد من المجالات الأخرى. ولكن على وجه التحديد، لأن الذكاء الاصطناعي يصدر أحكاماً بشأن مستقبل متطور ومستقبل غير محدد، فإن عدم اليقين والغموض هما نتاج متأصل في نتائجه. هناك ثلاثة مجالات تثير قلقاً خاصاً:

    

أولاً، قد يحقق الذكاء الاصطناعي نتائج غير مقصودة. لقد تخيل الخيال العلمي سيناريوهات من الذكاء الاصطناعي ينقلب على مبتكره. والأرجح هو خطر أن الذكاء الاصطناعي سيسيء تفسير تعليمات الإنسان بسبب افتقاره المتأصل إلى السياق. ومن الأمثلة المشهورة الحديثة على ذلك، برنامج الذكاء الاصطناعي "شات بوت" (chatbot) يُدعى تاي، تم تصميمه لتوليد محادثة ودية في نمط لغة فتاة تبلغ من العمر 19 عاماً. لكن الآلة أثبتت أنها غير قادرة على تحديد ضرورات اللغة "الودية" و "المعقولة" التي أنشأها وثبتها مدربوها، وبدلاً من ذلك أصبح آلة عنصرية ومتحيزة جنسياً، وغير كل ذلك تحريضية في ردودها. يزعم البعض في عالم التكنولوجيا أن التجربة كانت سيئة التصور والتنفيذ، ولكنها توضح الغموض الذي يكتنف الذكاء الاصطناعي: إلى أي مدى يمكن تمكين الذكاء الاصطناعي من فهم السياق الذي تستند إليه تعليماتها؟ ما هو الوسيط الذي كان يمكن أن يساعد "تاي" في تعريف نفسها على أنها هجومية، أي كلمة لا يتفق على معناها البشر في جميع أنحاء العالم؟ هل يمكننا اكتشاف وتصحيح برنامج الذكاء الاصطناعي الذي يتصرف خارج إطار توقعاتنا في مرحلة مبكرة؟ أم هل سيطور الذكاء الاصطناعي -الذي تُرك إلى أجهزته (لتديره)- انحرافات طفيفة  لا محالة والتي يمكن أن تتحول إلى انحرافات كارثية مع مرور الوقت؟

      

      

وثانياً، من خلال تحقيق الأهداف المقصودة، قد يغير الذكاء الاصطناعي عمليات التفكير البشري والقيم الإنسانية. هزم "ألفا غو" أبطال العالم في لعبة غو عن طريق اتخاذ خطوات غير مسبوقة استراتيجياً؛ من خلال تحركات التي لم يتصورها البشر والتي لم يتعلموا التغلب عليها بنجاح. هل هذه التحركات تتجاوز قدرة الدماغ البشري؟ أو هل يمكن للبشر تعلمهم الآن بعد أن أثبتهم متفوق جديد؟

   

قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي بلعب "جو"، كان للعبة أهدافاً متنوعة متعددة: لم يسعى اللاعب للفوز فقط، بل أيضاً لتعلم استراتيجيات جديدة يمكن أن تنطبق على أبعاد أخرى للحياة. على النقيض من ذلك، يعرف الذكاء الاصطناعي من جهته هدفاً واحداً فقط: الفوز. إذ لا "يتعلم" من الناحية المفاهيمية ولكن من الناحية الحسابية،  من خلال التعديلات الهامشية على خوارزمياته. لذلك في تعلم الفوز ب "جو" من خلال اللعب بطريقة مختلفة عن البشر، فقد غيّرالذكاء الاصطناعي طبيعة اللعبة وتأثيرها. هل هذا الإصرار أحادي التفكير في السيادة يميز جميع الذكاء الاصطناعي؟

   

تعمل مشاريع أخرى للذكاء الاصطناعي على تعديل الفكر الإنساني من خلال تطوير أجهزة قادرة على توليد مجموعة من الإجابات على الاستفسارات البشرية. ما وراء الأسئلة الواقعية ("ما درجة الحرارة في الخارج؟")، وتثير أسئلة حول طبيعة الواقع أو معنى الحياة قضايا أكثر عمقاً. هل نريد أن يتعلم الأطفال القيم من خلال الخطاب مع الخوارزميات غير المقيدة؟ هل يجب أن نحمي الخصوصية من خلال تقييد تعلم الذكاء الاصطناعي عمن يطرح عليه الأسئلة؟ إذا كان الأمر كذلك، كيف نحقق هذه الأهداف؟

   

إذا كان الذكاء الاصطناعي يتعلم بشكل أسرع من البشر، علينا أن نتوقع منه بكل استثنائي أيضاً أن يسرّع عملية التجربة والخطأ التي يتم من خلالها اتخاذ القرارات البشرية بشكل عام؛ أن يرتكب الأخطاء بشكل أسرع وبحجم أكبر من البشر. كما يقترح الباحثون في الذكاء الاصطناعي أنه قد يكون من المستحيل التخفيف من تلك الأخطاء من خلال تضمين تحذيرات في البرنامج تتطلب نتائج "أخلاقية" أو "معقولة". وقد نشأت تخصصات أكاديمية كاملة جرّاء عجز البشرية عن الاتفاق على كيفية تعريف هذه المصطلحات. هل يجب أن يصبح الذكاء الاصطناعي محكماً بينهم؟

   

       

ثالثاً، قد يصل الذكاء الاصطناعي إلى الأهداف المقصودة، لكنه سيعجز عن تفسير الأساس المنطقي لاستنتاجاته. في مجالات معينة -مثل التعرف على الأنماط، وتحليل البيانات الضخمة، والألعاب- قد تتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي بالفعل قدرات البشر. إذا استمرت قوته الحسابية في التعقيد بسرعة، فقد يتمكن الذكاء الاصطناعي قريباً من تحسين الأوضاع بطرق مختلفة على الأقل بشكل هامشي -وربما مختلفة إلى حد كبير- عن الكيفية التي يمكن بها للبشر تحسينها. ولكن عند هذه النقطة، هل سيتمكن الذكاء الاصطناعي من تفسير لماذا تكون أفعالها مثالية بطريقة يمكن أن يفهمها البشر؟ أم أن عملية صنع القرار في الذكاء الاصطناعي تتجاوز الصلاحيات التفسيرية للغة البشرية والعقل؟ عبر التاريخ البشري، خلقت الحضارات طرقاً لتفسير العالم من حولها: في العصور الوسطى كان الدين، في  عصر التنوير كان العقل، في القرن التاسع عشر كان التاريخ، وفي القرن العشرين كانت الأيديولوجية. إن أصعب وأهم سؤال عن العالم الذي نتجه نحوه هو: ما سيحل بوعي الإنسان إذا تجاوز الذكاء الاصطناعي سلطته التفسيرية ولم تعد المجتمعات قادرة على تفسير العالم الذي تسكنه بمصطلحات ذات مغزى لهم؟

   

كيف يتم تعريف الوعي في عالم من الآلات التي تقلل من الخبرة البشرية إلى بيانات رياضية، تفسرها ذكرياتها الخاصة؟ من المسؤول عن تصرفات الذكاء الاصطناعي؟ كيف ينبغي تحديد المسؤولية عن أخطائهم (أخطاء الآلات)؟ هل يمكن للنظام القانوني الذي صممه البشر مواكبة الأنشطة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي القادر على التفوق عليها وربما حتى هزيمتها؟

   

في نهاية المطاف، قد يكون مصطلح الذكاء الاصطناعي تسمية خاطئة. من المؤكد أن هذه الآلات يمكنها حل المشكلات المعقدة التي تبدو مجردة ظاهرياً والتي لم تسفر في السابق إلا عن إدراك الإنسان. لكن ما يفعلونه (الآلات) بشكل فريد هو عدم التفكير كما تم تصوره وتجربته حتى الآن، بل هو تحفيظ وحساب غير مسبوقين. بسبب تفوق الذكاء الاصطناعي المتأصل في هذه المجالات، فمن المرجح أن يفوز بأي لعبة تسند إليه. ولكن لأغراضنا كبشر، فإن الألعاب لا تدور حول الفوز فقط؛ بل حول التفكير. من خلال معالجة عملية حسابية كما لو كانت عملية فكرية، وإما محاولة محاكاة هذه العملية بأنفسنا أو مجرد قبول النتائج، فنحن في خطر من فقدان القدرة التي كانت جوهر الإدراك البشري.

   

وتظهر نتائج هذا التطور من خلال برنامج مصمم حديثاً "ألفا زيرو" (AlphaZero)، والذي يلعب الشطرنج على مستوى متفوق من أفضل لاعبي الشطرنج وبطريقة لم يسبق رؤيتها في تاريخ الشطرنج.  حقق مستوى من المهارة -التي أخذت البشر 1500 سنة لتحقيقها- من تلقاء نفسه في بضع ساعات من اللعب الذاتي. فقط القواعد الأساسية للعبة قدمت إلى ألفا زيرو، لم يكن أي من البشر ولا البيانات المولدة من البشر جزءاً من عملية التعلم الذاتي لـ "ألفا زيرو". إذا تمكن ألفا زيرو من تحقيق هذا الإتقان بهذه السرعة، فأين سيصبح الذكاء الاصطناعي في غضون خمس سنوات؟ ماذا سيكون التأثير على الإدراك البشري بشكل عام؟ ما هو دور الأخلاق في هذه العملية التي تتمثل في جوهر تسريع الخيارات؟

      

     

عادة، يتم ترك هذه الأسئلة لعلماء التكنولوجيا والنخبة المثقفة*** في المجالات العلمية ذات الصلة. يميل الفلاسفة وغيرهم في مجال العلوم الإنسانية -الذين ساعدوا في صياغة المفاهيم السابقة للنظام العالمي- إلى أن يكونوا ضعفاء ويفتقرون إلى المعرفة بآليات الذكاء الاصطناعي أو يشعرون بالرهبة من قدراته. في المقابل، فإن العالم العلمي مدفوع لاستكشاف الإمكانيات التقنية لإنجازاته، والعالم التكنولوجي مشغول بالأفكار التجارية ذات النطاق الرائع. إن حافز كلا العالمين هو دفع حدود الاكتشافات بدلاً من فهمها. بقدر ما تتعامل إدارة الحكم مع الموضوع، من الأرجح أن تحقق إدارة الحكم في طلبات منظمة العفو الدولية الخاصة بالأمن والاستخبارات من استكشاف تحوُّل الحالة البشرية التي بدأت تنتجها.

   

بدأ عصر التنوير مع رؤى فلسفية أساساً انتشرت بواسطة تقنية جديدة. يمر زمننا في الاتجاه المعاكس؛ لقد ولّد تكنولوجيا محتملة مهيمنة في البحث عن فلسفة توجيهية، حيث جعلت دول أخرى من الذكاء الاصطناعي مشروعاً قومياً كبيراً. لم تستكشف الولايات المتحدة حتى الآن نطاقها بالكامل بشكل منهجي -كأمة- أو دراسة آثارها، أو بدء عملية التعلم النهائي. يجب إعطاء هذا أولوية وطنية عالية -قبل كل شيء- من وجهة نظر ربط الذكاء الاصطناعي بالتقاليد الإنسانية.

   

يجب على مطوّري الذكاء الاصطناعي -بوصفهم عديمي الخبرة في السياسة والفلسفة كما أنا في مجال التكنولوجيا- أن يسألوا أنفسهم بعض الأسئلة التي طرحتها هنا من أجل بناء الأجوبة في جهودهم الهندسية. ينبغي على الحكومة الأمريكية أن تنظر في تشكيل لجنة رئاسية من المفكرين البارزين للمساعدة في تطوير رؤية وطنية. هذا أمر مؤكد: إذا لم نبدأ هذا الجهد قريباً، فسنكتشف أننا بدأنا بعد فوات الأوان.

هوامش

*الشعائرية: يقصد بها الشعيرة الدينية وهي العبادة العامة المألوفة التي تقوم بها مجموعة دينية طبقاً لتقاليدهم. ومن الأمثلة على الطقوس الدينية القداس الإلهي في المسيحية أو الصلوات في العديد من الديانات. في العديد من الحالات تطورت هذه الطقوس من طقوس عبادة إلى مظاهر فنية مستقلة عبر التاريخ.

**الأتمتة (Automation): يسمى أيضاً بالتشغيل الآلي، وهو مصطلح مستحدث يطلق على كل شيء يعمل ذاتياً بدون تدخل بشري فيمكن تسمية الصناعة الآلية بالأتمتة الصناعية مثلاً. وهي تعني حتى في أتمتة الأعمال الإدارية، وأتمتة البث التلفزيوني. وهي عملية تهدف إلى جعل المعامل أكثر اعتماداً على الآلات بدلاً من الإنسان.

***النخبة المثقفة: (أو الأنتلجنسيا intelligentsia) هم طبقة اجتماعية تشارك في عمل ذهني معقد يهدف إلى توجيه ونقد، أو لعب دور قيادي في تشكيل ثقافة المجتمع وسياسته. قد تشمل الأنتلجنسيا الفنانين ومعلمي المدارس، الأكاديميين والكتاب والصحفيين وغيرهم ممن يُطلق عليهم بشكل واسع، مثقفين.


-------------------------------------------------------

ترجمة (الاء أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار