اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/19 الساعة 11:01 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/6 هـ

انضم إلينا
هل يجب إخفاء فضائح المشاهير عند كتابة السير الذاتية؟

هل يجب إخفاء فضائح المشاهير عند كتابة السير الذاتية؟

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض
قبل عدة سنوات، قرر البروفيسور في جامعة أكسفورد المختص بالكاتب شكسبير جوناثان بيت كتابة سيرة حياة الشاعر البريطاني تيد هيوز. في البداية حصل على موافقة أرملة هيوز، كارول هيوز - التي ورثت حقوق التأليف والنشر لكتابات زوجها المتوفى، وكتابات زوجته الأولى الشهيرة، سيلفيا بلاث، التي انتحرت في عام 1963.

   

شرع جوناثان بيت في كتابة سيرة هيوز بجدية كبيرة. لكن سرعان ما شعرت أرملته كارول هيوز بالقلق من أنه سوف يؤرخ لحياته الشخصية أيضاً، بالإضافة إلى سيرته الشعرية. ما حصل بعد ذلك أنه لتجنب دعوى قضائية، اضطر بيت للتخلي عن كل أمل في أنه سوف يسمح له بالاقتباس من مذكرات أو خطابات أو مخطوطات أو يوميات كل من هيوز أو بلاث. وانتهى به الأمر إلى كتابة سيرة مقتضبة وبعيدة كل البعد عن رؤيته الأصلية.

   

نشر بيت مؤخرا كتابا بعنوان "تيد هيوز: السيرة غير المصرح بها". مؤخرا، أدانت جانيت مالكولم، الصحفية والكاتبة الموقرة في مجلة نيويوركر، البروفيسور بيت في "نيويورك ريفيو أوف بوكس" لتجرّؤه على الكتابة بصراحة عن حياة هيوز الخاصة والعامة. وأتت مراجعتها للكتاب مليئة بالإهانة ونوعا من الغضب المحافظ دفاعاً عن زوجة هيوز الثانية، كارول، وهي ممرضة تزوجها هيوز في عام 1970. لكن المراجعة الغاضبة هذه هدفت ليس فقط لتقريع بيت، بل كل أولئك الذين يحاولون الكتابة عن الحياة الخاصة للأعلام والمشاهير الكبار.

   

  

لكن في الواقع، فإن مالكولم بمقالتها تلتحق بتقليد ثري من الرقابة من قبل أولئك الذين يعتبرون أنفسهم قيّمين على ما يمكن ولا يمكن كتابته في سير المشاهير - حتى أولئك الذين ماتوا!

     

انعدام للذوق أم حقّ مرسل؟

حملت مراجعة مالكولم عنوان "رجل سادي جدا" - في إشارة إلى الاتهامات الموجهة إلى هيوز وساديته الجنسية العنيفة كما ادّعت بعض عشيقاته في السنوات الأخيرة. تقول مالكولم بأن بيت، بإدراج هذه الحكايات المنشورة سابقًا، قد اختزل هيوز الى شخص منحرف و مهووس جنسيا. وكتبت أنه الى جانب "انعدام الذوق" لدى بيت، فإنه "جاهل جدا حول ما تستطيع وما لا تستطيع فعله إذا كنت تريد أن يعتبرك الناس كاتباً صادقاً وجدياً" كما هاجمت بيت بشكل لاذع بسبب "استنتاجاته البائسة حول الحياة الجنسية لهيوز" و "نظرياته البشعة عن الوضع النفسي" للشاعر المتوفى.

 

وعلاوة على ذلك، فإنها تعلن أنه "لأمر مؤلم حقا للزوجات والأولاد أن يقرؤوا ما يعرفون على أنه غير صحيح، في حين أنهم غير قادرين على فعل أي شيء حيال ذلك إلا بإصدار شكاوى تقع على آذان غير مهتمة". فبعد قراءة 16 من 662 صفحة فقط في السيرة التي كتبها بيت عن زوجها، طرحت كارول هيوز الكتاب جانبا وأصدرت بيانا من خلال محاميها، قائلة أنها وجدت العمل "مسيئا جدا" - مطالبة البروفيسور بيت بالاعتذار.

   

زعمت مالكولم أنه ببساطة لا ينبغي أن يسمح لكتبة السير التطرّق الى الحياة الخاصة للأشخاص الذين يكتبون عنهم. "إذا كان أي شيء يخصّنا نحن فقط" ، كما تقول، فهو الخصوصية. وتتابع: "أن كتّاب السيرة الذاتية من خلال كبريائهم، لا يقرّون بذلك. والقراء، من خلال فضولهم، يشجعونهم على هذه الوقاحة. لكن عائلة هيوز، إن لم نقل سمعته، تستحق بالتأكيد أفضل من ذلك".

    

الجميل والدنيء

في الحقيقة، لقد اتهمت كتبُ السيرة بالوقاحة كثيرا من قبل. منذ آلاف السنين، فإن السيرة مثلها مثل الكتابة السردية، هي مسألة مثيرة للجدل. ومنذ عصر سويتونيوس وبلوتارخ، هناك أمثلة لا حصر لها عن محاولات الرقابة على السير.

   

المؤرخ الروماني سويتونيوس

  

مثلا يُعتقد أن المؤرخ الروماني سويتونيوس قد نُفي من روما لأنه تجرأ على كتابة كتابه "دو فيتا سيزاروم"، أو "القياصر الاثنا عشر". كما أُعدِم المستكشف البريطاني السير والتر رالي، جزئياً بسبب إزعاجه الملك جيمس الأول لـِ"صفاقته" في كتابه "تاريخ العالم".

    

كما شعرت ليدي بيرد جونسون بالاهانة البالغة من سلسلة روبرت كارو حول زوجها الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، فرفضت التحدث إليه لعقود بعد أن صوَّر كارو جونسون على أنه وحش جنسي وسياسي في كتابه. ونتيجة لذلك، لم يُسمح لكارو بالتحدث بعد ذلك في المكتبة الرئاسية، وهو أرشيف فيدرالي - وتم حجب الأوراق التي كان يرغب في رؤيتها عنه حتى عام 2003.

   

كما أنه لا ينبغي أن نفاجأ أن مالكولم اختارت مهاجمة كاتب سيرة هيوز بعد وفاته - فمراجعة مالكولم لكتاب بيت تذكر بهجومها في وقت سابق، عندما كان تيد هيوز لا يزال حيّا، على كتّاب السير.

   

فقبل 22 عامًا، كتبت مالكولم سلسلة من مقالات في نيويوركر التي أصبحت في بعد كتابًا بعنوان "المرأة الصامتة: سيلفيا بلاث وتيد هيوز". في هذه المقالات، تحدّت مالكولم علنا ​​كتاب السيرة وقرائها بالحجة القائلة بأن الحياة الخاصة للمشاهير يجب أن تكون خارج نطاق أي سيرة. كتبت في عام 1993، "أن كاتب السيرة...هو مثل اللص المحترف، يقتحم منزلا، ويبحث في الأدراج التي يعتقد أنها تحتوي على المجوهرات والمال، ثم يهرب منتصرا بما سرق"ّ!

    

رفضت مالكولم أن تقبل أنه هناك أي قيمة في السيرة. في رأيها، فإن كتب السيرة ببساطة هي كتب عن الفضيحة، حيث أن كتابها ليسوا أكثر من منحرفين متلصصين "يسترقون السمع من وراء الأدراج ويتلصصون على بريد الأشخاص الآخرين" كما كتبت.

   

لكن أولئك الضليعين منا بتاريخ السيرة شعروا مرعوبين، حتى في ذلك الحين، أن مالكولم تجاهلت كلمات الكاتب الإنجليزي العظيم صامويل جونسون، والد السيرة الحديثة في القرن الثامن عشر.

   

الكاتب الإنجليزي صامويل جونسون

   

الكاتب الإنجليزي العظيم صامويل جونسونكان جونسون قد شجب المقاربات المتكلّفة لكتابة السير في زمانه مستهزئا بالسرديات المديحية التي تفشل في كشف ما هو وراء المظاهر العلنية. وكما قال، "قد تكتسب معرفة أكبر عن شخصية رجل ما، من خلال محادثة قصيرة مع أحد خدمه، مما تكتسب من رواية رسمية ومدروسة".

    

عظمة السيرة وفقا لجونسون، تكمن في الإضاءة على كلّ ما هو "جميل ودنيء"، وفي احتضان كلّ من "الرذيلة والفضيلة" على حد سواء بدلا من الاعتماد على "الحكماء الرصينين".

   

حتى أن جونسون، في إطار انتقاده للمقاربة الطهرانية لكتبة السير، هاجم كاتب سيرته جيمس بوزويل. إذا كان رجل يريد أن ينغمس في مديح لا تشبه شائبة، قال جونسون، "قد يبقي الرذائل بعيدا عن الأنظار، ولكن إذا كان أراد كتابة سيرة أي حياة، فعليه أن يمثلها كما كانت".

   

هل هدف الصحفي هو الصون أم البوح؟

لماذا، إذن، قامت مالكوم بالهجوم على السير الجادة التي تحتضن ما هو جميل ودنيء على حد سواء، لأكثر من عشرين سنة؟

   

زعمت مالكولم أنها أمضت سنوات وهي تراسل وتجري المقابلات مع كتاب السيرة الجادين لمشروعها عن سيلفيا بلاث "المرأة الصامتة". لكن لماذا اكتفت بذلك، بصفتها صحافية محترفة، دون مقابلة هيوز نفسه، أو حتى التحدث مع الرجال والنساء الذين يعرفون بالفعل تيد هيوز الحقيقي؟ أي نوع من الصحفي يفعل ذلك؟

    

 سيلفيا "المرأة الصامتة"

    

في مراجعتها الجديدة، تسخر مالكولم من البروفسور بيت، لكن ما لم تقله هو أنها في كتابها السابق، دافعت عن تيد هيوز ضد العديد من كتاب السيرة الذين حاولوا الكشف عن حقيقته وعن القصة المأساوية لانتحار زوجته الأولى بلاث.

  

من وجهة نظر مالكولم، كان لهيوز كل الحق في استخدام قوانين التشهير وحقوق النشر لحماية سمعته كزوج وشاعر من خلال التهديد بالإجراءات القانونية ضد أي شخص يتطفل - أو يهدد بتسريب الحقيقة- حول تصرفاته المنحرفة والمهووسة في حياته الخاصة.

  

على الرغم من أن قانون التشهير انتهت حمايته بعد وفاة هيوز قبل 18 عاما، إلا أن كتاب بيت أغضب مالكولم من جديد. فهي الآن مصممة على الدفاع عن زوجة هيوز الثانية، دون السماح بأي تطفل، أو كشف للمستور أو حتى النقد الأدبي لعمل زوجها الراحل بدون إذنها كصاحبة حقوق النشر -وبالتأكيد من دون السماح بالكشف عما كان هيوز يقوم به في ليلة انتحار سيلفيا بلاث.

   

كما كانت الحال في مقالاتها وكتابها "المرأة الصامتة"، رفضت مالكولم في مراجعتها مرة أخرى التشكيك في إساءتها لاستخدام مفهوم حقوق النشر. (صدر أول قانون عالمي لحقوق النشر في الأصل في عام 1710 لحماية الدخل، وليس السمعة، لمدة أقصاها 14 عامًا - وهذه القوانين حتما ليست مصممة لحماية السمعة بعد وفاة الشخص المعني).

   

   

   

ومع استمرار الدعاوى والقوانين المستمرة لتعديل قانون حقوق النشر ، ستستمر المعركة بين السير "المصرح بها" و "غير المصرح بها"، وذلك بعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاة بلاث ، وما يقرب من عقدين من الزمن على رحيل تيد هيوز. لا يزال أي كاتب "غير مصرح به" لسيرة لبلاث أو هيوز أو كليهما مقيّدا بشكل كبير، اذ هو غير قادر على اقتباس أكثر من بعض الكلمات الاصلية منهما دون إذن صريح من كارول هيوز.

    

كان صامويل جونسون ليغضب كثيراً من كل هذا. وسيكون يوما حزينا لمهنة كتابة السيرة إذا ما اتبعت أوامر مالكولم، نظرا للمساهمات كبيرة في التفسير النقدي والتاريخ والذاكرة التي قدمتها السير بعد مرور قرون عديدة منذ عصر سوتونيوس.

----------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار