انضم إلينا
اغلاق
ترمب سيكون هتلر أميركا بنكهة خاصة

ترمب سيكون هتلر أميركا بنكهة خاصة

Jacobin

مجلة فصلية
  • ض
  • ض

لم تكن مادلين أولبرايت قد بلغت الثانية من العمر عندما غزت ألمانيا النازية بلدها الأصلي تشيكوسلوفاكيا. بعد أن أُجبرت على الفرار إلى إنجلترا مع والديها، شاهدت قاذفات أدولف هتلر تمطر القنابل على شوارع لندن. ثم علمت لاحقا أن ثلاثة من أجدادها قُتلوا في محرقة النازيين، إذ تتحدّر أولبرايت من عائلة يهودية.

    

من هنا يبدأ كتاب أولبرايت الجديد، "تحذير حول الفاشية"، إذ يربط هذه التجربة الشخصية بالأزمة الحالية التي تمر بها الديمقراطية في العالم. فأولبرايت تزعم بأن الأمثلة التاريخية لألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية توضح خطر التآكل التدريجي للديمقراطية، مما يؤدي في النهاية إلى الدكتاتورية والحرب والفوضى.

    

تعبّر وزيرة الخارجية الأميركية السابقة عن ضيقها من وضع المؤسسات الأميركية، وتقول إن الخطر الأبرز هو أن يفشل الليبراليون والمحافظون على حد سواء، كما في حدث في أوروبا في الحقبة الفاشية، في الاستجابة لتراكم الهجمات على "حكم القانون". لكن تركيزها على شخص دونالد ترمب يؤدّي بها إلى التغاضي عن الأخطار التي تقع خارج المكتب البيضاوي.

          

مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة 

    

ففي حين أن أولبرايت تقوم بمحورة حججها حول أمثلة خارج الولايات المتحدة، فإن الكتاب ليس لديه الكثير ليقوله عن الجذور التاريخية للفاشية الأميركية نفسها، بل ومما يثير الدهشة أنه يغفل تماما أي إشارة إلى العنصرية وعقدة التفوق الأبيض، وهو المستنقع الأساسي الذي ينمو فيه اليمين المتطرف في أميركا اليوم.

      

العنصرية

أوضحت أولبرايت في مقابلات متكررة أن كتابها هو استجابة لظاهرة ترمب وأتباعه. تقول أولبرايت إنه إذا لم يكن ترمب "فاشيا"، فإن ما يفعله هو في الحد الأدنى شبيه بما وصفه بينيتو موسوليني على أنه "نتف الدجاج كل ريشة على حدة"، كناية عن تفكيك الديمقراطية بالتدريج.

    

إن التغيير الأكبر الذي أتى به ترمب حتى الآن يبرز في العلاقة بين القائد وقاعدته المتعصبة، عندما صوّب نيرانه على نخب الحزب الجمهوري في الوقت الذي قام فيه بصراحة باستغلال التململ لدى الأميركيين البيض لأغراض انتخابية وقام بتغذية المناخ الذي ينمو فيه عادة اليمين المتطرف وحتى الحركات الفاشية الصارخة.

    

في الحقيقة، لم يأت هذا من العدم. لقد أحدث التقدم في السياسات المناهضة للعنصرية، ومجيء أوباما إلى البيت الأبيض، ردة فعل عنيفة لدى جماعات معينة بعد أن شعرت بالتهديد. كما أن عقدة التفوق الأبيض امتزجت مع التململ الاقتصادي والشعور بفقدان القوة والمكانة بطريقة أدّت إلى ظهور نمط سام من التطرف اليميني.

       

     

لكن الفاشية هي أبعد من كونها عنصرية متشددة. ومع ذلك، فمن الصعب أن نتخيلها من دون العنصرية، في ضوء سعيها لصياغة "مجتمع قومي" يستثني العناصر الخارجية والعناصر "الخائنة". في الولايات المتحدة، التفوق الأبيض هو الصمغ الذي يجمع اليمين المتطرف، بشكل يتجاوز الحواجز الطبقية أو الدينية.

   

إن العصبية العنصرية كانت وما زالت مسألة جوهرية بالنسبة إلى منظمات اليمين المتطرف منذ الحرب الأهلية الأميركية. ولقد اتخذت أشكالا مختلفة منذ ذلك الحين، من جماعة "KKK" إلى "Dixiecrats" إلى الميليشيات اليمينية المختلفة في أنحاء الولايات المتحدة. هذا تاريخ أميركي بامتياز، ولكن في رواية أولبرايت، يبدو وكأنها تقول إن ظاهرة ترمب غير مسبوقة!

    

يمكن ملاحظة هذا التجميل للماضي الأميركي في الفصل الأول من الكتاب، عندما تصف أولبرايت الظروف المحيطة بحلولها في مدينة نيويورك في عام 1948. بعد فرارها القسري من وطنها لأول مرة على يد النازيين ثم بعد عودتها لفترة وجيزة إلى تشيكوسلوفاكيا حيث فرّت مجددا ولكن هذه المرة من الشيوعيين، بدأت أسرتها في البحث عن "الحرية والتسامح" في وطن آخر.

    

لدى أولبرايت كل الحق للاحتفاء بهذه التجربة. فمثل العديد من القصص المماثلة حول الوصول للمرة الأولى إلى جزيرة إيليس قبالة نيويورك حيث كان يُستقبل عادة المهاجرون إلى أميركا، تتحدث أولبرايت عن كيفية ظهور تمثال الحرية كمنارة عملاقة في أعين عائلتها، الذين كانوا غير مرحب بهم في وطنهم الأم. وتشير إلى أنه في حين أن "الشوفينية" لديها قد تكون شعورا بدائيا بعض الشيء، فهي اليوم "فخورة بأن تكون أميركية."

       

جزيرة إيليس قبالة نيويورك

     

تظهر ألبرايت لفترة وجيزة وكأنها تشكك في هذه السردية حول أميركا، عندما تحذر من إضفاء طابع رومانسي على سنوات ما بعد الحرب على أنها "فترة براءة اتفق فيها الجميع على أن أميركا عظيمة". للوهلة الأولى، بدا أن الكتاب كان سوف يفتتح نقاشا حول السحب المظلمة التي لا تزال تُلقي بظلالها على المجتمع الأميركي، بما في ذلك الصراعات العنصرية المترسخة.

   

في الحقيقة، حتى بعد عودتها من الحرب ضد الفاشية في أوروبا، كانت أميركا أرض الحرية ولكن فقط للبعض. كان نظام جيم كرو (الفصل العنصري بين البيض والسود) يهيمن على الجنوب، وحتى الجيش الأميركي، الذي ساعد في هزيمة النازيين، كان أرضا خصبة للفصل العنصري. أي إن الحرب المناهضة للفاشية لم تقوّض إلا جزئيا بنية التفوق الأبيض في أميركا.

    

لكن أولبرايت لا توضّح أيّا من هذا. فبعد أن لاحظت السحب المظلمة التي كانت تخيّم على الولايات المتحدة بعد الحرب، فإنها على الفور تنتقل إلى مسألة روسيا. بعبارة أخرى، بالنسبة إليها لا تأتي الوصمة على "المثالية" الأميركية إلّا من الخارج -أي التهديد النووي السوفييتي- فتقول إن هذا التهديد تسبب بـ "قلق دائم امتزج فيه الظل الأسود للفاشية بنوع آخر من السحابات المظلمة".

    

حول التطرف في أميركا

السردية هذه تشكّل الإطار التحليلي الأساسي للكتاب، حيث تظهر الفاشية ببساطة كأنها جزء من "التطرف" العام -وتقحم فيه دول الكتلة الشرقية، بالإضافة إلى فنزويلا الحديثة- دون شرح أي خصائص خاصة بالفاشية كظاهرة، حيث إن التهديد للسياق الليبرالي "النزيه" يأتي فقط من الاستياء والسخط بأشكاله المتعددة.

   

فعلى الرغم من تركيزه على خطر الانزلاق نحو الفاشية في أميركا المعاصرة، فإنه من الغريب أن الكتاب لا يذكر الأميركيين السود إلا مرة واحدة فقط! وحتى هذه الإشارة اليتيمة فإنها أتت في سياق انتقاد حركة "الفهود السود" من بين حركات أخرى من الستينيات، بما فيها النازيون والشيوعيون وجمعية جون بيرش، والـ"Yippies" وكو كوكس كلان وغيرها.

      

حركة الـ"Yippies"

     

بالنسبة إلى أولبرايت، ما تشترك فيه هذه المجموعات هو أنها "متطرفة" وأنها تهاجم الديمقراطية الليبرالية من هامش المشهد السياسي والاجتماعي. ما يهم بالنسبة إليها ليس مضمون ما يقاتلون من أجله، بل مجرد حقيقة أنهم يقاتلون، أي "الاستياء المسلح" لديهم الذي يتحدى سيادة القانون وسلاسة العمل الديمقراطي.

    

اللافت في هذا الصدد هو نظرة أولبرايت لأحداث فنزويلا. تعترف أولبرايت بأن البلاد كانت محكومة بشكل سيئ وأن ظهور هوغو شافيز، الذي انتخب لأول مرة في عام 1999، كان ردا على الاستياء الشعبي من ذلك. لكنها تقول إنه سرعان ما أثبت شافيز عداءه للمؤسسات الليبرالية، وبدأ على حد قولها "بنتف ريش دجاجة" الديمقراطية!

   

وهكذا تستعمل أولبرايت تشبيه "الدجاج" لرسم أي شكل من أشكال "الديماغوجية" على أنه بداية لمنحى فاشٍ. من هذا المنظور، فإن تفكيك الاحتكارات الإعلامية هو بمنزلة نمط موسوليني جديد، في حين أن الانقلاب العسكري الذي وقع عام 2002 ضد شافيز، الذي هزمه حراك شعبي لاحقا، كان بالنسبة إلى المسؤولة الأميركية السابقة فقط محاولة لاستعادة النمط الليبرالي "العادل"!

   

تدرك أولبرايت أن تآكل الديمقراطية الليبرالية لم يأتِ من عدم. فلقد حكمت فنزويلا بشكل سيئ وعندما يصبح نظام ما غير قادر على الإمساك بزمام الأمور، تصبح النخب موضع تشكيك، ويفقد الناس الثقة بالخبراء. بالفعل، فلقد ظهرت الفاشية في إيطاليا فقط بعد أن تم استنزاف الليبرالية البرلمانية.

      

      

لكن حل أولبرايت لمعضلة الفاشية لا يعدو كونه دفاعا معزّزا عن الوضع الراهن، وذلك عبر إنهاء "الانقسامات" التي تمنع الليبراليين والمحافظين من التوحد ضد الفاشية. تقول أولبرايت إن "التشاجر" ليس شيئا جيدا عندما يجب تكريس جميع الطاقات لمعالجة التهديد المفترض ضد الديمقراطية نفسها. ولكن هذه هي الحجة نفسها التي استعملتها هيلاري كلينتون ضد المرشح اليساري بيرني ساندرز.

   

عيب هذه السردية هي أنها تؤدي إلى نتيجة سياسية ميؤوس منها في جوهرها، عندما تطالب أولبرايت بـ "التزام صريح من قبل قادة مسؤولين من كلا الطرفين لمعالجة القضايا الوطنية معا". أي إنه إذا أدت هزيمة كلينتون إلى إضعاف الوسط، فإن الحل بالنسبة إلى الديمقراطيين الوسطيين والجمهوريين الليبراليين هو التضافر من أجل البقاء فقط، دون أي وصفة جذرية.

   

الديناصورات: تحذير من التاريخ

بعد الاقتباس من زعم بريمو ليفي السطحي بأن "كل عصر له فاشيته الخاصة"، يمهد كتاب أولبرايت الطريق أمام تعريف هلامي جدّا لـ "الفاشية" (مهما كانت هذا الفاشية، تقول، فهي لن تأخذ شكلَ ما كانت من قبل)، مما يسمح بتطبيق المصطلح على أي ظاهرة تقريبا. الأمر أشبه بقول: "كل عصر له هنري الثامن، ولكن بالطبع هذه المرة سيبدو هنري الثامن مختلفا".

  

إن هذا الزعم يقوم بالتغاضي عن الحقائق التاريخية الأساسية. فلقد ظهرت الفاشية للمرة الأولى في أعقاب الحرب العالمية الأولى، التي تم فيها تجنيد الملايين من الرجال، ثم تم رميهم في أتون الحرب، ثم تركوا في الشوارع. وعلى عكس اليمين التقليدي، تبنت الفاشية التقاليد الاشتراكية وتقاليد الطبقة العاملة في التعبئة الجماهيرية، ولكن حوَّلتهم ضد نقابات اليسار والنقابات العمالية.

      

      

لم تنبع قوة الفاشية من "الأكاذيب" أو "فشل الناس الصالحين في التصرّف"، بل كانت قوة رجعية حاشدة ومسلحة، تناضل للسيطرة على كل شارع، حتى قبل أن تنتزع السيطرة على الحكومة. إذا كانت هناك جذور لشيء مشابه في أميركا اليوم، فمن المرجح أن تكون هذه موجودة في صفوف قوات الشرطة (بغض النظر عن تأثير ترمب) لا في الهجوم على الصحافة من قبل البيت الأبيض.

   

فمحاولة أولبرايت لربط ظاهرة ترمب بالفاشية هي أكثر من سطحية. عندما سألتها مراسلة سي.بي.إس ما إذا كان وصفها لترمب بـ "الفاشي" يعدّ من المبالغة، أجابت أولبرايت: "أنا لا أقول في الواقع أنه فاشٍ. أنا أقول أن هناك عناصر معينة في السلوك لديه ومجموعة متنوعة من القضايا التي برزت التي تذكرني (بالفاشية)".

   

"المجموعة المتنوعة من القضايا"، المدرجة في الكتاب، تتعلق في الغالب بالسياسة الخارجية، وفي الحقيقة فإنها لا علاقة لها بالفاشية. مثلا تهدر أولبرايت قدرا كبيرا من الحبر في انتقاد ترمب لعدم تأكيده دور أميركا كشرطي العالم! ولكن منذ نشر الكتاب فإن موقف أولبرايت المتشدد من "الداعش العلماني" المتمثل بكوريا الشمالية كما تزعم، سرعان ما ظهر على حقيقته كزعم متهافت.

      

      

ولكن بالنسبة إليها فهذا لا يهم. إن "عدم القدرة على التنبؤ" بالفاشية القادمة، بالإضافة إلى التأكيد على أنها ستأتي بشكل تدريجي، يسمح لأولبرايت بأن تعتبر أي شخص وأي شيء لا يعجبها على أنه جزء من الطريق المنحدر نحو الهتلرية أوالفاشية المبكرة، من فنزويلا وروسيا إلى الحملة ضد مكتب التحقيقات الفيدرالي. هذا فيما كان العنف من قبل الشرطة ضد السود لا يستحق الذكر لديها.

   

الكتاب إذن هو حكاية مبسّطة عن الناس الطيبين والهادئين الذين يواجهون الأشرار والغاضبين. بعد تجاهل العنصرية وعدم المساواة من الصورة، تقدم أولبرايت حلها، وهو الإجماع النيوليبرالي من كلا الحزبين باعتباره البديل الضروري للتطرف من الجهتين. إنها تريدنا أن نخشى الفاشين الذين يقومون بنتف الدجاجة الديمقراطية كل ريشة على حدة، لكن حلّها لا يعطينها إلا دجاجة نافقة وإن كان ريشها جميلا.

------------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار