اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/22 الساعة 15:03 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/9 هـ

انضم إلينا
هل تفجر المخدرات الإبداع؟.. وهل لها بدائل مشروعة؟

هل تفجر المخدرات الإبداع؟.. وهل لها بدائل مشروعة؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

يحكى أنه منذ قديم الزمان، عندما اكتشف الإنسان أنه قادر على خلق بعض الأشياء التي لم تكن موجودة في الطبيعة من قبل، وقع أسير هذه القدرة الساحرة التي استخدمها في تسهيل حياته وحمايته والحفاظ على تاريخه من الضياع. ومع اختراع الكتابة أصبح الإنسان مهووسا بتسجيل تاريخه منذ أن كان يسكن الكهوف الموغلة في القدم. عرف الرسم والألوان وأخذ يخلق أشكالا جديدة تشبه تلك الموجودة في الطبيعة. ميزته هذه القدرة عن باقي الكائنات الحية الأخرى وجعلته سيدا مسيطرا على كل ما في الطبيعة من مخلوقات. لم يخلق الإنسان أشياء لها وجود مادي من العدم، وخص الآلهة الغيبية بهذه القدرة في الكثير من الأحيان. لكنه إزاء موهبة التفكير والتأمل  والإتيان بأفكار جديدة كان يعتقد أنه قادر على الخلق على غير مثال. إذ اعتبر أن هناك آلهة هي المسؤولة عن منحه الإلهام للخلق.
(1)

   

منذ ذلك الحين لم يخفت أبدا سحر الهالة المحيطة بكل ما هو إبداعي. الكثير من الأساطير حاول من خلالها الإنسان تفسير تلك القدرة الخاصة به وحده دون باقي الكائنات التي تعيش معه على نفس الكوكب. لقد أوجد أشياء لا تحاكي الطبيعة في شيء مثل الموسيقى، وابتكر أصواتا مميزة لكي يتمكن من التواصل مع الآخرين، وحول تلك الأًصوات إلى إشارات مرسومة وطور هذه الإشارات إلى أن خلق منها اللغة، والتي تعد أهم ثورة في تاريخ تطور الحضارة البشرية. لقد حافظت القدرة على الخلق والإبداع على وجود هذا الكائن الضعيف وسط بيئة شديدة القسوة، فهو لا يتمتع بقوة جسدية كبيرة مثل بعض الكائنات الأخرى، ولا قدرات خاصة مثل الطيران أو السرعة الشديدة أو حدة البصر. كما كانت طبيعة البيئة من حوله غير آمنة، في وجود الأمطار الشديدة والزلازل والبراكين ودرجات الحرارة المرتفعة جدا أو المنخفضة للغاية. لم يكن يملك أي شيء في مواجهة كل هذا سوى قدرة مميزة على الخلق والإبداع.(2)

      

إلهات الإلهام في الأساطير الإغريقية (مواقع التواصل)

      

المخدرات أحد أسرار الإبداع

منذ ذلك الحين حفظ التاريخ الإنساني للمبدعين مكانة مرموقة، وأحاطت بهم الكثير من الأخبار الغريبة والشائعات والأساطير. أشهر تلك الأفكار الشائعة هي ربط العملية الإبداعية بالجنون والمرض النفسي أو الجسمي، وربط الإبداع بالإلهام والصدفة وحالات الحدس الغامضة، كذلك اعتبر الكثيرون أن الإبداع هو صفة وراثية، لا يمكن تنميتها؛ ومن أشهر هذه الأفكار أيضا فكرة ربط الإبداع بتعاطي المخدرات والمسكرات. حدث ذلك نتيجة انتشار تعاطي أنواع مختلفة من المخدرات بالفعل بين عدد كبير من المبدعين أمثال الكاتب إدجار آلان بو الذي كان مدمنا على تعاطي الخمور، كذلك الشاعر بودلير الذي أِشيع عنه تناوله الأفيون أثناء كتابة ديوانه أزهار الشر، الأمر نفسه مع الشاعر الإنجليزي كلوريدج والروائي العالمي همنجواي والفنان التشكيلي جاكسون بولوك وغيرهم.(3)

    

يرجع انتشار هذه الممارسة بين بعض المبدعين إلى اعتقادهم بأن تعاطي المواد المخدرة والمسكرات يساعدهم في تجاوز وتقليل مراقبة الفرد لعمليات تفكيره، مما ينتج عنه جرأة وانسيابية في طرح الأفكار الجديدة، كذلك يساعد التعاطي في إطلاق العنان للخيال وتهيئة مناخ نفسي مناسب ينطلق فيه متحررا من قيود المنطق الخانقة، والتقاليد والقواعد الصارمة.كما ذكر الكثير من المبدعين أنهم يقبلون على التعاطي بحثا عن حالات مزاجية مختلفة، وأنواع جديدة من الانفعالات. كما يهدف البعض أن تمنحه العقاقير بعض الاسترخاء والراحة للعقل والتحليق بعيدا عن الهموم اليومية الرتيبة وكذلك التقليل من الشعور بالقلق والتوتر الناتج عن ضغوط الحياة. لذلك اعتبر الكثير من المبدعين تعاطي المخدرات بمثابة جسر ينطلقون منه نحو الإلهام والإبداع.(4)

         

ليونيد أوسيبوفيتش باسترناك، آلام التأليف (مواقع التواصل)

    

هل يحسم العلم الجدل؟

بالرغم من شهرة الفكرة التي تربط المخدرات بالإبداع  في الأوساط الإعلامية، إلا أن الدراسات العلمية التي بحثت هذه العلاقة تعتبر قليلة جدا وغير كافية لحسم هذا الجدل، فمن الناحية العلمية ليس واضحا حتى الآن إذا كان بالفعل هناك رابط مباشر بين الإبداع والتعاطي. هناك بعض الأدلة على أن الأشخاص ذوي الميول الإبداعية أكثر ميلا للتعاطي، كما  يوجد بعض الأدلة على قدرة المخدرات على تغيير طرق التفكير، لكن لا يوجد ما يؤكد أنها تزيد بالضرورة من الإنتاج الإبداعي.(5)

     

لكن د. أيمن عامر أستاذ علم نفس الإبداع بجامعة القاهرة، يرى أن هذا الربط بين الإبداع وتعاطي المخدرات مبني على عدة مغالطات منطقية، رغم وجود جوانب ظاهرية تدعم هذا الاعتقاد. وتكمن المغالطة الأساسية في جهل من يتبناه بحجم الاضطرابات التي يعاني منها هؤلاء المبدعون بالفعل في حياتهم. إذ أن التعاطي بحسب الدراسات يحدث الكثير من الاضطرابات النفسية لدى الشخص المتعاطي. قد تصل إلى التدهور العقلي العام الذي يحدث نتيجة فقدان المتعاطي بالتدريج للنشوة التي تحدثها الجرعات التي اعتادها، ومع زيادة جرعات العقار تزداد إحتمالات حدوث الاضطرابات والمشكلات العقلية التي قد تصل لإعاقة قدرة الشخص عن تأدية أدواره الاجتماعية والمهنية.(6)

     

ويرى عامر أننا لا يجب أن نكتفي بمراقبة المبدعين الذين أبدعو رغم التعاطي دون النظر إلى المبدعين الذين سبب تعاطيهم إخفاق في استمرار الإنتاج الإبداعي، كما أننا لا يجب أن نتغاضى عن الفروق بين إنتاج المبدعين تحت تأثير التعاطي وإنتاجهم وهم بعيدون عن هذا التأثير، فالكثير من الفنانين أنتجوا أفضل أعمالهم حين تخلصوا من التعاطي، منهم الفنان التشكيلي جاكسون بولوك الذي أبدع أفضل أعماله بعد خروجه من مصحة لعلاج إدمان الكحول. وتعد إحدى المغالطات الأخرى هي قسر تغيير حالة الوعي والمزاج على تعاطي المخدرات، في الوقت الذي طور فيه علماء نفس الإبداع، الكثير من الأساليب والتقنيات التي تساعد في التغلب على مختلف معوقات الإبداع والتي اعتبرها بدائل صحية من الناحية النفسية والجسمية وصالحة لأن تكون بديلا عن التعاطي.(7)

     

جاكسون بولوك (مواقع التواصل)

         

محفوظ..ليست كل المخدرات سواء

رفض نجيب محفوظ اعتبار "الحشيش" مثل باقي المخدرات ذات التأثير الضار كالهيروين الذي يدمر العقول، ذكر هذا الأمر الكاتب رجاء النقاش في كتابه "في حب نجيب محفوظ". ويؤكد موقف نجيب محفوظ أن الكثير من المبدعين هاجموا أغنية سيد درويش التي كتبها عن الكوكايين في حين لم يهاجمه أحد عندما لحن أغنية عن الحشيش، يقول نجيب محفوظ: "عن طريق صديقي (الشماع) الذي كان يعمل في الغورية، عرفت (الحشيش)، وفي ذلك الوقت، كان تدخين الحشيش يتم بصورة علنية في المقاهي كما أشرت، حتى إني أذكر أن (الشماع) كان يجلس في مقهى (علي يوسف)، وينتظر حتى يأتي (عسكري الدرك) الموجود في الشارع حتى يشرب معه (التعميرة)".(8)

         

   

وكان محفوظ يرى أن ما تعرض له الشعب المصري من أوضاع سيئة وظلم وقهر كان أحد أهم الأسباب في إقباله على تعاطي الحشيش، يقول: "كان الحشيش للشعب المصري نِعم الصديق، لأنه خفّف عن الناس المرارة التي يعيشونها في نهارهم، وكان بمثابة المسكن للأوجاع في الليل. وساعد على انتشار الحشيش بين جماهير الشعب، خاصة الطبقات الفقيرة، أنهم لا ينظرون إليه نظرة التحريم الديني التي يرونها في الخمر، فالإنسان المصري لديه استعداد لأن يدخن الحشيش ولكن لا يتناول البيرة مثلًا، رغم أنها أخف أنواع الخمور، وذلك لاعتقاده أنه لا يوجد نص ديني قاطع يحرّم الحشيش بالتحديد".

   

إن وظيفة المخدرات في العملية الإبداعية هي تغيير حالة الوعي لدى المبدع وتوفير حالات مزاجية مختلفة، منها الغرابة والهروب والشعور بالنشاط وكذلك الاسترخاء والسكينة، والتي يمكنه من خلالها دعم تجربته الإبداعية. وهذه الأهداف مشروعة بل على المبدع أن يحرص عليها دون أن يحصرها في النطاق الضيق للمخدرات بمعناها السلبي المتعارف عليه. فما توفره المخدرات للمبدع يمكن أن توفره الكثير من الخيارات الأخرى الأكثر صحية. الكثيرون لا يعلمون مثلا أن عصير الرمان له تأثير رائع في تهدئة الحالة  المزاجية، كما يمكن للقهوة بالكميات المناسبة أن تكون محفزة للعقل. ويعمل عصير البرتقال المضاف إليه قطرات من الليمون في مساعدتنا على مواجهة المهام غير السهلة.(9)     

لوحة للفنان كاسبر ديفيد فريديرش (مواقع التواصل)

وإذا كان من الممكن أن نوسع نطاق محسنات المزاج، فيمكننا اعتبار تأمل الأعمال الفنية الجميلة، واحدة من الأشياء التي تنقل العقل لحالة ذهنية صافية وهادية خصوصا أعمال مثل لوحات الفنان الرومانسي "كاسبر ديفيد فريديش" والتي يمكننا اعتبارها عقارا معلقا على الحائط، يظهر تأثيره في نقلنا إلى حالة موسعة من الوعي بعيدا عن هموم اللحظة الحالية. كما أن بعض مقطوعات موزارت لها تأثير معروف على حالات التركيز وتحسين المزاج. وهناك الكثير من الأشياء الأخرى التي تناسب البعض ولا يفضلها البعض الآخر، بالإضافة لوجود الكثير من التقنيات التي يقترحها علم نفس الإبداع والتي يمكن للفرد اعتمادها في تخطي المشكلات التي تواجه أثناء العملية الإبداعية. والأكيد أن الأمر لا يقتصر فقط على الرابط الضيق الذي يدعى أن المخدرات هي الطريقة الوحيدة لتغيير أو تحسين الحالة المزاجية.(10)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار