انضم إلينا
اغلاق
تومي روبنسون.. كيف تسوق نفسك كضحية عبر كراهيتك للإسلام؟

تومي روبنسون.. كيف تسوق نفسك كضحية عبر كراهيتك للإسلام؟

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض

تم مؤخرا سجن تومي روبنسون، مؤسس المجموعة اليمينية المتطرفة التي تدعى "رابطة الدفاع الإنجليزية" (English Defence League)، بعد خرقه لقوانين واضحة جدا ومحددة تقيد ما يمكن نشره حول المحاكمات التي لا تزال جارية. لكن الحملة الضخمة التي أُطلقت من أجل إطلاق سراحه تدور حول شيء مختلف تماما. في الحقيقة، فإن الحملة تلك هي جزء من سردية قديمة وفعالة للغاية تتبناها الحركات اليمينية التي تصور أشخاصا مثل روبنسون كضحايا لدولة قمعية.

  

حُكم على روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون، بالسجن لمدة 13 شهرا بعد إجرائه بثّا مباشرا خارج محكمة كانت تجري فيها محاكمة في قضية اغتصاب. وقد فعل ذلك رغم وجود قرار قانوني بحظر نشر تفاصيل تلك المحاكمة.

   

نظّم المتظاهرون اليمينيون مظاهرة في وسط لندن وهم يلوحون بالأعلام البريطانية ويحملون لافتات مزينة بوجه روبنسون وعبارة "#Free Tommy Robinson" "الحرية لتومي روبنسون"، واشتبكوا مع ضباط الشرطة كما اعتقل بعضهم. لكن أبرز حدث في هذا الاحتجاج كان الخطاب الذي ألقاه غيرت فيلدرز، زعيم "حزب من أجل الحرية" الهولندي اليميني المتطرف. قال فيلدرز للحشد إنهم "جميعهم أبطال" قبل أن يعلن أن روبنسون هو "أعظم مناضل من أجل الحرية في بريطانيا اليوم"! وعُلّقت على المنصة التي وقف عليها فيلدرز لافتة تظهر روبنسون في ملابس قتالية. كانت الرسالة واضحة: روبنسون بطل وضحية لقمع الدولة السياسي.

      

   

لقد اكتسبت هذه السردية جاذبية كبيرة بفضل الجهود المتضافرة لليمين المتطرف، حيث أدّى اعتقال روبنسون إلى إطلاق حملة تهويلية كبيرة، على الإنترنت وفي العالم الحقيقي، تصور أفعاله على أنها مجرد ممارسة لحقه في حرية التعبير عندما كان يبث خارج المحكمة. وادّعت الحملة أنه كان يحمي الجمهور من خلال "الكشف عن المتحرشين بالأطفال المسلمين"، وهي إشارة إلى المدعى عليهم في القضية، على الرغم من أنهم أبرياء حتى تثبت إدانتهم بموجب قانون المملكة المتحدة. وتظل التفاصيل الدقيقة حول القضية التي تدخّل فيها روبنسون غير واضحة في الوقت الحالي، بسبب الحظر على تغطيتها، الحظر الذي خرقه روبنسون. ما هو ثابت هو أن روبنسون يحب تصوير نفسه على أنه صحفي مجتهد يقوم بفضح "الجرائم" الإسلامية.

  

إن تصوير روبنسون كضحية وكشخص يمارس فقط حقه في حرية التعبير هو سردية كاذبة بالكامل ولكنها سردية إستراتيجية. فالحقائق المتعلقة بظروف سجن روبنسون لا علاقة لها بحرية التعبير، بل هو حكم عليه بالسجن بتهمة ازدراء المحكمة وخرقه لعقوبة سجن سابقة مع وقف التنفيذ، كما تم الحكم عليه بتهمة ازدراء المحكمة (لتصويره داخل محكمة كانتربري كراون خلال محاكمة أخرى أيضا تتعلق بقضية اغتصاب).

   

وفقا لقاضي المحاكمة، كانت الملاحظات التي أدلى بها خلال بثه المباشر خارج مبنى محكمة ليدز كراون "مضرّة للغاية بالمتهمين في القضية"، إذ كان لديها القدرة على التسبب في بطلان المحاكمة. وكان ذلك سوف يكلف مئات الآلاف من الجنيهات، بالإضافة إلى إجبار الضحايا المزعومين على خوض معاناة أخرى. اعترف روبنسون بالذنب وأعرب عن "أسفه العميق" عن أفعاله. إذن سجنه لا علاقة له بحرية التعبير، بل إن الأمر يتعلق بإعاقة محاكمة عادلة.

          

      

اليمين وعبادة الضحية

إن عبادة الضحية ليست إستراتيجية جديدة، بل هي جزء أساسي من بناء الهوية اليمينية المتطرفة. وروبنسون بارع جدا في لعب دور الضحية المثالية، وهذه صورة رمزية من السهل لأفراد كثيرين غاضبين أن يلتحموا معها ويلتفوا حولها، إذ تضع الإستراتيجية هذه "الضحية" في مواجهة "الطاغوت"، في هذه الحالة، المؤسسة السياسية البريطانية.

   

يتجلى بناء صورة الضحية هذا في المواد الإلكترونية المركبة التي تنتشر على فيسبوك وتويتر منذ سجن روبنسون. فلقد أُنتجت نسخة بديلة من أغنية "Hallelujah" بكلمات أخرى، مثل "المتحرشون بالأطفال مكرّمون، وأمثال تومي روبنسون مسجونون". وهاجمت الأغنية الحكومة ودعت إلى إطلاق سراح روبنسون. ثنائية التفكير المبسّطة هنا واضحة ومفادها: إما أنك من أنصار روبنسون، وإما أنك من مؤيدي مغتصبي الأطفال!

   

في نهاية المطاف، ما يكمن وراء روايات سردية الضحية عن روبنسون هو بكل بساطة كره ورهاب الإسلام (Islamophobia). مثلا تزعم عريضة "الحرية لتومي روبنسون"، التي وقّعها حتى الآن أكثر من 600،000 شخص، أنه "تم اعتقال تومي روبنسون وسجنه بسبب قيامه بتغطية عصابات استدراج الأطفال المسلمة... وتوعية الجمهور بالجرائم التي ترتكب باسم الله (إله المسلمين)".

             

    

قصة سمعناها من قبل

لقد قام أنصار روبنسون بتنظيم مثل هذه الحملات من قبل. في عام 2012، عندما سُجِن بعد سفره إلى الولايات المتحدة باستخدام جواز سفر مزور، تظاهر أنصار اليمين المتطرف خارج سجن واندزورث وهم يرتدون أقنعة لتومي روبنسون وقاموا بترديد هتافات تزعم أنه "سجين سياسي". في ذلك الوقت، لم تكتسب سردية روبنسون كضحية الكثير من التأييد. لكنها حققت نجاحا كبيرا في عام 2018 لأن صورة روبنسون كضحية وضعت في مقابل صورة الاستغلال الجنسي للأولاد من قِبَل ما يسمّيه المتطرفون اليمينيون "عصابات الاستدراج المسلمة". لكن روبنسون وأنصاره أغفلوا حقيقة أن "الضحايا" الحقيقيين المزعومين في ليدز كادوا يضطرون إلى خوض إعادة للمحاكمة كنتيجة مباشرة لأفعاله.

         

يدرك روبنسون وزملاؤه من أنصار اليمين المتطرف أن صورة الضحية هي أداة قوية لحشد الدعم وتشجيع العمل الجماعي. في سيرته الذاتية، بعنوان "عدو الدولة"، يعترف روبنسون بأهمية النظر إليه على أنه "الضحية". كان يستلذ مثلا بكونه يعكس وجهة نظر الأقلية خلال المناظرات المتلفزة لأنه كان يعرف أن "الجميع كانوا سوف يتعاضدون ضدي وأنني سوف أظهر كضحية... كان ذلك بالضبط ما أردت".

   

لذا، فإن خرق روبنسون المتعمد والمستمر لأوامر المحكمة يجب توصيفه كما هو، أي كإستراتيجية محسوبة لا تضحية بطولية بالذات. فلقد حصل روبنسون وحلفاؤه في اليمين المتطرف على ما يريدونه بالضبط، أي صورة "شهيد حي" قادر على حشد الناس ضمن الخطاب العدائي حيث تظهر معاناة روبنسون في مواجهة الجرائم المزعومة من قِبَل المسلمين والشمولية الصوابية سياسيا للدولة البريطانية.  

   

------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار