اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/4 الساعة 15:58 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/21 هـ

انضم إلينا
كسر الإرادة.. كيف يفوق العذاب النفسي للسجن التعذيب البدني؟

كسر الإرادة.. كيف يفوق العذاب النفسي للسجن التعذيب البدني؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

في عام 1959، ومن داخل معتقل أوردي أبو زعبل (أ) بمصر، وأثناء الليل، حينما كان بعض المعتقلين السياسيين يضطجعون على ظهورهم من الإرهاق منتظرين طلوع الفجر تساءل أحدهم بصوت مسموع:

- ماذا تظنون أنه أسوأ ما في الأوردي؟

فرد آخر:

- الجبل

فرد الثاني:

- بل التفتيش.. الجبل عمل ومشقة وضرب، وربما الموت، ولكن التفتيش هو المهانة بكل معانيها، ليس هناك أسوأ من التفتيش.

وقال آخر:

- ربما كانت أفظع لحظات التفتيش هي تلك التي يكونون فيها في العنابر الأخرى، ونحن في انتظار دورنا. إن الصوت الكئيب لدبيب الأقدام الحافية ولوقع العصي والجواريش على ظهور زملائنا في العنابر الأخرى.. ربما هذا أفظع من الوقت الذي يجري فيه تفتيش عنبرنا.

 

ومرت لحظة صمت، والكل يجتر المشاعر المرهقة الرهيبة، ثم ارتفع صوت أحدهم فجأة:

- تعرفوا أسوأ شيء في الأوردي؟

وكان المتكلم هو المعتقل محمد عباس، وظل عباس ساهما لحظات، وبصوت أكثر غلظة وبنبرات أشد اختناقا وأشد تعبيرا عن القنوط، أعاد سؤاله مرة أخرى:

- تعرفوا إيه أسوأ شيء في الأوردي؟

ولما تعالت الصيحات من حوله أن ينطق

قال محمد عباس ونظراته التائهة أشد ما تكون شخوصا:

- الفجر.. طلوع الصباح.. إن بشائر يوم جديد تعني تجدد هذا الجحيم كله. وأشد اللحظات قسوة هي تلك التي تصافح فيها عيوننا الشاخصة للقضبان لنتبين أن الخيوط الأولى لنور يوم جديد بدأت تشق طريقها وسط الظلام المريح.. هذه هي اللحظة التي تتكثف فيها كل التعاسة والعذاب..". (1)

 

يحكي سعد زهران الذي كان نزيل سجن الأوردي مرتين، الأولى من 1954 إلى 1956، والثانية من 1959 إلى 1961، قائلا: "لم يكن التعذيب في أبو زعبل يهدف إلى انتزاع اعترافات، وإنما كان أشد قسوة وهمجية. كان يهدف إلى تحطيم اللياقة الإنسانية للخصوم السياسين، إنه ذلك النوع من التعذيب الذي يجري بأعصاب باردة وعلى فترات زمنية طويلة بهدف تحطيم الطاقات الفكرية والروحية للإنسان، عن طريق التحطيم البطيء المحسوب، والضغط الدائم المرهق على الوعاء الجسدي". (1)

 

أما إذا نجا السجين من أمراض السجن وما يسببه من التهابات الجسد وأعطابه المزمنة (من ديدان وطفيليات في الأمعاء، التهابات القولون والبواسير، وقرحة في المعدة والأمعاء الدقيقة، التهابات الكبد والمرارة، وأمراض الجهاز التنفسي والصدر والحساسية) فهو لا ينجو من أشكال التشوه النفسي والمعنوي التي يسببها السجن.

 

وليست معتقلات النظم العربية الحالية سواء في مصر أو سوريا أو العراق أو غيرها من السجون القمعية بأقل بشاعة مما كانت عليه خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بل تفوقها أحيانا في البشاعة والإذلال وانعدام الإنسانية، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول ماهية الأساليب والتقنيات النفسية التي يستخدمها الجلادون في تحطيم ضحيتهم، وتشويهها نفسيا ومعنويا، والعمل على انهيارها، مثلما حدث لبطل رواية جورج أورويل "1984"، وكما تخيل أوسكار وايلد في رواية "صورة دوريان جراي"، وكما حكى ديستوفيسكي القصص من كتاب "ذكريات من منزل الأموات"، وكما صور عبد الرحمن منيف في روايته "شرق المتوسط".

 

حجرة مظلمة شكلت تاريخ العالم

"أنا المطحون المسجون

اللي تاريخي مركون

وانت قلاوون وابن طولون ونابليون

الزنزانة دي مبنية قبل الكون

قبل الظلم ما يكسب جولات

اللون"

(عبد الرحمن الأبنودي، قصيدة أحزاني العادية)

 

في سجن "خلية السماء" (Sky cell) الذي ظهر بمسلسل "صراع العروش" (Game of Thrones) كان السجن بدون قضبان (2)، مجرد غرفة فارغة أحد جدرانها غير موجود، من أراد أن يهرب فليهرب، لكن إلى أين؟ فالهروب هنا يعني الموت المحقق، فقد استخدم (Sky cell) مفهوم "الخطر" لاحتجاز السجناء، حيث تم نحت السجن في جرف عالٍ ينفتح عليه السجن، من المفترض أنه يسمح للبعض أن يقرروا مصيرهم بأيديهم، ودفعهم إلى ذلك بجعل الأرضية مائلة قليلا.



فكان مفهوم "الخطر" في العصور الوسطى وعصر ما قبل الحداثة والتقدم التكنولوجي والاكتشافات العلمية هو المفهوم المعمول به في السجون، حيث كانت السجون تقام في قبو قصر الملك، أو أسفل القلاع أو على حدود الصحراء، أو فوق الجبال أو داخل السراديب، أو فوق الصخور يحيط بها الماء العميق، أو تقام داخل الغابات وفي جوف الجبال. وظل هذا الأمر معمولا به في أوروبا وجميع أنحاء العالم في العصور الوسطى. (3)

 

حيث كانت السلطة كلها في يد الملك/السلطان/الأمير/الإمبراطور، وحينها يصبح المذنب أو المجرم أو المخطئ قد أذنب وأخطأ في حق الملك وحق القانون الذي وضعه الملك، فالملك وحده هو الذي يأمر بعقابه، فقد كان جسد الإنسان هو محل العقوبة وموضع استرداد الحق واسترجاع السيادة الملكية. (3)

 

ويذهب د. خالد فهمي في كتابه "كل رجال الباشا" (4) إلى أن استخدام جسم المذنب كرادع أو كنموذج للعقوبة أمر له حدوده، لأن الجسم لا يحتمل في نهاية الأمر غير مقدار محدد من الألم، وهو ما قد لا يكون رادعا فعالا للآخرين عن ارتكاب الخطأ نفسه. وفوق ذلك تتطلب فعالية هذا النوع من الردع أن يكون الاستعراض ضخما والحضور غفيرا إذا أراد الملك استرداد هيبته، فيحشد الحشود ليروا المخطئ كيف يُعذب أو يُعدم أو يُحرق، حيث كانت عمليات الشنق العلنية تجري في ميادين كبيرة وأماكن تجمُّع مهمة في المراكز الحضرية.

 

لكن كما أن جسد الإنسان له حدود للتحمل، فإن الحال ذاته ينطبق على الميدان الذي تعرض فيه العقوبة، فالمساحة محدودة، وعدد من بإمكانهم حضور "مشهدية العذاب" لاسترداد السيادة الملكية يُعدّ عددا محدودا كذلك، وبذلك، مثل السجن هنا -وكما يذهب فهمي- باعتباره تحولا من "شعائر" العقوبات العلنية إلى "روتين" القواعد القانونية. ومن هنا، تحول الهدف ليصبح متجها نحو عقول العامة وقلوبهم، وليس نظراتهم، ويتمثل ذلك عبر تمثيل سلطة الملك في غيابه وسلطة قانونه كرمز فعال يعبر عن إرادة الملك ورغبته النافذتين متى ما أراد في التحكم بأجساد البشر.

 

ويضيف فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة"(5) "أن هذا التبدي الأكثر خفة للسلطة الذي يستخدم "العقل" كسطح يكتب عليه، ويحقق إخضاع الأجسام من خلال السيطرة على العقول والأفكار أكثر كفاءة بكثير من ناحية التأثير إذ ما قارنّاه بسياسة الأجسام المتمثلة في التعذيب والشنق. وبذلك، تصبح القواعد القانونية إحدى أدوات السلطة الأكثر فعالية بقيامها بتعريف الجرائم وتثبيت سلم العقوبات وتحديد المكلفين من الهرم البيروقراطي بتنفيذ العقوبات". لكن ومع تغول السلطة تدريجيا بمرور الزمن، أصبح كل هذا لا يكفي، فجسد المخطئ لا يكفي لردعه وهزيمته بالكامل، بل يجب تحطيمه تحطيما جسديا ونفسيا وشعوريا، كي يتحقق هنا الترابط بين مفهومي المراقبة والمعاقبة، فبارتباطهما يثبت في عقل المخطئ، وفي عقل كل إنسان، أن المراقبة تستلزم العقاب، لأن السلطة تعرف كل شيء. فكيف يحطم السجن المعتقلين جسديا وشعوريا؟

 

الاعتقال والتعذيب.. تدمير إنسانية الإنسان

"من باستيل (ب) مصر الرهيب..

من السجن الحربي الأثيم

مصر كلها.. هنا.. معتقلة

هنا العامل والفلاح.. هنا القاضي وأستاذ الجامعة.. هنا الشاب والشيخ.. هنا الزوجة والفتاة!

يحرسهم (أستغفر الله)، بل يعذبهم.. عساكر.. قساة غلاظ.. لهم قلوب لا يفقهون بها.. ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها!

مصر كلها هنا معتقلة

يبلغ عدد المعتقلين حتى أواخر أغسطس ستين ألفا.. فيما أعلم" (6)

 

كتب هذه الرسالة المستشار علي جريشة من داخل زنزانته بالسجن الحربي في 30 أغسطس/آب عام 1965، يشرح فيها ما حدث له عند دخوله المعتقل، حيث كان المعتقل حينها -ولا يزال- أداة السلطة لإخراج منافسيها ومعارضيها من ساحة المعركة، لكن للسجن وظيفة أخرى، فهو ليس مجرد أداة للسيطرة السياسية وإخراج الخصوم من الساحة، بل هو أداة نافذة تسعى لإلغائهم تماما، كأنهم قد ذهبوا "وراء الشمس"، بل هو يلغي الاعتراف بإنسانية المعتقل، "فالمعتقل الذي سيعذب يُجرد من إنسانيته بشكل قبلي، فهؤلاء ليس لهم صراحة صفة الإنسان، وبالتالي فليس لهم قانون يحميهم كما هو شأن أسرى الحرب، إنهم حالة خارجة عن كل اعتبار إنساني، وبالتالي فسجانوهم يعطون لأنفسهم حرية التصرف بكياناتهم بدون روادع أو حدود". (7)

المستشار علي جريشة ومعه مجموعة من المعتقلين

مواقع التواصل الاجتماعي
 

وهذا ما يحدث تماما في أنظمة الطغيان والاستبداد، ويوضح جورج أورويل ذلك بالتفصيل في روايته "1984" حيث يقول: "كيف يفرض إنسان سلطته على إنسان آخر يا ونستون؟

فكر ونستون ثم قال: بأن يجعله يعاني"، حيث يتم اختزال المعتقل إلى مجرد رقم أو شيء شرير لا يستحق إلا الإهانة والإذلال، بل يتم "اختزال كيانه في أسطورة الخيانة، أو التخريب أو الشر، أو عدو الأمن القومي، إنه باختصار ليس بإنسان ذي حرمة أو قيمة، بل هو يُحول إلى أسطورة القيمة المضادة المستباحة بدون حدود. يُعتقل الواحد من هؤلاء وتنقطع أخباره فلا يُعرف مكانه أو مصيره (هل هو حي أو ميت)، فيكون إلغاء إنسانية المعتقل بهذا الشكل واختزاله واستباحته هم الذين يجعلون ممارسة مختلف ألوان التنكيل والتعذيب والأذى والتحقير ممكنة، ذلك أننا لا نكون بصدد إيذاء شخص، بل بصدد تدمير أسطورة شر وسوء من وجهة نظر الجلادين". (7)

 

لكن الجديد في الأمر، وحسب الدكتور مصطفى حجازي، هو انتشار أساليب التعذيب الخفي التي تتوسل تقنيات تنال من التوازن النفسي للمعتقل، وصولا إلى ضعضعته أو حتى تدميره، وشيوع برامج التعذيب وغسيل الدماغ التي تقوم على مبادئ التحكم في السلوك وتغييره، كما تقوم على معطيات الطب النفسي، وأصبح هناك خبراء تعذيب وتدمير نفسي يعملون جنبا إلى جنب مع الجلادين الجسديين، بعضهم من الأطباء وآخرون من علماء السلوك (7)، حيث تم استخدام المعتقلين كفئران تجارب لتعديل السلوك، والتدمير النفسي للبشر.

التعذيب بالسجون.. جحيم من صنع البشر

السجن أداة نافذة تسعى لإلغاء خصوم السلطة تماما، كأنهم قد ذهبوا "وراء الشمس"

مواقع التواصل الاجتماعي
 

في رسالة كتبها المستشار علي جريشة من زنزانته بالسجن الحربي في 7 سبتمبر/أيلول 1965 قال فيها: "هنا جحيم.. من صنع البشر.. ألوان من العذاب لا تخطر على بال.. جثث معلقة من أرجلها.. مسلوخة من جلدها تماما كالذبائح.. تتصاعد منها صرخات ثم تخفت إلى أنات.. ثم تخفت الأنات إلى أنفاس تردد.. حتى تلفظ الأنفاس.. والسلخ يتم بطريقة مؤلمة.. هي الضرب بالسياط.. ثلاثة أو أربعة على واحد حتى ينسلخ جلده ويتركوه بين الحياة والموت.

 

كلاب متوحشة تعوي وتهاجم.. وتقتطع أجزاء حية من الأجساد.. أسلاك كهرباء.. تسري في الأجساد وتصيبها برعدة شديدة.. وتتركها كذلك بين الحياة والموت.. نزع الشعر.. واقتلاع الأظافر.. ولحمزة البسيوني هواية غريبة.. ينزع نصف الشارب من ناحية، ونصف الذقن من ناحية أخرى ليسخر من خلقة الله.. كل ذلك بجانب الحرمان من الطعام ومن الشراب في عز الحر.. كأنما هو تآمر على قتل كل الأحرار وكل المؤمنين، كأنما هو تآمر على وأد الحرية ووأد الإيمان". (8)

 

هكذا يكون التعذيب عملية كلية يطلق عليها الجلادون اسم "حفلة"، وتتضمن أبعادا جسدية وأخرى نفسية، تتضافر فيما بينها كي تؤدي إلى المطلوب، وهو إما تدمير كيان الإنسان وإيصاله إلى وضعية بين الحياة والموت، وإما كسر إرادته ومناعته بحيث يصبح مجرد شيء يمتلكه الجلاد، وذلك يأتي بالتوازي مع التعذيب الذي يهدف إلى سحب الاعتراف من المعتقل بكل وسائل الضغط الممكنة، أما الحالة المثلى للتعذيب فهي حين ينتهي إلى تطويع الضحية وتحويلها إلى متعاون أو مخبر على زملائه (9)، وهي المرحلة التي سماها عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل بمرحلة الصدمة، التي تنهار فيها كل دفاعات الإنسان تحت سياط التعذيب وحصار السجن وظروفه الرهيبة. (10)

 

وفي هذا القعر من انحطاط الإنسانية كما يسميه مصطفى حجازي، وكما وصفه المستشار علي جريشة والمعتقل السابق سعد زهران، وكما حكاه الصحفي أحمد رائف في بوابته السوداء وكذلك د. أحمد القصير والحاجة زينب الغزالي، داخل هذا الجحيم يصبح الموت أهون وأكرم للإنسان من مجابهة هذا الشرط الذي يتجاوز قدرته على المجابهة والاحتمال، وبدلا من إعادة سرد ألوان التعذيب التي سجلها كل من دخله وكتب الله له النجاة، يقسّم الدكتور مصطفى حجازي أساليب التعذيب المتبعة داخل السجون إلى عدة أساليب أساسية هي: "الضرب والعنف الذي يصب على الجسد في مختلف أشكاله، الإجهاد الجسدي الذي يصل أقصى درجات احتمال الضحية، التحكم بالحاجات الأساسية التي تفجر صراعا بين الضحية وجسدها، وكذلك مختلف أشكال تحقير الجسد وصولا إلى تحقير الذات والهوية والكيان". (11)

صورة مسربة من السجون المصرية عام 2018

 

ففي النمط الأول من أساليب التعذيب وهو الضرب والعنف الجسدي، بالإضافة إلى الضرب المبرح باللكمات والسياط والركل والدوس على الجسد بالأقدام، "يتم عادة استهداف المناطق الأكثر إيلاما وحساسية مثل اقتلاع الأظافر والأسنان وتعذيب الأعضاء التناسلية، والتفتيش على مواطن الضعف والمرض في الأعضاء وتركيز الضرب عليها، بجانب الصدمات الكهربائية، والاغتصاب بإدخال أدوات مؤذية في مخرج البدن أو عضو المرأة التناسلي، ويتبع بإنزال أشد الآلام بالجسد وبدون حدود أو قيود، سوى تعليمات منع موت الضحية، إذا كان مطلوبا الحفاظ على حياتها، ويضاف إلى هذه الترسانة من آليات التعذيب التعليق من الأيدي أو التعليق من الأقدام والرأس إلى الأسفل مما يؤدي إلى تقوس الظهر وإلى آلام شديدة في العمود الفقري، ومنها أيضا التعليق بالأيدي وتدلي الساقين على مقربة من الأرض وإطلاق كلاب مسعورة تنهشها". (11)

 

كل هذه الوسائل في التعذيب لا يقتصر أذاها على ما تولده من آلام جسدية فقط، بل إن دلالتها الرمزية والنفسية قد تكون أصعب احتمالا، "إذ تهدف إلى تحقير الضحية وإذلالها وتجريدها من دلالتها الإنسانية"، ويتجلى ذلك بشدة في عملية الاعتداء على الأعضاء التناسلية والاغتصاب بالعصي والخراطيم والقناني، فهي عملية تهدف إلى تحطيم صورة الذات، "والمقصود هنا أن لا يبقى للضحية أي حيز من الخصوصية أو أي حدود لحرمة الجسد خارج سيطرة الجلاد" (11)، وهو ما يسميه فرانكل بالوجود المتعري الذي يهدف إلى سحق أي مقاومة للضحية واستباحتها على كل الأصعدة.

 

وتستمر عملية تحقير الضحية من خلال الشتائم والسب والإهانة، في جو من التهديدات بانتزاع الاعتراف، وبإنزال آلام لا تخطر على بال الإنسان، ويصاحب ذلك التهديد السخرية من الضحية وآلامها وصراخها والعبث بمختلف أعضاء جسدها في نوع من التشفي والهزء بمقاومتها العبثية، فتشعر الضحية إزاء التعذيب الذي يصب عليها باستطالة الزمن حتى يبدو كأنه أبدية لا نهاية له، وتتمنى الخلاص ولو بالموت باعتباره الراحة الكبرى، ويهتم الجلادون كثيرا بإطلاق شعور الأبدية هذا لدى الضحية، إذ إنه يُشكّل شرطا للانهيار والاستسلام، "فالمعاناة والآلام تظل قابلة للاحتمال ما دامت مؤقتة أو معروفة الأجل، أما التعذيب المتكرر والوحشي الذي يبدو بلا نهاية فهو يكسر الإرادة ويغير دلالة الأشياء بحيث تصبح المقاومة والتحمل بلا جدوى". (11)

 

ويحكي المستشار جريشة في رسالة له من السجن الحربي كتبها في أكتوبر/تشرين الأول عام 1966 أن حمزة البسيوني قال لهم يوما: "انتو عارفين رأيي فيكم، انتم تستحقوا الإبادة، انتم أخطر على البلاد من اليهود، لن تخرجوا هذه المرة من السجن الحربي"، ويضيف حجازي أن الاعتداء على الجسد هو اعتداء على الهوية الذاتية، "ذلك أن أول هوية تتكون لدى الإنسان خلال نموه هي علاقته بوالديه واسمه وكيانه الجسدي".

صورة مسربة من السجون المصرية عام 2018

 

وعندما يشعر المعتقل أنه فقد كيانه الجسدي يشعر أنه مستباح وفاقد للسيطرة، ومع الصراخ الذي يمثل للجلاد خضوع الضحية للتعذيب، حتى إن أكثر ما يثير غضب الجلاد هو "تسلح الضحية بالصمت الذي يعني إفلاتها من سطوته، فيشتاط الجلاد ويزيد من جرعة العذاب حتى يسمع صراخ الضحية فيطمئن أن هدفه تحقق". مع هذا الصراخ وهذه الآلام الوحشية يشعر الإنسان أن روحه تخرج منه، هنا يتجاوز الألم الشعور الحسي المحض وينتقل إلى مستوى الألم الدلالي أو النفسي، "فلا يعود التعذيب برانيا، بل يصبح جوانيا حميما. إنه يغير دلالة الذات نازعا عنها كل قيمتها وحرمتها، ويحل محلها صورة الخجل والعار". (11)

 

هذه المرحلة يسميها الطبيب النفسي فيكتور فرانكل "البلادة والموت الانفعالي"، وهي علامة الانتقال من الألم الجسدي إلى الألم النفسي، حيث "لا يعود للضحية من مخرج سوى الاحتماء بالموت الوجودي: لا تعود تحس، لا تعود تبالي، لا تعود تريد، لا يعود لها وجود كياني، إنها مسكونة بالجلاد من الداخل، فتنهار المرجعية الذاتية بهذا الشكل ويستسلم الإنسان لواقعه بالكامل"، والصورة الأخرى لتلك المرحلة هي الفصام ما بين الذات والجسد الخاضع للتعذيب الذي يتجاوز حدود الاحتمال، "فتصبح الضحية اثنين، هي وجسدها، هي وظلها" (11)، حتى تجد الإنسان يخجل من جسده أو يكرهه أو يهمله بالكامل.

 

لكن ماذا يحدث بالضبط داخل الضحية المُعذبة؟ يجادل مصطفى حجازي أن انهيار الإنسان أمام التعذيب لا ينجح إلا بمقدار ما تثار مشاعر الذنب الدفينة، وتنشط من جديد تحت وطأة آلام التعذيب صورة الطفولة الآثمة، "وهي الطفولة التي تعرضت للتوبيخ الدائم والإشعار بالخطأ والوصم بالسوء من قِبَل والدين نابذين معاقبين، أو أب قاسٍ متسلط" (11)، أو تعرض الإنسان في طفولته لحدث أليم، فتتحرك لديه صورة والديه الزاجرة المعاقبة، وما يقابلها من صورة الطفولة الآثمة التعيسة لدى الضحية.

 

وتبعا لنظرية التحليل التبادلي التي طورها العالم أريك برن عن نظرية التحليل النفسي، تصبح العلاقة مع الكبار هي علاقة رضوخ طفلي تبعي لسلطة والدية معاقبة، "ويتم تعميم علاقة السلطة هذه لاحقا على كل علاقات القوة، وهذه العلاقة الطفلية الراضخة والعاجزة تتحرك تجاه سلطة مستبدة معاقبة عند بعض المعتقلين وتؤدي بهم إلى الرضوخ والاستسلام، من موقع استفحال الشعور بالذنب لديهم، وهو شعور غير واقعي، ولا هو راهن، إنما هو وهمي طفلي يظل كامنا في اللاوعي على شكل أخطاء خلقية، تجعل الإنسان من هؤلاء يعيش تحت شعار الذنب والخطيئة". (11)

صورة مسربة من السجون المصرية عام 2018

 

فتهدف عمليات الاستجواب تحت العذيب إلى إثارة مشاعر الذنب بشكل مقصود، فيتوهم المعتقل أنه مخطئ ومذنب، بل قد يعتبر نفسه مجرما وبالتالي يستسلم لجلاديه، ويصبح الاعتراف ليس مجرد وسيلة للخلاص من الألم الجسدي ومعاناته، بل كذلك للخلاص من وطأة مشاعر الذنب الطفلية التي تحركت في لا وعيه من جديد. ويذهب حجازي إلى أن الوجه الآخر لهذه الدينامية النفسية، أي دينامية التأثيم التي يمارسها الجلادون خلال الاستجواب تحت التعذيب، هو إسقاط صورة الأب المهدد على المحقق والجلاد والذي يعلم المعتقل أنه لا سبيل لمجابهته إلا بالرضوخ. (11) لكن الإنسان دائما قادر على المقاومة، إلا أن جسده يضع حدودا لتلك المقاومة، فلا ينهار الإنسان حتى ينهار جسده بالكامل.

 

الشفخانة.. التعذيب بالإجهاد
يحكي سعد زهران الذي اُعتُقل مرتين بسجن الأوردي الملحق بسجن أبو زعبل عن المعتقلين "الكسّر"، أي أولئك الذين تحول حالتهم الجسمانية دون العمل في الجبل، فيتكومون قرب الحائط في إحدى الحارات الممتدة بين العنابر، وظهورهم أشد انحناء، ورؤوسهم أكثر تنكيسا، والشاويش ينهال عليهم بين الحين والحين بشومته الغليظة كلما رأى الضابط أو لمح المأمور يمر من بعيد، وهم في انتظار خروج طابور العمل حتى ينصرفوا هم إلى عملهم داخل الأوردي، فيقول: "لمحت أحد المعتقلين واقفا، أشد ما يكون انحناء. ثم انهار ذلك المعتقل على الأرض ولم يستطع القيام.. وامتدت يد الشاويش، فانتزعت المعتقل من فوق الأرض، وأخذ يجرجره ويكيل له ما أمكن من اللطمات واللكمات ويركله ويدفعه.. كان ذلك هو علي الديب.. الذي عرفنا بعد ذلك بإصابته بالإسهال الشديد والمرض الشديد..

 

وفي المرة الثانية التي رأيت فيها علي..كان قد سقط منهارا أثناء العمل في الجبل، واجتمع عليه عدد من الشاويشية وأوسعوه ضربا بالعصي وركلا بالأحذية، لكنه لم يتحرك من مكانه.. وعندما كتب طبيب السجن ترحيلا عاجلا لعلي الديب إلى مستشفى خارجي، أعادوه إلى غرفة الترميم.. فتسنى لي أن ألمحه عن قرب، كانت تلك الأيام قد أحالته إلى هيكل عظمي، يربط بين أجزائه جلد أغبر مصفر، وكان وجهه أشبه بجمجمة ميت، نتأت جبهته ونفرت عروقها، واتسعت حدقتاه وتحجرت نظراته، وظهرت عيناه وكأنهما ضِعْف حجمها الطبيعي، وقد تعلق جفناه فهما لا يطرفان، وبرز أنفه وضاقت فتحتاه.

وعندما قام الشاويش بإعطائه حقنة خاصة قد نصح بها الطبيب لكي يتحمل علي مشقة الترحيل، لم يحدث أي رد فعل عند علي الديب، كان يبدو أن كل قدرة له على الاستجابة لما يحيط به قد توقفت، وخرج علي الديب وهم يجرّونه خلفهم ونحن نقول له بصوت خفيض: مع السلامة يا علي شد حيلك.. ربنا يشفيك.

وبعد يومين عرفنا أن علي الديب قد مات". (12)

 

تمثل حالة علي الديب التي حكى عنها سعيد زهران، والحالات الأخرى الكثيرة التي حدثت من قبل وتحدث الآن في سجون النظم العربية الحالية، حالة الإنهاك التي يقوم فيها الجلادون بإجهاد المعتقل جسديا وعصبيا، عبر التحكم في حاجات الجسد الأولية. وتتعدد عمليات الإجهاد التي تستخدم كمرحلة أولى من مراحل غسيل الدماغ، ويذهب مصطفى حجازي أن أبرزها هو "وضع الجسد في وضعيات مرهقة لمدة طويلة، مثلا السجن في قفص ضيق لا يستطيع الإنسان الجلوس فيه أو الوقوف أو الحركة، وبوضعية لا يمكن احتمالها إلا لفترة بسيطة من الوقت فقط، إذ إنها تولّد آلاما وإرهاقا شديدين، ومنها وضع الأكياس البلاستيكية في الرأس لمنع التنفس العادي، أو الحبس في حيز ضيق وخال من التهوية". (13)

 

ويضاف إلى ذلك، وضع السجين في حوض من الماء البارد جدا في الشتاء، أو التلاعب بحرارة الزنزانة ما بين الحر الشديد والبرد الشديد، عن طريق مواد البناء و"الأسفلت" المستخدم في بناء الزنازين، وكذلك التعريض للحر أو البرد لفترات طويلة، والوقوف في وضعية تولّد آلاما شديدة كأن يقف السجين مباعدا بين قدميه ومستندا بشكل منحن برؤوس أصابعه على الحائط لفترة طويلة، ومنع النوم عن السجين لفترات طويلة تتجاوز عدة أيام دفعة واحدة.

 

ومثلما يحكي عبد الرحمن منيف على لسان المعتقل رجب في رواية "شرق المتوسط"، حيث يقول: "بدا لي النوم في تلك اللحظة أجمل لذة يمكن للإنسان أن يمارسها، ولكن النوم يصبح مستحيلا وأنت واقف في الماء البارد"، فالحرمان من النوم طريقة فعالة ومعروفة ليس فقط في إجهاد المعتقل وإنهاك جسده، بل لتدمير عقله بالكامل وتفريغه مما فيه من أفكار ومعتقدات وزرع أخرى مكانها، وهذا الأسلوب الذي اكتشفته نعومي كلاين من حوارها مع معتقل سابق في السجون الأميركية هو ما بنت عليه فكرة عقيدة الصدمة بالكامل. (14)

 

وقد اكتشف هذا الأمر خبراء غسيل الدماغ من الصينيين والسوفيت، حيث وجدوا أن الحرمان من النوم لمدة طويلة يؤدي إلى اضطرابات في الإدراك وهلاوس، كما يظهر التفكير الاضطهادي الذي تصاحبه هذيانات، وهو ما يجعل المعتقلين أكثر عرضة لتحول معتقداتهم ونظم قيمهم (15)، كما يساعد على انهيار الجواسيس بشكل سريع.

 

ويذهب الدكتور مصطفى حجازي إلى أن أصول عمليات الإجهاد في التعذيب الجسدي والنفسي تعود إلى تجارب عالم الفسيولوجيا الروسي الشهير بافلوف، الذي وضع مبادئ وقوانين التعلم الشرطي الكلاسيكية، حيث أجرى بافلوف سلسلة من التجارب ليثبت نظريات التعلم الشرطي على الحيوانات، لكن في إحدى عطل نهاية الأسبوع في عام 1924 حدث فيضان ماء كبير في المختبر الذي تحتجز فيه الكلاب في أقفاصها نتيجة المطر الغزير، ووصل الماء إلى مستوى أعناق الكلاب التي لم تكن تستطيع عمل شيء في أقفاصها للهروب من ذلك الوضع، فأصيبت الكلاب بذعر شديد وهياج هائل، وأصبحت في حالة عجز كاملة. لكن بافلوف قد فوجئ بعد هذه الحادثة أن الكلاب أصبحت في حالة تشويش واضطراب، وفقدان سيطرة على سلوكها، كما أنها نسيت ما تعلمته خلال التجارب السابقة التي أُجريت عليها، وهو ما فتح أمامه مجالا مهما وخطيرا لدراسة تلك الظاهرة بشكل منهجي، وأصبحت تشكل الأساس العلمي لعمليات غسيل الدماغ التي تمارس على الأسرى والمعتقلين. (15)

 

التعذيب بالحرمان والتحكم في الجسد


"نادِ الخلائق تشهد الشعر .. العقرب الشـــمس ناظمِ الكلم

حكاية سجنٍ شاع ظلامهُ .. وذاع عذابــــــهُ بالوادِ والقممِ

بين السجون لا يضارع له .. حـــــــقدٌ وكرهٌ وروح منتقمِ

هو الجمرة الحمراء نهار صيفه .. والزمهرير شتاه بلا رحمِ

جدرانه الصخر وأبوابه الصُلب .. كبِنَا ثمود وعـادٍ بذي إرمِ

الجوع يفترس البطون توحشًا .. حتى بدا الأُسَارى جلدا على عظمِ"

(قصيدة كتبها المعتقل عصام سلطان من داخل سجن العقرب)

 

أثبت عالم النفس الكندي "هيب"، عبر سلسلة من تجارب العزل الحسي، الأضرار الكبرى التي تصيب التوازن النفسي للإنسان نتيجة عزله عن محيطه، حيث طلب من 22 متطوعا من طلاب الجامعة، لقاء أجر مادي، أن يقيموا في غرفة معزولة في وضعية مريحة للجسد، لكنه منع عنهم أي إثارة حسية (اللمس، السمع، البصر، الشم)، والمفاجأة أن نصفهم أي 11 متطوعا من 22 قد أوقف التجربة بعد أقل من 24 ساعة، بل إن بعضهم عاش التجربة كشكل من أشكال التعذيب، مفضلين سماع أي صوت بدلا من انعدام المثيرات. (15)

 

"ولقد وجد من نتائج هذه التجارب أن التجربة الذاتية للشخص المعزول تتطور على عدة مراحل، أولها يحس الخاضع للتجربة بالاسترخاء والنشوة والراحة الناجمة عن التحرر من المثيرات، وفي مرحلة ثانية تظهر صعوبات في التفكير المنطقي الموجه حيث تنتاب الشخص حالة من السرحان والملل وتناوب فترات النوم واليقظة، مع زيادة الملل والريبة عندما لا ينام، وتظهر بعدها إثارة عصبية في الحركة مع توتر شديد واكتئاب وبحث عن وسيلة للتنبيه الذاتي من خلال التركيز على الأحاسيس الحشوية، يلي ذلك تدهور القدرة على الإحساس بصورة الجسد وحدوده، ومعاناة أعراض احتلال الذات وتدهور التوجه الزماني والإحساس بالزمن تصحبها مخاوف غامضة وغريبة". (15)

 

وفي دراسات أخرى أكثر حداثة (15) جاء أن العزل في بيئة خالية من المثيرات تعمل -إذا طالت مدته- على ترقيق القشرة الدماغية، "وبالتالي تؤدي إلى تدهور الكفاءة الذهنية، ذلك أن انعدام المثيرات يؤدي إلى اضمحلال الشجيرات العصبية التي تُشكّل الاتصال بين خلايا الدماغ". كما وجد العلماء حديثا (15) أن النشاط الحركي الغني والمتنوع يؤدي إلى تغذية الدماغ خلال تدفق الدم المحمل بالأكسجين والغذاء إليه، وعلى عكسه منع الحركة في حالة الاعتقال.

 

لكن كل تلك النتائج تُعدّ صفرا بالنسبة إلى تجربة السجن الحقيقية، حيث كتب المستشار علي جريشة في أكتوبر/تشرين الأول سنة 1967 من زنزانته: "لا نزال دون حقوق المجرم القاتل.. لا نزال ممنوعين من الشمس والهواء.. لا نزال ممنوعين من الزيارة.. لا نزال ممنوعين من الخطابات.. لا تزال حيازة المصحف جريمة يجرى التفتيش عليها.. لا يزال "القلم" والورقة جريمة كذلك.. لا نزال ممنوعين إلا من طعام السجن.. الفول.. العدس.. فلا طعام من الزيارات ولا طعام خاص.. مسموح لنا في الغطاء ببرش شبيه بالدواسة التي يمسح فيها الشخص قدميه عند دخول المنزل أو المكتب.. ولكنه يتميز بأنه أكثر خشونة وبطانية واحدة.. الزنزانة شديدة الرطوبة.. سقفها مفتوح من أعلى يدخل منه تيار هواء بارد رطب.. بدأت أحس بآلام في ظهري.. بدأت أحس أن إغلاق الزنزانة بقصد قتلنا قتلا بطيئا". (16)

 

وهذا عينه ما يتكرر حاليا في سجون النظم العربية خاصة في مصر، حيث تتحول كل حاجات الجسد إلى وسائل للتحكم، منها مثلا "منع الاغتسال والنظافة لأسابيع، أو منع الذهاب إلى دورة المياه، وإرغام السجين على التبول أو التغوط في ملابسه. هنا يصبح الجسد بروائحه عديم الاحتمال، فيتحول إلى وسيلة للنيل من الكرامة الذاتية وصورة الذات واحترامها"، وقد وضح عبد الرحمن منيف ذلك في روايته "شرق المتوسط"، حين تحدث رجب كيف أنهم "دقوا على باب المرحاض مرتين وثلاثة طالبين مني التوقف والخروج ولم أستطع أن أعمل شيئا" (17)، فيتم حرمان السجين من أشد لحظاته خصوصية، والتحكم في أبسط حاجاته الجسدية.

 

ويأتي التجويع ليشكل وسيلة أساسية أخرى للتعذيب وكسر المقاومة، "فالجوع لا يؤثر فقط على الوهن الجسدي، بل يؤثر أساسا على نشاط الدماغ والجهاز العصبي، المعروف علميا بأنه يستهلك كمية كبيرة من الطاقة والسكريات كي ينشط بشكل طبيعي، ومع الجوع الشديد والمزمن يتدنى عمل الدماغ، مما يؤدي إلى التشويش الذهني الذي يُشكّل المدخل إلى فقدان السيطرة العقلية على السلوك". (18)

ويذهب الدكتور مصطفى حجازي إلى أن الجوع المزمن نتيجة الحرمان من الطعام يفجر على المستوى النفسي اللاواعي مشاعر الطفل المحروم عاطفيا أي الطفل المنبوذ، "ذلك أن الحب يرتبط منذ فجر الحياة بالرضاعة والحليب.. ومن خلال التجويع تتفجر لدى السجين حالة تبعية طفلية يطلق عليها اسم "التعلق الرضوخي" وهو تعلق يعاش على شكل انعدام القيمة الذاتية واستجداء القبول والرضا من الآخر، "وهو ما تستهدفه آليات التعذيب، فهي تحاول كسر الصلابة والمرجعية الداخلية من خلال التجويع، برد السجين إلى حالة الطفل ذي الكيان الخاوي، على غرار خواء المعدة من الطعام". (18)

 

ويضيف حجازي أن "حرمان الدماغ من الغذاء بسبب كمية الطعام الدنيا التي تُعطى للسجين بالإضافة إلى تجربة السجن والعزلة، تُعرّض دماغ الإنسان للخطر، حيث يتدهور التفكير، ويتراجع الوعي والرؤية والبصيرة، ويصبح السجين أسير جلاديه الذين يتلاعبون بدماغه"، وقد أثبت المعالج النفسي "بولبي" من خلال نظرية التعلق التي قال بها إن "أساس كل قلق هو قلق الانفصال حين يجد المرء ذاته وحيدا ومعزولا، فالعزلة الطويلة عن الآخرين تفجر قلق الانفصال، وهو القلق الأكثر طفلية والذي يجد نموذجه في الذعر الذي ينتاب الطفل حين ينفصل عن أمه". (18)

 

وحين يتفجر هذا القلق الطفلي أو قلق "الطفل المهجور"، حسب بولبي، يصبح الشخص في حالة نكوص يؤدي إلى تردي قدراته على المقاومة، ومناعته النفسية الداخلية، "ويحتاج المرء إلى درجة عالية من الطمأنينة والمناعة النفسية كي يقاوم هذه الآثار"، ومن هنا نفهم أثر عقوبة السجن الانفرادي على الإنسان المعتقل، وكيف يستغل الجلادون السجن الانفرادي في تفجير قلق الإنسان وكسر مناعته الداخلية.

من سجون لبنان



إلى المعتقلين.. كيف تقاوم الجلادين؟

"قد تحررنا من الخوف إلى حدّ ما، وهذا بعد أن أَلِفنا الجلادين، ولكن الشيء الذي لم أستطع أن أتحرر منه رغم محاولاتي المتكررة فكان الألم"

(أحمد رائف، البوابة السوداء)

أمام كل هذا العذاب، وتلك التقنيات الخبيثة للتحكم في المعتقل والسيطرة على عقله، ولكي لا ينهار المعتقل، فيفقد كرامته وشعوره بالحياة كما حدث لرجب في رواية "شرق المتوسط"، أو ينهار فيعترف على زملائه، فيلازمه الشعور بالذنب، يجب أن يتسلح المعتقل بالمقاومة التي تحصنه ضد جحيم التعذيب، وهذه المقاومة يمكن أن تكون مربعا من أربعة أركان (18):

الركن الأول: هو توفر عقيدة أو قضية تتسامى على الوجود المادي، وتربط الإنسان بحالة متسامية، وتحصن قيمته الذاتية باعتبارها مستمدة من انتمائه إلى هذه العقيدة وتضحيته من أجلها، فتتحول آلام التعذيب إلى كفاح من أجل القيمة التي تعطي الاعتبار والدلالة للضحية.

الركن الثاني: التمسك بقدوة حسنة ومرجعية قيادية يتمسك بها السجين وينتمي إليها، ومن خلال هذا التماهي والانتماء يتحصن ضد السلطة المهددة المعاقبة، فيتحصن السجين بصورة الأب الطيب المثالي الرعي القائد لمقاومة انفجار صورة الأب السيئ المعاقب الذي يؤدي إلى الرضوخ والاستسلام.

 

الركن الثالث: الجماعة المرجعية المتمثلة في أُخوّة القضية أو العقيدة، "والتي توفر (نحن المرجعية)، هنا تكتسب الذات قوة (النحن) ومناعتها، وتستمد منها الحصانة من خلال الانتماء".

الركن الرابع: يتمثل في الأسرة التي تلعب دورا مرجعيا وخاصة الأم، "ذلك أن لكل بطل أمًّا مرجعية، والبطولة لا تنفصم عن الأمومة الراعية، وهنا نعود إلى القبول غير المشروط من الأم لابنها باعتباره أساس المناعة والطمأنينة". (18)

 

هكذا، وبتلك الأركان يستطيع الإنسان مقاومة هذا الانحطاط البشري والجحيم الذي يلقاه داخل السجن، ويذهب العالم النفسي فيكتور فرانكل إلى أن خلاص الإنسان هو من خلال الحب وفي الحب، حتى لو لم يبق له شيء في هذه الدنيا، "فهو لا يزال يعرف السعادة.. من خلال التأمل والتفكير في المحبوب" (19)، ومن خلال البحث عن معنى الحياة، الذي تأمله فرانكل في المعاناة من أجل قضية سامية، فيقول: "وحالما يتكشف لنا معنى المعاناة، فإننا نرفض أن نقلل من ألوان التعذيب بالمعسكر أو أن نتجرد منها عن طريق تجاهلها أو اللجوء إلى الأوهام الكاذبة والتمسك بتفاؤل مصطنع كاذب.. فهناك كثير من الآلام والمعاناة مما يتحتم علينا أن نجتازه، لذا فمن الضروري أن نواجه كل المعاناة محاولين الاحتفاظ بلحظات الضعف وبفترات الدموع المنهمرة.. فلا حاجة للخجل من الدموع".

 

 وكما اكتشف فرانكل معنى حياته داخل معسكر الاعتقال النازي عبر التفكير في زوجته، أرسل المستشار علي جريشة رسالة من داخل زنزانته إلى صهره يقول فيها عن زوجته: "لقد اكتشفت جوهرها في المحنة.. والمحن تظهر الجواهر"، وفي رسالة أخرى يقول لها: "شريكة الجهاد.. منذ اخترت.. صرت شريكة.. شريكة في الجهاد وشريكة في الثواب إن شاء الله.. واليوم رابطة أخرى، فوق روابط سابقة، هي الحب في الله، والحب في الله أقوى من كل حب وأبقى من كل حب".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار