اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/5 الساعة 13:08 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/22 هـ

انضم إلينا
لماذا لا يجب علينا الخشية من إدمان التكنولوجيا؟

لماذا لا يجب علينا الخشية من إدمان التكنولوجيا؟

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض
إلى أي مدى يجب أن يقلق الناس حول التأثيرات النفسية للوقت الذي يقضونه أمام الشاشات؟ إذ يبدو أن التوازن بين استخدام التكنولوچيا مع الجوانب الأخرى للحياة اليومية أمر معقول، لكن ثمة الكثير من النصائح المتعارضة بشأن الطريقة الأمثل لذلك التوازن. ويتمحور معظم هذا النقاش حول مقاومة "إدمان" التكنولوجيا. لكن بالنسبة لي يمثل كل هذا فزعا أخلاقيا من شأنه أن يوفر منبرا لادعاءات مُخيفة قائمة على أدلة وبيانات ضعيفة.

    

على سبيل المثال، سلط برنامج الصحفية التلفزيونية كيتي كوريك، "أميركا من الداخل والخارج" (America Inside Out)، في إحدى حلقاته، التي أذيعت في شهر أبريل/نيسان عام 2018، الضوء على تأثيرات التكنولوجيا على أدمغة الناس. واستضافت الحلقة المؤسس المساهم لشركة تعمل في مجال علاج إدمان التكنولوجيا. وقد عقد ذلك الشخص مقارنة بين إدمان التكنولوجيا وإدمان الكوكايين وغيره من أنواع المخدرات الأخرى. وأشار البرنامج ضمنيا أيضا إلى أن التكنولوجيا قد تؤدي إلى نوع من فقدان الذاكرة شبيه بمرض ألزهايمر. وربط آخرون، مثل عالمة النفس جين توينغ، بين الهواتف الذكية وانتحار المراهقين.

  

وبصفتي طبيبا نفسانيا فقد عملت مع المراهقين والعائلات وأجريت أبحاثا حول استخدام التكنولوجيا وألعاب الفيديو والإدمان، وأعتقد أن معظم هذه الادعاءات المثيرة للرعب عن التكنولوجيا ليست سوى هراء. ولذلك ثمة العديد من الأساطير حول إدمان التكنولوجيا تستحق أن تفند ويكشف عن زيفها بأبحاث حقيقية.

      

   

التكنولوجيا ليست مخدرا

يدّعي بعض الناس أن استخدام التكنولوجيا يستثير نفس مناطق المتعة في المخ التي يستثيرها الكوكايين أو الهيروين أو الميثامفيتامين. هذا الأمر صحيح بعض الشيء، لكن استجابة المخ للتجارب الممتعة ليست حكرا على الممارسات غير الصحية فقط.

  

ينتج عن الممارسات التي تبعث على المتعة والمرح زيادة في إفراز هرمون الدوبامين في "دوائر المتعة" بالدماغ، سواء كان ذلك بسبب السباحة أو قراءة كتاب جيد، أو إجراء محادثة ممتعة أو تناول الطعام أو ممارسة الجنس. يؤدي استخدام التكنولوجيا إلى إفراز الدوبامين بطريقة مشابهة للنشاطات الممتعة العادية الأخرى: بمقدار يتراوح ما بين 50 إلى 100% زيادة عن المستويات الطبيعية.

 

على النقيض من ذلك يزيد الكوكايين من إفراز الدوبامين بنسبة 350% والنسبة الأعظم تصل إلى 1200% عند تعاطي الميثامفيتامين. هذا بالإضافة إلى أن دراسات حديثة وجدت اختلافات هائلة في الكيفية التي تعمل بها مستقبلات الدوبامين لدى الأشخاص الذين سبب لهم استعمال الحاسوب مشاكل في حياتهم اليومية، مقارنة بالأشخاص الذين يتعاطون المواد المخدرة. لكني أعتقد أن من يدّعون تشابه استجابة الدماغ لألعاب الفيديو مع تعاطي المخدرات إنما يحاولون تشبيه قطرات الماء المتساقطة من صنبور بشلال كبير.

 

وكثيرا ما تستند المقارنات بين إدمان التكنولوجيا وتعاطي المواد المخدرة أيضا إلى دراسات تصوير المخ والتي أثبتت هي نفسها أنها مصدر غير جدير بالثقة في توثيق الادعاءات التي حاول مؤلفوها طرحها. كما أثبتت دراسات تصوير المخ الحديثة عدم صحة الادعاءات السابقة، القائلة بأن ألعاب الفيديو العنيفة تقلل من حساسية الأدمغة الشابة مما يؤدي إلى إظهار الأطفال روابط عاطفية أقل مع معاناة الآخرين.

        

  

إدمان التكنولوجيا ليس شائعا

غالبا ما يعبر الأشخاص الذين يتحدثون عن إدمان التكنولوجيا عن إحباطهم من استخدامهم للهواتف الذكية، أو عدم قدرتهم على فهم سبب ممارسة الأطفال لألعاب الحاسوب بذلك القدر الكبير. لكن هذا ليس إدمانا حقيقيا ينطوي على تداخل حاد مع الأنشطة الحياتية الأخرى مثل المدرسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية.

  

يشير البحث الذي أجريته إلى أن 3% من اللاعبين أو أقل نشأت لديهم مشاكل سلوكية مثل إهمال الواجبات المدرسية، الأمر الذي قد يبدو واضحا في انخفاض درجاتهم بالصفّ. لكن معظم هذه الصعوبات طفيفة وتختفي من تلقاء نفسها مع مرور الوقت.

   

إدمان التكنولوجيا ليس مرضا عقليا

حتى اليوم ليس هناك تشخيص طبي نفسي رسمي مرتبط بإدمان التكنولوجيا. وقد يتغير هذا الأمر، فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية عن نيتها إدراج "اضطراب الألعاب" في نسختها القادمة من ملخص الأمراض الدولية. لكنه اقتراح مثير للجدل إلى حد كبير. فقد كنت من بين 28 باحثا ممن كتبوا إلى منظمة الصحة العالمية محتجّين على أن هذه القرار غير مدعوم بالحقائق العلمية. ويبدو أن منظمة الصحة العالمية تجاهلت الأبحاث التي أشارت إلى أن "اضطراب الألعاب" هو عرض لأمراض نفسية أكثر تجذرا مثل الاكتئاب وليس اضطرابا في حد ذاته.

     

وأصدرت هذا العام شعبة علم النفس والتكنولوجيا الإعلامية التابعة لجمعية علم النفس الأميركية والتي أنا زميل فيها، تصريحا ينتقد قرار منظمة الصحة العالمية. بينما اعترضت المنظمة الشقيقة لمنظمة الصحة العالمية، وهي منظمة اليونيسيف، على استخدام تعبير "الإدمان" لوصف الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات.

     

  

بتنحية هذا الجدل جانبا، وجدت مؤخرا أن البيانات الحالية لا تدعم تشخيص إدمان التكنولوجيا باعتباره مرضا مستقلا بذاته. على سبيل المثال، توصلت دراسة أجرتها جامعة أوكسفورد إلى أن الأشخاص الأعلى تصنيفا في الإصابة بما يسمى بـ "إدمان الألعاب" لم يظهروا أي أعراض المشاكل النفسية أو الصحية أكثر من الآخرين. بينما توصل بحث آخر إلى أن أي مشاكل قد يعاني منها الأشخاص الذين يُفرطون في استخدام التكنولوجيا عادة ما تكون أكثر اعتدالا وأقل درجة من التي تسببها الأمراض العقلية وعادة ما تزول من تلقاء نفسها دون علاج.

 

إدمان التقنية لا تسببه التكنولوجيا

تُشير معظم النقاشات التي تدور حول إدمان التكنولوجيا إلى أن التكنولوجيا في حد ذاتها فاتنة وتؤثر على العقول العادية وتضر بها. لكن البحث الذي أجريته توصل إلى أن إدمان التكنولوجيا عادة ما يكون عرضا لاضطرابات أكثر تجذرا مثل الاكتئاب والقلق وتشتت الانتباه، إذ لا يعتقد الناس أن الأشخاص المكتئبين الذين ينامون طوال النهار مصابون "بإدمان السرير". يبعث هذا الأمر على القلق بشكل خاص عند النظر فيمن يحتاج إلى العلاج واستنادا إلى أي أعراض، فقد لا تؤدي جهود علاج إدمان التكنولوجيا إلا إلى معالجة العرض تاركة المشكلة الرئيسية قائمة.

   

التكنولوجيا ليست مسببة للإدمان بشكل خاص

لا شك في أن بعض الأشخاص يبالغون في ممارسة مجموعة واسعة من الأنشطة، وتشتمل هذه النشاطات بالفعل على استخدام التكنولوجيا، لكنها تضم أيضا التمارين الرياضية والطعام وممارسة الجنس والعمل والدين والتسوق، حتى إن هناك أبحاثا حول إدمان الرقص، لكنّ قليلا منها يحظى بتشخيص رسمي. ليس هناك سوى أدلة ضئيلة للغاية على أن التكنولوجيا يبالغ في استخدامها أكثر من أي مجموعة واسعة من الأنشطة الممتعة الأخرى.

        

  

لا يؤدي استخدام التكنولوجيا إلى الانتحار

أشار بعض النقاد إلى أن ارتفاع معدلات انتحار الفتيات المراهقات في الآونة الأخيرة يُعد دليلا على المشاكل الناجمة عن التكنولوجيا. لكن معدلات الانتحار ارتفعت بالنسبة إلى جميع الفئات العمرية تقريبا، ولا سيما البالغين الذين وصلوا إلى منتصف أعمارهم خلال فترة الـ 17 عاما الممتدة بين عامي 1999 إلى 2016. ويبدو أن هذا الارتفاع بدأ تقريبا في عام 2008، خلال فترة الانهيار المالي، وأصبح أكثر وضوحا منذ ذلك الحين. ويقلل ذلك من الادعاء بأن الشاشات هي التي تسبب انتحار المراهقين، وكذلك زيادة معدلات الانتحار لدى البالغين في منتصف العمر أكثر بكثير من الشباب. يبدو أن المجتمع يعاني من مشكلة أكبر. قد يشتت المصابون برهاب التكنولوجيا نظر الأشخاص العاديين ومسؤولي الصحة عن تحديد تلك المشكلة ومعالجتها.

  

ادعت دراسة حديثة وجود صلة بين قضاء الوقت أمام الشاشات وظاهرة اكتئاب وانتحار المراهقين. لكنّ باحثا مطلعا على البيانات نفسها أظهر أن هذا التأثير لم يكن أكبر من الصلة بين تناول البطاطا والانتحار. وهنا تكمن المشكلة، إذ يطرح الباحثون أحيانا ادعاءات مخيفة بناء على بيانات ضئيلة غالبا ما تكون مجرد لقطات إحصائية وليست تأثيرات حقيقية.

  

من المؤكد أن هناك بعض المشاكل الحقيقية المرتبطة بالتكنولوجيا، منها مشاكل الخصوصية على سبيل المثال. وينبغي على الناس الموازنة بين استخدام التكنولوجيا والجوانب الأخرى في حياتهم. ويجدر بنا أيضا أن نلحظ بعين الانتباه تلك النسبة الضئيلة للغاية من الأفراد الذين يكثرون من استخدامها بالفعل. هناك مقدار صغير من الحقيقة في مخاوفنا من إدمان التكنولوجيا، لكن الأدلة المتاحة تشير إلى أن الادعاء بوجود أزمة وكارثة أو مقارنتها بتعاطي المواد المخدرة ليس مبررا على الإطلاق.    

---------------------------------------

ترجمة فريق الترجمة

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار