اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/6 الساعة 15:18 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/23 هـ

انضم إلينا
سيكولوجية التعذيب.. كيف يمكننا فهم نفسية الجلاد ودوافعه؟

سيكولوجية التعذيب.. كيف يمكننا فهم نفسية الجلاد ودوافعه؟

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

"أستاذ وحيد هو أنت من أعداء الوطن؟!"، كان هذا السؤال هو ذروة أحداث فيلم "البريء" الذي تم إنتاجه عام 1986 من قصة وسيناريو وحوار لوحيد حامد، الذي أظهر في فيلمه شخصية الجندي المجبور على طاعة الأوامر وشخصية الجلاد متمثلة في العقيد توفيق الذي قام بها محمود عبد العزيز.

       

يوضح الفيلم الحياة المزدوجة التي يحياها الجلاد في بلادنا العربية، فالعقيد توفيق ينتقل من دور الأب واللعب مع الأطفال في بداية الفيلم، إلى دور السجان الذي لا يرحم، ويرى المعتقلين على أنهم مجرد أرقام وأشياء يجب تعذيبها وتأديبها، بل سحقها وتدميرها كليا، فكيف ينتقل الإنسان بين تلك الأدوار، وكيف يصبح الإنسان، الذي يمكن أن تلقاه في الطريق فتسلم عليه بمودة، وحشا معدوم الأخلاق والضمير، لا يتردد في سحق ضحاياه وتدميرهم كليا؟

        

    

سجن ستانفورد.. الشر الكامن في الإنسان

يحكي سعد زهران المعتقل السابق في سجن الأوردي في مذكراته أنه "في إحدى الليالي اشتد المرض على أحد المسجونين، فصاح زملاؤه يطلبون الدكتور.. فتمت إجراءات مجيء الدكتور الطويلة تحت ضغط الصياح، ودخل الطبيب زنزانة السجين وفحصه، فوجد أن الوقت قد فات، وأن السجين قد فارق الحياة. فحرر محضرا بذلك وانصرف، على أن تتم بقية الإجراءات من نقل وتشريح وكتابة التقرير في الصباح، وهنا يأتي دور الشاويش أمين.. فقد جاء في الصباح فوجد جثة السجين المتوفى تنتظر التشريح، فقام الشاويش بضرب المشرط في بطن المتوفى، فبدأت الجثة تتحرك!! وأدرك الشاويش بسرعة أن طبيب السجن قد أخطأ في تشخيص الحالة، ولم يتوفَ السجين وإنما كان في حال غيبوبة بسبب شدة المرض، فلما ضرب المشرط في أحشائه تحرك من الألم.

    

ولم يتردد الشاويش أمين لحظة. اتجهت يداه المهولتان بسرعة نحو عنق السجين وكتم أنفاسه حتى أجهز عليه وهو يصيح بانفعال: ارقد يابن الكلب! ارقد! الدكتور كتب في الأوراق الرسمية إنك مت. موت يابن الكلب، حتعمل مشكلة للدكتور. موت. موت!!". (1)

        

      

هذه القصة تشابه إلى حد كبير قصصا أخرى حكاها من قبل أشخاص مروا بتجربة معسكرات الاعتقال النازية ثم المعتقلات العربية في فترات متباينة منذ عقد الستينيات في القرن الماضي وحتى الآن، مما دفع عددا من علماء النفس والاجتماع في أوروبا وأميركا إلى إجراء عدة تجارب لفهم نفسية هذا الإنسان الذي يتحول إلى أقصى حالات الانحطاط البشري حين يتولى منصب السجان، وكان الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيجمونت بومان أشهر هؤلاء الذين استنتجوا من التجربة التي أجراها ملليجرام (2)

  

أن القسوة مرتبطة بنماذج معينة من التفاعل الاجتماعي أكثر من ارتباطها بالصفات الشخصية للجناة، فيقول: "القسوة في أصلها حالة اجتماعية أكثر من كونها سمة من سمات الشخصية، وبالتأكيد يتصرف بعض الأشخاص بقسوة ووحشية إذا ما وَعوا في محيط ينزع سلطة الضغوط الأخلاقية ويضفي شرعية على التجرد من الإنسانية". (3)

  

لكن القسوة التي ينتهجها الجلادون ليست مجرد نمط اجتماعي خارجي، هذا ما أثبتته جامعة ستانفورد الأميركية بتقديم تجربة أخرى تسمى تجربة "سجن ستانفورد" ستضيف بُعدا داخليا مرعبا لفهم سلوك السجانين، حيث أُجريت التجربة في الفترة ما بين 14 إلى 20 أغسطس/آب عام 1971 تحت إشراف فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد. وقد قام بأداء دور الحراس والسجناء متطوعون وذلك في بناء يحاكي السجن تماما. لكن التجربة سرعان ما تجاوزت حدود السيطرة وأُوقفت باكرا بعد أسبوع واحد، خوفا من إحداث ضرر بالغ بأجسام المشاركين وعقولهم. (4)

         

  

في تلك التجربة قُسِّم المتطوعون إلى فئتين متساويتين: فئة تلعب دور السجناء، وفئة تلعب دور حراس السجن، وتسلّم الحراس عصي شرطة، وبزات اختاروها بأنفسهم من محل أزياء عسكرية، وزُوّدوا بنظارات عاكسة لتجنب التواصل البصري مع المساجين. وعلى عكس المساجين تمتع الحراس بدوام على شكل دوريات، يعودون إلى بيوتهم بعد انقضائها، لكن عددا منهم صاروا يتطوعون أحيانا لساعات إضافية رغم أنها بدون أجر.

 

أما المساجين فلبسوا رداء فضفاضا من دون ملابس داخلية وصنادل مطاطية، وهو أمر رجح زيمباردو أنه سيجبرهم على التأقلم مع عادات ووضعيات جسمانية غير مألوفة ومزعجة. وقد رُمِز إلى كل سجين برقم عوضا عن اسمه، وقد خيطت الأرقام على ملابسهم، وكان عليهم أن يرتدوا قبعات ضيقة من النايلون لتبدوا رؤوسهم كما لو أنها محلوقة تماما. كما وضعت سلسلة صغيرة عند الكاحل كمنبه دائم على أنهم مسجونون ومضطهدون. 

 

وقبل بدء الاختبار بيوم واحد، جُمِع الحراس لحضور جلسة تمهيدية، لكنهم لم يتلقوا أي توجيهات، باستثناء عدم السماح باستخدام العنف الجسدي. وقيل لهم بأن إدارة السجن تقع على عاتقهم، ولهم أن يديروه كما يشاؤون.

 

أما زيمباردو فقد قال بعض التوجيهات للحراس، ملخّصها

"يمكنكم أن تولّدوا إحساسا بالخمول لدى السجناء، ودرجة ما من الخوف، من الممكن أن توحوا بشيء من التعسف يجعلهم يشعرون بأنكم وبأن النظام وبأننا جميعا نسيطر على حياتهم، و لن تكون لهم خصوصيات ولا خلوات. سنسلبهم من شخصياتهم وفرديتهم بمختلف الطرق، بالتالي سيقود كل هذا إلى شعور بفقدان السيطرة من طرفهم. وبهذا الشكل سوف تكون لنا السلطة المطلقة ولن تكون لهم أي سلطة".

       

      

لكن سرعان ما خرجت التجربة عن السيطرة، فعانى السجناء واحتملوا ممارسات سادية ومهينة على أيدي الحراس، ففي اليوم الثاني للتجربة اشتعل عصيان من قِبَل المتطوعين السجناء، وتطوع الحراس للعمل ساعات إضافية للقضاء على التمرد، دون أي إشراف من قِبَل الطاقم المشرف على الاختبار. بعد ذلك، حاول الحراس أن يفرقوا السجناء ويحرضوهم ضد بعضهم البعض من خلال تقسيمهم إلى زنزانتين، واحدة "للجيدين" والأخرى "للسيئين"، ليوهموا السجناء من وراء ذلك أن هناك مخبرين تم زرعهم سرا بين السجناء. ونجحت الخطة وآتت الجهود أكلها، فلم يظهر بعد ذلك أي تمرد كبير. وقد ذكر بعض المستشارين بأن هذه الخطة تستخدم بنجاح في السجون الحقيقية في أميركا.

  

وبعد ذلك تحول السجن إلى مكان منفر وغير صحي، وصار الدخول إلى الحمامات امتيازا قد يحرم منه السجين، وأُجبر بعض السجناء على تنظيف المراحيض بأيديهم المجردة. وتم إخراج الفرش والوسائد من ما سُمّيت زنزانة "السيئين"، وأُجبر السجناء على النوم عراة على البلاط. أما الطعام فكثيرا ما حُرم السجناء منه كوسيلة للعقاب، وفُرِض العري على السجناء وتعرضوا للتحرش الجنسي والإذلال من قِبَل السجانين. مما اضطر زيمباردو لإيقاف التجربة بعد أسبوع واحد لسلامة المشاركين. 

 

لكن من خلال ذلك الأسبوع الذي جرت فيه التجربة، تتابعت التعليقات والاستنتاجات، أما أكثر شيء مخيف فقد كان "هذا التحول الكلي العجيب لشباب أميركان محترمين وودودين إلى ما يشبه وحوشا من العينة التي يقال إنها توجد فقط في أماكن مثل معسكر أوشفيتز ومعسكر تريبلينكا" (5)، أما الباحث جريجوري باتسيون فافترض أن سلوك الحراس والمساجين سار في "سلسلة قوية من الفعل ورد الفعل إلى أن تصل إلى درجة لا يمكن فيها التحكم في الموقف" (5).

       

      

ويشرح أن المكانة الصورية للحراس عززها خنوع السجناء، وهذا الخنوع شجع بدوره الحراس على إظهار قوتهم أكثر فأكثر، مما انعكس تماما على زيادة إحساس السجناء بالمهانة والإذلال الذاتي، "حتى إن الحراس أجبروا السجناء أن يغنوا أغاني بذيئة، وأن يتغوطوا في دلاء لا يُسمح لهم بإفراغها، وأن ينظفوا المراحيض بأيديهم، وكلما واصل الحراس هذا الإذلال، تصرفوا وكأنهم مقتنعون تماما بعدم إنسانية السجناء، وقل شعورهم بأنهم مقيدون في ابتكار أساليب غير إنسانية وأكثر قسوة وفظاعة" (5).

  

الإنسان النائم.. الشر الكامن بداخلنا

طالما امتلأ التاريخ البشري بهؤلاء القساة والجلادين والمستبدين، وهو ما دعا الفيلسوف فريدريك نيتشه إلى أن يقول: "إنه حيث الحياة هناك الرغبة، ولكنها ليست الرغبة في الحياة، بل الرغبة في امتلاك القوة". أما ميشيل فوكو فقد "اعتبر أن كل المجتمع غاطس في حوض من علاقات القوة، "فالكل يحارب الكل" في حرب أهلية مبطنة غير معلنة. وفي هذا الخضم العارم من النزاع وعلاقات القوة فإن الأقوياء يسعون ليس إلى بناء علاقات إنسانية؛ بل إلى امتلاك زمام السلطة والسيطرة على الآخرين بشتى الطرق". (6)

        

    

تجربة سجن ستانفورد أثبتت تلك الكلمات بشكل قطعي، فهذا التحول الكلي من شخص سوي إلى وحش منحط بيّنته التجربة، جعلت بعض المراقبين يعتقدون أن معظم الناس، إن لم يكن كلهم، يعيش بداخلهم جلاد يتوارى عن الأنظار وينتظر اللحظة المناسبة ليخرج (7)، ويعلق زيجمونت باومان أن سجن ستانفورد قد اكتشف "آيخمان كامن" داخل كل رجل عادي (7). أما جون شتينر فقد سك مصطلح "الإنسان النائم" ليشير إلى القدرة الساكنة بطبيعتها على التصرف بقسوة ووحشية والتي تنشط في بعض الأحيان.

  

ويشرح باومن أن "تأثير الإنسان النائم يشير إلى سمة العنف الكامنة داخل بعض الأشخاص مثل المستبدين والطغاة والإرهابيين عندما تتحقق علاقة القفل والمفتاح، وقتها يستيقظ النائم من المرحلة الطبيعية الخاصة بنمط سلوكه، وتنشط السمات العنيفة الكامنة في الشخصية"، ويكمل باومن أن "أشد ما يؤسف له، السهولة التي ينزلق بها معظم الناس إلى الدور الذي يتطلب القسوة أو على الأقل العمى الأخلاقي، فقط في حالة وجود سلطة عليا تدعم هذا الدور وتضفي عليه الشرعية.. فكان مصطلح الإنسان النائم يبدو وكأنه سند ميتافيزيقي. فلسنا حقا بحاجة إليه حتى نفسر الإيمان الجماعي بدين القسوة" (7).

 

لكن، إذا كانت تجربة سجن ستانفورد قد بيّنت هذه القدرة الكامنة في الإنسان على التحول من إنسان عادي إلى وحش قاسٍ لا يعرف الرحمة ويتفنن في الإذلال والإهانة إذا ما امتلك سلطة مطلقة ليس عليها أي قيود أخلاقية من أي نوع، فماذا يحدث بالضبط داخل نفسية هذا الإنسان، وكيف يبرر لنفسه تلك الأفعال، هل هو مجرد حب مطلق للسلطة يدعمه استعداد كامن للشر والقسوة؟

   

سيكولوجية الجلاد

في إحدى رسائل المستشار علي جريشة التي كتبها من زنزانته، كتب المستشار متسائلا: "لعلك لا تعرف أني اعتقلت في سنة 1965، لكنك تعرف بكل تأكيد أن الألوف اُعتقلوا، وأن الألوف عُذّبوا والألوف شُرّدوا وحُوربوا.. ومن قبل ذلك بعشر سنوات تكررت المأساة على نحو بشع أليم.. إن السؤال الذي أطرحه على أسماعكم لماذا كان كل ذلك؟" (8)، وبينما كتب المستشار تلك الرسالة في 1 فبراير/شباط عام 1972 فإن السؤال ما زال يتكرر حتى الآن "لماذا يحدث كل ذلك؟".

       

أما في رسالة أخرى للمستشار علي جريشة يحكي فيها أنه جلس يوما جوار مصطفى أمين في مواجهة شمس بدران، ودار الحديث بينهم، وعندما سأله عما ارتكب من جرائم تعذيب، كانت إجابته "أن ذلك كله كان أوامر.. أوامر من القيادة السياسية، وأنهم لم يكونوا يملكون غير التنفيذ!!" (8)، فهل الأمر كان مجرد تنفيذ للأوامر؟ وإزاء كل هذا الأذى الجسدي والنفسي والمعنوي الذي يلحقه التعذيب بالضحية والذي يستمر لمدة طويلة وبشكل مقصود ومبرمج، يأتي سؤال أساسي: ما الذي يحدث حتى يصبح كل هذا العدوان على إنسان آخر ممكنا، ويمارس بإصرار وتفنن بل بتشفٍّ وتلذذ؟

    

   

يجاوب الدكتور مصطفى حجازي أن العلاقة بين السجان والمسجون ينهار فيها الرابط الإنساني ابتداء، فتتحول الضحية إلى أسطورة أو شيء أو رقم، وتُسحب منها إنسانيتها (9)، ويتم اختزال الضحية في جملة "أعداء الوطن" كما وضح فيلم "البريء"، وخلال ذلك "تنمحي الشخصية الحقيقية للضحية تدريجيا، كي يتحول إلى قيمة مضادة"، ويصبح فعل التعذيب فعلا اعتياديا ويوميا ومكررا، لكن الأمر يذهب أبعد من ذلك عندما يأخذ طابع التفنن والتشفي.

     

فتحتاج عملية ممارسة التعذيب إلى إلغاء الشعور بالذنب أو تعليقه، "وهو ما يتم من خلال إسباغ المشروعية على التعذيب، بل وجعله عملا اقتصاصيا يكتسب دلالة الواجب النبيل، من خلال وضعه على رصيد الدفاع عن القضايا الكبرى السامية التي لا يجوز أن تهددها الضحية وأمثالها" (9)، فقد حكى المستشار علي جريشة أن شمس بدران أثناء الإشراف على تعذيبهم كان يقول لهم إنهم أخطر من اليهود. هكذا، تؤدي تلك الإحالة لعملية التعذيب لتكون في خدمة قضية "إلى إسكات مشاعر الذنب، وإحلال الحماس في ممارسة الفعل العدواني محلها. كما أن مشاعر الذنب تُعلّق أو تُلغى تماما". (9)

  

لكن كي تكون عملية التعذيب بهذا الشكل من التلذذ والتشفي "السادي فإنها تعتمد على آليتين نفسيتين متكاملتين هما: الظفر في معركة إخضاع الضحية وكسر مقاومتها، وإطلاق العنان للسادية الذاتية، وهما ما تفسران ذلك الانغماس في التفنن في التعذيب والتلذذ بآلام الضحية، كما يحدث في السجون السياسية في البلاد العربية الآن.

    

   
الانتصار على الضحية.. رغبة نفس مريضة

"الإنسان يقول إنه لن يقول شيئا، أما إذا بدأوا يضربونه، إذا استخدموا أساليبهم، فإنه سيقرر في تلك اللحظات.. كيف يقرر؟ إن جسده هو الذي يقرر، الإرادة في تلك اللحظات تموت، تخبو، والجسد وحده هو الذي يفعل كل شيء!".

   

هكذا يحكي عبد الرحمن منيف في رواية "شرق المتوسط"، حيث يصبح هدف الجلاد من عمليات التعذيب أن يصل إلى مهارة قهر الإرادة وانتزاع الاعتراف، والوصول إلى التعذيب الناجح والفعال، تماما كالبراعة في أي إنجاز آخر، فيصبح التعذيب عملا وظيفيا اعتياديا، يحاول الجلاد إتقانه والاستمتاع به، "لأنه يشعر بالانتصار والأهمية الذاتية عندما يقهر إرادة السجين ويحطمه ويمتلكه، وتصبح له السطوة الكلية عليه". (9)

  

هنا، يتماهى الجلاد بدوره محاولا أن يكون مهنيا لا تفشل وظيفته ولا تخيب، "فهو أمام تحدي النجاح، من خلال الانخراط في اختبار القوة مع السجين. فهو يفضل السجين العنيد الذي يقاوم بصلابة، ولا يحب الضعفاء الذين ينهارون منذ اللحظة الأولى، بل هو يزدريهم ويعتبرهم غير جديرين بممارسة سطوته عليهم، لأنهم لا يشعرونه بالتحدي المهني". (9)

     

وأمام هؤلاء المعاندين الضحايا يضع الجلاد ذاته وقوته على المحك، وكأنه في مبارزة، أو معركة إثبات وجود، "فمن سينتصر على الآخر، ذلك هو التحدي الذي يفجر أقصى حالات ساديته. وبالتالي فالرحمة والتعاطف مستبعدان وملغيان، فهو يتشفى ويتلذذ من رؤية آثار التعذيب على المعتقلين"، وأقصى ما يثير جنونه الغاضب وهياجه الكلي هو فشل فنونه في كسر مقاومة السجين، وانتزاع الاعتراف منه، "فيضعه هذا الفشل أمام عجزه الدفين ونقصه وخصائه وخواء كيانه، لذلك فهو يتفنن في التعذيب ليس من أجل انتزاع الاعتراف، بل من أجل الإحساس بالظفر والقوة والسطوة التي لا تقاوم، وبذلك وحده يجد ذاته ومصدر اعتزازه" (9)، ففي تجربة زيمباردو ظن المتطوعون الذين وقع عليهم الاختيار عشوائيا ليكونوا حراسا أنهم اُختيروا بناء على قوة أجسامهم وقوتهم. (10)

  

لكن وراء هذا الاحتراف المهني ونشوة النجاح وسمعة الجلاد الرهيب، القاتل السفاح التي تشعره بالفخر والسعادة، هناك قوة هائلة تغذي هذه النشوة، تتمثل في تفجّر السادية لدى الجلاد وانطلاقها من عقالها، لتكون قوة نفسية دافعة لا يمكن السيطرة عليها.

  

السادية.. شهوة لا تُقاوم

"كان الشاويش عبد الهادي، أثناء انشغاله بضرب المعتقلين في طابور يمك "شربة" المساء يصيح بهم في معرض السخرية منهم: خد بالك من اللي في إيدك لتبات حزين. وفي إحدى أمسيات الأسبوع الخامس، سأل الضابط يونس مرعي المعتقلين، واحدا واحدا: إزي اليمك يا ولد؟ وتتفاوت الإجابات، فمن قائل إنه وحش أو مبنقدرش ناكله أو مش بطال، غير أن النتيجة كانت دائما واحدة، وهي أن يونس مرعي، بالاستعانة بعدد من السجانة، ينهال ضربا على كل من يسأله، مع مراعاة أن نصيب من يذم اليمك من الضرب كان أكبر".

    

هكذا حكى سعد زهران عن شهوة السخرية والتفنن في إذلال السجناء الذي يصل إلى السادية، ويشرح مصطفى حجازي أن جوهر السادية يكمن بشكل عام في "البحث اليائس عن الأنا والحاجة إلى توكيد الذات، من خلال دفع الضحايا للاستجابة لحقيقة ذاتية: هذا أنا، أنا هنا، يقول السادي: يجب أن تلاحظ وجودي، وإن لم تلاحظه بمحبتي فعليك أن تدركه من خلال ألمك، لأني أنا من يجعلك تتألم، بألمك أفرض عليك الاعتراف بوجودي وحضوري. وجودي يصبح أكثر واقعية بمقدار ما تصبح معاناتك أكبر وبمقدار ما تنكسر وتنهار". (11)

        

رسالة مهربة من سجن العقرب بمصر (مواقع التواصل)

      

هكذا، تهدف سادية الجلاد إلى "السيطرة على المعتقلين وإذلالهم، تجميدهم، صدهم، إخافتهم، تحقيرهم، وضعهم تحت رحمته، وتحطيم حيويتهم وكثافة كيانهم ومقاومتهم، لأنها تمثل حدا من سطوته وبالتالي تشكك في قدراته وسطوته، وتشكل تهديدا للامتلاء المطلق لكيانه.. والجلاد في سلوكه العدواني، وتفجر ساديته بدون قيود بحاجة ماسة إلى الاطمئنان على قوته وسطوته الذاتية اللامحدودة، وتتناسب هذه الحاجة إلى الاطمئنان للسطوة المطلقة طرديا مع الإحساس الدفين بالتهديد والخواء الداخلي، والعجز واللاقيمة". (11)

   

هكذا يملأ الجلاد شعوره الذاتي بالخواء بتحطيم الآخرين وسحق ضحاياه، فيجمد الجلاد السادي ضحاياه كي يتمكن هو من الحركة، ينزلهم إلى مرتبة اللاشيء كي يصبح هو كل شيء، لكنه "خارج المعتقل هو حقيقة لا شيء إنسانيا. إنه النكرة التي لم تجد وسيلة لتحقيق ذاتها إلا من خلال إسقاط كل هزالها وخوائها على ضحاياها الذين انهاروا تحت التعذيب، كما أن الجلاد السادي هو في الحقيقة نكرة أمام رؤسائه وزعيمه، فهو مجرد أداة بالنسبة إليهم، تفقد قيمتها ومكانتها حين تصبح غير فعالة"، وكي يحافظ على مكانته عندهم لا يفتأ يصب ساديته وهوسه بالعنف على ضحاياه، كي يثبت كفاءته باستمرار أمام رؤسائه وأمام نفسه.

    

وهكذا تظهر تلك القسوة والانحطاط، وهكذا يتحكم بالبشر هذا الغباء كما سماه أحمد رائف وعلي جريشة، وهكذا يمكن أن نفهم نفسية الجلاد ودوافعه الخفية الخبيثة، التي لم تكن تظهر إلا بوجود سلطة تدعمها وتضفي عليها الشرعية كما أكد زيجمونت باومان، ولولا بيئة انعدام قيود الضمير والأخلاق كما أثبتت تجربة سجن ستانفورد.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار